الأخبار
شرطة رام الله تضبط مواداً يشتبه أنها مخدرة داخل غرفة بمحل تجارياليابان تقدم منحة بأكثر من ثلاثة ملايين دولار لخدمات المشاريع في فلسطينالأحمد يؤكد على أهمية انعقاد دورة المجلس المركزي للتصدي لـ (صفقة القرن)الصحة: استشهاد طفل في حادث عرضي بدير البلح وسط القطاع.. والشرطة توضحالجيش الليبي يعتزم فتح جبهات جديدة في طرابلسفيديو: لحظة دخول منفذ عملية تفجير الكنيسة بسريلانكا بين المصلينبعد المبالغ الخيالية.. العثور على "خزن مالية ضخمة" تخص البشيرحرق نفسه بالأمس.. عائلة مسعود تُناشد الرئيس إنقاذ ابنهم "بلال"شرطة الاحتلال تعتقل مدير المتحف الإسلامي بالمسجد الأقصىحسين الجسمي يختتم جلسات ملتقى الإعلام العربي بالكويت متحدثاًاستمرار عرض فيلم التحريك البرج في دور العرض التونسية لأسبوع ثانيأحمد عصام يشعل حفل تامر حسني في الرياضبسبب عدم تنفيذ تفاهمات التهدئة.. تخوفات إسرائيلية من تهديدات السنوارالعبور يأصل روح الابداع والابتكار في 15 ألف طالب وطالبةالسلامي يشكر فريق مالي حيلة و ينشر الكواليس حصريا
2019/4/23
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

إسرائيل ومشروع جنوب شرقي الأناضول في تركيا بقلم:د.ريّان ذنون العباسي

تاريخ النشر : 2009-11-19
إسرائيل ومشروع جنوب شرقي الأناضول في تركيا

الدكتور ريّان ذنون العباسي
مدرس / رئيس قسم الدراسات
السياسية والإستراتيجية
مركز الدراسات الإقليمية / جامعة الموصل

رسمت إسرائيل لسياستها الخارجية آلية عمل محددة، تهدف إلى تقوية علاقاتها مع دول الجوار غير العربية مثل إثيوبيا وتركيا وإيران، وذلك من اجل استغلال عوامل الضغط الجيوبولتيكي لديها خاصةً فيما يتعلق بقضايا المياه، فكانت قضية التحكم التركي بموارد مياه نهري الفرات ودجلة فرصة حقيقية لها لكي تنفذ من هذه الثغرة، وتقوم بالتعاون مع تركيا والولايات المتحدة بتنفيذ مخططها الرامي إلى السيطرة على المياه العربية والتحكم بها، من خلال دعمها لمشاريع المياه التركية وحرمان العرب من استغلال هذه الثروة الحيوية قدر المستطاع.
بدأت العلاقات الاسرائيلية-التركية تنمو وتتبلور انطلاقاً من عام 1949، عندما قررت تركيا الاعتراف بقيام إسرائيل ، وذلك بعد مرور أقل من شهرين على إعلان الولايات المتحدة اعترافها الرسمي بها، الأمر الذي شجعها فيما بعد على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فعينّ (فكتور اليعازر) قنصلاً عاماً لإسرائيل في أنقرة. ومع بداية عام 1950 كانت الحكومة التركية قد اعترفت قانونياً بقيام هذه الدولة، وتم تعيين (الياهو ساسون) أول وزيرٍ مفوض لبلاده في تركيا، بالمقابل قدمت الولايات المتحدة والدول الغربية مكافئة مجزية لتركيا نظير اعترافها الرسمي بها، وقيامها بتوثيق العلاقات السياسية معه فأعلن في أيلول 1951 عن ترشيح عضويتها في حلف شمال الأطلسي. واخذ التعاون بين الأتراك والاسرائيليون ينمو بشكل تدريجي مع قيام هذه الدولة (الاستعمارية) بتوفير فرص العمل والتدريب التقني والاستخباري لوحدات الأمن والمخابرات التركية، إذ ظهر هذا التعاون الوثيق بين الطرفين ابتداءً من مطلع الخمسينات وذلك بالتحديد بين جهازي الموساد الاسرائيلي والأمن التركي.
بعد انتهاء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، طرح رئيس وزراء إسرائيل بن غوريون فكرة إقامة حلف إقليمي ، يرمي إلى تقوية التحالف الاستراتيجي والاستخباري والاقتصادي بين اسرائيل والدول المحيطة بالوطن العربي (إثيوبيا،إيران،تركيا) حيث اشرف بن غوريون ووزيرة خارجيته كولدا مائير على تنفيذ هذه الفكرة بدعم وتشجيع من الرئيس الأمريكي (دوايت ديفيد ايزنهاورDwight David Eisenhower) ، فتم في أب 1958 التوقيع على ميثاق معاهدة حزام المحيط (The Peripheral Pact Treaty) بين إسرائيل وتركيا وإثيوبيا عرف باسم (ترايدنت) أي الرمح الثلاثي الشعب . وبهذه المناسبة كتب بن غوريون إلى الرئيس الأمريكي ايزنهاور رسالةً حثه فيها على ضرورة تقديم الدعم اللازم لهذا الحلف قائلاً:(( تلقى المراحل الأولى من المخطط النجاح لكن ثمة شيئين يعتمدان على الدعم والمساندة الأمريكية هما: المساعدة المالية والسياسية والمعنوية، وتوفير الشعور لدى كل من تركيا وإثيوبيا وإيران بان مساعينا تحظى بالدعم الأمريكي)) .
لقد كان الغرض من إقامة هذا الحلف الاستعماري تعزيز الأطماع الاسرائيلية بالمياه العربية، وهو أمر عبرتّ عنه فيما بعد رئيسة الوزراء الاسرائيلية كولدا مائير، حين صرحت في عام 1969:((إن التحالف مع تركيا وإثيوبيا يعني أن اكبر نهرين في المنطقة-النيل والفرات - سيكونان في قبضتنا)) . وهذا يدل على أن المخطط الإسرائيلي الرامي إلى إقامة الدولة الكبرى الممتدة حدودها من الفرات إلى النيل، سوف لن يتم تحقيقه إلا بالتعاون والتنسيق مع بعض الأطراف الحليفة لإسرائيل في المنطقة ومن بينها تركيا وإثيوبيا وإيران، وهو أمر عبرّ عنه أيضاً رئيس الاركان الإسرائيلي السابق روفائيل إيتان بقوله: (( كان بن غوريون في حينه، قد أوصى بأن إسرائيل التي تعيش وسط منطقة معادية يجب أن تجد لنفسها حليفاً في المنطقة ، وعلى هذا الأساس نمت علاقات إسرائيل مع إيران ومع إثيوبيا لقد أثمرت هذه العلاقات وخدمت إسرائيل)).
على الرغم من توثق العلاقات الثنائية بين تركيا واسرائيل خلال فترة الخمسينات والستينات ، فان التوتر السياسي كان يشوب في بعض الأحيان هذه العلاقات خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتعاون الأمني مع إسرائيل وغيرها من التطورات السياسية الأخرى، واستمر هذا التأرجح حتى وقوع الانقلاب العسكري في تركيا في 12 أيلول 1980 عندما أطيح بحكومة سليمان ديميريل من قبل قادة الجيش التركي، فادى ذلك إلى توسيع العلاقات مع اسرائيل فيما دعا الاتجاه الثاني إلى ضرورة العمل على قطع هذه العلاقات أو محاولة تخفيفها إلى الحد الأدنى، والسعي عوضاً عنها إلى تعزيز العلاقات الخارجية التركية مع البلدان العربية خصوصاً المجاورة لها. لكن الحكومة التركية فضلت فيما يبدو المضي قدماً بعلاقاتها السياسية مع اسرائيل رافضةً التضحية بها حتى أن كثيراً من جوانب هذه العلاقات أضحت فيما بعد في طيّ الكتمان والسرية إلى أن جاء عام 1986 لتقرر فيه تركيا رفع تمثيلها الدبلوماسي في اسرائيل من(سكرتير ثانٍ) إلى منصب (مدير عام مفوض)، فتنامت على أثره المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية بشكلٍ سريع بين الطرفين، وكان من أشكال هذه المصالح مشروع جنوب شرقي الأناضول، الذي لقي دعماً كبيراً من قبل المسؤولين الاسرائيليين كما سنلاحظ ذلك فيما بعد، إذ وصلت العلاقات الاسرائيلية التركية بفضل هذا المشروع وغيرها من المشاريع الأخرى، إلى أعلى مستوياتها وتمثل ذلك بقيام تحالفٍ استراتيجي وعسكري بين الطرفين عام 1996.
إزاء تطور هذه العلاقات وبشكلٍ خاص في مجال إقامة مشروع جنوب شرقي الأناضول، حذرت الصحف التركية ذات الاتجاهات والتيارات المختلفة الحكومة التركية من مغبة استمرار هذه العلاقات مع اسرائيل، لكونها تنم في جوهرها الداخلي عن وجود أطماع (صهيونية) فعلية بالأرض والمياه التركية، فعلى سبيل المثال عندما قام رئيس الإسرائيلي (عزرا وايزمن) بزيارة إلى أنقرة عام 1994، شنتّ معظم الصحف التركية هجوماً عنيفاً على الحكومة التركية منددة ومنتقدة قيامها بتوثيق علاقاتها الخارجية مع اسرائيل ، والتي أضرت كثيراً بعلاقاتها مع الدول العربية خاصةً الجنوبية منها كالعراق وسوريا،وعبرّ عن ذلك الكاتب التركي عبد الله الطاي (Abdullah Altay) في مقالٍ له بعنوان (تعليمات وايزمن)، نشر في صحيفة (ميللي غازيته) التركية الناطقة بلسان حزب الرفاه الإسلامي بتاريخ 25 كانون الثاني 1994 بقوله:(( هلل الماسونيون والصهيونيون الأتراك لزيارة الرئيس الإسرائيلي وايزمن إلى تركيا، ووجدوها فرصة لتمجيد إسرائيل وبيان صداقة اليهود للأتراك، في حين أن وايزمن يريد شراء منطقة (الكاب) GAP من تركيا من أجل ضمها إلى دولة إسرائيل الكبرى المستقبلية)) . كما كتبت الصحيفة نفسها مقالاً أخر حول زيارة وايزمن لمشروع جنوب شرقي الأناضول تحت عنوان:(( وايزمن ومشروع جنوب شرقي الأناضول، ذكرت فيه: (( إن تركيا التي لعبت ورقة إسرائيل بالوقوف إلى جنب أمريكا في حرب الخليج (الثانية)، تريد اليوم أن تلعب الورقة نفسها في مشروع (الكاب) GAP في بيع مياهها إلى إسرائيل وحجبها عن العرب، فإنها لا تدري –أي تركيا- أنها بذلك تساهم بعلم منها أو من دون علم في تحقيق إقامة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات)) .
ولم يقتصر موقف بعض الصحف التركية على التنديد بالدور التركي في خدمة مصالح وأهداف اسرائيل فقط، بل سعت أقلام عدد من كتابها وصحافييهّا أيضاً إلى إثبات حقيقة مفادها وجود أطماع صهيونية فعلية بالأرض التركية ،خصوصاً فيما يتعلقّ بالأراضي المقام عليها مشروع جنوب شرقي الأناضول، ففي صحيفة أورتا دوغو (Ortadogu) أي (الشرق الأوسط) التركية،كتب محمد علي بولوط (M.Ali Bulut) مقالا بعنوان (وايزمن وأنا) نشر في تاريخ 29 كانون الثاني 1994 ذكر فيه ما نصه: (( قد لا تصدقون إذا ما قلت لكم أن دولة إسرائيل الكبرى،حلم الصهيونية،قد تحققت بفضل العملاء وغفلة المسلمين وغبائهم. وإلا بماذا تستطيعون أن تفسروا لي زيارة وايزمن إلى مدينة شانلي أورقة التي تضم رفات جدهم الأعلى النبي إبراهيم وقيامه (أي وايزمن) بدراسة حوض نهري دجلة والفرات "GAP" للذين ذكرت التوراة بأنهما نهران نابعان من الجنة وخلقا لخدمة إسرائيل )).كما أشار إلى هذه الأطماع أيضا ًناظر أوسوز في مقالٍ له بعنوان (هل هي كلها صدف؟) ونشرته صحيفة ميللي غازيته بتاريخ 29كانون الثاني1994 جاء فيه(( لقد عاد وايزمن رئيس دولة إسرائيل الإرهابية التي قتل كل واحدٍ من قادتها مالا يقل عن مئة طفل مسلم ظلماً وعدواناً،مرتاحاً من زيارته لمنطقة الكاب (GAP) التي تعدهاّ الديانة اليهودية والخطط الصهيونية جزءاً من دولة إسرائيل الكبرى، وإذا كانت إسرائيل قد تقدمت علمياً وتكنولوجياً وعسكرياًُ أكثر من تركيا خلال نصف القرن الماضي، فان سبب ذلك يعود إلى أنهم يخططون كل شيءٍ بدقةٍ وعناية،أما نحن الأتراك والمسلمين، فأننا لا نزال نغط في النوم، ونتسامح مع أعدائنا.)).خلاصة القول أن العديد من الأوساط التركية باتت تدرك الآن أن العلاقات القائمة بين تركيا واسرائيل ما هي إلا في حقيقة الأمر فرصة ذهبية لتحقيق حلم الصهيونية بإقامة دولتها الكبرى التي تعتبر بعض الأراضي التركية جزءاً من أراضيها.
- الدعم الإسرائيلي لمشروع جنوب شرقي الأناضول
حظي مشروع جنوب شرقي الأناضول خلال فترة التسعينات من القرن الماضي على وجه الخصوص، بدعمٍ واهتمامٍ كبيرٍ من قبل إسرائيل، ففي نيسان 1991 عقد اجتماع بين رئيس الوزراء الاسرائيلي شيمون بيريز (Shimon peres) والرئيس التركي السابق توركوت أوزال. وقد أشارت المصادر بعد انتهاء هذا الاجتماع إلى أن إسرائيل أعربت لتركيا عن استعدادها للتعاون معها حول تنفيذ هذا المشروع .
وفي عام 1992 قام مدير المصادر المائية في وزارة الزراعة الإسرائيلية بزيارة إلى تركيا، تم خلالها الاتفاق بين الطرفين على إعطاء دورٍ بارزٍ ومهمٍ لإسرائيل فيما يخص دعم المشاريع المائية التركية، ثم أعقب ذلك قيام وفدٍ إسرائيلي أخر مؤلف من (20) عضواً بزيارةٍ إلى أنقرة في أيار 1993، اطلع خلالها على سير مراحل العمل والاستثمار في مشروع (الكاب). كما أتيحت للوفد المذكور فرصة زيارة بعض منشآت المشروع ومنها سد أتاتورك وانفاق شانلي-اورفة .
وفي24 كانون الثاني1994وجه الرئيس التركي سليمان ديميريل(Suleyman Demirel) ، دعوةً رسميةً لنظيره الإسرائيلي عزرا وايزمن بزيارةٍ إلى تركيا، فلبى الأخير هذه الدعوة وزار أنقرة ، واستغرقت زيارته(4)أيام رافقه خلالها وفد كبير رفيع المستوى ضم نحو(72)شخصاً من كبار المستشارين من بينهم مدير البنك المركزي الإسرائيلي ومدير الدائرة الأوربية بوزارة الخارجية الإسرائيلية وكبار المسؤولين في المالية والاقتصاد وفريق أخر من وزارة الدفاع إلى جانب مجموعة من رجال الأعمال والصحفيين ،وقد مثلتّ هذه الزيارة نقطة تحولٍ في مجال التعاون المائي بين تركيا وإسرائيل ،وذلك من خلال قيام المسؤولين الأتراك بتنظيم جولة تفقدية للرئيس الإسرائيلي لمشروع جنوب شرقي الأناضول، عبرّ في حينها عن إعجابه العميق بهذه التجربة الفريدة قائلاً:((إنه مشروع خارق ارفع قبعتي تحية لتركيا)).غير أن أحاسيس ومشاعر وايزمن تأججت حين رأى مشروع سد أتاتورك، بحيث لم يتمكن من إخفاء مظاهر الفرح والسرور على وجهه ملتفتاً ليقول لعددٍمن المسؤولين الأتراك:((إن مستقبل الشرق الأوسط يتوقف على التعاون التركي-الإسرائيلي)). ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الاسرائيلي (شيمون بيريز) لأنقرة في 10 نيسان 1994 مكملةً لزيارة الرئيس الصهيوني، حيث التقى بيريز بالرئيس ديميريل ورئيسة وزرائه تانسو تشيللر ووزير الخارجية التركي حكمت جيتين وعددٍ أخر من الوزراء ورؤساء الأحزاب السياسية والجمعيات المختلفة،وقد دامت زيارته(3) أيام تم خلالها مناقشة مسائل المياه والتعاون الزراعي بين البلدين، صرح بيريز بعدها بأنه:(( قد تم الاتفاق مع المسؤولين الأتراك على التعاون في مجال الاستثمارات الزراعية وتطوير التقنيات الزراعية بين البلدين)).
ورداً على الزيارات المتكررة للمسؤولين الاسرائيليين لأنقرة، قام الرئيس التركي سليمان ديميريل في آذار 1994 بزيارةٍ إلى (تل ابيب)، وبصحبته وفد كبير مؤلف من مئتي شخص من الصحفيين والخبراء والفنيين والاقتصاديين والبرلمانيين، تم خلالها مناقشة العديد من الأمور كان في مقدمتها مسألة التعاون الاقتصادي في مجال الريّ والزراعة،توصل بعدها الجانبان إلى عقد اتفاقية حول مسألة الاستثمار الإسرائيلي في منطقة مشروع جنوب شرقي الأناضول في تركيا.
وفي عام 1996 اقترحت تانسو تشيللر أثناء زيارتها لإسرائيل مجموعة من المشاريع الاقتصادية على المسؤولين الصهاينة كان من أهمها:
1- تأسيس شركة دولية لنقل المواد الغذائية.
2- تطوير مشروع مشترك حول الطاقة الهيدروليكية.
3- إقامة تعاون لتطوير تكنولوجيا الآليات البصرية ونظام الكابلات.
4- التعاون المشترك بين الموانئ الإسرائيلية ومينائي مرسين والاسكندرونة في تركيا.
5- بدء الأبحاث حول البنية التحتية لنظام شبكة كهرباء إقليمية.
6- تشكيل كونسرتيوم متعدد الجنسيات للاستثمار في غزة وأريحا.
7- التعاون في موضوعات التدريب الزراعي والريّ والبيئة في منطقة إقليم جنوب شرقي الأناضول .
كما صرّح وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي في 25 آذار 1998 في أعقاب انتهاء زيارته لأنقرة وترأسه لاجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة بين تركيا وإسرائيل:((أن إسرائيل وتركيا سوف تتعاونان في مشروع جنوب شرقي الأناضول، وان إسرائيل ستضع خبراتها في مجال الزراعة والريّ لخدمة هذا المشروع،حيث تمتلك تقانة متقدمة في هذين المجالين )) .
وأكد الرئيس ديميريل في أثناء زيارته الثانية لإسرائيل في 14 تموز 1999 على ضرورة قيامها بتقديم الدعم والخبرات الفنية لمشروع جنوب شرقي الأناضول،وقد أكد ذلك أيضاً رئيس الوزراء التركي السابق بولند أجاويد إذ قال:(( إنه من الضروري الاستفادة من الإسرائيليين ذوي الأصول التركية وإزالة جميع العقبات أمام الاستثمارات الإسرائيلية في تركيا)). وبهذا يكون الدعم والاهتمام الذي حظيت به تركيا من قبل إسرائيل ، قد مكن الأخير من الدخول والمساهمة مساهمةً فعالة في بناء وتأهيل المشاريع المائية التركية، من خلال تقديم الخبرات التقنية والفنية والمادية الصهيونية لهذه المشاريع ، بما يحقق له أهدافه الرامية في بسط سيطرته على مياه الفرات ودجلة والتحكم بها في المستقبل.
كما كان لرأس المال والتمويل الإسرائيلي المقدم لمشروع الكاب دور بارز في تعزيز التقارب الصهيوني-التركي سواء أكان ذلك في مجال استثمار الشركات الإسرائيلية داخل تركيا، أو في تقديم ومنح المساعدات والقروض المالية لبناء السدود والمحطات الكهرومائية من جهة،والإيعاز لعدد من المؤسسات والبيوتات المالية الغربية التي يديرها رجال المال اليهود لمنح تركيا قروضاً مالية لتمويل مشروعها العملاق من جهة ثانية، مما سيترتب عليه إعطاء اسرائيل نوعاً من الحق في التدخل بموضوع سيادة المياه التركية على حوضي الفرات ودجلة، ومن ثم منحه حق الإشراف على وسائل الريّ والزراعة القائمة في المناطق المحاذية للعراق وسوريا .
وكان سكرتير عام غرفة تجارة مدينة غازي عنتاب مسعود اوزنشال ، قد أوضح أن الإسرائيليين كانوا مهتمين بكل ما يتعلق بمشروع جنوب شرقي الأناضول، بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك حين قدموا اقتراحاتٍ للقيام باستثمارات تخص الصناعات المعتمدة على عامل الزراعة ، وتزامناً مع هذا الاهتمام صرّح وزير التجارة والصناعة الإسرائيلي في 25 آذار 1998، بان الكيان الصهيوني وتركيا سيتعاونان معاً في إقامة مشروع الكاب خصوصاً في مجال الريّ وذلك من اجل خدمة هذا المشروع المهم.
ومن هذا المنطلق فقد تولت عدة شركات إسرائيلية متخصصة بمجال منظومات الريّ المتطورة،منح تركيا ما قيمته (43) مليون دولار أمريكي لتمويل مشاريع الريّ القائمة في منطقة المشروع . كمـا ساهـمت لجنة التـوزيع اليهـودية الأمريكية المشتركة (Jewish-American Distribution committee- J.A.D.C) بمشروع رعاية أطفال الشوارع العاملين في ديار بكر بمبلغ زهاؤه ( 100.000) مليون دولار،وفي إقامة مشروعين آخرين ضمن إطار مشروع الكاب، الأول يهتم بأمور التقنيات الاروائية وخصص له مبلغ قدره (70.000) مليون دولار، والثاني لعملية تنظيم مياه الفرات وخصص له مبلغ قدره(50.000) مليون دولار.
حظيت منطقة غازي عنتاب الواقعة في جنوب شرقي تركيا باهتمامٍ كبير من قبل الصهاينة الذين أبدوا اهتمامهم بتمويل المشاريع القائمة فيها، فقد وجهت الحكومة التركية دعوةً رسمية لحوالي عشرين رجل أعمالٍ إسرائيلي لزيارة هذه المنطقة، ويذكر اوزنشال وهو صاحب توجيه هذه الدعوة، بأن الاجتماعات التي عقدت بين المسؤولين الأتراك والإسرائيليين قد تمحورت حول تقديم اقتراحات استثمارية اقتصادية بين الطرفين ، وتحقيق التعاون المستمر في مسائل نظم البذار والريّ والمسح باستخدام الكومبيوتر وخدمات الهندسة وغيرها. وقد قام هذا الوفد خلال زيارته للمنطقة بدراسة شاملة تهدف إلى تقييم الأوضاع الاقتصادية العامة لمدينة غازي عنتاب، وقد توقع اوزنشال ورود الاقتراحات والطلبات الإسرائيلية حول أعمال الاستثمار في المنطقة خلال زمنٍ قصيرٍ جداً.
كما قدمت إسرائيل مقترحاً جديداً للحكومة التركية يقضي باستعدادها لإنشاء مجموعة من السدود الواقعة على نهر دجلة قرب الحدود العراقية-التركية ،وتقديم مبلغٍ مالي قدره (700) مليون دولار لغرض تمويل عملية البناء، حيث دعت الحكومة الإسرائيلية (28) شركة محلية لتنفيذ هذه السدود، ويأمل المسؤولون الاسرائيليين أن تتجاوب الحكومة التركية مع هذا العرض.
ونظراً لامتلاك اسرائيل تقنية تكنولوجية حديثة وخبرات علمية متطورة في مجال الزراعة، فقد أبدى المسؤولون الأتراك إعجابهم بتلك السياسة الزراعية القائمة على أساس مبدأ (ارض اقل، ماء اقل، إنتاج أكثر) فأخذت الزيارات المتكررة بين كبار المسؤولين الفنيين لكلا الطرفين تمهد لتوظيف واستخدام التقنية الإسرائيلية المتطورة لحساب مشروع الكاب، أعربت في حينها بعض الشركات الزراعية الإسرائيلية المعروفة دولياً عن استعدادها للمشاركة والإسهام في تزويد الخبراء الأتراك بالتقنية الحديثة .
وعلى هامش المباحثات التي عقدت في أيلول 1988 بين وزيريّ الخارجية التركي والإسرائيلي في نيويورك ضمن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، صرّح مصدر مقرب من الحكومة الإسرائيلية لصحيفة (حريت Hurriyet) التركية، بأن الاهتمام الصهيوني بتركيا أخذ يزداد يوماً بعد يوم، وأن الحكومة الإسرائيلية تبدي اهتماماً فعلياً بمشروع جنوب شرقي الأناضول بسبب امتلاكها لخبرة تكنولوجية معروفة في المجال الزراعي.
وفي عام 1988 أيضاً قام وفد زراعي مؤلف من مجموعة من الفنيين والمزارعين الأتراك في مدينة أدنة، بزيارةٍ لإسرائيل في إطار تعزيز التعاون التقني بين الجانبين، وكان قبل ذلك قد سافر وفدان تركيان آخران برئاسة عز الدين اوزجو إلى إسرائيل للهدف نفسه، وفي هذه الزيارة صرح اوزجو قائلاً: ((ان الكيان الصهيوني يعدّ أفضل البلدان في مجال استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة وبإمكان تركيا الاستفادة من الخبرات الصهيونية إلى ابعد مدى في مشروع الكاب والتنسيق جارٍ بين الطرفين لوضع برنامج عملٍ مشترك)).هذا ما أكده أيضاً وزير الخارجية الإسرائيلي شيمون بيريز عام 1991 حين قال:(( إن المعادلة التي سوف تحكم الشرق الأوسط الجديد سوف تكون عناصرها كما يأتي: النفط السعودي + الأيدي العاملة المصرية +المياه التركية + العقول الإسرائيلية.)) .
أخذ التعاون بين إسرائيل وتركيا يزداد تبلوراً تجاه هذا المشروع بعد الزيارة التي قام بها رئيس مجلس العمل التركي الإسرائيلي ياليم إيريز عام 1992 إلى ( تل أبيب ) حيث قدم بعد عودته تقريراً إلى وزير الدولة التركي عمر بارودتشو ، تطرق فيه إلى التطور التكنولوجي الإسرائيلي الحديث المطبق في المجال الزراعي ، مما جعل الوزير يهتم بذلك كثيراً ويصدر أوامره إلى مسؤول مشروع الكاب حول بعض المسائل الفنية ، إذ كان من المفترض أن يقوم الوزير التركي ورئيس المشروع بزيارةٍ معاً إلى إسرائيل،غير أن وفاة الرئيس أوزال المفاجئة عام 1993، وما أعقب ذلك من أحداث سياسية حال دون القيام بهذه الزيارة ، لذا اقترح ايريز استخدام التقنية الزراعية المتطورة لإسرائيل في منطقة مشروع جنوب شرقي الأناضول ، مرشحاً في ذات الوقت عدة شركات إسرائيلية معروفة عالمياً منها :(Prather, Park Rich Cargill ,Continental Philip )كما شارك حوالي خمسون خبيراً صهيونياً في أعمال بناء مشروعات الريّ والزراعة التي يجري إنشاؤها في منطقة المشروع .
ومن الجدير بالإشارة أيضاً إلى أن التعاون الزراعي بين تركيا وإسرائيل ، بدأ عام 1993 حينما طرحت مشاريع تعاونية مشتركة في مجال الريّ والزراعة من قبل الحكومة والقطاع الخاص الإسرائيلي، تمخضت عن انعقاد اجتماعات ومباحثات مفتوحة ومنظمة بين المسؤولين الإسرائيليين ورئاسة منظمة مشروع الكاب، تناولت أموراً عدة مهمة اختصت بمسائل الارواء وعمليات التدريب ومفهوم التنمية الريفية وقضايا التخطيط الإقليمي وكذلك مشاكل البيئة ومسائل التمدين. فضلاً عن ذلك اهتم القطاع الخاص الإسرائيلي بمواضيع البنى التحتية في المدن الواقعة ضمن هذا المشروع طبقاً لمفهوم (ادر- شغل - ثم تنازل).
دفع احتياج تركيا الملح لتوسيع وتطوير عمليات منظومات الريّ إلى أن تبدأ أولى أعمال مشاريعها الزراعية مع شركتين إسرائيليتين هما (Netafim),(Naan) المتخصصتين بنظام الريّ بالتنقيط، تلا ذلك وابتداءً من العام 1995 قيام بعض خبراء هاتين الشركتين بتنظيم دورات تدريبية للمزارعين الأتراك العاملين في مشروع الكاب، ومساعدتهم على استعمال الأجهزة والمعدات الحديثة لدى قيامهم بعملية الاستزراع. وقد نشطت الشركة الأولى (Naan) في مجال تصميم أنظمة الريّ بالتنقيط مقدمة منحة مالية قيمتها (125) ألف دولار، فيما قدمت الشركة الثانية (Netafim) أجهزة ريّ بلغت قيمتها (21) ألف دولار وكان ذلك في 8 أيار 1995.
لقد استطاعت هاتان الشركتان تقديم أنظمة ريّ خاصة بالتنقيط لحوالي (29) مزارعاً، تغطي جميعها مساحة زراعية زهاؤها (282) هكتار خصصت كلها لزراعة محصول القطن فأصبح بامكان الهكتار الواحد ان ينتج بفضل هذا النظام الاروائي المتطور ما بين (450-600) كغم من القطن سنوياً، بعد أن كان إنتاجه لا يتجاوز حوالي (300) كغم في السنة . كما وضع برنامج عملٍ مشترك يهدف إلى تدريب عدد من المزارعين الأتراك على استخدام التكنولوجيا الصهيونية،وعلى زراعة بعض أصناف المحاصيل والفواكه الإسرائيلية كالحمضيات مثلاً .
لعل ابرز ما يلمسه المرء تجاه تنامي دور اسرائيل في دعمها لمشاريع المياه التركية وبالأخص مشروع الكاب ،هو ظاهرة القيام بشراء مساحات زراعية واسعة تقع على منابع حوضي الفرات ودجلة في تركيا ،تهدف إلى إنشاء مستوطنات بشرية ومشاريع زراعية فيها واستثمارها لصالحه كجزءٍ من استراتيجيته للاستحواذ والسيطرة على موارد المياه في المنطقة.وعلى الرغم من تعالي الأصوات والاحتجاجات المحذرة، خاصةً الصحفية منها ، حول تزايد شراء الشركات الإسرائيلية للأراضي الواقعة في المناطق التركية التي يكثر فيها وجود السدود المشيدة على هذين النهرين أو على ضفافهما، مما يحقق بالتالي الهدف الصهيوني المعلن والمنادي بالسيطرة الصهيونية على المنطقة ، وتحقيق دولة إسرائيل الكبرى الموعودة،وهو أمر ليس من الضروري تحقيقه عبر السيطرة السيادية،بل انه من الممكن أن يأتي بصيغة الهيمنة والاستحواذ على أهم سلعة في (الشرق الأوسط) ألا وهي المياه. وقد دفع هذا الأمر بالباحثة التركية درية عوني المتخصصة في الشؤون التركية والكردية، بان تحذر الحكومة التركية من وجود مستوطنات فنية إسرائيلية على منابع نهري الفرات ودجلة في أراضي تركيا، تتيح لاسرائيل بموجبها إجراء أبحاثٍ وتجارب مختلفة، وتفسح المجال له أيضاً لإنشاء مشاريع استثمارية،وهو ما علقتّ عليه أيضاً صحيفة صباح (Sabah) التركية، حول مساهمة إسرائيل في بناء وتمويل مشاريع الكاب بأنها حجج واهية، تهدف إلى إقامة مستوطنات ومشاريع زراعية قرب الحدود الدولية لكل من العراق وسوريا مع تركيا عن طريق شراء الأراضي من الحكومة التركية واستئجارها لمدة تصل إلى (90) عاماً قابلة للتجديد مرة ثانية . ولعل مطالبة الوفد الإسرائيلي الذي ذهب إلى أنقرة برئاسة شيمون بيريز حاملاً معه عرضاً مغرياً للمسؤولين الأتراك، لحل أزمتهم الاقتصادية وتلويحه لهم بتقديم مبالغ مالية ضخمة خير دليلٍ على صحة ما ذكر أنفاً، فقد طالب بيريز الأتراك بمنح الإسرائيليين أراضي زراعية تقع على نهر الفرات في المنطقة المشمولة بمشروع جنوب شرقي الأناضول ،كما طالب أيضاً بتوقيع اتفاقية لسحب مياه الفرات لكيانه لمدة تصل إلى (40) سنة تمهيداً لتحقيق (الحلم الصهيوني).
ومن الأمور الأخرى السلبية التي يتوقع أن تنعكس أثارها على دول المنطقة في المستقبل القريب هي ظاهرة انتشار زراعة وتهريب المخدرات ؛ فقد بدأت إسرائيل في السنوات الأخيرة،يخطط لاستغلال زراعة الأفيون الذي تشتهر به بعض مدن جنوب شرقي الأناضول مستفيداً من التطورات الحاصلة فيها،تمثلت بقيام الرئيس السابق للقسم الآسيوي في جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)؛ والعنصر البارز في تجارة المخدرات الدولية (شاؤول ايزينبرغ Shaul Eisenberg) تحقيقاته الواسعة في منطقة غازي عنتاب، وخصوصاً في الموقع الذي يقع فيه سد أتاتورك، مكملاً ما بدأه في المراحل السابقة من تحقيقات ودراسات عن زراعة الأفيون في اقيلم كازاخستان.
 
لا يوجد تعليقات!
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف