الأخبار
فتح تدعو لاعتبار الخميس يوم غضب شاملالصحة: إصابتان حرجتان بينهما طفل خلال المواجهات مع الاحتلال بالضفةطبيب في مجمع فلسطين الطبي يتهم وزارة الصحة بنقله تعسفيًا.. ووكيل الوزارة يردمنسق الأمم المتحدة: إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين يتطلب جهودا دولية جماعيةجيش الاحتلال يصادق على عمليات اغتيال من الجو بالضفةبنزيما يعود للتدريبات ويتجهز لمباراة الأحدلجنة متابعة الفصائل تعلن الحداد العام وتدعو لمواصلة الاشتباك مع الاحتلالنقابة المحامين تعلق العمل أمام المحاكم الخميس تضامنًا مع جنين(الكابينت) يجتمع الأسبوع القادم لمناقشة ترسيم الحدود وحقل كاريشالتربية والتعليم: انتظام الدوام الخميس بمدارس الوطنإصابة العشرات بينهم صحفي خلال مواجهات على حاجز حوارةمصدر يكشف لـ "دنيا الوطن" سبب إعادة مجموعة من عمال غزةالطيراوي ينعى شهداء جنين ويطالب بتدخل دولي لصد العدوان الإسرائيليارتفاع جديد على صرف الدولار.. تعرف على السعر الجديدهل ستنخفض أسعار الوقود والغاز الشهر المقبل؟
2022/9/29
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

مختارات من كتاب " الأنباط : تاريخ وحضارة "(ج1) لمؤلفه عزام أبو الحمـام .

تاريخ النشر : 2009-12-18
مختارات من كتاب
.................................................................................
صدر هذا الكتاب في أوائل العام 2009 عن دار أسامة للنشر والتوزيع(الأردن وفلسطين) بأربعة فصول تمتد على 288 صفحة من الحجم الكبير وملحق بالصور الملونة.
وسنقوم بنشر مقتطفات من هذا الكتاب ونشرها تباعاً لتسهيل الاطلاع عليه من قبل المهتمين في أرجاء العالم.
حقوق الطبع محفوظة بما لا يمنع الاقتباس حسب الأصول العلمية.
الباحث/ عزام أبو الحمـام
.................................................................................
من مقدمـة الكتاب:
تعددت جوانب الإثارة في تاريخ الأنباط وحضارتهم مثلما تعددت جوانب الغموض أيضا، وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن على اكتشاف هذه الحضارة على يد "بيركهارت" وتوالي البحوث منذ ذلك الوقت، إلا أن صورة الحضارة النبطية لا تزال بحاجة للمزيد من المقاربات التي تجلي الجوانب الغامضة وتستكمل الأجزاء الناقصة لهذه الحضارة الفريدة وسماتها المثيرة.
ويحاول هذا الجهد المتواضع التوجه إلى القارئ المثقف بمستوياته المتعددة، إذ أن جل ما كتب عن حضارة الأنباط (وخصوصا بالعربية) إما أنه جاء جافا قاسيا تحت وطأة "تقاليد التخصص الآثاري" مما سيرهق القارئ العادي ويحرمه تمثل تجربة الأنباط الكلية. أو أنه جاء استعراضيا- مسطحا- تقريريا – مما سيفقد تجربة الأنباط الحضارية من روايتها الإنسانية التي لا غنى عنها لتمثل جوهر تلك الحضارة. أو أنه جاء "جزئيا" لدواعي الأعراف والشروط الأكاديمية. وهذه الملاحظات لا تقلل من شأن تلك الأبحاث العلمية، بل على العكس، فهي التي شكلت قاعدة البيانات الضرورية لهذا الكتاب الذي سعى لتحقيق قدر معقول من التوازن بين دقة المعلومة وبين " ترابط الرواية الحضارية " وكليتها. فلا هو أهمل دقة المعلومة وسبر أغوارها وتقليب معانيها المحتملة، ولا هو ركن إلى التقريرات المتسامحة المختزلة بقصد التسويق السياحي الإعلاني محترما ثقافة القارئ وأحقيته في المعرفة التاريخية التي تمثل حقيقة التجارب الحضارية الإنسانية بكل ما فيها من عبر وحكم ودروس.
في الفصل الأول من الكتاب: حاولنا البحث في الجذور الأولى لهذه الحضارة بأصولها السكانية، وبحثنا في نشأة وتطور نظامها السياسي في خضم الأحوال السياسية السائدة آنذاك. ثم استعرضنا بإسهاب المنطقة الجغرافية التي نشأت فيها وترعرت هذه الحضارة المثيرة لننتهي إلى سلسلة ملوك دولة الأنباط، وذلك كي يتمكن القارئ من التأسيس لمزيد من فهم جوانب هذه الحضارة في الفصول اللاحقة.
وفيما يلي الجزء مستلاً من الفصل الأول من الكتاب، على أمل متابعة الأجزاء الأخرى تباعا في هذا المنبر. أملا كل الأمل أن يحقق الفائدة المرجوة لكل مهتم بهذا الحقل التاريخي/ الثقافي الذي شكل رافدا أساسيا من حضارة المنطقة وثقافتها.

(الجزء الأول من الفصل الأول)
تاريخ الأنباط وتأسيس دولتهم:
1- من هم الأنباط ومن أين جاؤوا..؟ هل هم عرب أم غير ذلك ؟
2- نشوء الدولة وتطورها والنظام السياسي /الاقتصادي.
3- الوضع السياسي الإقليمي في أثناء فترة الأنباط (التأثيرات السياسية الخارجية).
4- حدود الدولة النبطية ومناطق نفوذها وجغرافيتها ومناخها.
5- الملوك الذين حكموا الدولة النبطية.
أولا: من الأنباط ؟ أهم عرب أم غير ذلك ؟
ظل أصل الأنباط موضوعا للنقاشات والاجتهادات بين الباحثين والمختصين الغربيين خصوصا بشكل مبالغ فيه، ظنا منهم أن حضارة الأنباط المتقدمة قد تكون نتاجا لبعض الشعوب القادمة من خارج الجزيرة العربية التي تمتاز بحضارة بدوية – رعوية أو زراعية يستبعد ان تكون حضارة الأنباط نتاجا لها، بعد أن كشفت الآثار المعمارية في المدن النبطية عن حضارة تمتاز بالرقي في العديد من المجالات خاصة العمرانية منها التي تبرز في الأبنية المنحوتة في الصخر والقصور والفلل المبنية من الحجر المشذب وفي أنظمة الري المتقدمة التي تعبر عن عبقرية هندسية بالغة.
الاسم: ويرد حول اسم الأنباط و اشتقاقه أكثر من رأي: فيقول ابن منظور أن "النبط" هو الماء الذي ينبط من البئر. و أيضا النبط هو ما يتجلّب من الجبل كأنه عرق من عروق الصخر. كما جاء في تاج العروس أن "النبط" جيل ينزل بالبطائح في بلاد الرافدين.
والموطن الأصلي للأنباط والزمن الذي هاجروا فيه غير معروفين على وجه الدقة(1) وذهب بعض الباحثين إلى أن أصل الأنباط جاء من "نبايوت" الوارد في التوراة (سفر التكوين – 13:25و 9:28)، ونبايوت هذا هو بكر اسماعيل حسب التوراة، فيما ربط البعض الآخر الأنباط باسم "نبيت" الوارد في سجلات الملك الأشوري تجلات بلاسر (727-745 ق.م) التي تشير إلى الحروب التي كانت تقع بين قبائل متعددة من شمال شرقي الجزيرة العربية والقوات الأشورية. غير أن ثمة مؤشرات لغوية تدحض أي رابطة بين "نبيت " ونبطو، إذ أن الأنباط عرفوا أنفسهم "بنبطو" من خلال نقوشهم، وبذلك فإن الاسم الأشوري لا يمكن مقاربته لاسم الأنباط في ضوء اختلاف حرفين أساسيين بين الاسمين(2)، وعلاوة على ذلك، فإن ورود الاسم في سجلات تجلات بلاسر كان أسبق بكثير على ظهور الأنباط المعروف في القرن الرابع قبل الميلاد. أي بفارق أربعة قرون مديدة من السنوات.
وأشارت بعض الاجتهادات إلى أن الأنباط قدموا من الساحل الغربي للخليج العربي، فيما أشارت اجتهادات أخرى لكونهم قدموا من جنوب بلاد الرافدين لورود اسم الأنباط من بين القبائل الرافدية "النبطيين" وخصوصا في كتب الإخباريين المسلمين، وهؤلاء النبط غير أنباط العرب، لأنهم أعاجم مع أنهم تكلموا اللغة الآرامية، واشتبه الاسم على الإخباريين المسلمين لاشتهار هؤلاء بالزراعة واستنباط الماء من الأرض. وبعض النصوص التاريخية مثل (Pliny) أشارت إلى أنهم كانوا قد استوطنوا جزيرة في البحر الأحمر قبل أن يدحرهم أو يطردهم الأسطول المصري، وهذا مدهش ونحن نعرف أن الأنباط إنما هم الأكثر ارتباطا بالصحراء والقوافل التجارية(3)، غير أن آراء جميع الباحثين في تعيين الموطن الأصلي للأنباط متفقة على شيء واحد هو تحديدهم للمنطقة الكبرى التي كانت منبتهم أي الجزيرة العربية، غير أن آراءهم تفترق حول تحديد الناحية المعنية من تلك الجزيرة، هل هي الحجاز، أم جنوبي منطقة الجوف، أم منطقة الخليج أم جنوبي الجزيرة العربية؟ وسنظل نجهل متى احتلوا منطقة الصخرة (أي بتراء) ما دام أقدم أخبارهم لا تتجاوز أواخر القرن الرابع إلى ما قبله(4). لكن هذا الحدث جرى بالتأكيد عقب أفول دولة الأدوميين سكان البتراء السابقين على الأنباط، وذلك إما عقب حملة نابونئيد الأشوري (552 ق.م) الشهيرة أو عقب ذلك بقليل إثر حملة قمبيز الفارسي (525 ق.م) التي ربما أجهزت على الأدوميين أو ما تبقى لهم من كيان سياسي، لكن دون القضاء على البنى الاجتماعية والعشائرية لهم، حيث سيظهر الأدوميين مرة أخرى بأشكال متنوعة في تاريخ المنطقة، وقد توجوا هذا الظهور السياسي في العهد الروماني ببناء أسرة حاكمة استطاعت نزع الحكم من المكابيين اليهود في فلسطين وتمكنت أيضا من توسيع حدود ولايتهم كما لم تكن من قبل. وسنعود للحديث عن الأدوميين في الصفحات القادمة نظرا لما لذلك من علاقة وثيقة بتاريخ المنطقة، خصوصا ما قبل الأنباط.


"صورة جوية بالأقمار الصناعية لشبه الجزيرة العربية"

ومن المرجح حسب الكثير من الباحثين -خصوصا الجدد- أن يكون الأنباط جزءا من قبائل ثمود الوارد ذكرها في القرآن الكريم (سورة الحجر) التي كانت تنتشر في وسط الجزيرة العربية وشمالها، وقد أثبتت النقوش المكتشفة في مناطق الجزيرة العربية انتشاراً واسعاً لهذه القبائل في تلك المناطق، وعزز ذلك ما وجد للأنباط من تراث ديني فيما يتعلق باسماء الآلهه خصوصا، وثمة وجاهة كبيرة في هذا الرأي من أوجه كثيرة، فالوجود النبطي المتأخر في شمال غرب الجزيرة العربية وحتى جنوبي بلاد الشام وشرقيها يعتبر امتدادا طبيعيا لوجود الثموديين، خصوصا أن معظم هجرات القبائل العربية من الجزيرة كانت تأخذ هذا المنحى في أغلب الوقت إضافة إلى المنحى الآخر المتجه إلى الشمال الشرقي للجزيرة، أي باتجاه بلاد الرافدين، ولكن الاتجاه إلى الشمال الشرقي لم يَكُنْ متاحا باستمرار في ضوء الجهود الحربية الواسعة التي كانت دولة الرافدين تقوم بها مما سيضطرها لأخذ المنحى أو الاتجاه الأخر نحو الشمال الغربي وصولا إلى بلاد الشام، إذ أن "نابونئيد - Nabonidus " (555-539 ق.م) الملك الأشوري كان قد هاجم تيماء عدة مرات إلى ان أحتلها وأقام فيها بنفسه لتنظيم الدفاعات التي كانت ضرورية لصد هجمات القبائل المحاذية لمملكته، وقد أقام نابونئيد خلال الأعوام (552-544 ق.م) في تيماء حيث قام من هناك بعدة حملات بين الواحات العربية ونفى الكثير من السكان، ويشير البعض(5) إلى أن هذه الفترة هي نفس الفترة التي بدأ منها استقرار الأنباط في المناطق الأدومية، ويعزز هذه النظرية الحفريات التي قامت بها كريستال بنت (C.Bennet) في بصيرة عاصمة الأدوميين(6). وعلى الأرجح فإن نهاية الأدوميين جاءت على يد نابونئيد في حملته الشهيرة هذه التي كان قد سجلها على حجر "سيلع" عام 553 ق.م بعد أن أخضع بصيرة عاصمة الأدوميين، ومن هذه اللوحة يسـتنتج أنه لم يكن للأنباط وجود سياسي آنذاك، لكن ذلك لا ينفي وجودهم كقبائل بدوية عاشت في ظل الدولة الأدومية، قبل أن يتمكنوا - فيما بعد – من الاستيلاء على المنطقة وتكوين دولتهم(7)، ومن المعروف تاريخيا ان نبوخذ نصر قد سبق هذه الحملة بحملة على مملكة اليهود الجنوبية عام 586 ق.م لتأديبهم جراء مساعدتهم لحكام الفراعنة (الملك نخاو) هم وعدد آخر من ملوك سوريا وفلسطين (ومملكتي عمون ومؤاب خصوصا). ومن ذلك نتنبه إلى أهمية دويلات المنطقة في ذلك العصر- مثل كل العصور اللاحقة- بالنسبة للدول العظمى في كل مرحلة، مما يعني أيضا تأثير سياسات تلك الدول في البناء السكاني لدويلات المنطقة. لكن دولة الأدوميين استطاعت تجنب غضبة نبوخذ نصر من خلال إعلان الولاء للأشوريين ومن خلال الامتثال لرغبتهم بدفع الجزية والامتناع عن تأييد المصريين، ونقرأ من النقش الذي خلفه تجلات بلاسر "استلمت الجزية من سـانيبو من بيت عمون، وسلمانو المؤابي، ومتني من عسقلان ويوحاز من يهودا، وكوشملكو الآدومي، ومازور... وهانو من غزة، وهذه الجزية تتكون من الذهب، والفضة، والتنك والحديد والملح، وملابس الكتان الملونة المزخرفة بالزخارف المحلية والملابس الصوفية ذات اللون القرمزي الداكن، إضافة إلى جميع الأشياء الثمينة"(8). وهذا الرأي لا ينهي النقاش بشأن نهاية الأدوميين إن كانت على يد الأشوريين كما تتوقع أغلب الفرضيات، أو على يد الفرس الذين تبعوا الحملة الأشورية بحملة أخرى بعد حوالي عقدين من الزمن. لكن الملاحظ أن الوجود الأدومي ظل مستمرا في العديد من مناطق جنوب الأردن، حتى "بصيرة" نفسها فقد بينت الحفريات فيها آثار تعمير وبناء في العصر الفارسي القصير الذي دام سبع سنوات.
لقد اتبع الأشوريون سياسة تهجير الجماعات في نطاق الدولة الأشورية، وكانت سياساتهم اتجاه هذه الجماعات ليست بمعاملتها كسبايا أو عبيد، بل هم مثل أفراد الرعية الأشورية، وهذه السياسة خلقت نماذج جديدة من المجتمعات لم تكن معروفة من قبل، والمفهوم الأشوري للتهجير له قداسته واحترامه عندهم نظرا لعلاقته بالمفاهيم الدينية التي يؤمنون بها؛ لأن الآلهة هي التي أعطتهم الحق في أن يكونوا فوق جميع الشعوب(9).
والبحث في تاريخ الأنباط وأصولهم لا يمكن أن يسـتقيم بدون البحث في تاريخ أسلافهم وربما شركائهم في مجتمع الأدوميين. فمنطقة الأدوميين شكلت النواة الجغرافية لدولة الأنباط. وكانت مملكة الأدوميين قد قامت في جنوب شرقي الأردن بين وادي الحسا وخليج العقبة، في الفترة الممتدة من القرن التاسع الميلادي، حتى الغزو الفارسي في القرن الخامس قبل الميلاد. ومن المرجح أيضا أن الأدوميين كانوا يتمركزون في جنوبي فلسطين، خصوصا منطقة صحراء النقب التي وجدت فيها الكثير من الآثار الأدومية (عراد) وأن جغرافيا الأدوميين كانت تضم منطقة مدين وتيماء ومنطقة الحجر إلى الشرق من سواحل البحر الأحمر. ووجد الأثريون أن النقوش الأدومية بقيت قيد الاستعمال حتى العصر الهلنسـتي، فقد عثر على كسرتين من الفخار تحملان كتابة أدومية، الأولى في تل الخليفة (Gluck 1971) والثانية في موقع قلعة العزى الواقع إلى الجنوب من تل عراد إلى الجنوب الغربي من البحر الميت في فلسطين، وكتب على الكسرة الاولى اسماء، مثل قوس بنا، وقوس نداب، وبي قاقس، بينما يتحدث النص المكتوب على الكسرة الثانية عن إعطاء أوامر لإحضار طعام إلى أحد المذابح(10)، وأظهرت الحفريات الأثرية في أم البيارة وفي طويلان بالقرب من البتراء وجود استيطان أدومي منذ القرن السابع قبل الميلاد، وقد لوحظ تجاور الاستيطان النبطي والأدومي، مما يشير إلى أن الأنباط حلوا تدريجيا بين الأدوميين الذين لم يرفضوهم، حيث اختلطوا بهم وذابت العناصر المتبقية منهم(11)، ويقترح جلوك أنه عن طريق علاقات الدم السابقة إضافة إلى علاقات التزاوج، فقد قام الأنباط بتنبيط الأقوام الأخرى كالمؤابيين والأدوميين"، أي أنهم لم يحاربوهم أو لم يحتلوهم أو لم يطردوهم، بل قاموا بامتصاصهم في الجسم الأوسـع، المجتمع النبطي الأوسـع، وكان الأنباط قد قاموا بتبني الأساليب الدفاعية والتنظيمات التي كان المؤابيون والأدوميون قد أوجدوها في مناطقهم وعملوا على تطويرها لمئات السنين، وورث الأنباط أيضا الأبنية قبل أن يقوموا بتحسينها أو بترميمها وفق مخططاتهم، وفي بعض الحالات أبقوا عليها كما وجدوها، لكنهم أيضا بنوا الكثير من المصاطب الزراعية والسدود أو البرك المائية ومئات المستوطنات الزراعية جنبا إلى جنب مع المستوطنات الزراعية القائمة أصلا(12). وبالطبع فإن مملكة الأنباط الجديدة راحت ترث الكثير من الدويلات أو المشيخات السابقة لها مما سيفسح لها امتداداً جغرافيا وديمغرافيا واسعا ضم حدود مدين القديمة وتيماء والحجر في الجزيرة العربية، ولهذه المناطق حضارات مثبتة قبل أن نعرفها ايضا من خلال الأنباط الذين بنوا فوق ما وجدوه من إنجازات سابقة لهذه الحضارات، وامتد التمازج الديموغرافي أيضا إلى حدود سيناء عبر النقب الفلسطيني الذي حفظ لنا آثارا مهمة عن الفترة النبطية.

وثمة من يشير إلى أن الأنباط أصلا لم يكونوا قبيلة واحدة مثلما قد يعتقد البعض، بل إنهم تجمع واسع من القبائل الجًزرية (نسبة إلى الجزيرة العربية) إضافة إلى بعض العناصر البشرية من مجموعات أخرى من الشمال ومن بلاد الشام. ويعتقد فريدمان (Freedman,1992) أن اسم الأنباط يجب أن يفهم كمدلول واسـع لجماعات من أصول مختلفة، حيث أن الأنباط حفظوا لهجات السكان وخطوطهم أو أن هذه الجماعات من شمال نهر الأردن وجنوبه سواء الأدوميين أو المؤابيين أو السوريين، ودل على ذلك النقوش الثنائية مثل الصفوية والثمودية إلى جانب النبطية(13). ومن المحتمل أيضا أن تكون بعض العناصر السكانية تمازجت مع الأنباط قبل ظهور دولتهم ونظامهم السياسي خصوصا الأدوميين والمؤابيين وفروع متعددة من الثموديين، ومثل هذا التخمين يحمل قدرا من الوجاهة في ضوء ما نعرف عن الحركات السكانية الواسعة في المنطقة إن كان بسبب التقلبات السياسية والحملات العسكرية في المنطقة أو بسبب الظروف الاقتصادية للمنطقة من ظروف الجفاف والخصب ومتغيرات العلاقات التجارية خصوصا ما اتصل منها بطرق التجارة. وبما أن الأنباط كانوا يستخدمون الخط الآرامي، وهم في كل المراحل كانوا جيرانا للآراميين في الشمال والشرق، فليس بمستبعد أن الحلف النبطي ضم أعدادا أو قبائل من هؤلاء، ويعزز هذه الفرضية ما عرف عن الأشوريين من سياسات النقل الجماعي للسكان في أوقات الاضطرابات، ليس عقابا لهم في كل الحالات، بل من أجل تغيير البنية الديموغرافية لهذه المنطقة أو تلك.
وثمة صيغة أخرى منطقية للتركيبة الديمغرافية للأنباط يوردها الكثير من الباحثين، وهي أن الأنباط شاركوا قبائل أخرى عديدة للمناطق التي تواجدوا فيها إبان قيام المملكة النبطية، وحسب هاموند أيضا فمن المحتمل أن تكون "نبطو" عبارة عن اتحاد بين عدد من القبائل الحليفة(14) التي انضوت تحت مظلة أكبر أو أقوى قبائل الاتحاد. بل إن الاتحاد النبطي كان يجمع أيضا وحدات إقليمية صغيرة أدركت أهمية هذا الاتحاد لبقائها وازدهارها، ويجب أن لا ننسى الامتداد الجغرافي – الديمغرافي الكبير الذي ضمته دولة الأنباط مما يؤكد التنوع الكبير في الأصول السكانية لمجتمعات هذه الدولة، ومما سيظهر لاحقا أيضا في سياسات التسامح والانفتاح التي اعتمدها الأنباط اتجاه الأجانب الذين عايشوهم في البتراء وغيرها من المناطق، ولا بد من أن قسـما من التجار أقام في المناطق النبطية وتزاوج وتصاهر مع الأنباط، وثمة دلائل كثيرة أيضا على هذا الانفتاح والتنوع منها التأثيرات المعمارية الواضحة لكل الحضارات الرئيسية المحيطة كالمصرية والهلينستية والفرثية (الفارسية) والأشورية، ويتجلى ذلك أيضا في استخدام الأنباط للغات الأخرى إلى جانب لغتهم، خصوصا اللغة الآرامية واليونانية، كانت الآرامية في الحقيقة لغة التعاملات التجارية والرسمية والدينية، ومع بداية التأثيرات الهلينستية بدأت اللغة اليونانية تأخذ هذا الدور وتزاحم الآرامية إلى أن أزاحتها تماما لصالحها ثم لصالح الرومانية فيما بعد.
ومن كل ذلك يستنتج أن الأنباط كانوا نواة التحالف أو التجمع أو المجتمع الأحدث الذي صار يعرف فيما بعد بالأنباط، ويستنتج أيضا أن هؤلاء الأنباط بكل مكوناتهم البشرية والثقافية ما هم إلا قبائل عربية تشاركت في الأصول والقيم والتقاليد مما سهل تمازجها لتشكل دولة مركزية في المنطقة. والدلائل الواضحة على عروبتهم، هي:
1- أن الذين عاصروهم من الأجانب كالمؤرخ ديودورس والجغرافي سترابو والتوراة وصفوهم بأنهم عرب.
2- أن موطنهم الأصلي هو الجزيرة العربية وبالذات أراضي المملكة العربية السعودية.
3- أن اسماء ملوكهم ومعظم أعلامهم عربية كالحارث ومالك وعبادة وجميلة وشقيلة وخلدو (خلود أو خالدة) وصالح وسلمو...إلخ.
4- أن اسماء آلهتهم وأصنامهم كانت معروفة وشائعة في أرجاء الجزيرة العربية وحضاراتها الشمالية والجنوبية.
5- ثبت أن أصول الكتابة العربية الحالية والحروف خصوصا يستندان إلى ما وصلت إليه الكتابة النبطية في هذا المجال.

ثانيا- نشوء نظام الحكم والدولة: نشوء وتطور الدولة والنظام السياسي /الاقتصادي:

المصادر والمراجع :
- جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج3، ط3، بيروت – مكتبة النهضة، 1976 / ص12
2 - سماح بركات، حروب الأنباط ،(رسالة ماجستير غير منشورة) الجامعة الأردنية، 2002. ص 5.
3-
Hammond.P.C, The Nabataeans,Their History,Culture &
Archaelogy(Gothenburg,Sweden,Paul Astrom Forag,1973). p.12
4 - د.إحسان عباس، تاريخ دولة الأنباط، عمان – منشورات وزارة الثقافة، 2007/ص 23.
5 -Kuhlenthaland Fischer,20
6 - سماح بركات، حروب الأنباط / ص8.
7 - محمد خطاطبة ، عمارة الأنباط السكنية، ط1، الرياض – مطبعة فهد الوطنية، 2006/ص48.
8 - د.خير نمر ياسين، الأدوميون: تاريخهم وآثارهم، عمان – الجامعة الأردنية، 1994،ص 99-100.
9- - هشام أبو حاكمة، الأساطير المؤسسة للتاريخ الإسرائيلي القديم، ط1، عمان – دار الجليل، 2007/ص217
10- زيدان عبد الكافي الكفافي، تاريخ الأردن وآثاره في العصور القديمة (العصور البرونزية والحديدية)، ط1، 2006/ص 327
11 - محمد الخطاطبة، 2006/ ص48
12-
Gluck ,N.The Other Side of Jordan,(Cambridge,ASOR,1970). .pp 167-193
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف