الأخبار
الفلاح الخيرية تتكفل باعادة ترميم غرفة شاب مقبل على الزواج تضررت بفعل القصفهيئة الأعمال الخيرية تسلم كفالات مالية بقيمة 235 ألف شيكل ل 452 يتيمافي ذكرى الاستقلال:عريقات يدعو دول العالم لتجسيد استقلال فلسطينالمحافظ البلوي واللواء الفارس يسلِمان مكرمة الرئيس للاشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصةسوريا: أسامة دنورة لميلودي: إغلاق تركيا الحدود مؤشر لعدم توافقها مع الإرهابيين وعلى قرب العمليةسوريا: مدير عام مؤسسة المياه والصرف الصحي بدمشق: خفض ساعات التقنين مرتبط بزيادة الإنتاجأبو عمرو يطالب الشعوب الإفريقية والآسيوية بتقديم كل أشكال الدعم لتعزيز صمود الفلسطينيينالشعبية: قرار الخارجية الأمريكية بحق العاروري استمرار لاستهداف محور المقاومة"الميزان" يستنكر القيود الجديدة على الصيادين بغزة ويطالب المجتمع الدولي بالتدخلانطلاق فعاليات الأسبوع العالمي للريادة 2018 في فلسطينجمعية المستهلك ومستشفى المطلع ينظمان يوما للكشف المبكر والفحوصات للسكريبيان جماهيري صادر عن مكتب التعبئة و التنظيم - إقليم لبنان بمناسبة الاستقلالمخاطر التهريب الجمركي والتهرب الضريبي وأثرهما على الخزينة والسوق الفلسطينية وسبل الحد منهماالاتحاد الأوروبي يختار المغربي الدوزي سفيرا للشباب العربيبلدية الخليل تعلن تشكيل غرفة الطوارئ استعداداً لمواجهة المنخفض الجوي
2018/11/15
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

من أبطال المقاومة الأمازيغية: كسيلا ( الحلقة 16) بقلم:الدكتور جميل حمداوي

تاريخ النشر : 2007-11-14
من أبطال المقاومة الأمازيغية: أكسل أو كسيلة ( الحلقة 16)

الدكتور جميل حمداوي

تمهيـــــــد:

من أهم أبطال المقاومة الأمازيغية الذين تذكرهم كتب التاريخ إبان العصر الوسيط المقاوم العنيد أكسل أو كسيـــلا الذي وقف في وجه الفتوحات الإسلامية في القرن الأول الهجري بسبب تعسف الولاة ومعاملتهم السيئة للأمازيغ واحتقارهم لقادتهم الذين كانوا لايقبلون الضيم والذل والهوان . لذا، واجه كسيلا قوات عقبة بن نافع وقوات قيس بن زهير البلوي، وسبب في تأخير حملات القادة المسلمين لفتح شمال أفريقيا لسنوات طويلة. وقد اختلف المؤرخون كثيرا حول شخصية كسيلا بسبب نقص المادة التاريخية وانتشار الأخبار غير الموثقة علميا ، وتناقض المصادر العربية والأجنبية فيما ترده من معلومات وأخبار بصدد شخصية كسيلا ومواجهته للمسلمين العرب الفاتحين .

إذاً، من هو كسيلا؟ وماهي أهم الفتوحات الإسلامية التي شهدتها أفريقيا الشمالية أثناء العصر الوسيط؟ وماهي أهم التطورات التي شهدتها مقاومة كسيلا للفاتحين العرب لأفريقية البربرية؟

1- من هـــو أكسل أو كسيلة؟

أكسل أو كسيلة أو كسيلا أو كسيلن أوكسيلة بن لزم أو لهزم أو لمزم عند ابن خلدون، أو كيزم عند ابن الخياط ، وليوم عند ابن الرقيق، ولمرم وكمرم عند ابن الأثير، وأغز عند السلاوي وكذا عند غير هؤلاء ، وهذا يدل على مدى التصحيف الذي تعرض له اسم كسيلا ، وهناك من يقول بأن عقبة بن نافع قد يكون هو الذي سمى الملك الأوربي كسيلة بهذا الاسم بعد عزله لأبي المهاجر دينار ، ويعتقد الدكتور محمد الغرايب أن " هذين الاسمين أمازيغيان، فكسيلة تحريف وتأنيث عربي لأكسل( النمر) ولزم تحريف أيضا لأيزم (الأسد) ، ولاشك أنهما حرفا عن أصليهما تحقيرا لشأن صاحبيهما، وهي عادة جرى العرب عليها كلما أرادوا احتقار غيرهم فيحرفون أسماءهم إلى أضدادها أو يصغرونها" .

وإذا كان كسيلا لقبا عربيا أطلقه عقبة بن نافع على أسيره احتقارا له وازدراء، فإن الاسم الأمازيغي الحقيقي لكسيلا هو أكسل أي النمر.

ومن المعروف عن كسيلا أنه ملك بربري شجاع و عنيد، ترأس قبيلة أوربة التي كانت تدين بالنصرانية، وكانت مملكته تضم كل الربوع الموجودة مابين تاهرت ووهران و تلمسان، وقد أسلم قبل حملة أبي المهاجر دينار التي توجهت لفتح المغرب العربي لنشر الإسلام ، وأسلمت قبيلته خلال فتح أبي المهاجر لشمال أفريقيا حين توغله في ديار المغرب، حسب ابن خلدون ، فوصل في فتوحاته إلى الغرب الجزائري وبالضبط إلى مدينة تلمسان، ولم يلق هذا القائد العربي المسلم مقاومة تذكر من جانب البربر أو الروم. وعندما عامله عقبة بن نافع بمهانة وذل واحتقار، شن عليه كسيلا حملة هجومية انتهت بمقتله قرب مدينة بسكرة الجزائرية. وبعد ذلك، أسس كسيلا مملكة أمازيغية واسعة الأطراف تشمل الأوراس والجزء الجنوبي من قسنطينة والجزء الأكبر من تونس. وبقي كسيلا منتصرا منذ استشهاد عقبة بن نافع في معركة تهودا إلى مقتله في معركة ممش قرب القيروان على يد الفاتح الإسلامي قيس بن زهير البلوي سنة 69هـ.

2- الفتوحات الإسلامية في شمال أفريقيا:


عندما فتح عمرو بن العاص مصر في عهد عمر بن الخطاب ، كان شغله الشاغل هو مواصلة نشر الإسلام في شمال أفريقيا، فاستأذن الخليفة عمر بن الخطاب (ض) في فتح برقة وطرابلس، فكتب إليه قائلا:" إنا قد بلغنا طرابلس، وبينها وبين أفريقية تسعة أيام،فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لنا في غزوة فعل"، فكتب إليه عمر:" لا...إنها ليست بإفريقية ولكنها المفرقة،غادرة مغدور بها،لا يغزوها أحد مابقيت".

وقد استصعب عمر بن الخطاب فتح بلاد البربر لقوة شكيمة الأمازيغيين وصعوبة إخضاعهم وسرعة تقلب مزاجهم ووعورة بلادهم وتعسف الولاة في معاملاتهم للبربر بسبب المغالاة في الضرائب والجبايات وسوء التصرف مع كبراء القوم وأسيادهم.

ويروي لنا كل من البلاذري وابن عبد الحكم أن عمرا بن العاص، لما فتح الإسكندرية ، سار في جيشه يريد المغرب حتى قدم برقة، فصالح أهلها بعد أن انهزموا في المعركة أمام قوة جيشه العتيد، ثم فرض عليهم أن يهيئوا له" ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها إليه جزية على أن يبيعوا من أحبوا من أبنائهم في جزيتهم" ، وكانت برقة يومئذ من أخصب أراضي القارة الأفريقية، حتى إن سكانها كانوا يرسلون الخراج بكل طواعية إلى والي مصر بدون حاجة إلى الجابي. ومن ثم، كان فتح برقة سنة 21هــ، فتابع عمرو بن العاص فتوحه، ثم غزا طرابلس التي افتتحها عنوة سنة22هــ.

ولما تولى عثمان بن عفان (ض) إمامة المسلمين، أخذ يفكر في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، ولكن هذه المرة ليس في اتجاه الشرق كما فعل عمر بن الخطاب(ض)، بل الاتجاه غربا نحو البحر الأبيض المتوسط وبالضبط إلى ربوع أفريقيا الشمالية. وهكذا، سيبدأ التفكير في إحياء مشروع نشر الإسلام نحو غرب مصر عبر مراحل اتسمت بالمد والجزر.

وعليه، فأول ما قام به عثمان بن عفان أن عزل عمرا بن العاص وولى في مكانه عبد الله بن أبي سرح على مصر الذي أرسل بعض السرايا لمهاجمة أطراف أفريقيا، فكانت لا ترجع إلا بعد حصولها على الغنائم. وبعد ذلك، فكر ابن أبي سرح جديا في فتح شمال أفريقيا، فاستأذن في ذلك عثمان بن عفان الذي أذن له ذلك سنة 27هــ، فخرج في جيش قوامه عشرون ألف جندي من عرب الجزيرة العربية وقبط مصر وبربر من أفريقيا، كما شارك فيه بعض الصحابة رضوان الله عليهم كمروان بن الحكم وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر.، فخاض القائد المسلم معركة ضد البطريق جورجيوس حاكم أفريقيا القسطنطيني الذي ولاه هرقل واليا على الشمال الأفريقي حيث استبد بالحكم لصالحه، فانهزم الروم في هذه المعركة شر هزيمة. ولكن القواد البيزنطيين صالحوا عبد الله بن أبي سرح على مبالغ طائلة من الذهب ، على أن ينسحب بجيشه من أفريقية، وعاد بن أبي سرح إلى مصر دون أن يولي أحدا لمدة 17 سنة.

" وعلى الرغم من أن عثمان بن عفان لم يمانع في فتح الشمال الأفريقي حيث أرسل جيشا دخل تونس بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح قبل سنة 30هـ، فإن الاهتمام الحق بهذه المنطقة لم يبدأ إلا على عهد الأمويين الذين لم يقنعوا بفتحها، بل حاولوا إقامة حكمهم عليها وربطها بمركز الخلافة. والحق أنه كان لابد لدولة الإسلام على عهد الأمويين، وقد ذهبت بعيدا في الفتوح، أن توجه اهتمامها لحوض المتوسط وما يحيط به من بلاد وما يزخر به من تجارة، خاصة وأنهم كانوا- على عكس الخلفاء الراشدين- مهتمين بشؤون البحر. ولكن الأمر لم يكن يسيرا على الإطلاق، ففي الوقت الذي استطاع المسلمون أن يقيموا خلال بضع سنوات دولة واسعة الرقعة في المشرق، فإنهم ظلوا زهاء قرن من الزمان يحاولون أن يثبتوا دعائم الدين الجديد في بلاد الشمال الأفريقي".

ولم يفتح المسلمون شمال أفريقيا في عهد الخلفاء الراشدين وسلاطين الدولة الأموية إلا لعوامل عدة تتمثل: في يسر الإسلام ونبل أخلاقه، وسوء الإدارة البيزنطية بعد وفاة الإمبراطور جوستنيان ، وعدم وجود روابط سياسية أو دينية بين البربر، ورغبة البربر في التخلص من نير الاحتلال البيزنطي.

ومن هنا، سيعين معاوية بن سفيان سنة45 هـ ابن حديج والي مصر قائدا للفتوحات الإسلامية في أفريقيا، وكان ابن حديج تابعا لسلطة الخليفة مباشرة. وسيدخل هذا القائد شمال أفريقيا لإغاثة هباهيا Habahia الذي طالبه هرقل بنفس الغنيمة التي قدمت للمسلمين (300 قنطار من الذهب)، ولما امتنع أرسل هرقل قائده نقفور لمقاتلته، فالتجأ هباهيا إلى معاوية بن أبي سفيان للتحالف معه ضد هرقل، فأرسل الخليفة معه جيشا جرارا ، فدخل الجنود تونس، فالتقى الجيش العربي مع جيش هرقل في مدينة قونية التي ستبنى عوضها مدينة القيروان، فانتصر المسلمون في المعركة وهرب الجيش البيزنطي إلى سوسة، فلحقه المسلمون هناك، فاستولوا على المدينة كما استولوا على بنزرت. وفتح ابن حديج في هذه الحملة العسكرية بنزرت وجلولا وجربة وسوسة، ثم عاد متنصرا إلى القاعدة العسكرية والإدارية بمصر.

ولم تكن هذه المناوشات إلا امتدادا لفتح أفريقية الشمالية، و قد دام هذا النوع من المد والجزر على مستوى الفتوحات الإسلامية من سنة 27هــ إلى سنة 45هــ.

وعليه، سيعين عقبة بن نافع واليا على أفريقية سنة 46هـ، وسيبقى في حملته الأولى خمس سنوات ويدخل أثناء توليته مجموعة من الحصون والمدن في طريقه لفتح أفريقيا وخاصة في ليبيا وتونس، وسيؤسس مدينة القيروان سنة 62هـ، لتكون عاصمة لحكمه ومركزا استراتيجيا لانطلاق قواته العسكرية في نشر الإسلام عبر ربوع شمال أفريقيا. وقد استعان عقبة بن نافع في تحركاته بجيش يتكون من القوات العربية والقوات البربرية التي كانت تحارب المرتدين عن الإسلام والمتمردين المتعصبين والمنشقين عن سلطة الخلافة جنبا إلى جنب.

وفي 51هـ، سيعين معاوية بن أبي سفيان سلمة بن مخلد الأنصاري واليا على مصر والمغرب العربي، فسيعين هذا الأخير بدوره أبا المهاجر دينار واليا على أفريقيا لمدة سبع سنوات؛ بسبب خوف سلمة بن مخلد من قوة عقبة بن نافع القيادية وخشيته من مكانته الكبيرة وحظوته لدى الخليفة الأموي، وكان بين أبي المهاجر وعقبة بن نافع عداوة كبيرة ستؤدي إلى عزل عقبة من منصب قائد الجيوش وحامل لواء الفتوحات الإسلامية في المغرب العربي.

وقد واصل أبو مهاجر دينار فتوحات عقبة بن نافع فوصل إلى غرب الجزائر، ولم يلق مقاومة تذكر سواء من قبل الروم أم من البربر، وأسلم كسيلا وقبيلته أوربة عند دخول أبي المهاجر إلى الجزائر لنشر الإسلام.

لكن عقبة بن نافع سيحتج لدى الخليفة يزيد بن معاوية، وسيمن عليه بما قام به من خدمات جليلة لصالح الخلافة الأموية، فيعينه يزيد مرة أخرى واليا على أفريقيا ليواصل حملته الثانية سنة 62هـ، وسيصل في فتوحاته إلى بحر الظلمات غربا و إلى حدود الجزيرة الخضراء شمالا بعد أن فتح ربوع تونس والجزائر والمغرب، كما سينتقم من أبي المهاجر بأسره إذلالا وتقييده تعذيبا طوال مسيرته التي خصصها لفتح شمال أفريقيا والتي وصلت إلى حدود سوس المغربية جنوبا. وفي نفس الوقت، كان يهين صديقه البربري الملك كسيلا . بيد أن هذا الأخير، سينتفض ضده وسيقتله قرب نهر الزاب بالجزائر.

وبعد مقتل عقبة بن نافع، سيرسل الخليفة عبد الملك بن مروان زهير بن قيس البلوي لفتح شمال أفريقيا ومجابهة كسيلا ، وقد انتهت المعركة بانتصار المسلمين في معركة ممش بتونس، ومقتل الثائر المتمرد عن السلطة المركزية الملك البربري كسيلا.

وبعد استشهاد زهير بن قيس البلوي في معركته التي خاضها ضد الروم في معركة برقة سنة 71هـ، سيعين حسان بن النعمان واليا على المغرب، وسيقضي على الكاهنة الأوراسية ديهيا زعيمة البربر في نوميديا. وبعد ذلك ، سيعين موسى بن نصير واليا على المغرب العربي، وفي عهده سيفتح المسلمون الأندلس على يد طارق بن زياد.

3- تطور مقاومة كسيلا للفاتحين العرب:

لايمكن الحديث عن مقاومة كسيلا للقواد العرب المسلمين ولاسيما مقاومته الشرسة لعقبة بن نافع وزهير بن قيس البلوي ،إلا إذا استحضرنا تعسف بعض الولاة المسلمين وسوء معاملتهم للبربر وإهانتهم لملوكهم وزعمائهم وقوادهم، واستعمال الشطط والقسوة في تنفيذ السلطة وقراراتها المفروضة.

ومن المعلوم،أن كسيلا كان قائدا بربريا معروفا بقوة الشكيمة والشجاعة، وكان رئيس قبيلة أوربة التي آمنت بالديانة النصرانية، وكان لايرضى لنفسه ولقومه بحياة الذل والمهانة والخزي، يحارب كل من سولت له نفسه أن يخضع البربر بالقوة والعسف.

ولما فتح أبو المهاجر ربوع الجزائر فوصل إلى مدينة تلمسان، تعرف كسيلا عن قرب عن مدى يسر الإسلام ودماثة أخلاق صحابة رسول الله (ص)، وتقرب من القائد أبي المهاجر الذي عامله معاملة حسنة فبوأه مكانة محترمة تليق بملوك البربر . لذا، أسلم كسيلا وأسلمت معه قبيلته أوربة ، وأصبح كسيلا فردا من أفراد جيش أبي المهاجر في فتوحاته، وصار صديقا حميما لأبي المهاجر في ترحاله وتنقلاته في أرجاء المغرب العربي.

بيد أن عقبة بن نافع الذي كانت له عداوة كبيرة وحسابات شخصية مع أبي المهاجر، كان يهين كسيلا كثيرا بعد أن انتقم من القائد أبي المهاجر، و جعل منه أسيرا يرافقه في كل فتوحاته إذلالا واحتقارا . فبدأ عقبة بن نافع في معاملة كسيلا معاملة سيئة، لكونه يكرهه لصحبته وعلاقته المتينة مع أبي المهاجر ، لذا، كان عقبة يحتقره أمام قومه البرابرة في كل غزواته ومعاركه. وكان أبو المهاجر ينصح عقبة بألا يعامل كسيلا هذه المعاملة المشينة وألا يحط من قيمته ويسيء إليه بهذه الطريقة التي تنم عن إذلال وازدراء. وتتحدث الروايات أن عقبة بن نافع أمر كسيلا أمام قومه بذبح شياه وسلخها مع السالخين. " ولما تحفظ كسيلة على العمل في أدب شتمه عقبة وأمره بسلخها، ففعل، وتذكر المصادر أن كسيلة كان كلما دحس، مسح بلحيته دم الذبيحة، وتلطيخ الوجه بالدم من الحركات الطقوسية الرمزية التي ظل الأمازيغ، حتى القرن العشرين، يقومون بها، كلما شعروا بالمهانة التي تولد في نفوسهم رغبة جارفة في الانتقام من غرمائهم، ويذكر بواجي Boigey في هذا الصدد، وهو من كبار الكتاب الاستعماريين، وكان شاهد عيان على معركة وادي كيس سنة 1907، أنه رأى بأم عينيه الأمازيغ من بني يزناسن يبقرون بطون قتلاهم ويمسحون على لحاهم بدمائهم ثم يعيدون كرة الهجوم بحماس شديد، وتذكر بعض المصادر أن أحدهم لما رأى فعل كسيلة حذر عقبة بقوله:" كلا إن البربري ليتوعدكم".

لكن عقبة بن نافع لم يحفل بنصائح أبي المهاجر واستمر في تعنته واستهزائه بكسيلا إلى أن تم النصر لعقبة بن نافع وفتح المغرب العربي كله وسيطر على الروم والبربر على حد سواء، فأرسل معظم جيشه إلى عاصمته القيروان بتونس ، ثم، اكتفى منه بالنزرالقليل. فما كان من كسيلا إلا أن استغل الفرصة المواتية ففك أسره ، فانتفض ثائرا وتتبع عقبة مع قومه حتى بلغ نهر الزاب بالجزائر ناصرا لأبي المهاجر؛ لأنه كان صديقه الوفي، فقضى على جيش عقبة عن آخره، وأردى كسيلا عقبة طريح الموت والشهادة. كما أسر كسيلا محمد بن أوس الأنصاري في نفر يسير في معركة سهل تهودة بين بسكرة وطينة؛ لأن جيش كسيلا - كما قيل- كان يفوق جيش عقبة بعشر مرات، لكن أخلاق كسيلا السمحة والتي كانت تمتح من معين القرآن والسنة جعلته يعفو عن أسراه ويطلق سراح الجميع.

ويروي الإخباريون حسب الدكتور عبد الله العروي أن" جيش كسيلة كان يضم عددا من جنود الروم، ألا يتعلق الأمر- يقول العروي- بمحاربين يعملون لأنفسهم بعد أن انهارت السلطة البيزنطية؟

بموت عقبة رجع العرب إلى نقطة البداية، ويمكن القول: إن استشهاده كان يعني إخفاق الخطة التي استحدثها، ظن أن فتح مغرب الوسط أقصر طريق الاستيلاء على المغرب كله فدلت التجربة على أن هذا غير صحيح. ونلاحظ بالفعل أن خلفاءه حادوا عن خطته."

وبعد ذلك، توجه كسيلا إلى مدينة القيروان حيث الساعد الأيمن لعقبة بن نافع زهير بن قيس البلوي الذي طالب أهل القيروان بالخروج لمجابهة كسيلا والقضاء عليه، لكن الكثير منهم رفضوا، وانسحبوا نحو الشرق، فاضطر القائد زهير بن قيس إلى الانسحاب معهم نحو برقة الليبية، فاستولى كسيلا على القيروان بسهولة، وأمن الشيوخ الهرمى والنسوان والأطفال وكل مثقل بالعيال وتركهم آمنين مطمئنين إلى أن تتحسن أحوالهم وأرزاقهم، وأمنهم أيضا في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم ، وخلى حال سبيلهم ليواجهوا بأنفسهم مصيرهم، ومكث القائد البربري في القيروان حاكما لمدة خمس سنوات.

وبعد هذا الانتصار، أسس كسيلا مملكة واسعة تمتد من الجزائر إلى تونس، أي من جبال الأوراس الشامخة فمرورا بقسنطينة إلى القيروان عاصمة تونس في عهد عقبة بن نافع. وفتح كسيلا اتصالا مع الروم، فتنبه الخليفة عبد الملك بن مروان إلى ذلك على الرغم من انشغالات الخليفة بثورة ابن الزبير واضطرابات الشيعة.

وفي هذا السياق التاريخي أيضا، اشتعلت فتنة الضحاك بن قيس في الشرق، وبقيت أفريقيا الشمالية بدون وال مدة خمس سنوات. وارتد الكثير من البربر عن الإسلام كما يقول ابن خلدون اثنتي عشرة مرة بسبب تعسف الولاة، ويذهب ابن أبي زيد القيرواني مذهب ابن خلدون حينما أثبت بأن البربر قد" ارتدوا اثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة، ولم يستقر إسلامهم حتى أجاز موسى بن نصير إلى الأندلس بعد أن دوخ المغرب وأجاز معه كثير من رجالات البربر وأمرهم برسم الجهاد، فاستقروا هنالك من لدن الفتح ، فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه ورسخت فيهم كلمة الإسلام وتناسوا الردة" .

بيد أن الخليفة عبد الملك بن مروان، سيمد القائد زهير بن قيس البلوي الذي ظل ماكثا ببرقة بإمدادات عسكرية هائلة ، فسار زهير بن قيس بجيش يتشكل من أربعة آلاف جندي عربي وألفين من البربر المسلمين حيال القيروان . ونشبت معركة حامية الوطيس بين جيش قيس بن زهير وقوات كسيلا في منطقة ممش قرب القيروان، و انتهت بمقتل كسيلا والكثير من أفراد قبائل البرانس الأمازيغية سنة69هـ، وستصبح قبيلة أوربة بعد ذلك من أكثر القبائل البربرية دفاعا عن الإسلام، كما أذعن البرانس للإسلام بعد هذه المعركة الحاسمة التي فصل فيها الحق عن الباطل. وبعد ذلك، واصل زهير بن قيس فتوحاته الإسلامية لنشر الإسلام بين ساكنة شمال أفريقيا.

ويذهب المؤرخون إلى أن كسيلا خرج من القيروان إلى ممش لأمرين وهما:" أولهما خوف كسيلة من إمكانية الإضرار بسكان القيروان؛ لأن بها كثيرا من المسلمين- يقول كسيلة- ولهم علينا عهد فلا نغدر بهم، والأمر الثاني يتعلق بسبب عسكري، وإن كان على علم بتواطؤ هؤلاء مع جيش المسلمين، لكنه تركهم وشأنهم".

وينبئ هذا الموقف الاحترازي على مدى سمو أخلاق كسيلة وخوفه على مناصريه والمدافعين عنه، واحترامه لإخوانه الأمازيغيين الذين كانوا يستقرون بالقيروان حقنا للدماء وتجنبا لكل الأضرار التي ستكون عواقبها وخيمة.

وما يمكن استنتاجه كذلك من المصادر العربية" كون كسيلة على الرغم من مواجهته للفاتحين كان على قدر كبير من السمو الأخلاقي عسكريا وعلى جانب عال من التعامل الإنساني مع خصومه وربما كان إصراره على احترام الممارسة العقائدية لمن جاؤوا يقتلونه سببا في حتفه بممش."

خاتمــــــة:

يتبين لنا من خلال هذا العرض الوجيز أن كسيلا كان مقاوما أمازيغيا شهما وعنيدا كرس حياته لخدمة قبيلته أوربة والدفاع عن تامازغا ومناصرة الإنسان البربري من أجل تحقيق حريته وكرامته وإنسانيته. لذا ، كان من السباقين إلى إعلان إسلامه على غرار ساكنة قبيلته أوربة إبان حملة أبي المهاجر دينار الذي عامل كسيلا معاملة حسنة ولينة تنم عن دماثة أخلاق الإسلام وحسن سلوك بعض قادة الفاتحين المسلمين.

بيد أن عقبة بن نافع لم يحسن التصرف مع كسيلا فكان يحتقره ويهينه أمام قومه ؛ مما أدى بالملك البربري كسيلا للثورة على عقبة بن نافع وقتله قرب نهر الزاب بالجزائر ، والدخول إلى قيروان بكل سهولة ويسر من أجل طرد قيس بن زهير البلوي مع قواته إلى طرابلس شرقا. لكن عبد الملك بن مروان، سيضع حدا لمقاومة كسيلا على يد قيس بن زهير البلوي الذي واصل الفتوحات في المغرب العربي إلى أن تحقق الفتح النهائي مع حسان بن النعمان الذي قضى على الكاهنة الأوراسية ديهيا، وموسى بن نصير الذي قام بفتح الأندلس على يد طارق بن زياد البربري سنة92هـ.

ملاحظــــة:

جميل حمداوي، صندوق البريد ، 5021 أولاد ميمون، الناظور، المغرب.

[email protected]

www.jamilhamdaoui.net

الهوامــش:

- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1984، ص:110، الهامش؛

- د. محمد الغرايب:( الجانب الإنساني في المقاومة الأمازيغية: حالة كسيلة والكاهنة)، المقاومة المغربية عبر التاريخ أو مغرب المقاومة، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، الطبعة 1، 2005م، ص:167؛

- د. محمد الغرايب:( الجانب الإنساني في المقاومة الأمازيغية: حالة كسيلة والكاهنة)، المقاومة المغربية عبر التاريخ أو مغرب المقاومة، ، ص:168؛

- د. محمد الغرايب:( الجانب الإنساني في المقاومة الأمازيغية: حالة كسيلة والكاهنة)، المقاومة المغربية عبر التاريخ أو مغرب المقاومة، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، الطبعة 1، 2005م، ص:165؛

- البلاذري: فتوح البلدان، دار الكتاب، بيروت، 1982، ص:266؛

- ابن عبد الحكم: فتوح افريقية والأندلس، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1987م، ص:29؛ وانظر كذلك: خليفة بن الخياط: تاريخ خليفة بن الخياط، دار طيبة، الرياض، 1985م، ص:144؛

- انظر البلاذري: فتوح البلدان،ص:314؛ وابن عبد الحكم: فتوح أفريقية والأندلس، ص:34؛

- المالكي: رياض النفوس، تحقيق حسين مؤنس، القاهرة، مصر، 1951، صص:10-15؛

- د- عباس الجراري: الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه،، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة 2، سنة 1982، ص:42؛

- د. محمد الغرايب:( الجانب الإنساني في المقاومة الأمازيغية: حالة كسيلة والكاهنة)، ص:167-168؛

- المالكي: رياض النفوس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الجزء الأول، ص:40؛

- المالكي: رياض النفوس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الجزء1، ص:41؛

- عبد الله العروي: مجمل تاريخ المغرب، ص:11؛

- ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، الجزء6، ص:110؛

- د. عزا لدين المناصرة: المسألة الجزائرية في الجزائر والمغرب، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة1، 1999، ص:88؛

- د. محمد الغرايب:( الجانب الإنساني في المقاومة الأمازيغية: حالة كسيلة والكاهنة)، ص:169؛

- محمد الغرايب: نفس المقال السابق، ص:196.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف