أيها الرئيسُ الفلسطينيُ، حماسُ السرُّ، والجماعةُ
د. فايز أبو شمالة
غزة بعض مسئولياتك أيها الرئيس الفلسطيني، وهي أمانة في عنقك، وهي جائعة لعودتكم رمزاً موحداً للوطن، وظمأى لالتئام الشمل الفلسطيني الذي بات حاجة إنسانية، قبل أن يكون ضرورة سياسية، لقد أضحى شوق الشعب الفلسطيني إلى الوحدة الوطنية أكثر من شوقه إلى فتح المعابر، والتهدئة مع إسرائيل، وأكثر من شوقه إلى الراتب الشهري، والمفاوضات التي لن تسفر عن حل عادل لقضية الصراع مع الدولة العبرية، إذ لا يختلف فلسطينيان مخلصان على أولوية الوحدة الوطنية، وأهميتها كمقدمة لحل تفاوضي يرضى عنه الفلسطينيون بشكل عام، ومقدمة لتهدئة تضمن فك الحصار بالكامل عن غزة، وعدم اجتياح الضفة الغربية، وتؤسس لسلام يحفظ كرامة العباد، ويصون البلاد.
فكيف حال غزة بعد عام من الانقسام؟
غزة تنام وتصحو في حضن حماس، ولا فكاك من هذه العلاقة التي باتت أشبه بعلاقة الفتاة بأمها، تحفظ سرها، وتمشط شعرها، وتهدهد سرها، وتهون عليها الهموم، وتبشرها بالغد، والأمل، ومن يحسب غير ذلك، فلا يخدعن إلا نفسه، ومن يظن أن أهل غزة سيفزعون بالعصي والحجارة على حماس، فقد وقع في ضلال مبين، وساق القرار الفلسطيني بالاتجاه المعاكس للواقع، والمخالف للمتغيرات التي باتت تحمل اسم حماس في كل زاوية من غزة، وعلى كل موجة بحر، وهذا ما يجب أن يكون واضحاً للرئاسة في رام الله، وما يجب أن ينقل بأمانة وصراحة من الأخوة في فتح، كي يكون القرار الحكيم؛ الشروع الفوري بالحوار، مع نتائج قريبة المنال، ولصالح الشعب الفلسطيني، فما لا يدرك كله، لا يترك كله.
لقد فرضت الوقائع الميدانية قبل عام حقائق تمتد من شواطئ غزة حتى خط الهدنة، ولا أظن من الحكمة القفز عنها وتجاهلها، بل يجب أخذ المستجدات بعين الاعتبار للخروج من حالة التمزق، ولا يعني التسليم للواقع التسليم لمنطق القوة، وإنما التسليم بالتطور الطبيعي للأحداث المركبة التي سبقت المتغيرات، والتي اشتكى منها كل مخلص للوطن، ورفض أسلوبها كل منتمٍ بصدق إلى هذا التراب.
لقد تحملت حماس مسئولية غزة لأكثر من عام، وفي ظروف قاهرة استثنائية، وصمدت، ونجحت حتى الآن رغم ما يقال عن تجاوز هنا، وخلل هناك، وخطأ هنالك، ورتبت أمر الناس قدر المستطاع، ووفرت الرواتب لمن قطع راتبه، ووفرت الأمن للمواطن بشكل عام ـ لا أتحدث هنا عن بعض الملاحقات الناجمة عن خلافات تنظيمية، وترتيبات أمنية يلجأ إليها كل صاحب سلطان، ليحفظ بقاءه، وإنما عن الأمن العام الذي أصبح مستقراً من وجهة نظر المواطن العادي في غزة ـ لقد نظمت حماس حياة الناس وفق المتاح، ونجحت في ذلك، وحافظت على قوتها، وتماسكها، وسلاحها، وجمهورها، وأقتنع الناس أنهم مع حماس في جهاد، وأنهم في أرض الرباط، وكل ما يحاك لهم في الظلام يستهدف قضيتهم، ووطنهم.
لقد أضحت حماس بعد عام من الحكم في غزة أكثر ثقة بالنفس، وهذه الفترة بالنسبة لها تجربة ريادية، ونموذج يمكن أن يعمم، فمكنت نفسها في غزة، وهذا ما يؤكده رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي " يوفال ديسكن" عندما قال: أن حماس استغلت التهدئة لتلغيم مناطق شاسعة في غزة. لقد أوجدت حماس واقعاً جديداً لا يمكن تخطيه بالقوة الخارجية، أو تجاوزه داخلياً إلا بالحوار البناء، والقادر على الآخذ بعين الاعتبار هذه القوة، والتعامل معها كقوة فلسطينية معززة للمفاوض الفلسطيني، لا بديلاً عنه، وتسخير هذه القوة بما يخدم القضية الفلسطينية، لا بما يديم الانقسام، وهنا لا مفر لحماس من التناغم مع الرؤية السياسية الفلسطينية والعربية، والعمل على إيجاد القاسم المشترك مع الرئاسة، بما يضمن ترتيب الأدوار، وتنسيق المواقف السياسية بما يخدم صالح الوطن.
فأين تكمن قوة حماس؟
أولاً: بعيداً عن صدق الولاء، والانتماء، والتنظيم، والتعبئة التي أنتجت الألوف المستعدة للتضحية بالنفس بلا مقابل، وبلاد تردد، فإن قوة حماس تكمن في التكتم، والسر الدفين، إن جماعة حماس تعمل بسرية فائقة، إنهم يؤمنون بسجن المعلومات، ولا تعرف يمين العضو من حماس ما فعلت شماله، ويكفي أن نعرف أن المخابرات الإسرائيلية لا تعرف أين تخبئ حماس أسيرها "جلعاد شليط " وقطاع غزة تحت العين الإسرائيلية على مدار الساعة، ومساحة غزة لا تتعدي مساحة ميدان التحرير وسط القاهرة، فكيف يمكن اختراق حماس، والوصول إلى جوفها المظلم بالسرية، ومكنونها المكتوم عن أقرب الناس لها، إنها تخطط على المدى البعيد، وتفكر في اللحظة الراهنة، ولا يسبر غورها أحد، وتعرف ما تريد.
ثانياً: روح الجماعة، حماس تعمل بشكل فريق، فلا تفرد بالقرار، ولا مصداقية لما
يقال عن انشقاق هنا، وتمرد هناك، ورفض وغضب، وانقسام، حماس تحكمها روح الجماعة، ومجلس الشورى، فريق عمل يبدأ من المسجد، والحارة، والحي، والمخيم، والمدينة، ومن ثم المنطقة، والقرار يمر بمراحل من المشاورة، والإقناع، والإجماع قبل التنفيذ، إن لدى حماس ديمقراطية الرأي أكثر من بعض الفصائل الفلسطينية التي تدعي الديمقراطية، ولم تغير وجوه قادتها، وأمنائها، ومسئوليها منذ أربعين سنة، إن مفكري حماس يبحرون على موجة دهاء تلاطم دهاء اليهود، إن لم يكن قد بدأ يعلو موجهم في الفترة الأخيرة.
المراهنة على الزمن
لقد راهن البعض على سقوط حماس بفعل الضربات الإسرائيلية، والاجتياح، والخنق بالحصار، والمقاطعة، والتجفيف، والتخويف، ولقد سقطت كل الرهانات مع تحقيق التهدئة، وفك الحصار ولو جزئياً عن غزة، ولاسيما بعد انكشاف المصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية من وراء التهدئة، والقاضية بتواصل تمزيق الوطن بين فتح وحماس، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الإقليمية التي فرضت على إسرائيل وأمريكا واقعاً جديداً يحتم التهدئة، بالإضافة لقوة حماس على الأرض، أن حماس قوية جداً، ومخطئ من يظن أنها ستنهار من الداخل، فهي صخر من جبل لا يحركه السيل، تزداد تماسكاً، وتزداد قوة، والتصاقاً بالأرض والشعب كلما أحست بالخطر، فحماس سنة 2008 أقوى مرات من حماس 2007 ، وكلما عبر الوقت كلما قويت حماس، وتصلبت، وتشددت في مواقفها، واشتراطاتها للمصالحة، لأن الوقت يعمل لصالحها، فإن اكتملت لحماس في المرحلة القادمة التهدئة مع إسرائيل بإتمام صفقة الأسرى، وتم فتح معبر مصر، وسقطت حكومة "أولمرت" قبل نهاية العام، وغادر الرئيس " بوش " البيت الأبيض" ، وفرضت إيران أجندتها التفاوضية على المجتمع الغربي، فإذا أضيف لما سبق اقتراب موعد استحقاق الرئاسة الفلسطينية حتى مطلع العام القادم، كما أشار إلى ذلك الأستاذ سعيد صيام، وقررت حماس عدم الاعتراف بالرئاسة حتى تاريخه، حينئذٍ تكون المصالحة الوطنية قد دخلت منعطفاً جديداً من التمايز في المواقف، والتباين في القوة والتأثير، ويغدو ما هو ممكناً اليوم مستحيلاً غداً، وتصبح اللقاءات الفلسطينية في خبر كان، وفي ذلك دوام تمزق الوطن.
ما الذي يعيق المصالحة الفلسطينية؟
لقد أظهر طرفا الخلاف الفلسطيني القدرة على التعامل مع الدولة العبرية، رغم ما بينها وبين الشعب الفلسطيني من صراع وصل حد التصفية، وإنهاء الوجود، فأظهرت حماس مرونة في مواقفها من الدولة العبرية متجاوزة في ذلك ثوابت سياسية، وقناعات فكرية، كانت بالنسبة لها من المستحيل، وتوصلت مع عدوها الرئيسي مغتصب الأرض إلى تهدئة، وقد أظهرت الرئاسة الفلسطينية مرونة فائقة في التعامل مع الدولة العبرية، ولم تلغ لقاءات رئاسية مع " أولمرت" رغم الاجتياح للضفة الغربية، وتصفية الشباب المقاوم، وما زالت اللقاءات، والمفاوضات تتواصل بشكل منتظم بين الرئيس عباس و" أولمرت " الذي يرأس مجلس وزراء دولة لم تغتصب السلطة في غزة بالقوة كما يقول البعض، وإنما اغتصبت كل فلسطين، وتضم سجونها الألوف من شعبنا، ويقتحم جيشها كل يوم مدن الضفة الغربية، يقتل ويغتصب.
إن من نجح في اللقاء والتفاهم مع ألد أعدائه، دون شروط، ليس صعباً عليه اللقاء مع نفسه، وبعضه، وأخوته، وأبناء شعبه دون شروط، وذلك لا من أجل القضية السياسية فحسب، وإنما من أجل السلم الاجتماعي؛حيث غدا شعبنا الفلسطيني بحاجة للمصالحة الوطنية أكثر من حاجته للتهدئة، أو للسلام مع إسرائيل.
إن باب المصالحة الوطنية يشرعه الواقع، فهل أدرك كل من قادة فتح، وحماس، أنه ضعيف، وتائه دون الآخر؟ وأن الطائر لا يرتفع إلا بجناحين؟ وأن تواصل تمزيق الوطن بمثابة نكبة للقضية الفلسطينية؟ وأن المصالح الحزبية تذوب، وتنتهي إذا دمرت المصلحة العامة؟ فما فسد كله فسد جزؤه.
ملاحظة: أنا لست من حماس، ولا علاقة تنظيمية لي مع فتح منذ دخولي الانتخابات التشريعية مستقلاً سنة 1996، ولا أنطق إلا بما استشعره على أرض الواقع، وأحسبه لصالح فلسطين التي أكلت من عمري عشر سنوات سجن، لقد سبق وأن نبهت في مقال سنة 2005 تحت عنوان: حماس، يا سيد يوسف القزاز ـ كان المرحوم قد قلل من شأن حماس، وغيب تواجدها الميداني، ورفع قوة فتح، وعظم قدرتها على جرف الشارع خلفها ـ لقد نبهت إلى تعاظم قوة حماس، وتماسكها، وأشرت فيما بعد بالأرقام التي حصل عليها الرئيس محمود عباس في الانتخابات الرئاسية، فقد حصل في محافظة خان يونس على [37700] سبعة وثلاثين ألف وسبعمائة صوت فقط من أصل مائة وعشرين ألف صوت تقريباً، أي أن الرئيس قد حصل على أقل من ثلث أصوات أصحاب حق الاقتراع، وهذا مؤشر كافٍ في حينه، ودليل على وجود حماس البارز، وتأثيرها في الحدث بين الفلسطينيين، ولكن بدلاً من تدارس الواقع، ومعالجة الأخطاء في فتح، فقد لامني بعض الأخوة في ذلك الوقت، واتهمني البعض بأنني قلبت حماس، دون التنبه إلى مضمون المقال، ولما يجري على الأرض من تحولات، فكانت نتائج التشريعي بعد شهور من كتابة المقال تؤكد فوز حماس، وقوتها، وقدرتها.
فهل يتنبه الأخوة في فتح إلى أهمية تجاوز ما سبق، وبدء الحوار فوراً مع حماس من منطلق الشراكة، بهدف التوصل إلى مصالحة حقيقية تخلص شعبنا من حالة التمزق والضياع.
د. فايز أبو شمالة
غزة بعض مسئولياتك أيها الرئيس الفلسطيني، وهي أمانة في عنقك، وهي جائعة لعودتكم رمزاً موحداً للوطن، وظمأى لالتئام الشمل الفلسطيني الذي بات حاجة إنسانية، قبل أن يكون ضرورة سياسية، لقد أضحى شوق الشعب الفلسطيني إلى الوحدة الوطنية أكثر من شوقه إلى فتح المعابر، والتهدئة مع إسرائيل، وأكثر من شوقه إلى الراتب الشهري، والمفاوضات التي لن تسفر عن حل عادل لقضية الصراع مع الدولة العبرية، إذ لا يختلف فلسطينيان مخلصان على أولوية الوحدة الوطنية، وأهميتها كمقدمة لحل تفاوضي يرضى عنه الفلسطينيون بشكل عام، ومقدمة لتهدئة تضمن فك الحصار بالكامل عن غزة، وعدم اجتياح الضفة الغربية، وتؤسس لسلام يحفظ كرامة العباد، ويصون البلاد.
فكيف حال غزة بعد عام من الانقسام؟
غزة تنام وتصحو في حضن حماس، ولا فكاك من هذه العلاقة التي باتت أشبه بعلاقة الفتاة بأمها، تحفظ سرها، وتمشط شعرها، وتهدهد سرها، وتهون عليها الهموم، وتبشرها بالغد، والأمل، ومن يحسب غير ذلك، فلا يخدعن إلا نفسه، ومن يظن أن أهل غزة سيفزعون بالعصي والحجارة على حماس، فقد وقع في ضلال مبين، وساق القرار الفلسطيني بالاتجاه المعاكس للواقع، والمخالف للمتغيرات التي باتت تحمل اسم حماس في كل زاوية من غزة، وعلى كل موجة بحر، وهذا ما يجب أن يكون واضحاً للرئاسة في رام الله، وما يجب أن ينقل بأمانة وصراحة من الأخوة في فتح، كي يكون القرار الحكيم؛ الشروع الفوري بالحوار، مع نتائج قريبة المنال، ولصالح الشعب الفلسطيني، فما لا يدرك كله، لا يترك كله.
لقد فرضت الوقائع الميدانية قبل عام حقائق تمتد من شواطئ غزة حتى خط الهدنة، ولا أظن من الحكمة القفز عنها وتجاهلها، بل يجب أخذ المستجدات بعين الاعتبار للخروج من حالة التمزق، ولا يعني التسليم للواقع التسليم لمنطق القوة، وإنما التسليم بالتطور الطبيعي للأحداث المركبة التي سبقت المتغيرات، والتي اشتكى منها كل مخلص للوطن، ورفض أسلوبها كل منتمٍ بصدق إلى هذا التراب.
لقد تحملت حماس مسئولية غزة لأكثر من عام، وفي ظروف قاهرة استثنائية، وصمدت، ونجحت حتى الآن رغم ما يقال عن تجاوز هنا، وخلل هناك، وخطأ هنالك، ورتبت أمر الناس قدر المستطاع، ووفرت الرواتب لمن قطع راتبه، ووفرت الأمن للمواطن بشكل عام ـ لا أتحدث هنا عن بعض الملاحقات الناجمة عن خلافات تنظيمية، وترتيبات أمنية يلجأ إليها كل صاحب سلطان، ليحفظ بقاءه، وإنما عن الأمن العام الذي أصبح مستقراً من وجهة نظر المواطن العادي في غزة ـ لقد نظمت حماس حياة الناس وفق المتاح، ونجحت في ذلك، وحافظت على قوتها، وتماسكها، وسلاحها، وجمهورها، وأقتنع الناس أنهم مع حماس في جهاد، وأنهم في أرض الرباط، وكل ما يحاك لهم في الظلام يستهدف قضيتهم، ووطنهم.
لقد أضحت حماس بعد عام من الحكم في غزة أكثر ثقة بالنفس، وهذه الفترة بالنسبة لها تجربة ريادية، ونموذج يمكن أن يعمم، فمكنت نفسها في غزة، وهذا ما يؤكده رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي " يوفال ديسكن" عندما قال: أن حماس استغلت التهدئة لتلغيم مناطق شاسعة في غزة. لقد أوجدت حماس واقعاً جديداً لا يمكن تخطيه بالقوة الخارجية، أو تجاوزه داخلياً إلا بالحوار البناء، والقادر على الآخذ بعين الاعتبار هذه القوة، والتعامل معها كقوة فلسطينية معززة للمفاوض الفلسطيني، لا بديلاً عنه، وتسخير هذه القوة بما يخدم القضية الفلسطينية، لا بما يديم الانقسام، وهنا لا مفر لحماس من التناغم مع الرؤية السياسية الفلسطينية والعربية، والعمل على إيجاد القاسم المشترك مع الرئاسة، بما يضمن ترتيب الأدوار، وتنسيق المواقف السياسية بما يخدم صالح الوطن.
فأين تكمن قوة حماس؟
أولاً: بعيداً عن صدق الولاء، والانتماء، والتنظيم، والتعبئة التي أنتجت الألوف المستعدة للتضحية بالنفس بلا مقابل، وبلاد تردد، فإن قوة حماس تكمن في التكتم، والسر الدفين، إن جماعة حماس تعمل بسرية فائقة، إنهم يؤمنون بسجن المعلومات، ولا تعرف يمين العضو من حماس ما فعلت شماله، ويكفي أن نعرف أن المخابرات الإسرائيلية لا تعرف أين تخبئ حماس أسيرها "جلعاد شليط " وقطاع غزة تحت العين الإسرائيلية على مدار الساعة، ومساحة غزة لا تتعدي مساحة ميدان التحرير وسط القاهرة، فكيف يمكن اختراق حماس، والوصول إلى جوفها المظلم بالسرية، ومكنونها المكتوم عن أقرب الناس لها، إنها تخطط على المدى البعيد، وتفكر في اللحظة الراهنة، ولا يسبر غورها أحد، وتعرف ما تريد.
ثانياً: روح الجماعة، حماس تعمل بشكل فريق، فلا تفرد بالقرار، ولا مصداقية لما
يقال عن انشقاق هنا، وتمرد هناك، ورفض وغضب، وانقسام، حماس تحكمها روح الجماعة، ومجلس الشورى، فريق عمل يبدأ من المسجد، والحارة، والحي، والمخيم، والمدينة، ومن ثم المنطقة، والقرار يمر بمراحل من المشاورة، والإقناع، والإجماع قبل التنفيذ، إن لدى حماس ديمقراطية الرأي أكثر من بعض الفصائل الفلسطينية التي تدعي الديمقراطية، ولم تغير وجوه قادتها، وأمنائها، ومسئوليها منذ أربعين سنة، إن مفكري حماس يبحرون على موجة دهاء تلاطم دهاء اليهود، إن لم يكن قد بدأ يعلو موجهم في الفترة الأخيرة.
المراهنة على الزمن
لقد راهن البعض على سقوط حماس بفعل الضربات الإسرائيلية، والاجتياح، والخنق بالحصار، والمقاطعة، والتجفيف، والتخويف، ولقد سقطت كل الرهانات مع تحقيق التهدئة، وفك الحصار ولو جزئياً عن غزة، ولاسيما بعد انكشاف المصلحة الإستراتيجية الإسرائيلية من وراء التهدئة، والقاضية بتواصل تمزيق الوطن بين فتح وحماس، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الإقليمية التي فرضت على إسرائيل وأمريكا واقعاً جديداً يحتم التهدئة، بالإضافة لقوة حماس على الأرض، أن حماس قوية جداً، ومخطئ من يظن أنها ستنهار من الداخل، فهي صخر من جبل لا يحركه السيل، تزداد تماسكاً، وتزداد قوة، والتصاقاً بالأرض والشعب كلما أحست بالخطر، فحماس سنة 2008 أقوى مرات من حماس 2007 ، وكلما عبر الوقت كلما قويت حماس، وتصلبت، وتشددت في مواقفها، واشتراطاتها للمصالحة، لأن الوقت يعمل لصالحها، فإن اكتملت لحماس في المرحلة القادمة التهدئة مع إسرائيل بإتمام صفقة الأسرى، وتم فتح معبر مصر، وسقطت حكومة "أولمرت" قبل نهاية العام، وغادر الرئيس " بوش " البيت الأبيض" ، وفرضت إيران أجندتها التفاوضية على المجتمع الغربي، فإذا أضيف لما سبق اقتراب موعد استحقاق الرئاسة الفلسطينية حتى مطلع العام القادم، كما أشار إلى ذلك الأستاذ سعيد صيام، وقررت حماس عدم الاعتراف بالرئاسة حتى تاريخه، حينئذٍ تكون المصالحة الوطنية قد دخلت منعطفاً جديداً من التمايز في المواقف، والتباين في القوة والتأثير، ويغدو ما هو ممكناً اليوم مستحيلاً غداً، وتصبح اللقاءات الفلسطينية في خبر كان، وفي ذلك دوام تمزق الوطن.
ما الذي يعيق المصالحة الفلسطينية؟
لقد أظهر طرفا الخلاف الفلسطيني القدرة على التعامل مع الدولة العبرية، رغم ما بينها وبين الشعب الفلسطيني من صراع وصل حد التصفية، وإنهاء الوجود، فأظهرت حماس مرونة في مواقفها من الدولة العبرية متجاوزة في ذلك ثوابت سياسية، وقناعات فكرية، كانت بالنسبة لها من المستحيل، وتوصلت مع عدوها الرئيسي مغتصب الأرض إلى تهدئة، وقد أظهرت الرئاسة الفلسطينية مرونة فائقة في التعامل مع الدولة العبرية، ولم تلغ لقاءات رئاسية مع " أولمرت" رغم الاجتياح للضفة الغربية، وتصفية الشباب المقاوم، وما زالت اللقاءات، والمفاوضات تتواصل بشكل منتظم بين الرئيس عباس و" أولمرت " الذي يرأس مجلس وزراء دولة لم تغتصب السلطة في غزة بالقوة كما يقول البعض، وإنما اغتصبت كل فلسطين، وتضم سجونها الألوف من شعبنا، ويقتحم جيشها كل يوم مدن الضفة الغربية، يقتل ويغتصب.
إن من نجح في اللقاء والتفاهم مع ألد أعدائه، دون شروط، ليس صعباً عليه اللقاء مع نفسه، وبعضه، وأخوته، وأبناء شعبه دون شروط، وذلك لا من أجل القضية السياسية فحسب، وإنما من أجل السلم الاجتماعي؛حيث غدا شعبنا الفلسطيني بحاجة للمصالحة الوطنية أكثر من حاجته للتهدئة، أو للسلام مع إسرائيل.
إن باب المصالحة الوطنية يشرعه الواقع، فهل أدرك كل من قادة فتح، وحماس، أنه ضعيف، وتائه دون الآخر؟ وأن الطائر لا يرتفع إلا بجناحين؟ وأن تواصل تمزيق الوطن بمثابة نكبة للقضية الفلسطينية؟ وأن المصالح الحزبية تذوب، وتنتهي إذا دمرت المصلحة العامة؟ فما فسد كله فسد جزؤه.
ملاحظة: أنا لست من حماس، ولا علاقة تنظيمية لي مع فتح منذ دخولي الانتخابات التشريعية مستقلاً سنة 1996، ولا أنطق إلا بما استشعره على أرض الواقع، وأحسبه لصالح فلسطين التي أكلت من عمري عشر سنوات سجن، لقد سبق وأن نبهت في مقال سنة 2005 تحت عنوان: حماس، يا سيد يوسف القزاز ـ كان المرحوم قد قلل من شأن حماس، وغيب تواجدها الميداني، ورفع قوة فتح، وعظم قدرتها على جرف الشارع خلفها ـ لقد نبهت إلى تعاظم قوة حماس، وتماسكها، وأشرت فيما بعد بالأرقام التي حصل عليها الرئيس محمود عباس في الانتخابات الرئاسية، فقد حصل في محافظة خان يونس على [37700] سبعة وثلاثين ألف وسبعمائة صوت فقط من أصل مائة وعشرين ألف صوت تقريباً، أي أن الرئيس قد حصل على أقل من ثلث أصوات أصحاب حق الاقتراع، وهذا مؤشر كافٍ في حينه، ودليل على وجود حماس البارز، وتأثيرها في الحدث بين الفلسطينيين، ولكن بدلاً من تدارس الواقع، ومعالجة الأخطاء في فتح، فقد لامني بعض الأخوة في ذلك الوقت، واتهمني البعض بأنني قلبت حماس، دون التنبه إلى مضمون المقال، ولما يجري على الأرض من تحولات، فكانت نتائج التشريعي بعد شهور من كتابة المقال تؤكد فوز حماس، وقوتها، وقدرتها.
فهل يتنبه الأخوة في فتح إلى أهمية تجاوز ما سبق، وبدء الحوار فوراً مع حماس من منطلق الشراكة، بهدف التوصل إلى مصالحة حقيقية تخلص شعبنا من حالة التمزق والضياع.