الأخبار
الرويضي والسوداني يبحثان الاعتداءات على الارث الحضاري بالقدس والخليلميشال فاضل يتألّق بليلتين إستثنائيتين في مدينة الملك عبدالله الإقتصادية في السعوديةنواب يطالبون بإعادة الاعتبار للسلطة التشريعيةالتربية تعقد ورشة حول التعليم الجامع لمديري المدارس بالمناطق المهمشةالثلاثاء.. مدحت شلبي ضيف صاحبة السعادة على سي بي سيالاثنين.. عودة الأصدقاء في صاحبة السعادةغفران فتوحي تتعاون مع حاتم العراقي ووليد الشامي في "عيشة"حريات: لقاءات المواطنين بالمحافظات تدعو حوارالقاهرة لتشكيل حكومة الوحدةإطارات بيريللي تسجل حضوراً متألقاً خلال فعاليات معرض دبي الدولي للسيارات 2017"الثقافة" تفتتح دورة تدريبية في تطوير الذات للشعراء الشباب"عطاء فلسطين" تنظم حفل عشاء خيريالأسطل تلتقي بالنائب الأرجنتيني "لورا مارونة"أنغام تواصل تألقها في حفلات كاملة العددهاني شاكر يشعل حفل خريجي احدى الجامعات بدار الأوبر المصريةمنح جائزة إس.بي.آي.دي لشركة واو آركيتكتس/ وارنر ونغ ديزاين
2017/11/19
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة أهداها تيسير نظمي لمحمود درويش في مجلة الآداب مغايرة لأحمد الزعتر العربي

تاريخ النشر : 2010-02-14
أحمد حسن
(إلى محمود درويش)

يترنحون . الآلات تدقدق ، تصفر ، والشوارع تتهدم . تحفر ، والأنابيب الكبيرة تلقى في الحفر ، وتقترب الجرافات وتبتعد . وتقترب وتبتعد . تهدم ثم تهدم . السواعد والوجوه السمراء المقدوحة بالشمس مبعثرة في الحفر وفوقها على طرف الشارع والسيارات الفارهة سيل لا ينقطع . مسرعة تثير الغبار على الجباه المتصببة عرقاً وصبراً . يترنحون في عمل دائم، خلية نحل سوداء، من مطلع الشمس حتى مغيبها وجع الأظهر والسواعد والسيقان ينتظر الساعة السادسة. الوقت يطول الدوام يطول والشوارع تهدم وتردم، والسادسة هي الحلم الممكن والمسموح . كان احمد حسن بينهم، بملابس زرقاء داكنة، يعمل على ماكينة حفر الإسفلت. قامته انحنت قبل مائة عام، قبل مئات. احمد حسن سقطت بطاقة عمله . في الساعة الحادية عشرة ليلاً قرر الذهاب للبحث عنها قبل أن تأتي الجرافات في الفجر وتقلب الأرض عاليها بسافلها . هناك عند طرف الشارع الذي كان يحفره اليوم لا بد أنها سقطت من جيبه. احمد حسن يفتش كدجاجة في التراب . والسيارات في الثانية عشرة ليلاً قليلة . تمر بسرعة . هائجة بسبب وبلا سبب ، احمد حسن كان متعباً والبحث عنها أيأسه وحيره . قبل أن يرفع ظهره المنحني قذفته سيارة كالبرق انحرفت قليلاً فاردته ذبيحة لا حراك فيها في الحفرة الكبيرة . للحظة ارتمت الجثة ، مصلوبة فوق الاسطوانة ثم ترنحت ممرغة بالرمل . السيارة غابت بعيداً مسرعة وحيدة . في الصباح تدفقت القامات المحنية ، ودبت الحياة في الجرافات وبدأ الردم . وصعدت الشمس وبدأت قسوتها ، وبدأ الحشد ينغل كالنمل يترنحون السيقان المعروقة تتحرك . الأعين المقتولة قبل مائة عام. الجباه المنخورة بالعذاب . البطاقة المتروكة. ملقاة، مهملة، والنمل والحشرات تبحث عن جثته. بلا جدوى قاتل احمد حسن الممكن للنمل والحشرات. الحشرات تحتج على وطن لا تجد فيه جثة ميتة تأكلها. احمد حسن القطع غادرنا قطعاً قطعاً . لحماً ودماً وعينين نصف حالمتين. احمد حسن القطع غادرنا قبل موعد سفره لأهله بيومين، بأيام ثلاثة بسنين. لم يكن موعد سفره محدداً تماماً . لكنه غادرنا قطعاً قطعاً بطريق البر والبحر . احمد حسن في الأرض . احمد حسن القطع يتحول. احمد حسن على مقربة من ثروات الأرض. احمد حسن القطع في الاسطوانات . في الجرافات في الميناء . بعينين نصف يائستين . بساعد معروق بالتاريخ . بالتواريخ المعروقة بالهزائم المعروقة بالقهر . بالقهر المعروق بالمذلة . المذلة تزاحم الحشرات . الحشرات تحتج على هذه المزاحمة المستمرة. وتريد وطناً بلا ذل منتشر. تحتج على هذا التعب المتواصل دون جدوى، واحمد حسن القطع يحتضن الأرض مودعاً قبل مغادرة الميناء. قبل تصديره ، احمد حسن غادر بغير هوية أو جواز سفر أو تصريح ، غادرنا بغير ختم . الخراف تضيق بالأختام على الجلد المسلوخ، الخروف المسلوخ تحولت ساقه عند المساء إلى قبضة أمسكت بيد الساطور. قبضت عليها جيداً . ترجلت من الوضع المقلوب وهوت على يد الجزار فبترتها . وجن الجزار من زمن تنزل فيه الذبائح إلى الشارع وتمشي مسلوخة وجنت الخراف من زمن تختم فيه مذبوحة. الخروف غادر وضعه . غادر جلده متخلصاً من الختم . الأختام تحتج من زمن تمشي فيه الخراف بدون جلود.
احمد حسن لم يحتج على شيء لم يتمرد على شيء لم يخرج من شيء إلا من الأرض والميناء والهواء. احمد حسن القطع وطأت قدماه لأول مرة موانئ الغربة التي ضخته الأنابيب إليها . لملم قطعه، الساق المبتورة، اليد، الأحشاء، الرأس المفلوق، وعاد، بعينين نصف حالمتين. احمد حسن العائد لم يستقبله احد في المطارات والموانئ. لم يتعرف عليه احد. نسي أن يختم من هناك بخاتم التصدير. احمد حسن العائد بدون شهادة ميلاد . بدون جواز سفر، بدون إذن زيارة، بدون أي وثيقة مختومة تثبت انتمائه. احمد حسن العائد تورط . عاد إلينا فتورط . كل الوقائع المسجلة المختومة . كل الشهادات . كل الملفات تفيد انه توفى بضربة شمس . انه مات. احمد حسن. يبحث عن مخرج . عن غير تصديره مرة أخرى قطعاً قطعاً ، يبحث عنا . عن وطن غير الأنابيب . والأنابيب ترفض تصدير أحمد حسن العائد . يتورط .لا الموانئ تستقبله ولا المطارات. لا الناس تعرفه ولا الأختام . لا الشمس تعرف جبهته السوداء ولا الحشرات. الحشرات ما تزال تقتفي آثار القطع ورائحة الدم. وتحتج على أحمد حسن القطع . احمد حسن العائد تنكره الحشرات والسواطير والأنابيب والإسفلت والشوارع والماء والشمس والهواء. احمد حسن العائد يبحث عن مخرج . يبحث عن ختم . يبحث عن جلد يختفي تحته. الخراف المسلوخة رفضت أن ترتدي غير جلودها الأصلية. قابل احمد حسن العائد المتورط خروفاً بدون جلد . " هيا ... دلني الآن على الجزار " أحمد حسن العائد يقتفي آثار خطاه. الخروف يرفض أن يدخل. أحمد حسن العائد يدخل ويعلق نفسه بدلاً من الخروف. وبعينين نصف دامعتين يتعرف على وجوهنا ويحتضن ساطور الجزار.
1980
www.tayseernazmi.com/Story.php
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف