الأخبار
2018/6/20
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

قصة مدوية لتيسير نظمي أخفاها كمصدر دخل ثم أطلقها مجانا:(أحد عشر دبا ووردة) للكرك

تاريخ النشر : 2009-04-03
أحد عشر دبا ووردة
قصة تيسير نظمي
إلى رنيم

تبقى من الوقت نصف ساعة فقط قبل مغادرة الحافلة الضخمة موقفها في العبدلي – عمان متجهة للعقبة جنوبا.فاتجه بنظره نحو سوق الجمعة المزدحم بالبالة والخضار والناس وصياح الباعة. تذكر أنها كانت تحب سوق الجمعة مثل أي امرأة تحب التسوق بأسعار زهيدة . وهي منذ سنة ربما لم تزر هذا السوق الذي طالما زاراه سويا في يوم عطلتهما. وتذكر أيضا مشترياتها الأثيرة كالقبعات والأحذية والفساتين والبلايز والكنزات الشتوية التي لم تعد بحاجة لها في عملها وحرارة العقبة اللاهبة. وبسرعة راح ينتقي الهدايا لأطفال أصدقائه وربما لها هي أيضا بعد أن تعذر زواجهما لأسباب مادية ومن الطبيعي أيضا أن يتعذر الإنجاب في ظل عدم الإشهار لعلاقة صداقة يعلم بها القاصي والداني ولكنه يمنع فيها الانجاب دون عرس وحجز صالة وتزمير سيارات إلى آخر المعزوفة وحتى آخر زغروتة. على عجل أخذ يعاين وينتقي ويضع في الكيس الأسود وخلال ربع ساعة كان قد انتقى أفضل وأجمل ما على البسطة من ألعاب وهدايا دون أن يبادر لحساب سعرها الاجمالي تاركا الأمر للبائع وحصافته مادام لم يكتف بقطعة واحدة فما على البائع سوى أن يقوم بخصم مناسب على السعر النهائي وهذا ما تم فعلا حيث حسب البائع مشترواته بنحو عشرين دينارا تم التفاوض السريع الحاسم عليها لتصبح خمسة عشر دينارا لا أكثر ولا أقل فاضطر البائع أن يرضخ بقليل من الربح في ظل الأزمة النقدية العالمية وعدم توفر السيولة في الخامس من مطلع شهر كانون الأول لعام 2008 .

كان كلما انتقى دمية أو لعبة يتذكر أنه نسي أن يسأل أصدقائه كم أصبح عمر أبنائهم وبناتهم فيجتهد من تلقاء نفسه في تقدير كل دمية مناسبة لهذا أو ذاك من أبناء أصدقائه الذين يصغرونه سنا وقد شارف على الخامسة والخمسين. كما أن البائع طمأنه بقوله أن اللعب القماشية يمكن غسلها لتعود إليها نضارتها الأولى وتدوم دون كسر أو تلف وكذلك دون تكلفة البطاريات أو الحاجة للكهرباء ما دامت لعبا ودمى من القماش الذي لا يؤذي الأطفال عند التلف والاستهلاك.
نقده الخمسة عشر دينارا ومضى نحو الحافلة دون حقائب بيديه ودون أية دلائل أو مؤشرات بأنه مغادر العاصمة عمان قبل عيد الأضحى بأيام ثلاثة ، لا من حيث هندامه ولا من حيث مشرياته أو استعداداته للسفر. أربعة أكياس مكتظة باللعب وسوداء بيده اليمنى ويجول بها في مكتب السفريات باحثا عن كيس أكبر يحتويها جميعا دون أن يفلح إلى أن جاد عليه موظف في المكتب يعرفه مهتما بالمهرجانات المسرحية فجلب له كيسا جديدا من الأكياس المخصصة للقمامة.
ألقى بالأكياس السوداء الأربعة في الكيس الضخم فاحتواها ثم قام بربط الكيس الأم عليها ليضعه مع حقائب السفر لركاب الحافلة المغادرين.

****

كانت قد أخبرته مقدما أن مكتب السياحة الذي تعمل لديه لا يمكن أن يسمح لها بيوم ولو واحد إجازة كي تستقبله وأن عملها كدليل سياحي باللغتين الفرنسية والإنجليزية يستمر من الثامنة صباحا حتى الثامنة مساء. كما سألته إن كان بحاجة لتحويل أي مبلغ من المال فنفى ولم يخبرها أن وزارة التربية أوقفت تحويل راتبه للبنك منذ أسبوعين معللا أن الروتين المتبع لمن يعودون لعملهم بعد انقطاع يقتضي كل ذلك. وكذلك فعل صديقه الذي قام بالحجز له خاصة وأن استلامه لراتبه يدويا بشيك محول على وزارة المالية والبنك المركزي يحتاج لأربعة أيام عمل كي يصار إلى صرفه بأسلوب المقاصة كما أخبروه يوم الأربعاء.
لكن موظف البنك الذي شعر بضرر أن يدخل معلم في تسعة أيام إجازة من ضمنها إجازة عيد الأضحى دون مليم واحد في جيبه عاجل إلى كتابة كلمة "مستعجل جدا" على شيك راتبه كي يستلمه من الصراف الآلي مساء الخميس وهذا ما حدث فعلا حيث قام فور استلامه بتسديد أجرة البيت المستحقة للمالك وسدد لهذا وذاك ما كان قد استدانه منهم منذ ثلاثة أسابيع قبل أن يحزم أمره نحو العقبة بتشجيع من صديق كركي يقيم ويعمل في العقبة في جريدة "القلعة" .
أما الصديق الثاني الذي كلما اشترى هاتفا نقالا كلما تمت سرقته وتغيير الرقم فقد انقطعت أخباره منذ نحو سنة، بعد أن تزوج وأنجب، وربما انكفأ على حياته العائلية شأنه شأن كل العزاب عندما يتزوجون في ظل ارتفاع الأسعار الجنوني وشح المداخيل وتذمر الأنسباء وأحيانا الزوجات. الصديق الكركي وعد بالبحث عن الصديق المشترك ليخبره أن صديقهم المقيم في عمان سوف يأتي في زيارة لمدة يومين للعقبة. بل أنه هو من أخبر الصديقة السياحية بأنه قادم ولكن للزيارة هذه المرة وليس لخطوبتها ثانية وثالثة من نفسها أو من أهلها. كما أن الصديق الكركي قام بتسديد أجرة مبيت اليومين مقدما لصاحب الفندق خشية إلغاء الأخير للحجز أو إلغاء الزائر للزيارة.

***

صاحب الفندق من جانبه شعر بأهمية الزائر السياسية والسياحية فاستجمع ما بحوزته من الشكوى ليبثها إليه . فهو لا يعلم أن القادم مغضوب عليه من الحكومة ومن أحزاب المعارضة أيضا لأنه مستقل ويأبى أن يلتزم بأي من الأحزاب كما يرفض أن يكون مواليا لأي من الحكومات. وبالمثل فهو مطلق لأنه يرفض أن تضمه إحداهن لبيت الطاعة في هذا السن الطاعن باليأس والعزلة والوعي. لذلك أصيب الكركي الداعي بما يشبه الصدمة عندما شاهد ضيفه يخرج كيسا أسود اللون من بين حقائب وحوائج القادمين من عمان. وبالمثل صاحب الفندق الذي أصيب هو الآخر بالخذلان من مشهد الكيس الأسود الداخل إلى فندقه وهو الذي إعتاد أن يخرج مثل هذه الأكياس من فندقه ليلا كي لا يشاهدها النزلاء فيتأففوا من منظرها أو من رائحة القمامة فيها.
أما الزائر – الكاتب والناقد والصحفي والمعلم والمترجم والمطلق والأعزب والأشيب فلم يبال بما خامر مستقبليه ربما لأنه يعلم أن محتويات الكيس ليس سوى هدايا عندما يصار إلى تغليفها وتقديمها كما تقدم أفخم الهدايا وأشدها إثارة ودهشة ستحوز رضا آباء وأمهات الأطفال الذين يحبهم كما لا يحب أحدا من الكبار. بل كان يعلم أن الدببة التي لم يقم بتعدادها قادرة على إدهاش من لم تبعث العقبة برمتها الدهشة فيه، تماما مثلما راهن ويراهن دائما على قوة الدب الروسي رمز القوة والطيبة.وهكذا دخل الزائر إلى غرفته وبصحبته الكيس الأسود الغامض المحتوى كي يستريح قليلا قبل الطواف بالعقبة.

***

لم يتذكر أول زيارة له للثغر الباسم مطلع عام 1994 قبل 14 سنة ، فقد ضاق بالجريدة وعمان وبالبر والجو واتجه بسيارته اللادا الحمراء إلى البحر عبر السلط والكرك مارا ببحر ميت ومتيمنا بمد أصابع يمناه بالملح الطبيعي لماء كثيف الملوحة في الليل ليتجه في ذات الليلة للعقبة عبر الشارع الطويل المحاذي للبحر الميت بجثته المديدة من الجهة الشرقية والشريط الموازي من الجهة الغربية لا يغادر ذهنه آنذاك. لا لم يتذكر أن رحلته تلك أسفرت عن قراءة مقالة لشمعون بيريز نشرتها صحيفة الجوردان تايمز في عدد اليوم الذي اشترى الجريدة فيه غير قادر على قراءتها في فندق القدس القريب من جريدة الأسواق آنذاك قبل أن تغلق الجريدة وتصبح في خبر كان. بعد عودته من العقبة ، وما أدراك ما العقبة عام 1994 لم تمض أسابيع حتى وجد نفسه في معتقل بيرين بتهمة الشروع بالقتل مكررا ثلاث مرات. وعام 2000 كانت زيارته الثانية للعقبة بسيارة سياحية بعد أن بيعت اللادا الحمراء في مزادات دائرة الإجراء في الزرقاء لتذهب نفقة مقدمة على أطفاله وهو بلا عمل منذ خروجه غير مسؤول عما نسبته امرأة له من الشروع المتكرر بقتلها عام 1994 وكانت برفقته خطيبته التي ذهب إلى مقر عملها في جريدة ستار الأسبوعية التي تصدر باللغتين الإنجليزية والفرنسية عن دار الدستور للطباعة والنشر. فقد تعاطف مع خريجة جامعة اليرموك قسم اللغات الأجنبية التي بالكاد تقبض عشرين دينارا شهريا من الجريدة لقاء كل موضوع ينشر لها إذا تم نشره والتي كانت تقيم لدى إحدى المطلقات الوارثات عن آبائهن قسطا لا بأس به من الثروات. وتلك الخريجة المتطلعة لعالم الصحافة ببراءة لم تكن تدرك تماما حجم التمييز الممارس ضدها وإن كانت تلمسه وتحسه لأنها إبنة قرية قباطية بالضفة الفلسطينية وجميع أهلها في السعودية. قال لرئيس تحريرها الذي فوجئ بزيارته أنها أي إبنة قباطية لن تعود للعمل غير المجدي بعد تلك الزيارة وأنها منذ تلك اللحظة خطيبته وسوف يذهب بها للعقبة لزيارة أسرة صديقة كي يشهر علاقته بها قريبا من حدود الأردن مع السعودية بمكالمة هاتفية مع والدها المغترب هناك منذ سنوات طويلة. كانت قد تخرجت من الجامعة ولم توظف في مجال اختصاصها سوى على التعليم الإضافي رغم أنه مرت سبع سنوات على تخرجها آنذاك عند نهاية الألفية الثانية.لا لم يتذكر تلك الزيارة وهو يشن الزيارة الرابعة أو الخامسة للعقبة ردا على وفاء شاب كركي أعجبته مواقف أبي إلزا أو أبي غسان الثقافية والسياسية وظل وفيا لهذا الإعجاب في أقسى لحظات حياة أبي إلزا سوداوية وعزلة وحزنا. وعلاوة على الحزن والوحدة وسوء الطالع فقد كان الزائر للعقبة اليوم ساخرا ومصدرا للضحك والبهجة والنكتة في كل المواسم الثقافية التي تهل على الأردن المفتون بحبات قليلة من الديمقراطية المقننة الحذرة. فالدببة التي إشتراها من بالة سوق الجمعة قبل صلاة الظهر ليحملها معه إلى العقبة تشي دون شك بأنه غريب الأطوار. فكل من يغادر عمان يكون قد أعد عدته لكون العقبة منطقة حرة يستطيع أي زائر لها أن يسترد تكلفة رحلته تلك من فارق السعر لمشترياته من العقبة التي يزيد ثمنها في عمان نحو عشرة بالمئة ، كأن يشتري أحدهم كروزين سجائر من العقبة فيكون سدد بفارق سعرها ثمن تذكرة الذهاب فإذا اشترى كيلوغراما من المكسرات والموز مثلا يكون بذلك سدد ثمن تذكرة الإياب، وإذا ما اشترى أي جهاز كهربائي أو حراما للشتاء المقبل أصبحت إقامته والسفرة كلها للعقبة ببلاش هذا إن لم يكسب دنانير إضافية. أما أن يشتري الذاهب للعقبة من بالة عمان أحد عشر دبا قماشيا بمبلغ خمسة عشر دينارا ثم لا يجد من قام بحملها لهم فيضطر للعودة بها معه إلى عمان وبالتالي جمركتها بأغلى مما اشتراها به فتلك لا تخطر ببال عاقل إلا هو. فقد جرب أن يشتري لوليد شقيقه الأصغر دبا من الزرقاء فدفع به خمسة دنانير، وبالتالي فإن دبا مماثلا قد يشتريه من العقبة سيكلفه أربعة دنانير إن لم توجد البالة في العقبة. لذلك لم يكن بوسعه إلا أن يغامر بشراء أكبر عدد من الدببة تمهيدا لإهدائها للصغار وللكبار في العقبة. وماذا بوسعه أن يهدي غير ذلك ترحما على الاتحاد السوفياتي والدب الروسي الطيب والقوي؟ كما أن أعياد الميلاد مقبلة عند نهاية الشهر ولسوف يصبح ثمن الهدية فيها مضاعفا فالدب الصغير لن يشتريه أحد بأقل من عشرة دنانير. ولذلك كان المغادر لعمان قلقا على ثروته التي أودعها الكيس الأسود الذي أودعه مكان شحن الحقائب في الحافلة الضخمة الفخمة التي يستقلها الآن قاطعة الفيافي الصحراوية ومارة بالجفر على يسارها وهي تنهب الصحراء نحو الثغر المطل على إيلات.

***
أغلق باب غرفة الفندق على نفسه وراح يخرج الدببة واحدا تلو الآخر ليطمئن عليهم جميعا من وعكاء السفر لأربع ساعات ونيف متصلة ، وبخاصة على الصغار منها فكبيرو الحجم لم يكن ليقلق عليهم وإنما على الرضع منها والقليلة الحجم الواعدة ببراءة أكبر وبزمن مقبل وافر وبحار لها آفاق رحبة لا تنتهي مثل بحر العقبة بجبال سوداء قاحلة في شاطئ آخر محرم في منطقة أخرى محتلة ومن ورائها غزة الغارقة بالظلام والحصار والجوع والمذلة. وبسرعة الملتزم والمحترم لوقت وضيافة الصديق الكركي أعادها للكيس الأم وأغلق الغرفة نازلا إلى حيث استضافه السيد ابراهيم البطوش في مطعم فاخر بمقاييس العقبة الشعبية بعيدا عن فنادق الخمسة نجوم بالطبع والتي كانت وستظل نائية على أمثالهما.
قال أبو رنيم : لقد أخبرت الآنسة فاطمة بزيارتك وموعد وصولك منذ ليلة أمس. ولم يعلق الخطيب السابق للآنسة فاطمة. ففهم أبو رنيم أن الأمر لم يعد يعني ضيفه وأن العلاقة بها غدت فاترة بعد أن ارتفع دخلها عشرات أضعاف دخلها كمعلمة لغة فرنسية اختارت أن ترافق السواح الأجانب كدليل سياحي على أن ترافق الطالبات إلى مستقبل مجهول فقامت بتقديم طلب لمديرية عمان الأولى للسماح لها بإجازة بدون مرتب من التعليم الذي ضاقت به ذرعا. وخلال سنة استطاعت من عملها في العقبة أن تشتري شقة وتسدد من ثمنها واحدا وعشرين ألفا من الدنانير بحيث لم يتبق عليها من ثمنها غير سبع عشرة ألفا وتصبح بالتالي مالكة لشقة خلال سنتين عمل متصلتين دون إجازات أو وجع رأس يأتيها من خطيبها وزوج المستقبل وشؤونه الثقافية والسياسية. أدرك أبو رنيم من فسحة الصمت التي سادت بينهما أن العلاقة بينهما شبه منتهية فلا الآنسة فاطمة أبدت اهتماما بصديقها القادم من عمان كأن تطلب يوم إجازة في يوم الجمعة ولا هي طلبت اسم الفندق الذي سينزل فيه ولا أبو غسان هو الآخر أبدى أي تساؤل عن الفندق الذي تقيم آنسة فاطمة فيه منذ سنة ريثما تنتهي عملية التشطيب لشقتها. لكن أبا غسان كان فرحا أيما فرح بأبنائه الأحد عشر متفاوتي الأحجام والأعمار. راح يتذكرهم واحدا واحدا وهو يلتهم طعام الغداء بصحبة الصديق. فقد كان مجرد شرائه لأحد عشر دبا دفعة واحدة في يوم استراحة جاء استثنائيا كون الراتب الموقوف تم الإفراج عنه، في الوقت الضائع مساء أمس الخميس، بحد ذاته فرحة عيد لا توصف. وهو يفكر الآن بأن يعلن المفاجأة بعد أن يغلف كل واحد أو اثنين منها في علبة فاخرة يشتريها من العقبة ليصار إلى تقديم هداياه لرنيم وزيد وبيسان وما يستجد من أطفال وولادات في العقبة أو فندق الشاطئ إن حدثت ولادات في اليومين الأخيرين قبل أن تقترب سكاكين الأضحى من أعناق الخراف.

***
عند الثامنة مساء استأذن السيد أبو رنيم من ضيفه ليتجه إلى عمله المسائي حسب الإتفاق بينهما على الهاتف ما بين العقبة وعمان، حيث قال أبو إلزا أن وقت المساء بعد التاسعة سوف يكون مناسبا للآنسة فاطمة أن تزوره أو يزورها به بينما يكون النهار بعد الحادية عشرة صباحا مناسبا للقيا الصديق المستضيف. لكن الصديق الكركي لم يغادر تماما حتى اطمأن على أن الضيف قد اتصل بصديقته ليشعرها بتأكيد وصوله للعقبة حتى وإن لم تبادر هي بالاتصال لفوارق طبقية ناشئة بينهما خلال سنة من الفراق المثمر.
قالت على الهاتف أنها وصلت للتو من عملها في البتراء وتريد أن تستريح وتأخذ "شاور" فقال لها "براحتك" فأنا أحتسي القهوة على اللسان الخشبي الممتد داخل البحر. وحالما أغلق هاتفه النقال سمع نعيق صديقه الغراب الذي رغم الليل ميز لونه بأنه الغراب الأسود الذي يحب. فالنورس كان قد ودعه بكثافة منذ آخر سفرة له مغادرا غوكتشدرة عبر البحر عائدا مع إلزاه الطفلة وأمها إلى مكان إقامتهما في الصيف في اسطنبول الغربية. يومذاك بكت أم إلزا لمشهد النوارس البيضاء التي كانت بالعشرات تلاحق المركب المغادر إلى اسطنبول شاعرة أنها ستكون آخر رحلة لهم لتركيا عام 1986 وقد صدق إحساسها وحدسها الحزين الذي انتهى عام 1996 بالفراق الدائم والطلاق البائن والسجن لمدة سنتين على ذمة الشروع بقتلها قبل الطلاق الذي طالبت به من الغراب الأسود.
قال أبو إلزا محدثا نفسه والغراب يحلق من حوله: تأخرت عليك كثيرا وتأخرت عليّ أنت كذلك أيها الصديق الذي ينبذه الناس ولا يفرح أحد لمرآه. أما الغراب الأسود فقد ظل ينعق معبرا هو الآخر عن شعوره بوصول رفيق الدرب.
كانت إيلات متلئلئة متلألئة ممتلئلأة بالضوء الأصفر كما لو كانت مزدانة بعقد كبير من الذهب الخالص الذي يبرق في العينين ويرسل ظلاله المضيئة نحو ماء راكد ساكن ليس بماء بحر وإن أسموه كذلك. إنه شاطئ وليس غير. إنه ماء المساء وليس ماء "الشاور" الدافئ. إنه الظلام على شكل ماء. الظلام غير المفهوم من سوء التفاهم. الظلام الذي لا يحيلك بأي حال إلى ظلام العهد القديم. الظلام الذي لم تقرأ عنه في سفر التكوين. الظلام الذي يحمل أسماك الجانب الأردني إلى أعلاف الجانب الإسرائيلي حاملا معه بضع دولارات صرفها السياح في فنادق الخمسة نجوم التي شيدها عمال البناء بتعب الغربة عن الأهل سواء كانوا في مصر أو كانوا في فلسطين.إنه الظلام البارد الذي تستحيل السباحة فيه، الحركة فيه، الموسيقى فيه، غير موسيقى الصمت الميت. إن بحر العقبة أيضا بحر ميت لا علائم حياة منه أو فيه. أيها الغراب الذي ترى ما أرى دعني أسلم عليك، فهل تقبل بالمصافحة مثل شيخ الأزهر مثلا رغم أننا من ديانة واحدة ولون واحد ؟ ويا من كنت في عصمة ما لدي من أجور السيارات السياحية من إربد حتى العقبة كم يطول الشاور بالله عليك؟ خمس سنوات من التشرد مثلا أم نقع أقدامنا بالماء البارد كأقصى طموح راودنا صيف عام الألفين ؟ يومذاك أخذت الطفلة بيسان إلى المصور كي أسيطر على الفرح فأجمد الزمن في ورقة هي الصورة لها لكنها لحظة التصوير بكت فأدركت سوء طالعي وأعدتها للأسرة الناشئة حديثا المستضيفة لي ولصديقتي التي أصبحت خطيبتي ولم تصبح زوجة بعد. بكت بيسان كما لم تبك طفلة بصحبتي. وفرحت فاطمة كما لم تفرح إبنتي. ومضينا في الزمن المخاتل إلى الفيضان الذي أتى على الوثائق والأرشيف والصور والأثاث والإنترنت المقاوم والهاتف والفراش والملابس عند نهاية الألفين وواحد في مثل هذه الأيام. وذابت صورة بيسان التي أهدت محمود درويش في ما بعد باقة ورد قبل الرحيل. لم تعد اللحظة موجودة سواء بفرحتها أو بدموعها التي تأكدت. وكذلك السنين الثمانية تنتهي الليلة بشاور خفيف الوقع على عائد سخي لبذل طري بالتحدث عن المعالم السياحية للأردن الشقيق من البتراء إلى العقبة وربما إلى إيلات سرا أو جهرا لا فرق. وفي كل مرة تتساءل ما الذي أتى بك إلى العقبة وكل حيلتك عقبات وراء عقبات فهل نقصتني العقبة لأكملها في حضوري؟ الصديق إياد لا خبر عنه ولا أحد يعلم على أي الأرقام يرد. وشقيقك الذي تسمع فقط من الناس أنه في العقبة يعمل لا أحد يعلم عنه شيئا هنا وحتى لو سألت الغراب صديقك الأزلي لن يخبرك عنه بنعقة أو خفق جناح. قال لنفسه والملل يسيطر على المشهد وربما كذلك على إيلات : كم أحتاج أي من الدببة الآن ، أصدقائي وأحبتي الذين سوف تتم التضحية بهم كهدايا دون رحمة. وتمنى لو اصطحب إحداها معه باتجاه هذا الليل الليل. لكانت عيناه قد أبرقتا بالدمع لفرط ما في المشهد من قسوة الذبح الأضحى. وكما توقع جاءت الآنسة بفتور. ألقت التحية كما تلقيها سيدة أجنبية جاءت لمراسم دفن ماضيها الشقي إلى الأبد في شقة فوق جبال الألب. جلست وطلبت كأسا من اليانسون. سون سون وشربت وغادرت لأن الوقت تأخر وفي الصباح عليها أن ترافق فوجا جديدا من السواح. وكما ينتظر شقيقه سائحة أجنبية تنقذه من البطالة في الأردن العربي الشقيق فتفتتن برجولته أو ذكورته وتأخذه معها إلى فرنسا أو بريطانيا فهي أي صاحبة الشاور سوف تنتظر بالمقابل سائحا شابا غير هؤلاء العجزة والكبار في السن ليفتتن بها هي أيضا فينقذها من التعليم ووزارة التربية وراتبها القليل الذي لا يسدد قرضا بنكيا لسفرتها لباريس أو لشراء سيارة متواضعة. الكل ينتظر الأجنبي صديقا زوجا عشيقا أو عشيقة محتلا أم غازيا زائرا سائحا أم سائحة فاتنة الفخدين. إنه أجنبي أو أنها أجنبية وكفى إلاك أيها الغراب العنيد الذي رغم امتلاكه لأجنحة تعلو فوق نقطة الجمارك الأردنية التي تفصل العقبة عن باقي الأردن وتعلو فوق السفن البارخة والسفن الرائحة وسارية العلم الباذخة لعلم لا تشعر مع ركود الريح بأنه موجود، لا يفكر بمغادرة الوطن. أيها الغراب لماذا لا تسافر فأنت الوحيد بيننا الذي يمتلك حريته دون أي احتجاج من إسرائيل على خرقه للحصار في غزة. أو دعني أقترح عليك الزواج بسوسنة البحر البيضاء إن لم تصب بالتفرقة العنصرية. إرحل أيها الغراب الأسود كما رحلت فطوم للدوام وأمنيات المستقبل خارج هذه الحدود حيث لا حدود في الجو سوى الأجواء الاقليمية لكل بلد وأنت مختلف عليك ومن كل بلد تخرج لأي بلد دون وثائق أو جوازات سفر . ولن أثقل عليك فأستغل صداقتنا أيها الغراب فأقول خذني معك لترفض. فقط أردت إنقاذك من هذا العواء الداخلي الذي ينبح دون أن يسمعه أحد في الجانبين ، الأردني والاسرائيلي ، أو الأردني والسعودي أو السعودي والمصري ، حيث أنت تحلق عند ملتقى الحدود مع الدول ولا دولة لك مثلي أيها الغراب سوى هذا الحصار الذي يلفنا مثل كيس أسود من الليل لا أحد يمتلك حق فتحه أو تمزيقه غير الدببة التي إن طال حبسها في الغرفة ستخرج بقوة الجوع تبحث عن طعام أولادها.

***

في اليوم التالي قال صاحب الفندق للشاب الكركي الذي جاء للفندق يسأل عن الضيف:
لقد ترك لك هدية كما ترك في الفندق الآخر هدية أيضا وغادر بعد أن أسلمنا غرفته المحجوزة دون أن نعلم إلى أين.
وعندما عادت الآنسة فاطمة من عملها في الثامنة والنصف مساء قال لها أيضا صاحب الفندق الذي تقيم فيه أن شخصا طويل القامة أشعث الشعر يلبس نظارة قديمة الموديل جدا ويرتدي جاكيتة سوداء قد مر وترك لها رسالة وكيسا من النايلون بهيج اللون فيه عددا من الدببة.
ويقال ، على ذمة الراوي ، أنها فتحت الكيس أولا قبل أن تقرأ الرسالة فراحت تضحك وتضحك من المفاجأة التي لم تخطر على بالها ، فهي تحب الدببة وأول هدية لها من خطيبها السابق كانت دبا أبيض اللون فكيف اهتدى أخيرا إلى الدببة بنية اللون مختلفة الأحجام ، وبينما صدقا أم كذبا هي فرحة أمام مكتب الاستقبال في الفندق شرعت تقرأ الرسالة التي استلمتها وعيناها تدريجيا تمتلئان بالدموع:
الأستاذة والصديقة فاطمة
مررت ولم أجدك في الثامنة والربع مساء ، كان بودي أن أرى وقع المفاجأة على ملامحك ، قصدت فقط إضحاكك من أولادي منك ، أرجو العناية بأصغرهم الذي لا يريد أن يفتح عينيه رغم محاولتي قبل وضعه في الكيس أن أجعلك تشاهدين عينيه الجميلتين. لقد أحببتهم بكل صدق وبكل الحب أهديك ثلاثة منهم حرصت أن تنال ألوانهم رضاك. سأحاول في العيد أن أجد وردة مناسبة تليق فإن لم أعثر أو نسيت أرجو المعذرة ، فقد تأخرت كثيرا. تيسير.
وفي اليوم التالي لاحظ صاحب الفندق أن الحياة تسير بشكلها الاعتيادي. فرغم أنه لم يشاهد الآنسة فاطمة تضحك لهدية وصلتها منذ أكثر من سنة بمثل ضحكاتها ليلة الأمس ، ورغم أنه أيضا لم يشهدها تبكي بعد ذلك بمثل ما بكت عيناها ليلة أمس ، إلا أنه لاحظ بشدة كيف خرجت إلى عملها اليوم مبكرة وكأن الأمس لم يكن.
أما صاحب الفندق الآخر والمضيف فقد لاحظ أن ظاهرة الدببة بدأت تنتشر في العقبة ومن إنتاج صيني وبأحجام كبيرة ودون أكياس سوداء ، لكن أحدا لم ينتبه لاختفاء الغراب الأسود ، أو ينتبه لسقاية الوردة ، أية وردة من دم الأضاحي في العيد.
www.omedia.jeeran.com/theatre.html
www.nazmi.org
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف