الأخبار
أبو تريكة يكشف كواليس ارتداء قميص "تعاطفاً مع غزة" بأمم إفريقيا 2008مصر: تدشين مشروع انارديزanardes كواحد من أهم وأقوى المشاريع التنموية والتدريبيةشاهد: "الصحة" بغزة تتسلم جهازين لفحص الفيروسات ضمن المنحة التركية لمواجهة (كورونا)تاكيدا تقدّم نتائج من برنامج تجربة آيكلوسيج (بوناتينيب) السريريةحركة فتح تودِّع الشهيد القائد محسن إبراهيمتوزيع مساعدات على جماعتي بني عمارت وسيدي بوزينب بالحسيمةهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة تدعو لترسيخ الممارسات الصديقة للبيئة لدى الأطفالقوات الشرطة تحجز أكثر من ثمانية كيلو غرام من الكيف المعالج بالأغواطرئيس جمعية التضامن التشيكية: كذابون وتجار سياسة يدعمون انتهاك إسرائيل للقانون الدولي(الوطنية للشحن الجوي) تشيد بجهود شرطة دبي وتتبرع بـ 100.000 قناع وقفازاتدار رولز-رويس تشارك في نادي الأعضاء الأكثر حصريةً في العالمالصالح: الأغوار مكون أساسي وحيوي للدولة الفلسطينية ونرفض كل مخططات الضم الإسرائيليةإم إس سي آي تعيّن أكسيل كيليان لتولي منصب رئيس شؤون تغطية العملاءإكزوسايت ترخص تكنولوجيا إنترنت الأشياء لشركة ويست فارماسوتيكال سيرفسزاللجنة الشعبية بإقليم الخروب توزع عشرات من حصص الخضار المتنوعة على العائلات المحتاجة
2020/6/5
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الإبداع عند المعري في رسالة الغفران بقلم: سمير الجندي

تاريخ النشر : 2009-07-18
الإبداع عند المعري في رسالة الغفران
بقلم: سمير الجندي
الإبداع والتلقي بين رسالة الغفران للمعري والكوميديا الإلهية لدانتي الألجيري
بقلم سمير الجندي- القدس
المقدمة
الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،
إنه مما لا شكَّ فيه إن الحياة الفكرية والأدبية قد تطورت وازدهرت ونمت نمواً ملحوظاً في ظل القرآن الكريم الذي هو ليس للعبادة والتبرك فحسب ، بل كان كتاباً ينظم حياة المسلمين في مختلف جوانبها، ويدعو للتأمل والبحث والإبداع.
لم أعط رسالة الغفران الأهمية عندما قرأتها أول مرة قبل من نحو خمسة عشر سنة، بل إنني لم أفهم الكثير من مغزاها ومعانيها القابعة خلف الرمز الذي اتبعه المعري في أسلوبه المبدع، وعندما تطرقنا في نقاش أدبي إلى موضوع الإبداع والتلقي، وجدتني أتذكر تلك الرسالة الخيالية التي خطها أبو العلاء المعري قبل عشرة قرون من الزمن، فرجعت إليها ألتهم كلماتها التهاما بمتعة الشعور وسعادة الأحاسيس ، كما إنني رأيت أن المكان والفرصة يسنحان لي لعمل مقارنة بين رسالة الغفران، والكوميديا الإلهية لدانتي الألجيري، خاصة وأن الأخير يوصف في الغرب بأنه مبدع المبدعين، وما دفعني لهذه المقارنة سوى رغبتي في إثبات أن الألجيري قد سرق فكرته من المعري، وهذا ما أثبته المستشرقون أنفسهم :
ففي عام 1949، عندما نشر المستشرق الإيطالي تشيروللي دراسة ذكر فيها تفصيلا كيف وصلت رسالة الغفران إلى دانتي.

ذكر أن الفونسو العاشر ملك قشتالة بأسبانيا وكان معنيا بالأدب وكل ما هو متبقى من ثورة العرب العلميه والادبيه. أمر بترجمة رسالة الغفران إلى القشتالية في عام 1264 أي قبل مولد دانتي بعام واحد. وفي نفس العام طلب من مترجم إيطالي ترجمتها من القشتالية إلى اللاتينية والفرنسية القديمة لنشرها فيما وراء الحدود الإسبانية.

والعامل الحاسم الذي جعل المستشرقين الغربيين يجزمون باقتباس دانتي الكوميديا الإلهية من رسالة الغفران هو التشابه الكبير جدا بين العملين، مع العلم بالطبع أن المعري كتب رسالته قبل دانتي بقرون وان اختلفت أسباب إبداع كل منهم لمؤلفه سواء كان إبداعا أصيلاً كما للمعرى أو منقولا بتصرف كما مع دانتى .

فرسالة الغفران هي رحلة خيالية مدهشة إلى الدار الآخرة، الى الجنة ثم الى الجحيم، والكوميديا الإلهية هي نفس الشيء، لكنها تبدأ بالجحيم. والمعري اتخذ له رفيقا في الرحلة يحاوره هو ابن القارح ودانتي اتخذ الشاعر الروماني فرجيل رفيقا.
من المهم ان نبرز، في ظل الحملة التي نتعرض لها، فضل العرب والمسلمين على الحضارة الغربية... المعري هو الأصل، ودانتي هو الفرع.
وقد اتبعت في هذه المقارنة المنهج التكاملي، فرجعت لرسالة الغفران بطبعاتها المختلفة وللكوميديا الإلهية بترجماتها المختلفة أيضا، وقرأتها قراءة متأنية، متفحصة، فرصدت مواطن الإبداع بالتحليل والبحث، والمقارنة بين العملين.
لقد رتبت هذه المقارنة في تمهيد وفصل واحد ومبحثين.
أما الصعوبات التي واجهتني أثناء البحث فهي غزارة المادة واتساعها، ولكنني عملت ما استطعت عمله ، فلم أبخل بالوقت أو الجهد لإنجاز هذا البحث المتواضع خدمة لتراثنا العربي الإسلامي الذي له قصب السبق بالإبداع، رغم ما يتعرض له من هجوم قاس من أعداء الأمة.
والله من وراء القصد.







تمهيد:
أولاً:
أبو العلاء المعري:
هو أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي ولد مساء الجمعة في خاتمة ربيع الأول سنة ثلاثمائة وثلاث وستين للهجرة ( القرن العاشر الميلادي)، وأصابه جدري في أول السنة الرابعة من عمره فذهب بصره.
وتوفي سنة 449هـ ، فيكون قد عمّر ما يناهز السادسة والثمانين من العمر، قضاها بين محابس القدر ، ورقا ، مجتمعا، تثقيفا، تأملا، وأخطر تلك المحابس كان ذا جانبين: العمى، والعمر.
درس على أبيه علم النحو والصرف، وفقه اللغة ، ودرس النحو على يدي أبي بكر بن الفرج النحوي ، وذهب صبياً إلى حلب فقرأ علوم اللغة على راوية أبي الطيب المتنبي محمد بن عبد الله بن سعد النحوي، وأخذ في بغداد عن أبي الحسن الربعي، وأبي أحمد الواجكا، والسكري، كما أنه تتلمذ على جدته أم سلمى، وجده سليمان بن محمد، وأخيه أبي المجد... .
لم يعرف عن أبي العلاء أنه أتقن لغة سوى العربية، ولكنه بعد أن تمكن من علوم اللغة ، والشريعة، على فضلاء عصره، انهمر على المكتبات التي حفلت بها مدينة حلب، واللاذقية، وطرابلس، فأصاب أوفر ثقافة تيسرت لذهنه الطلعة، وفهمه الدقيق، وذكائه النادر، فأحاط بموروث الفلسفة ، والأديان، والفرق، والمذاهب .
آثار أبي العلاء المعري : تجاوزت مؤلفات أبي العلاء المعري مائتي مؤلف، بين كتاب ورسالة ومطولة في الشعر، والنثر، غير أن أهم كتبه وأشهرها ، كتاب "رسالة الغفران" و" رسالة الملائكة " ، وديوان "سقط الزند" ، و"لزوم ما لا يلزم"، و"الفصول والغايات" بالإضافة إلى عدد كبير مما ضاع من كتبه مثل كتاب" الأيك والغصون" وغيرها
وفي عزلته الاختيارية انصرف إلى التأليف والتعليم لا يأخذ عنهما أجرا، والتف حوله العديد من التلاميذ الذين عوذوا فضله ونبوغه من القضاة والأئمة والخطباء وأهل التبحر والديانات ونستطيع ان نلمس هنا البدايه التى بدأها واختلاطه باصحاب الديانة مما اثر على ثقافته النقليه تأثير بالغ .

وكان يجلس حوله أكثر من مائتي رجل قادمين إليه من مختلف البلدان يسمعون منه ويكتبون عنه، واشتهر أبو العلاء المعرى في الثقافة العربية والعالمية بحياته الغريبة. فقد آثر الغرابة والاختلاف مع الكثير في العالم الذي يحيط به.

فهو زاهد متعبد مؤمن بالله الواحد الأحد، وهو منكر للتدين الشكلي ولنفاق الفقهاء وغلاة الصوفية، مثلما هو رافض للملاحدة، وناقد لاذع للمعتمدين في علوم الدين على النقل والرواية، والمعتمدين على العقل والتأمل الفلسفي معا.

لقد كان يبدو في نظر كثير من معاصريه، مثلما يبدو في نظر كثيرين الآن، واحدا ضد الجميع، يصدق عليه ما قاله عن الإنسان عامة: "والذي حارت البرية فيه.. حيوان مستحدث من جماد" لقد رآه البعض مفكرا وأديبا متفردا في زمانه، وكل الأزمنة، وفتن بإبداعه كثيرون في عصره وعصرنا، فرأوا فيه أعظم شاعر في تاريخ الثقافة العربية قديما وحديثا، وواحدا من عبقريات الثقافة العالمية،
وقد اتفق القدماء على سعة علمه .

ثانيا:
دانتي الألجيري:

ولد في فلورنسا عام 1265 م. وعُمد باسم دورانتي أليجييري، وهو ينتمي إلى أسرة يقال إنها تنحدر من أصل روماني نبيل، وتدعى أسرة إليزيى التي ترجع إلى يوليوس قيصر.
ماتت أمه وهوفي سن مبكرة. وتزوج أبوه امرأة أخرى، وكان يعمل مسجل عقود واشتغل بالربا. لم يول ابنه العناية الكافية، أو على الأقل هذا هو شعور الابن نحو أبيه. ومات الأب ولمَّا يكتمل دانتي دور الشباب.
أحب دانتي في سن التاسعة بياتريشي ابنة فولكو بورتيناري من أثرياء فلورنسا .
انصرف دانتي إلى الدراسة ، وتلقى التعليم السائد في عصره، واختلف إلى دير الفرنسيسكان في فلورنسا، حيث درس تعاليم القديس فرنتشسكو، كما تردد على دير الدومنيكان، حيث درس تعاليم القديس توماس الأكويني. ودرس بعض الوقت في جامعتي بادوفا، وبولونيا، وعكف دانتي على دراسة القانون والطب والموسيقا والتصوير والنحت والفلسفة الطبيعية والكيمياء والسياسة والفلك والتاريخ واللاهوت. ودرس تراث اللاتين، وألم بتراث اليونان والشرق بطريق غير مباشر، وعرف ثقافة العصور الوسطى، وتعلم الفرنسية ولغة البروفنس، ودرس أدب التروبادو، وأدرك آثار الأدب الإيطالي الوليد .



الفصل الأول

المبحث الأول:

رسالة الغفران:

تعد رسالة الغفران لأبي العلاء المعري من أعظم كتب التراث العربي النقدي وهي من أهم وأجمل مؤلفات المعري .

وقد كتبها رداً على رسالة ابن القارح وهي رسالة ذات طابع روائي حيث جعل المعري من ابن القارح بطلاً لرحلة خيالية أدبية عجيبة يحاور فيها الأدباء والشعراء واللغويين في العالم الآخر.

وقد بدأها المعري بمقدمة وصف فيها رسالة ابن القارح وأثرها الطيب في نفسه فهي كلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، يقول:{ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماءِ تؤتي أُكلها كل حين بإذن الله ربها} ثم استرسل بخياله الجامح إلى بلوغ ابن القارح للسماء العليا بفضل كلماته الطيبة التي رفعته إلى الجنة فوصف حال ابن القارح هناك مطعماً الوصف بآيات قرآنية وأبيات شعرية.
ويتنقل ابن القارح في الجنة ويلتقي ويحاور عدداً من الشعراء في الجنة من مشاهير الأدب العربي منهم من غفر الله لهم بسبب أبيات قالوها وفيها الخير والصلاح، كزهير.
وشعراء الجنة منهم زهير بن أبي سلمى والأعشى و عبيد بن الأبرص و النابغة الذبياني و لبيد بن أبي ربيعة و حسان بن ثابت والنابغة الجعدي.

ثم يوضح قصة دخوله للجنة مع رضوان خازن الجنة ويواصل مسامراته الأدبية مع من يلتقي بهم من شعراء وأدباء ثم يعود للجنة مجدداً ليلتقي عدداً من الشعراء يتحلقون حول مأدبة في الجنة وينعمون بخيرات الجنة من طيور وحور عين ونعيم مقيم.

ثم يمر وهو في طريقه إلى النار بمدائن العفاريت فيحاور شعراء الجن مثل " أبو هدرش" والخيشعور وهو أحد بني الشيصبان، الذي يقول له :" وقد بلغني أنكم معشر الإنس تلهجون بقصيدة امريء القيس:
" قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل"
وتحفظونها الحزاورة في المكاتب، وإن شئت أمليتك ألف كلمة على هذا الوزن على منزل وحومل ، وألفاً على منزل وحومل: وألفاً على منزلا وحوملا، وألفاً على : منزله وحومِله" وكل ذلك لشاعر منا هلك وهو كافر وهو الآن يشتغل في أطباق الجحيم".
انظر إليه كيف يحاور شاعرا من الجن بهذا الخطاب المحكم النسج وهذه الأسلوب السهل الممتنع، وهذه اللغة السلسة فيجعلنا نحلق بين ثنايا خيالاته وصوره التي تنبض بالحياة، وهو يؤكد في هذا النص على أن الشعراء كانوا يعتمدون على شعراء الجن الذين كانوا يملون الشعر عليهم فالإبداع إذا هو من فعل الجن أو شياطين الجن.

ويلتقي حيوانات الجنة ويحاورها ويحاور الحطيئة. ثم يلتقي الشعراء من أهل النار ولا يتوانى في مسامرتهم وسؤالهم عن شعرهم وروايته ونقده ومنهم امرؤ القيس، وعنترة بن شداد، و بشار بن برد، وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، والمهلهل، و المرقش الأكبر، والمرقش الأصغر، والشنفرى، وتأبط شراً وغيرهم. ثم يعود من جديد إلى الجنة ونعيمها .

الأهمية الأدبية لرسالة الغفران:
1- تعد محاورات ابن القارح مع الشعراء والأدباء واللغويين التي تخيلها المعري في العالم الآخر مصدراً مهماً من مصادر دراسة النقد الأدبي القديم حيث حوت تلك المسامرات والمحاورات مباحث نقدية مهمة وأساسية في النقد الأدبي.
2- لقد تضمنت رسالة الغفران آراء أبي العلاء في كثير من الأمور، وقد جاءت تلك الآراء على لسان الجن في كثير من المواضع ، فهو يعبر عن رأيه في رجم النجوم في الجاهلية على لسان الجني أبي هدرش في سينية من سبعة وستين بيتا :
مكة أقوت من بني الدردبيس فما لجني بها من حسيس
وكسرت أصنامها عنوةً فكل جبتٍ بنصيلٍ رديس
وقام في الصفوة من هاشم أزهر لا يغفل حق الجليس
يسمع ما أنزل من ربه الق دوس وحيا مثل قرع الطسيس ...

3- كما تضمنت استطرادا خياليا حاول من خلاله أن يردّ على العديد من القضايا التي زحمت فكره ووجدانه، فاستغل رسالة ابن القارح وجعلها وسيلة للتنفيس عن رأيه ومعتقده، ليس في قضايا دينية وأدبية فحسب، بل وفي أناس يعيشون معه ويتقلبون في النعيم والجاه حيث كانا، ويميلون مع الريح والإقبال حيث مالا، ضاربين عرض الحائط بالقيم والمثل والمبادىء ، وابن القارح ليس إلا واحداً من هؤلاء الذين كفروا النعمة وجحدوا الفضل.
4- استخدام أسلوب الرمز في الرد على رسالة ابن القارح فنقله إلى العالم الآخر إلى جنة المأوى، جنة "الأدباء والشعراء" الذين ينتمي إليهم ويحاول أن يقارن بين حياته في الجنة الفانية وحياته في الجنة الباقية، وأن يبين له مساوئه وفساد طويته وخساسة قدره، فحمل ابن القارح إلى جنة الفردوس بعد أن بين له عمق معرفته بما تخفيه النوايا وتبطنه الأنفس الشريرة التي تظهر اللين ورقة الملمس وسهولة الانقياد، ولكنها في حال تغيُّر الدهر عمن كان قد أقبل عليه تسرع مع المسرعين لتنهش بأنيابها مع الناهشين بقية من حشاشة متعبة.
5- في تلك الرحلة الخيالية التي فاقت كل إبداع والتي استقى أكثر صورها من القرآن الكريم وتعاليمه، ولكن بشكل يغلب عليه التضخيم والمبالغة في الوصف ليستفسر ويستوضح كثيرا من الأمور الأدبية العالقة والقضايا التي شغلت الباحثين في فترات طويلة ، نراه يجيب عليها ويدلي برأيه فيها، وذلك بأسلوب مقنع ينم عن اطلاع وافرٍ ، وذوق مرهف ، ورأي صريح، لا يعرف النفاق والمحاباة ولكنه مع ذلك كله لا يخلو من التهكم والسخرية في كثير من المواضع منها قضية السرقات الشعرية.
6- لقد أثار المعري أمورا عديدة في رحلته هذه، منها قضية الدين حيث أنه قد اتهم من قبل البعض بالإلحاد والزندقة، وكأنه يريد أن يدفع عن نفسه تلك التهم الباطلة، فيرى أن أكثر الناس يرثون عقيدتهم عن الآباء والأجداد وليس عن دراسة واطلاع، ولذلك فهو يدعو الإنسان إلى التزام العقل في الأمور الدينية لأن المؤمن عن طريقه يكون أصدق عقيدة وإيماناً، كما يهاجم في مواضع كثيرة الرجال المتسترين بالدين وصولا إلى مآرب وغايات دنيوية فانية. ويتحسر على الإنسان الذي أوتي العقل والبصيرة ، ولكنه في أمور دينه يعطلهما عن العمل، فيقول:" وإذا المجتهد نكب عن التقليد فما يظفر بغير التبليد ، وإذا المعقول جعل هاديا نقع ريّه صادياً، ولكن أين من يصبر على أحكام العقل ، ويصقل فهمه أبلغ صقل، هيهات ! عُدم ذلك في من تطلع عليه الشمس، ومن ضمنه في الرّمم رمس، إلا أن يشذ رجلٌ في الأمم، يخص من الفضل بعمم" .
7- يقف أبو العلاء عند الشعر وقفة طويلة محللا ومفندا ومصححا، فيرد على النحاة واللغويين الذين ابتدعوا كثيرا من الحكايات والمواقف والشعر تأييدا لمذاهبهم وتبريرا لقواعدهم التي أرادوا تدعيمهما بالشواهد والحجج، ويستدعي في مواضع عدة شعراء نسبت إليهم قصائد لا علم لهم بها فيعيدها إلى قائليها معتمدا أسلوب الشاعر وحياته ومذهبه الذي عُرف عنه فيقول عن طرفة: " وهذا البيت يُتنازع فيه، فينسبه إليك قوم وينسبه آخرون إلى عديّ بن زيد، وهو بكلامك أشبه، والبيت:
وأصفر مضبوحٍ نظرت حويره على النار واستودعته كفَّ مُجمِد
وشد ما اختلف النحاة في قولك:
ألا أيها الزاجري أحضرَ الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
وأما سيبويه فيكره نصب أحضرَ ، لأنه يعتقد أن عوامل الأفعال لا تضمر، وكان الكوفيون ينصبون أحضرُ بالحرف المقدر .
وهنا نلمس ثقافة المعري العالية بحيث يستطيع ترجيح أبيات شعر لشاعرها الحقيقي من خلال معرفته التامة بأسلوب ذلك الشاعر واختلافه عن غيره من الشعراء ، وهذه المقدرة لا يمكن إلا أن يكون صاحبها واسع الاطلاع عليم بأساليب الشعراء حافظا لأشعارهم متقنا لدقائق اللغة.
8- يرد على رواة الشعر البغداديين على بعض الأخطاء في روايتهم لشعر امريء القيس في (قفا نبك ) بأسلوب الحوار وبذكاء منقطع النظير حين خاطب امرؤ القيس متسائلاً: " يا ابا هند إن رواة البغداديين ينشدون في( قفا نبك) ، هذه الأبيات بزيادة الواو في أولها ، أعني قولك:
وكأن ذرى رأس المجيمر غدوة
وكذلك:
وكأنّ مكاكي الجواء
وكأنّ السباع فيه غرقى
فيقول: أبعد الله أولئك! لقد أساؤوا الرواية، وإذا فعلوا ذلك فأي فرق يقع بين النظم والنثر؟ وإنما شيء فعله من لا غريزة له في معرفة وزن القريض، فظنه المتأخرون أصلا في المنظوم، وهيهات هيهات! .
في هذا التعبير نجده ينقد اللغويين بأسلوب قلَّ نظيره فقد عبر عن رأيه باستخدام قائل الأبيات الشعرية نفسه ليجيء رأيه مقنعا ومفحما بنفس الوقت.
كما أنه يرد وضع الشعر باسم سيدنا أدم عليه السلام ، حينما يقابل آدم عليه السلام في الجنان ويخاطبه قائلا:" يا أبانا، صلى الله عليك، قد روي عنك شعر، منه قولك:
نحن بنو الأرض وسكانها منها خلقنا، وإليها نعود
والسعد لا يبقى لأصحابه والنحس تمحوه ليالي السعود
فيقول: فلعلك يا أبانا قلته ثم نسيت، فقد علمت أن النسيان متسرع إليك، وحسبك شهيداً على ذلك الآية المتلوة في فرقان محمد(ص):{ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما} وقد زعم بعض العلماء أنك سميت إنساناً لنسيانك، فيقول آدم: أبيتم إلا عقوقاً وأذية، إنما كنت أتكلم بالعربية وأنا في الجنة، فلما هبطت إلى الأرض نقل لساني إلى السريانية، فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكت، فلما ردني الله سبحانه وتعالى، إلى الجنة، عادت علي العربية، فأي حين نظمت هذا الشعر : في العاجلة أم الآجلة؟ والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة؛ ألا ترى قوله:
"منها خلقنا وإليها"
فكيف أقول هذا المقال ولساني سرياني؟
نراه هنا وبكل وضوح يتطرق إلى قضية الوضع والنحل، بأسلوب لا يخلو من الإبداع ، معبراً بذلك عن موقفه من هذه القضية ومستنكراً لها، كما إنه يطرح الكثير من المفاهيم والآراء النقدية التي تتعلق بمختلف العلوم النحوية والعروضية واللغوية، ومن ذلك ما جاء على لسان حيات الفردوس، في اختلاف القراءات، منها قراءة الحسن البصري، وعمرو بن العلاء، وحمزة بن حبيب الزيات الكوفي أحد القراء السبعة.




























المبحث الثاني

الكوميديا الإلهيّة :


تنقسم الكوميديا الإلهيّة إلى ثلاثة أجزاء هي:
الجحيم , والفردوس , والمطهر.
و المطهر توازى الأعراف فى رسالة الغفران لأبى العلاء المعرّى.

تضم الكوميديا الإلهيّة مئة أنشودة (أربعة وثلاثون للجحيم , وثلاثة وثلاثون لكلاّ من المطهر و الفردوس)...
أمّا عن سبب التسمية بالــ"كوميديا" فلأنّها تبدأ بما يزعج و تنتهى بما يفرح ،على نقيض التراجيديا التى تبدأ بما ترتاح إليه النفس ثم تنتهى بمأساة.

أمّا وصفها بــ"الإلهيّة" فلا يرجع إلى ما أورده "دانتى" من رؤيته للّه فى السماوات العلا فى آخر أنشودة الفردوس , و إنما هى صفة تخلع مجازاً فى اللغة الإيطاليّة على كل ما يبعث على الإعجاب و الروعة لإتقانه و كماله , و بذلك تكون ترجمتها الصحيحة إلى اللغة العربيّة هى "الكوميديا الرائعة " أو "الكوميديا المتقنة" , ولكن نظراً لأن الخطأ الشائع المشهور يحل عادةً محل ما هو صحيح مهجور , فقد تُرِكّت التسمية كما هي .

وهذا تلخيص سريع لأجزاء الكوميديا الإلهيّة الثلاثة :

1-الجحيم :

تاه "دانتى" و هو فى سن الخامسة و الثلاثين بعد نفيه في غابة مظلمة , فحاول الخروج منها بتسلّق أحد تلالها المشمسة , ولكن اعترض طريقه فهد و أسد و ذئبة , وبينما هو يقف يرتعد من الخوف لمح شبحاً , فطلب منه النجدة , فإذا هو بالشاعر اللاتينى الشهير "فيرجيليو" الذى هدّأ من روعه و أخبره بأن حبيبة "دانتى" التى حرمه منها الموت و التى كان إسمها "بياتريتشى" هي التي أوفدته إليه لينقذه و ليصحبه إلى الجحيم و المطهر قبل أن تصحبه هي إلى الفردوس
ويصل دانتى إلى الجحيم فيرى مكتوباً على باب الجحيم بحروف داكنة عبارة تقول
"الطريق إلى حيث القوم المجرمون , فأنا عدالة الخلاّق العظيم , صنعتنى يد القدرة الإلهيّة و الحكمة السامية و الحب الأزلى ... لم يسبق وجودي غير الكائنات السرمديّة , ولقد كتب لي الخلود ....فيا أيّها الداخلون من بابي اتركوا كل أمل قبل دخولكم"
و يدخل "دانتى" من باب الجحيم بصحبة مرشده (فيرجيليو) (وقد دخل ابن القارح الجنة بصحبة رضوان، خازن الجنة) , فيجدان نفسيهما فى وادِ به أناس يصرخون من لسع النحل و حشرات أخرى " هم أرواح الذين عاشوا على الأرض دون إرتكاب آثام و لكن فى نفس الوقت دون عمل الخير , و كذلك أرواح الجبناء و السلبيين"... ثم يجلس "دانتى" و "فيرجيليو" فى زورق و يبحران به في نهر من الحمم موصّل إلى طبقات جهنّم السفلى.... و ينام "دانتى" نوماً عميقاً أثناء تلك الرحلة ثم يستيقظ ليقص أهوال الجحيم و يصف "طوبوغرافية" الجحيم على النحو التالي :

عندما نزل غضب الله على إبليس قذف به إلى الأرض فأحدث إبليس بثقل جسمه فجوة هائلة على شكل مخروط رأسه فى جوف الأرض , و ينقسم هذا المخروط إلى تسع طبقات أو دوائر يتناقص حجمها كلّما إقتربنا من رأس المخروط , و يسكن هذه الطبقات أو الدوائر الآثمون.

الدائرة الأولى
تسمّى "وادى الزفرات" و تقيم فيها أرواح الأولاد الذين ماتوا تعميد و العلماء و الفلاسفة و الشعراء الذين عاشوا فى عصور الوثنية و لم تدركهم المسيحية و لكنهم عملوا أعمالاً صالحة فى حياتهم الدنيوية , و يتلخص عذاب هؤلاء فى حرمانهم من رؤية الله وقد سبقه المعري في ذلك عندما زار ابن القارح الشعراء الذين غفر الله لهم لشعرهم الصالح الذي قالوه قبل الإسلام من أمثال زهير بن أبي سلمى، ( وقد ذكرت ذلك سابقا).

الدائرة الثانية
تضم أرواح أهل الهوى الآثمين الذين تعصف بهم زوبعة هوجاء تجعلهم يدورون حول أنفسهم

الدائرة الثالثة
مخصصة لأرواح الطفيليين المتطفّلين و النهمين الشرهين المفرطين فى الأكل , و يتمثل عذابهم فى تساقط البرد و قطع الجليد عليهم , كما يمزّق كلب ضخم جلودهم بمخالبه

الدائرة الرابعة
تقبع فيها أرواح المسرفين و البخلاء على حد السواء , و يدفعون بصدورهم أحجاراً و صخوراً ثقيلة , ثم تدور كل مجموعة منهم في اتجاه معاكس لاتجاه المجموعة التي تقابلها , ثم يتصادم أهل كل مجموعة ببعضهم بعنف , و يتكرّر ذلك دون هوادة و دون انقطاع ثم يصل دانتي و فيرجيليو إلى مستنقع مليء بالطين وهو الدائرة الخامسة التي تغوص فيها أرواح مرتكبي الخطايا بدافع ثورات الغضب ، ومن بينهم أعداء دانتي من أهل فلورنسا.
ثم... بعد اجتياز ذلك المستنقع فى زورق يدخل "دانتى" و فيرجيليو إلى مدينة اللهب الكائنة فى الدائرة السادسة .....و هى مثوى أرواح أهل البدع و الهرطقة حيث ترقد فى توابيت من نار

ثم ينزل الزائران بمشقّة إلى الدرك السابع من الجحيم..... وهو ينقسم إلى ثلاثة دوائر.... الأولى مختصّة بالمتهوّرين و اللصوص , و الثانية بالمنتحرين و القتلة و المغتالين , و الثالثة بالعائبين فى الذات الإلهيّة و مرتكبي الشذوذ الجنسي ... وهؤلاء كلّهم تنزل عليهم شواظ من نار دون انقطاع بينما هم يرقدون على رمال محرقة في أوضاع مختلفة ؛ و يجد في هذه الدائرة معلّمه و مربّيه و أستاذه "برونيتي" و قد شوّهت النار وجهه.

أمّا الدائرة الثامنة
فتتوسّطها بئر عميقة تحيط بها عشر حفر مستديرة تتصل فيما بينها بجسر من الحجارة... و يضع "دانتي" في هذه المرتبة أرواح المرائين و هي تُضرَب بالسياط ثم تغمس فى بحيرة من الغائط , كما وضع فيها أرواح الرهبان الذين باعوا صكوك الغفران للناس بالمال و قد دُسَّت رؤوسهم ف جوف الأرض بينما اشتعلت أقدامهم ناراً , و كذلك وضع في هذا المستوى أرواح المنجّمين و العرّافين وهى تسير القهقرى إلى الخلف و هي محرومة من النظر إلى الأمام (لأنها حاولت خداع الناس بإدّعائها القدرة على كشف حُجُب الغيب... و كذلك أرواح المرتشين من رجال القضاء وهى تغمس في القطران المغلي , و أرواح المنافقين و قد غُطَّت بقلانس من رصاص مصهور ,و قطّاع الطرق الذين تلدغهم الأفاعى فيشتعلون ناراً ثم يتحوّلون رماداً ثم يعودون إلى الحياة و هلمّ جرّى , و المختالين و المغتابين و المتفاخرين و قد تقرّحت جلودهم بعد إصابتها بالبرص و الجرب(لاحظوا دلالة العقاب و علاقته بالإثم) , و معهم أيضاً مزيّفى النقود و المرابين و قد أصيبوا بمرض الإستسقاء.


و أخيراً.....

يصل الرجلان إلى الدائرة التاسعة...
وهى قاع الجحيم.... و تنقسم بدورها إلى أربع دوائر , و يتعذّب فى كل منها صنف من الخونة... ففيها خائنى الرابطة الزوجيّة , و خائنى أواصر القرابة , و خائنى الميادئ السياسيّة , و خائنى الوطن...... وكل هؤلاء يفترسهم إبليس بأنياب حادّة ( و فى هذه المرتبة أيضاً تجد إبليس و قد غمرته حتى صدره بحيرة من جليد و من دموع دمويّة تنساب من مآقيه بينما هو يمضغ بين فكّيه "يهوذا" الذى خان المسيح و "بروتوس" و "كاسيوس" اللذين خانا يوليوس قيصر الذى كان ولىّ نعمته

المطهر :


يتجه "دانتى" و "فيرجيليو" بعد الجحيم إلى المطهر نحو أهل اليمين تاركين أهل اليسار فى العذاب المهين
وعندما يصلان إلى المطهر يشعران بالهدوء التام و يبدءان فى إستنشاق هواء نقى و نسيم عليل تحت زرقة سماء صافية
و بينما يتطهّران فى مياه نهر بجوارهما يقترب منهما زورق يتلألأ نوراً و يدير دفّته ملك... ثم تنزل من هذا الزورق أرواح كثيرة تستحم فى ذلك النهر تطهّراً من الذنوب قبل دخول الجنّة
و يتكوّن هذا المطهر من سبع دوائر تختص كل واحدة منها بخطيئة من الخطايا السبع الكبرى التى نصت عليها المسيحية:
فالمتكبّرون يطوفون بجبل المطهر وهم يحنون رؤوسهم
و الحاسدون التصقت أجفانهم فلا يستطيعون رؤية أى شئ
و سريعى الغضب غمرهم دخان كثيف
و أهل الخمول و الكسل يسيرون دون توقّف
و البخلاء و المسرفين منبطحون أرضاً
و أولى النهم و الشره يتضوّرون جوعاً و حلوقهم جافة من شدّة العطش
وهلم جرّى...
نلاحظ هنا مدى ترابط درجة الذنب بمقدار العقاب ونوعه.
ثم....
من قمّة جبل المطهر يظهر الفردوس الذى تصعد إليه الأرواح بعد تطهّرها من أدرانها
ثم يجتاز "دانتى" و رفيقه سوراً من اللهب ضُرِبَ بين المطهر و الفردوس فيجدان الورود و الأزهار و الرياحين و أجمل الحدائق الغنّاء .... ثم تظهر "بياتريتش" وعلى رأسها تاج من أغصان الزيتون وعلى وجهها حجاب أبيض و يغطّى جسدها رداء من نور عليه معطف بلون الزمرّد الأخضر..... وفى هذه اللحظة تنتهى مهمّة "فيرجيليو" فيختفى تاركاً "دانتى" بين يدى "بياتريتش" لتسير به بين دوائر الجنّ ولكن قبل أن يلج "دانتى" باب الفردوس يغطس فى نهر "النسيان" ليصبح جديراً برؤية الله.

مرحلة الفردوس


يصعد "دانتى" مع رفيقته إلى تسع أفلاك أو نجوم :

الفلك الأول هو فلك القمر حيث تقيم فيه أرواح البررة.

و الفلك الثانى هو فلك عطارد و تعيش فيه أرواح أهل الجد من المشرّعين و الحّام.

و الفلك الثالث هو فلك الزهرة أو فينوس و يضم أرواح أهل الزهد.

و الفلك الرابع هو فلك الشمس و فيه أرواح علماء الكنيسة على هيئة تيجان من نور.

و الفلك الخامس هو فلك المريّخ الذى تقطنه أرواح الشهداء، ومن ضمنهم جد "دانتى" المدعو "كتشاغيدا".

و الفلك السادس هو فلك المشترى أو جوبيتر و تسكنه أرواح أهل العدل من الملوك.

و الفلك السابع هو فلك زحل أو ساتورن و تسكنه أرواح المتصوّفين


و الفلك الثامن هو فلك النجوم الثابتة و تبدو فيه عظمة المسيح و جلال قدره وهو جالس بين القدّيسن و الأولياء.

ثم يصعد الشاعر الفلورنسى إلى الفلك التاسع" الأمبريوم" فيتمتّع بمشاهدة الوهر الإلهى حيث بهاء الذات العليّة التى طغى سنا نورها على عقله و ذاكرته فجعله عاجزاً عن وصف ما رآه.

و بذلك تنتهى رحلة دانتى و تنتهى كوميدياه

فكرة الكوميديا الإلهية ليست جديدة ولا غريبة فى بابها و لا فريدة فى نوعها... فلقد سبق دانتى إليها فى هذا المضمار شعراء و مفكّرون و رواة نقلوا عن التراث الإسلامى الذى غزا أوروبا منذ دخول العرب إلى الأندلس و كذلك تواجدهم فى حوض البحر المتوسّط نواحى كريت و مالطا و قبرص و الجنوب الإيطالى القاحل المتمثل فى باليرمو و كاليارى و صقليّة، و كان ذلك فى صورة قصص دينيّة و أساطير و رؤى - شعراً و نثراً.

الإسلام كان له الفضل فى ظهور ما يمكن أن نسمّيه بــ"أدب العالم الآخر" أو أدب "مابعد الموت" أو أدب "الغيبيّات"..... وكان للإسلام الفضل فى إنتشار هذا النوع من الأدب خلال القرون الوسطى فى بلاد الغرب المادّية التى جُبِلّت بطبيعتها على الجفاء و القطيعة مع الروحانيّات و الإلتصاق بما هو مادّى و محسوس.
أما تأثير المعري على دانتي ؛ فهو واضح وضوح الشمس من خلال الفكرة الرئيسة التي حملها دانتي في كوميدياه، فقد تشابه البناء الهيكلي للكوميديا مع البناء الهيكلي لرسالة الغفران، لدرجة التطابق، نجد المعري قد تجول في الجنة والنار عن طريق ابن القارح الذي كان أحد علماء عصره، بينما نجد دانتي يتجول مع فرجيليو وهو مؤلف الإنياذة، وهو من العلماء ، كما نجد دانتي يحاور الشعراء والأدباء والفلاسفة ويحاججهم ، تماما مثلما فعل المعري ، وقد حاججهم على لسان ابن القارح في الجنة أو في النار ، صنف المعري الشعراء فأنزل بعضهم النار لشعر قد قاله في حياته أو أنزل آخر الجنة يستمتع بها لشعر قد قاله أو لحديث قاله الرسول (ص) مثلما حدث مع امرىء القيس حين وصفه الرسول(ص) بأنه يحمل لواء الشعراء في النار، ويفعل دانتي المثل عندما يصنف الأدباء والشعراء بعضهم في الفردوس والبعض الآخر في الجحيم بناء على عمل قاموا به فربط العقاب بمقدار الذنب الذي ارتكبه الشخص، ذكر المعري الملائكة والجن، وإبليس، وفعل دانتي المثل فذكر العماليق والحفرة العميقة وأصواتها التي تهتز لها الأبدان، كما أدخل المعري في رسالته وحواراته مع مختلف الشخصيات الأدبية والفلسفية مختلف العلوم اللغوية مثل النحو والصرف والعروض والسرقات والنحل والوضع؛ كما تطرق للعلوم الدينية والشرعية واعتمد في ذلك كله أسلوب الحوار والرمزية التي استخدمها بكل اقتدار وبراعة قلَّ نظيرها وقد تناول دانتي نفس الأسلوب الرمزي وتطرق لمختلف العلوم، وحاور رجال الكنيسة واختلف معهم وتحدث عن المنافقين تماما كما فعل المعري.

أما لماذا لاقت كوميديا "دانتى" كل هذا الصيت الذائع - فى الغرب بالذات فإننى أرجع ذلك إلى عدّة عوامل :
1-التراث الإسلامى الذى إستلهم "دانتى" الفكرة منه هو تراث غير مألوف و غير مطروق فى الغرب ممّا أكسب الكوميديا الإلهيّة نكهة مميّزة لم يتذوّق الغرب مثلها من قبل .
2- طريقة نظم "دانتى" التى ترتكز على قوّة البناء الأدبى و متانة الأسلوب و ترابط المعانى و الحساب الدقيق الذى إلتزمه فى قافية الثنائيّات و الثلاثيّات المتشابكة و التى تتطلّب عقلاً رياضيّاً متمكّناً و صبراً مضنياً و قريحة وقّادة و موادّاً معرفيّة غزيرة و إطلاعاً واسعاً ( و إن كانت كل هذه الصفات التى إكتسبها دانتى من مربّيه تزيد الدهشة من وضعه لذلك المربّى فى الجحيم فى كوميدياه(

3-الرموز التى ملأ "دانتى" بها الكوميديا الإلهيّة أكسبتها إبهاماً و تعقيداً و غموضاً محبّباً لدى القرّاء.
الحقيقة إن "دانتى" ألبس مدرسة الرموز الإغريقيّة و الرومانيّة فى هذه الكوميديا ثوباً قشيباً و صبغها بلون أدبى رقيق و رفيع و مبهم فى نفس الوقت فترك بذلك أكثر من معنى فى أذهان القرّاء.
4- أدخل "دانتى" فى صلب الكوميديا الإلهيّة مختلف العلوم والمعارف و المذاهب الفلسفيّة بطريقة مسلّية جعلت منها دائرة معارف مصغّرة.













الفهرس
المصادر:
القرآن الكريم
المعري، أبو العلاء(449هـ)، رسالة الغفران، شرحها وحققها وفهرسها وقدّم لها الدكتور علي شلق، بيروت: دار القلم،(د.ت).
2- المعري، ابو العلاء (449)،الفصول والغايات، ضبطه وفسر غريبه محمود حسن زناتي، سوسة: دار المعارف للطباعة والنشر، 2000م .
3- المعري، أبو العلاء(449هـ)، رسالة الغفران، قدم له وشرحه مفيد قمحية، الطبعة الأخيرة، بيروت: دار ومكتبة الهلال،2000.
4- الألجييري، دانتي، الكوميديا الإلهية، ترجمة حسن عثمان، القاهرة: دار المعارف، ج1(الجحيم)، 1964 .
5- الألجيري، دانتي، الكوميديا الإلهية، ترجمة حنا غبود،ط1، دمشق: ورد للطباعة والنشر والتوزيع،2002.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف