الأخبار
الرويضي والسوداني يبحثان الاعتداءات على الارث الحضاري بالقدس والخليلميشال فاضل يتألّق بليلتين إستثنائيتين في مدينة الملك عبدالله الإقتصادية في السعوديةنواب يطالبون بإعادة الاعتبار للسلطة التشريعيةالتربية تعقد ورشة حول التعليم الجامع لمديري المدارس بالمناطق المهمشةالثلاثاء.. مدحت شلبي ضيف صاحبة السعادة على سي بي سيالاثنين.. عودة الأصدقاء في صاحبة السعادةغفران فتوحي تتعاون مع حاتم العراقي ووليد الشامي في "عيشة"حريات: لقاءات المواطنين بالمحافظات تدعو حوارالقاهرة لتشكيل حكومة الوحدةإطارات بيريللي تسجل حضوراً متألقاً خلال فعاليات معرض دبي الدولي للسيارات 2017"الثقافة" تفتتح دورة تدريبية في تطوير الذات للشعراء الشباب"عطاء فلسطين" تنظم حفل عشاء خيريالأسطل تلتقي بالنائب الأرجنتيني "لورا مارونة"أنغام تواصل تألقها في حفلات كاملة العددهاني شاكر يشعل حفل خريجي احدى الجامعات بدار الأوبر المصريةمنح جائزة إس.بي.آي.دي لشركة واو آركيتكتس/ وارنر ونغ ديزاين
2017/11/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

القصة القصيرة الفلسطينية تنبأت بالانتفاضة قبل ست سنوات من حدوثها بقلم:تيسير نظمي

تاريخ النشر : 2010-02-14
الطبــــــوش
(من كتاب الدهس 1982)

في عصرية يوم مشمس ، كان الطبوش يسقي حماره قبل أن يهرول للحواكير ، لم تنتبه بعض النساء في الحاووز لتصادف وجوده في الخارج ووجود من كانت زوجته في الداخل تملأ جرتها.
مرت أكثر من سنة دون أن يقف الطبوش ويلوح بعصاه من مكان ? وسط القرية ? مطل على بيتها الجديد مع زوجها الجديد الذي كان عشيقها . كانت تمر أيام وأحياناً أسابيع دون أن تضحك القرية بنسانها قبل? رجالها على الطبوش وهو يقف يلوح بعصاه وينادي على من خانته بأن تثوب إلى رشدها وتعود إليه . في البدء حاول الناس إسكاته وردعه عن الألفاظ الفاضحة وهتك سرها وسريرتها مع عشيقها لكن الطبوش وهم يردعونه ويوبخونه رفع لهم جلبابه وكاد أن ... ليشاهدوا .. أن خيانة شهلة كانت بدون سبب . فما كان من أهل البلد إلا أن اعتادوا على فوراته بين الحين والآخر وألفوها . وحين هجرته شهلة إلى الأبد مع زوجها الجديد كان الطبوش يسبق أذان الصبح كل يوم ويزعق بعالي صوته على شهلة النائمة في أحضان أبي فروة . " أين رأثك يا أبو فروة " وبنهال بالحجارة على باب " الخشة " ( المكان المؤقت لشهر عسل أبو فروة مع شهلة الشهية . ) في كل ذلك لم يكن أبو فروة يحرك ساكناً ولا كانت شهلة تعيره اهتماماً . كان يصرخ ويسب ويلعن ويفضح ويرفع جلبابه ويشير ، يمسك بسرواله مضموماً ، يلوح بعصاه ، يدغدغ مشاعر الصبايا المراهقات ، يثير الضحكات الخجولة الملتذة بين النساء ويتعب وينصرف ولا تتعب الألسن من سرد آخر ما قام به وآخر ما قاله لشهلة في الطوابين وفي ليالي الصيف وساعات السمر. تتحدث النساء عن قصة أبو فروة وشهلة . يقلن أن شهلة امرأة غير كل النساء ، يقلن أن شهلة خطفت أبو فروة وأن زوجة الأخير لاذت بالصمت . لكن زوج الشهلة القديم معذور فكيف يمكن أن يسكت . إن في سكوت الطبوش هناء وراحة بال لشهلة وأبو فروة . وفي الأسابيع التي يسافر بها الطبوش إلى القرى المجاورة كانت قريتنا تفتقد طقساً من طقوسها فلا يكاد خبر عودته إلى البلد من سفره ينتشر حتى ينبري أحد الزعران الشباب فيدبر له مقلباً . وقد كان حامد في الثالثة والعشرين ? الرأس المدبر لكل المقالب التي وقع فيها الطبوش حتى لم يبق الأخير لا مكشوف ولا مغطأ من أعراض أم وخالات وعمات وجدات حامد ولم يكن حامد ليرتد بعد كل مقلب إلا ليدبر للطبوش مقلباً جديداً بالتعاون مع أخته المسترجلة ? عانس في الأربعين ? فذات مرة صدف أن ماتت دابةً من دواب البلد الكثيرة . فذهب حامد بصحبة بعض الزعران معزياً أبا جرابة صاحب المرحومة . وأقنعوه بدفنها بعد أن تكفلوا ? هو والزعران ? بشراء كفن أبيض لها فحفروا قبراً في حاكورة الطبوش ودفنوها . وما أن عاد الطبوش إلى البلد قادماً من بيع لحم العجول للقرى المجاورة حتى سرت الشائعة بأن شهلة مرضت وأن أبو فروة تخلى عنها في مرضها وعاد لزوجته الأولى وأن شهلة قبل أن تموت أوصت بأن تدفن في حاكورة زوجها الأول . فما أن سمع الطبوش بالخبر حتى أخذ يجعر واقتاده حامد والزعران إلى القبر ، فأصر الطبوش أن يحفره ليلقي عليها النظرة الأخيرة . حاول الشباب أن يمنعوه لكنه أقسم أن " ثهلة أحثن " من أمهاتهم و " اثرف " من كل جداتهم وعماتهم وخالاتهم فتركوه يواجه المفاجأة بنفسه وانصرفوا من حوله في حين كانت النساء والرجال في البيوت المطلة على حاكورة الطبوش يتابعونه وهو يحفر قبر شهلة فما أن شق الكفن بسكينه حتى كان بوز الحمارة في بوزه فأغمي عليه على الفور وأخرجه الزعران ورشوا على وجهه الماء فما كان من حامد إلا أن واصل التمثيل فلما فتح الطبوش عينيه قال له : لا حول ولا قوة إلا بالله : لقد مسخها الله إلى حمارة على فعلتها بك فلا ترتعب ولا تأسف فما هي إلا مشيئة الله . ومنذ ذلك اليوم والطبوش لا يخالجه الشك في ما رأى فكان هذا آخر مقلب شربه بعد رحيل أبو فروة وشهلة عن البلد .
أما اليوم فقد مرت عشر سنوات على تلك الطقوس التي ما تزال النساء يتذكرنها بين الحين والآخر. عشر سنوات لم يزر فيها أبو فروة وشهلة البلد .عشر سنوات والطبوش يقرأ الفاتحة على قبر حمارة أبو جرابة . وفي كل مرة يطلب من الله أن يسامحها. وأن يعفو عنها وأن يهبها الستر من عنده . عشر سنوات كبر فيها أولاد أبو فروة من زوجته القديمة والذين ألقت سلطات الاحتلال عليهم القبض بتهمة حيازة أسلحة وانتمائهم للمنظمات الفدائية . عشر سنوات دون أن يعرف أن القبر الذي يقرأ عليه الفاتحة ويحرسه كل يوم ما هو إلا مستودع للأسلحة التي لمها أولاد أبو فروة في حرب 67 من وراء الجنود الهاربين ودفنوها حيث يقيم الطبوش صلواته كل يوم وأدعيته بحفظها ذخراً له في يوم الدين واليوم عادت شهلة بعد أن قتل أبو فروة . عادت وحيدة . تملأ جرتها من الحاووز الذي وقف الطبوش خارجه يسقي حماره. بعض النسوة لم تخطر ببالهن المصادفة ، والبعض الآخر أمات الاحتلال حس الفكاهة في قلوبهن أما صبحة أخت حامد ? المحكوم بعشرين سنة سجن ? فقد استعادت ذكرياتها القديمة ولم تملك سوى أن تخرج لتنادي عليه فظل الطبوش ساهماً .. يستمع إليها كأنما يستمع لحكاية قديمة وباهتة.
كانت صبحة ? أخت حامد ? تؤكد له وجودها .. داخل الحاووز وتحلف له الأيمان بيأس عانس تجاوزت الخمسين لكن الطبوش لم يحرك ساكناً لم يسب لم يشتم . فقط كان يشعر بمقلب فاتر لا طعم له . ساق حماره أمامه ومضى في الطريق وفي الوقت الذي عبرت الشارع سيارات العسكر الذين ترجلوا من سياراتهم وأعلنوا بمكبرات الصوت منع التجول. لكن الطبوش ظل راكباً حماره تجاه الحاكورة . قهقهوا حين شاهدوه .. أطلق أحدهم النار على الحمار الذي يركبه فبرخ. نهض الطبوش وأكمل الطريق ماشياً . كانوا وراءه يسيرون.. هو، وهم، إلى ذات المكان الذي يقصدونه وينتهي بهم جميعاً. فقد وصلهم الخبر أن أولاد أبو فروة دفنوا الأسلحة في حاكورة الطبوش . فجاءوا يبغون الطبوش فوجدوه أمامهم . كانوا سيطلبون منه أن يذهب معهم ليفتشوا أرضه ويدينوه بحضوره فوجدوه يسبقهم. باشروا بتفتيش ونبش الحاكورة فظل يراقبهم . واقفاً أمام القبر موقناً أن الله استجاب لدعواته وأعادها إلى خليقتها الأولى . فلما اقتربوا من القبر لينبشوه ويفتشوا فيه غلت الدماء فجأة ودون أن يتوقعوا منه أية حركة هب إلى الفأس وهوى بها على رأس أحدهم ، سمعت أصوات عيارات نارية . وقبل أن يغمض عينيه شاهدهم يخرجون أسلحة من القبر فلم يفهم شيئاً من مشيئة الخالق. مع ألمه كان يبصر المشهد . لم يكن الوقت مواتياً ليفهم أي شيء سوى أنه أضاع من بين يديه فرصة مواتية.
ظلت شهلة تملأ كل يوم جرتها . وكلما تقدم بها السن ازدادت جاذبية . قتل أبو فروة فازدادت جمالاً وقتل الطبوش فازدادت فتنة وثمة عشاق جدد لا تعلم متى يدقون بابها .
في عصرية يوم مشمس كان الحاووز لا يزال يعج بالصبايا الشهيات يملأن جرارهن وكان لا يزال ثمة زعران فتيان في الحارة . وجسد الطبوش ساخناً لا يزال وثمة فتيان زعران في الحارة.
25 / 2 / 1981
tayseernazmi.com
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف