الأخبار
تفاصيل صادمة لجريمة قتل وتشويه عروس الصعيد والقاتل مقرب جداالجيش الإسرائيلي: 3568 جندياً أصيبوا منذ بدء الحرب في غزةالرئاسة الفلسطينية ترحب بقرار الدول الأوروبية الثلاثة الاعتراف بدولة فلسطينإسبانيا وإيرلندا والنرويج تعلن الاعتراف رسمياً بدولة فلسطينالحكومة الإسرائيلية تصادر معدات وكالة أنباء أمريكية وتمنعها من البثبن غفير يطالب باستيطان يهودي لغزة .. وهجرة طوعية لأهالي القطاعيأس أمريكي من الحوار مع نتنياهوكيف ستواجه إسرائيل عقوبات لاهاي؟القسام تستهدف قوات الاحتلال بالقذائف والعبوات الناسفة شمال قطاع غزةالصحة: الاحتلال ارتكب 5 مجازر وحصيلة الشهداء ارتفعت لـ35647الخارجية القطرية: ندعم الجنائية الدولية بمبدأ المحاسبة ومفاوضات وقف إطلاق النار متوقفةمعروف: مذكرات التوقيف بحق نتنياهو وغالانت خطوة قانونية بالاتجاه الصحيحإعلام إسرائيلي: القتال العنيف بغزة سيستمر حتى أكتوبر 2024ما دور العقوبات الأمريكية في حادث مروحية الرئيس الإيراني؟كتائب القسام: قصفنا معبر رفح بقذائف الهاون من العيار الثقيل
2024/5/22
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

الاغتراب السياسي بقلم : يونس الرجوب

تاريخ النشر : 2007-03-26
مقدمة

أحاول في هذه الكراسة إثارة انتباه المهتمين بقضايا الأمة وجميع المثقفين العرب الى خطورة المسارات التي تسعى إلى العودة بالنضال الوطني الفلسطيني إلى أسوأ حالات الانحطاط التي فرضت على الشعب العربي الفلسطيني بعد إجلائه وتشريدة عن بلاده فلسطين عام 1948، وإدخاله في الخلافات والصراعات الداخلية التي تسعى إليها قوى التجهيل والإغتراب السياسي التي ما فتأت تحاول العبث بالتاريخ الوطني الفلسطيني، واغتصاب الحقائق والوقائع المشرقة في المسيرة النضالية الفلسطينية، وفرض منهج التسلط والاكراه على الحياة والثقافه الفلسطينية، والابتعاد بالشعب عن عصمة العقل الجماعي، والانزلاق الى عصمة الجهلاء غير المعصومين من اولئك الذين استمرأوا احتكار دين الأمة، واستثماره للمنافع الحزبية وصولاً الى التعامل مع روح الأمة برمتها كماركة تجارية مسجلة لهذا الحزب السياسي أو ذاك الفصيل .

اننا فعلاً في عصر الرويبضة، والبداعين في السامر، وعكاظ القديمة. ورغم ذلك سيبقى في هذه الأمة رجال على الحق ظاهرين، أعزهم المولى بقوة البصيرة، وأعانهم على خدمة الحقيقة في التاريخ.

والله من وراء القصد

يونس الرجوب



الاغتراب السياسي

قد لا يختلف اثنان من الباحثين في تاريخ القضية الفلسطينية والفكر السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية أن الاغتراب السياسي والابتعاد عن الانشغال في خدمة القضية الأساسية التي يعاني منها الشعب العربي الفلسطيني قد شكل العنوان الأبرز لمرحلة تاريخية طويلة في العمل الوطني الفلسطيني بدأت منذ عام 1948 واستمرت حتي منتصف الستينات من القرن الماضي وبداية انطلاق الثورة الشعبية المسلحة التي تعتبر من الناحية الموضوعية هي التعبير العملي عن بداية النضوج في الوعي السياسي الفلسطيني ونضوج المشروع الوطني الفلسطيني وإنشاء الأجهزة والمؤسسات النضالية التي أسست للانكفاء والتراجع عن الاغتراب السياسي وبداية المسيرة الوطنية الفلسطينية على طريق التعبير السليم عن القضية السياسية للشعب الفلسطيني والدفاع عن الكينونة الخاصة بالمجتمع العربي الفلسطيني والشخصية الوطنية المستقلة لهذا المجتمع وبالتالي علينا الاعتراف قبل الولوج في تحليل الظروف والوقائع التي برز في سياقها الاغتراب السياسي بين الأوساط الفلسطينية أن الشعب العربي الفلسطيني قد أجبر بحكم الظروف الصعبة التي نشأت بعد النكبة عام 1948 على إيقاف نضاله الوطني من أجل استجماع شروط انبعاثه السياسي واستملاك قدرته الخاصة ووحدته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتقرير مصيره وإقامة دولته الحرة المستقلة على ترابه الوطني الطهور أسوة بشعوب الأمة العربية في ذلك الزمان، وأخذ يعيش تحت وطأة التشرد والتشتت والقوانين الجائرة التي عملت على حرمانه من هويته الوطنية وتمثيله السياسي في الواقع العربي والمؤسسات السياسية العربية والعالمية، وسعت إلى وضعه تحت الوصاية والإنابة الرسمية العربية التي كانت هي الأخرى أقرب إلى حالة الوصاية والإنابة الاستعمارية الخارجية في إدارة شؤون البلاد العربية منها إلى حالات الاستقلال والإدارة العربية المستقلة وصولاً إلى إنشاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة التي تعاملت هي الأخرى مع القضية الوطنية الفلسطينية مثل جميع قضايا التشرد واللجوء في العالم وليس قضية سياسية لشعب مدني متحضر كان يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير.

لقد أدى اقتلاع الشعب العربي الفلسطيني من بلاده وإجلاءه بقوة الإرهاب الصهيوني المسلح وما يحيط بهذه القوة الغاشمة من ظروف محلية ودولية مساعده إلى شطب وإلغاء دور مؤسساته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأهلية والثقافية التي كانت تعبر عن وجوده الوطني والسياسي على خارطة الأحداث والوقائع الجارية في بلاده، وبروز هذه الحالة الاستثنائية الجديدة في ظروف حياته التي أدت هي الأخرى إلى بروز مؤسسات وهياكل تنظيمية وإدارية جديدة لتصريف شؤونه والسهر على أمنه واحتياجاته على قاعدة صراع البقاء وتوفير المأوى والمأكل والملبس وشروط الحياة الآدمية الأخرى من إنتاج وتعليم وصحة في مخيمات اللجوء والشتات، وبالتالي كان موضوعياً أن يسيطر عليه في هذه المرحلة من تاريخه مسار الوجود الإنساني والحياة الآدمية في مواجهة الفقر والمرض والجوع وكان موضوعياً أيضا أن تأخذ التنظيمات والهياكل الإدارية الجديدة دورها الأساسي في خدمة هذا المسار الذي كان هو المسار الحيوي الوحيد القادر على حماية شروط الحياة الآدمية للشعب العربي الفلسطيني في هذا الواقع الصعب من صراع البقاء.

وبعيداً عن الخوض في تفاصيل هذا الواقع المرير وتحليل وتوضيح دور المؤسسات والهياكل الإدارية والإجرائية الجديدة التي أخذت على مسؤوليتها تصريف شؤون الشعب العربي الفلسطيني في بلدان اللجوء والشتات بدءً من دائرة تنظيم البطاقة التموينية والصحية والمؤسسات التعليمية والتشغيلية والصرف الصحي والرعاية الإجتماعية وانتهاءً بهيئة رئاسة المخيم وصرف الخيام وتأمين المأوى، فقد نشأ على هامش هذه الهياكل الإدارية والإجرائية هيئات المخاتير والوجهاء في المخيمات الفلسطينية التي عملت هي الأخرى نتيجة لهذه الظروف الصعبة على طمس وإلغاء الأمل بالوجود السياسي الفلسطيني والدفاع عن الحقوق السياسية للشعب العربي الفلسطيني واصبح واضحاً للجميع أن الحد الأعلى لعطاء الواقع العربي في هذه المرحلة هو وثيقة السفر الفلسطينية التي أخذت بعض الحكومات العربية باصدارها للفلسطينيين من أجل تسهيل البحث عن العمل داخل الوطن العربي والتي كانت لا تقدم لحاملها حق التصرف بكامل صفات المواطنة داخل البلد العربي الذي يصدر هذه الوثيقة للفلسطينيين، ولا تعترف هذه الوثيقة نفسها بحق انتساب حاملها للهوية السياسية الفلسطينية، فهي بطاقة تعريف شخصي لحاملها وليس اعتراف بكيان سياسي أو حق المواطنة والحياة الطبيعية في البلاد العربية وبالتالي اصبح الإنسان الفلسطيني مواطن مع وقف التنفيذ حتى في الجزء الباقي من موطنة التاريخي فلسطين وأصبحت حقوقه المدنية محددة في هذه الدائرة من الحقوق والواجبات، وفي هذا الإطار الموضوعي من الأهداف والغايات التي طغت فيها أهداف البقاء الإنساني وتفاعلات الحاجة إلى الحياة الآدمية على أهداف العمل السياسي وغايات المشيئة السياسية القادرة على حماية الوجود السياسي للقضية الوطنية الفلسطينية، وانشغل العالم العربي والإسلامي في تفاعلاته الخاصة هو الآخر بعيداً عن الاهتمام بالقضية الوطنية الفلسطينية، والحقوق السياسية للشعب العربي الفلسطيني، الأمر الذي أظهر قضية هذا الشعب المنكوب كمأساة إنسانية داخل الوطن العربي يعلق عليها فشل الحكام والانقلابيين الزائلين، وأوسمة الحكام والانقلابيين القادمين، ويجري استخدامها شعاراً بلا مضمون للتعبير عن وجود الأحزاب السياسية في الشارع العربي وجهابذة اللغة والخطابة في المهرجانات الشعبية، وفي الجانب الأكثر أهمية في هذه الزاوية من العمل لصالح القضية الفلسطينية في هذه المرحلة تعمقت في الواقع العربي الاختلالات الكبرى في المفاهيم السياسية والعقائدية وبات الاغتراب السياسي والثقافي عن قضايا الجماهير الشعبية هو السمة العامة التي تحكم الوطن العربي جميعه وليس فقط واقع الشعب العربي الفلسطيني وقضيته الوطنية الأساسية وبالتالي بقى هذا الاغتراب مصاحباً لمسيرة العديد من القوى السياسية والعقائدية في الوطن العربي حتى اليوم ولن تنتهي من هذا الاغتراب الذي تعيشه في حياتها اليومية بين الجماهير حتى بعد مسيرتها الطويلة في كل الدروب الخاطئة لأن هذا الاغتراب هو القاعدة التي تستمد منها مبرارات وجودها في صراع الاستثناء للقواعد العلمية والموضوعية في العمل السياسي.

تعريف الاغتراب السياسي

لقد اشتق السياسيون العرب مقولة الاغتراب السياسي من كلمة الغربة والابتعاد عن الوطن وذلك للتمييز بين الحالة البدائية والجنينية في العمل السياسي العربي والحالة الرمادية التي يعتريها الاختلال والغموض في الأهداف والتصرفات بين الجماهير وخاصة تلك الرمادية التي تنطلق من قواعد الباطنية في الثقافه السياسية العربية والتخطيط المسبق لاخفاء الأهداف والأساليب الواجب اتباعها في هذا الشأن.

وفي الوقت الذي اعتبر فيه البعض الحالة الرمادية في العمل السياسي العربي حالة موضوعية في منطق التاريخ وظروف القمع السائدة في البلاد العربية، ذهب البعض الآخر إلى اعتبارها حالة مخططة ومقصودة نابعة من المعرفة والثقافة السياسية الحزبية القائمة في الوطن العربي والإصرار على السير في الطرق الخاطئة والمعالجات الخاطئة لقضايا الجماهير العربية عبر عملية مركبة من خلط الأوراق والابتعاد المقصود عن الأولويات الحقيقية المعاصرة في حاضر الأمة العربية وليس فقط معالجة قضايا هذا الحاضر بأساليب وأدوات الماضي وسواء كان التوصيف القائم على هذا الاعتقاد توصيفاً موضوعيا في حكمه على الحالة الرمادية في العمل السياسي العربي، أو ساد الاعتقاد المتصالح مع مسارات التاريخ وأدوات التقدم والنهوض في الوعي الاجتماعي والثقافة السياسية العربية في هذه الدائرة من تفاعلات النشاط السياسي، فقد اتفق الباحثون في الفكر والثقافة السياسية العربية على أن الاغتراب السياسي هو الهروب من دراسة الواقع المعطي وانعدام القدرة على وضع الاستراتيجية والتكتيك المناسبين لمعالجة هذا الواقع او عدم القدرة على ما أخذ يسميه الثوريون بوضع الريادة السياسية في موضع التنفيذ ضمن الاطار الاستراتيجي من الخطوات التكتيكية الأساسية التي يسميها هؤلاء الثوريون في التاريخ بالصياله السياسية، أي التكتيك السياسي الإستراتيجي، وبالتالي تجريد العقيدة الشمولية التي تقف خلف هذا العجز السياسي من قوة الحركة في الواقع المعطى وتحجر عقول القائمين عليها في قوالب الثقافة المجردة التي تؤدي إلى حدوث الخلل والاضطراب في الريادة الفكرية والأيديولوجيا الحية بين الجماهير وصولا إلى اعتبار الاغتراب السياسي هو ليس فقط انعدام القدرة على فهم القضايا الأساسية في الواقع المعطى وتحديد الأولويات والأدوات المناسبة لإشغال الجماهير في حلها، بل الانعزال عن القضايا الأساسية الملحة وافتراض قضايا وهمية من خارج الواقع المعطى وحمل الجماهير على الانخراط في خدمتها والنضال من أجل حلها كما قال الشاعر العربي الكبير مظفر النواب في وصف الحال العربي في هذا الشأن(يدافع عن كل قضايا الكون ويهرب من وجه قضيته)، ولذلك لا بد من التأكيد قبل الخروج من دائرة المفاهيم التي حاولت إعطاء تعريفاً موضوعيا للاغتراب السياسي أن هذا الاغتراب ومهما حاولنا التصالح مع الظروف التي ينشأ فيها هو خيار تطوعي لبعض القوى والأحزاب السياسية في التاريخ المعاصر للحركة الوطنية الفلسطينية، والعمل الفلسطيني وأن أصحاب هذا الاغتراب غير مجردين من العلم والمعرفة السياسية وأدوات البحث والتحليل لجميع الظواهر القائمة في الوضع العربي والفلسطيني وبالتالي فإن خيار الاغتراب السياسي في هذا الاطار هو فعل إرادة حزبية واعية للقفز عن قضايا الواقع والهروب إلى قضايا وهمية افتراضية تؤدي إلى تعاظم أزمات هذا الواقع وتفتيت قوة الجماهير الوطنية وتصريف طاقاتها في غير مكانها السليم، وهو الإطار الموضوعي للذرائعية السياسية والانتقائية العقائدية والديماغوجيا الإعلامية والدعائية والانتهازية في المواقف والتصرفات، والتغيير السريع في المواقع والتحالفات، وفي الوقت الذي شكلت فيه الغربة عن الوطن العنوان الأبرز لمقولة الغربة الوطنية أو المأساة الوطنية الفلسطينية فإن الاغتراب السياسي قد شكل العنوان الأبرز هو الآخر لمقولة الهزيمة والهروب الطوعي من مواجهة العدوان والابتعاد المقصود عن تصريف الوعي السياسي والثقافة السياسية في مكانها السليم وتعزيز الصمود والتوحد في مواجهة العدوان الصهيوني والعمل الجاد لاستملاك إرادة الشعب من أجل حل القضايا الأساسية التي أخذ يعيشها في بلدان التشرد واللجوء وحماية شخصيته الوطنية المستقلة بين الأمم والشعوب الإنسانية في إطار منهجية واضحة ودقيقة من المهام والأولويات النضالية.

عودة على بدء:

كان للواقع الصعب الذي أخذ يعيشه الشعب العربي الفلسطيني بعد عام 1948 الدور الأهم في تعميق قناعة ابنائه أن هذه الواقع ليس قدراً مكتوباً في سفر الحياة وأن مشيئة الله الواحد القهار أقوى من قهر الظروف والقوة الصهيونية الاستعمارية في تغيير الأحوال وحماية الحقوق وعودة الأمور إلى مسارها الصحيح وبالتالي أخذ كشعب مدني متحضر يعبر عن حيويته النادرة في التعامل مع هذا الواقع الصعب في جميع الاتجاهات والمسارات فدخل إلى مسار التعليم والمعرفة وأخذ مكانته الطبيعية في المقام الأعلى من الهيئات التعليمية والتدريسية في الجامعات والمدارس ومعاهد التعليم العالي في البلاد العربية ومراكز البحوث ودور النشر والصحافة والإعلام ودخل بقوة واقتدار إلى مسار الإنتاج والأعمال التجارية والحرفية وقدم أروع النماذج في الصناعات الدوائية والغذائية وصناعة المجوهرات والمعادن الثمينة وصناعة المنسوجات والجلديات والملابس والأواني المنزلية والزجاجية والخزفية والأدوات الكهربائية وأدوات الإنتاج الزراعي والصناعي المتطورة وأسهم في إقامة الأسواق والمتاجر الكبرى في الوطن العربي وشركات التعمير والبنية التحتية والشركات المالية والمصرفية والبنوك وكذلك النقابات العمالية والمهنية والجمعيات الخيرية والأهلية ومراكز البحوث والدراسات المتخصصة في جميع العلوم الإنسانية، وفرض نفسه في جميع أماكن لجوئه كشعب حيوي منتج وجدير بالوطن والدولة والسيادة الوطنية والحياة السياسية والبرلمانية أسوة بجميع الشعوب المدنية المتحضرة في التاريخ ولذلك كان من الطبيعي أن يعود ويرى نفسه من جديد ضمن الشعوب القادرة على انتزاع حقوقها الوطنية والتعبير عن وجودها بالحرية والاستقلال الوطني، ولهذا تفاعل بصورة رائعة أيضاً مع المسارات الحيوية الأخرى القائمة في البلاد العربية، وأخذت النخب السياسية والثقافية والاقتصادية والأكاديمية تندفع إلى الأحزاب السياسية العاملة في الوطن العربي وتبشر بأهدافها ومنطلقاتها في العمل بين الجماهير الفلسطينية وتخوض حروبها وصراعاتها الخاصة على أمل ان يكون لفلسطين دور داخل هذه الأحزاب والمسارات الفكرية والسياسية وأخذ ابناء الشعب العربي الفلسطيني نتيجة للفراغ السياسي الذي تعيشه قضيتهم السياسية يساقون إلى السجون والمعتقلات العربية وتعلق لهم المشانق في الزنازين والساحات العامة نظراً لتفشي القمع والاستبداد في واقع الأمة العربية، وبدأت الأحزاب السياسية العربية المحلية منها والقومية والإسلامية والشيوعية تنتشر بين الأوساط الفلسطينية كالنار في الهشيم.

وانشغل الناس في خدمة هذه الأحزاب وتقديم القرابين والتضحيات دفاعاً عن برامجها وأهدافها التي كان لفلسطين والقضية الفلسطينية بعض من شعاراتها وبالتالي وجد الشعب العربي الفلسطيني نفسه يتصدى لكل أحمال الواقع العربي وخلافاته الحزبية والحكومية ولا يجد من يعيله على أحمال غربته ولجوئه، وفي أقل الأحوال لا يجد من يدعوه للتصدي إلى المشروع الصهيوني الاستعماري في بلاده فلسطين أو حماية شخصيته الوطنية المستقلة من عوامل التآكل والاندثار والمحافظة على وحدة وترابط هذه الشخصية مع وحدة وعروبة الأرض الفلسطينية التي يقام عليها مشروع الكيان الصهيوني الاستعماري الدخيل.

لقد برز مع هذا التوجه الفلسطيني للعمل والنشاط السياسي في الأحزاب العروبية والشيوعية والإسلامية الأسئلة المهمة والكبيرة حول هذا العمل وهل هذا العمل والنشاط يؤدي فعلاً إلى تحرير فلسطين؟ وما هي أولويات الأمة العربية في هذه المرحلة؟ وهل يعي العرب الرسميون والحزبيون خطورة الوجود الصهيوني في فلسطين والأبعاد المحلية والموضوعية لوظيفة الكيان الصهيوني في البلاد العربية؟ ودوره في خدمة مراكز الرأسمالية العالمية التي تسعى إلى السيطرة على جميع المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد العربية وأبقاء الوطن العربي تحت شروط الهيمنة والنفوذ الاستعماري حتى استنفاذ آخر شحنة من الثروات النفطية والطبيعية.

لماذا قدر الفلسطينيون في هذه المرحلة هو النضال في الأحزاب القائمة في الوطن العربي حتى انتصارها؟ وبعد ذلك لا يسمح لهم بالمتمتع بأقل الحقوق المدنية في البلدان التي يجري استقلالها أو الانقلاب على حكوماتها؟ لماذا لكل الأقطار العربية أولويات في العمل السياسي باستثناء فلسطين والقضية الوطنية الفلسطينية؟ ولماذا الأحزاب القائمة هي أحزاب قومية وشيوعية وإسلامية حتى الوصول إلى سدة الحكم فقط ؟ وبعد ذلك تعمل هذه الأحزاب على تأسيس الدول والحكومات البوليسية لممارسة القمع والإستبداد الداخلي والتبعية والارتهان لأعداء الأمة في علاقاتها الخارجية؟ وهل دور الفلسطينيون هو العمل على حل كل قضايا الوطن العربي وبعد ذلك يبدأون الانشغال في حل قضيتهم الوطنية؟ ما هو الخاص الوطني المرتبط بكل قضية وطنية محلية في البلاد العربية إذا كان للمحلية خصوصية ووجود؟ وما هو العام القومي أو الشيوعي أو الاسلامي اذا كان لذلك دور سياسي ونضالي في حل الخصوصيات المحلية.

لقد كانت الأسئلة في هذه المرحلة بحجم التجربة وحجم الواقع العربي جميعه وحجم الصراعات والخلافات السياسية القائمة في هذا الواقع ورغم ذلك كانت أقل بكثير من حجم المأساة الفلسطينية وواقع التشرد واللجوء وسياسات النفي والالغاء، ومشاريع التوطين والإذابة والحلول السلمية للصراع العربي الصهيوني، فثمة أسئلة مخجلة ومعيبة كان يطرحها الواقع المعطى في ذلك الزمان ولازالت تعيش في طبقات العذاب الخاص من الوعي الفلسطيني والروح الوطنية الثائرة التي تكونت في أزقة الفقر والحرمان داخل المخيمات الفلسطينية في الوطن العربي لاسيما تلك المرتبطة بالدور العربي وأدوات تصريف التعذيب داخل تجمعات المنفيين والمشردين في وطن الأمة الذي يقاتل من أجل حريته ووحدته وانتصاره، فلا أحد يعرف حتى اليوم لماذا كان يعذب الفلسطينيون في السجون والمعتقلات العربية!! وكيف كانوا يعذبون ويميزون بمزيد من التعذيب عن إخوانهم المناضلون العرب في الأحزاب القومية والشيوعية والإسلامية!! ولماذا لم يرحم أحد غربتهم ويعاملوا أسوة بالآخرين من أبناء الأمة العربية.

لقد حفر هذا العذاب في أعماق الروح الوطنية الفلسطينية وشعر الفلسطينيون أن دورهم في التاريخ العربي المعاصر هو مواجهة القسوة والتعذيب من أجل قضايا افتراضية ربما تكون بعيدة عن قضيتهم الوطنية الأساسية المباشرة وأن الثمن الذي يدفعونه في نضالهم من أجل خدمة هذه القضايا ربما يكون هو الآخر ثمنا مهدوراً في غير مكانة السليم، لا سيما وأن انشغالهم عن الاهتمام بقضيتهم الوطنية الأساسية قد أدى إلى بداية التآكل في كل مظاهر هذه القضية وخاصة الوحدة المجتمعية لوجودهم التي تقطعت أوصالها عند حدود الرسميات العربية وأنظمة الدرك والبوليس السري في المخيمات ووحدة المفاهيم والعادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية المرتبطة بحياتهم الخاصة ووحدة الفنون والآداب المعبرة عن شخصيتهم الوطنية المستقلة ووحدة الحقوق السياسية والتاريخية في بلادهم فلسطين ومنظومة العلاقات الداخلية التي تمكن الشعب العربي الفلسطيني من المحافظة على هذه الحقوق والدفاع عنها بكل الوسائل والإمكانيات، وبالتالي شعر الفلسطينيون أن ثمة غربة جديدة تسعى بعض الأحزاب العاملة في الوطن العربي إلى جرهم إليها وأن هذه الغربة أشد فتكاً بحياتهم وقضيتهم الوطنية وأكثر قسوة من غربة اللجوء والتشرد عن بلادهم وأن الدعوة إلى استمرار انخراطهم في هذه المسارات السياسية الخاطئة سيؤدي إلى ضياع قضيتهم الوطنية واندثارها من الوجود لا سيما بعد أن تبلورت بصورة موضوعية في الوعي والثقافة السياسية الشعبية المرتكزات الأساسية لعناصر القضية العربية الحقيقية المعاصرة في هذه المرحلة من نضال الأمة على طريق استكمال وحدتها القومية وانتزاع حقها في الحرية وتقرير المصير كأمة واحدة قادرة على استملاك جميع عناصر شخصيتها الانفرادية بين الأمم المتمدنة في التاريخ.

عناصر القضية العربية وقواعد رفض الاغتراب السياسي:

قبل التعرض لهذا الموضوع الذي على أساسه يستقيم الانتماء للأمة العربية ويتمكن المناضل من اشتقاق البرنامج الذي يراه مناسباً لخدمة قضيتها الأساسية في هذه المرحلة من تاريخها لا بد في البداية من طرح الأسئلة الموضوعية التالية:

من نحن؟ وهل نحن عرب وأمة عربية واحدة تجمعها اللغة والثقافة والتاريخ المتصل والمصير المشترك ووحدة السوق والقواعد الإنتاجية الخاصة وتجانس العادات والتقاليد المشتركة؟ أم نحن أمة إسلامية تجمعها وحدة العقيدة ووحدة الناموس والشعائر الدينية؟ وبصورة أكثر حسماً ودقة هل نحن أمة الدين؟ أم نحن أمة الاجتماع أسوة بالأمم المتمدنة الأخرى؟ أم نحن خليط من مكونات غير مكتملة في مسارات التاريخ والحضارة الإنسانية؟ وأي مشيئة وإرادة حية تجمع هذه الأمة؟ هل هي مشيئة الخالق سبحانه وتعالى؟ أم مشيئة المكان والحدود الجغرافية المانعة للإذابة والاندثار؟ أم قوة المشيأتين في إطار الحكمة الربانية لإدارة الكون ونشر القيم الدينية بين عبادة المؤمنين كما يعتقد أصحاب المنهج الديني في الحياة؟ ما هي الأسباب التي أدت إلى انحدار الأمة العربية إلى المكانة الأكثر ضعفاً ومسخاً في التاريخ؟ وهل الأمة العربية قادرة على نقاش تاريخها وثقافتها وتمثل قيم ثورية حضارية تمكن من تحريرها من تحجر الماضي وسلبياته دون وقوعها في دائرة التكفير والخروج عن الملة! ومشيئة الجماعة والإرادة الجماعية المهيمنة على العقل العربي؟ ما هي الثقافة الأكثر تأثيراً في الوعي العربي؟ هل هي ثقافة التحرر والتقدم والانعتاق؟ أم ثقافة التسلط والسلطان وأدواته الذرائعية في الشارع العربي؟! أن حسم الإجابة على هذه الأسئلة الموضوعية في سياق الصراع القائم في الوطن العربي هي المدخل الطبيعي لدراسة واقع الأمة العربية ومعرفة القضايا الأساسية المانعة لوحدتها السياسية وتقدمها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وبالتالي فلا اختلاف أو صراع مع المنطق والتاريخ الذي يؤكد اننا أمة عربية واحدة وان الأمة العربية الواحدة التي نعتز بشرف الانتماء إليها هي حقيقة موضوعية في التاريخ قادرة على الجمع والتوحد في شخصيتها الحضارية الانفرادية بين القوة المادية والروحية ورسالة الإيمان والعلم والتنوير في مسارات التحرر والحضارة الإنسانية وأن المانع المباشر لهذا الدور هو العناصر المهمة التالية التي تشكل حقيقة وجود القضية العربية الأساسية في هذه المرحلة.

1- وطن الأمة العربية يعاني من التجزءة السياسية والرد على التجزءة هو الوحدة ورفض الأدوات المادية والثقافية التجزوية والتربية والتعليم التجزوي والاقتصاد والإنتاج التجزوي وأنظمة الأمن والبوليس التجزوي والإعلام والإدارة التجزوية وكل ما من شأنه تبرير وجود هذه الحالة العاجزة للوجود السياسي العربي وإثارة وعي الأمة العربية باتجاه القيم الوحدوية الجامعة لوجود الأمة والثقافة والسلوك الوحدوي الذي يمكن من ردم الفجوة الفاضحة في حياتنا العربية والتحلل من عناصر بقائها في حاضر الأمة ومستقبل وجودها.

2- المجتمع العربي يعاني من أنظمة القمع والاستبداد الداخلي والرد على الاستبداد والقمع الداخلي هو الحرية والديمقراطية في إنشاء النظم السياسية المعبرة عن إرادة شعوبها وتعزيز دور المسارات القيادية التي تأخذ بمبدأ إطلاق الحريات العامة والخاصة وحماية حرية التفكير والتعبير والعمل السياسي والثقافي والإبداعي وإنشاء الأحزاب والنقابات المهنية والجمعيات الأهلية والمدنية كحق من حقوق المواطنة الصالحة والانتماء العربي الأصيل وليس منة السلطان ومقتضيات الحكم والسيطرة الحكومية التجزوية.

3- الوطن العربي يعاني من الاحتلال الأجنبي والاقتطاع والاغتصاب لوحدة أراضي الأمة العربية والرد على الاحتلال الأجنبي هو تحرير الأرض المحتلة واستعادتها للسيادة العربية وتجنيد كل طاقات الأمة لإنجاز هذه المهمة وإعلاء شأنها فوق جميع القضايا والشؤون لأن الأمة التي تقبل بهذه الإهانة في تاريخها وتستمر في مجانبة الرد عليها هي أمة خانعة ومريضة وغير جديرة بالحرية والاستقلال الوطني.

4- الوطن العربي يعاني من النهب والاستلاب لثرواته الطبيعية والنفطية من قبل الشركات الأجنبية الاستعمارية وبعض وكلاء الاستعمار من شرائح الرأسمالية الطرفية في البلاد العربية التي تقدم الخدمات الأمنية والسياسية للقوى الاستعمارية العالمية مقابل فتات النهب والاستلاب للثروات القومية العربية والرد على استلاب الثروات العربية هو استعادة هذه الثروات وحمايتها لأبناء الأمة العربية والانتفاع بها لبناء القوة العسكرية العربية القادرة على حماية الوجود العربي من الاحتلال الأجنبي ومنع استباحة الأرض العربية وممارسة الحرب والعدوان على أبناء الأمة والعبث في حاضر وجودها ومستقبل حياتها، وبناء المدارس والجامعات والصناعة والزراعة والتجارة والأسواق المشتركة القادرة على تحرير الأمة العربية من قانون التبعية الاقتصادية والسياسية والتخلف الاجتماعي والمعرفي وتخلف أدوات الإنتاج والعلاقات الإنتاجية في الوطن العربي .

أن هذه العناصر هي العناصر الأساسية التي تشكل الإطار الحقيقي للقضية العربية في هذه المرحلة من نضال الأمة على طريق بناء كيانها الحضاري الموحد وهي قضية حقيقية مانعة لوحدة دورها ومستقبل وجودها كأمة محترمة في التاريخ وأن الدعوة لافتراض قضية سياسية خارج عناصر ومكونات هذه القضية لا يمكن أن يكتب لأصحابها النجاح لأنهم بذلك يدعون إلى تجهيل العقل العربي الجامع لوحدة وعي الأمة وقدرة بصيرتها على معرفة الحقيقة في خصائص الواقع المعطى الذي تعيشه والظروف الصعبة التي تعاني منها ولذلك أدرك المثقفون من أبناء الشعب العربي الفلسطيني أن قضية الأمة العربية بكل عناصرها ليست قضية دينية وصراع بين الإيمان والإلحاد بل هي قضية وطنية قومية بين جميع مكونات الأمة العربية والدول والشركات الاستعمارية الأجنبية وأن ثمة استغلال حزبي لدين الأمة من أجل حماية مصالح وامتيازات القوى الحزبية الدينية التي تدعو الناس إلى التوقف عن الانشغال في حل قضية الأمة الأساسية والتوجه إلى الانشغال في خدمتها على قاعدة هذه القضية الافتراضية وبذلك تعتبر الدعوة التي تقوم على هذه الافتراضات جزء لا بتجزء من مخرجات الاغتراب السياسي والامتناع عن مواجهة الاستعمار الخارجي للوطن العربي واشغال الناس في خدمة قضايا افتراضية ليس لهم فيها ناقة أو بعير.

ألم يسأل دعاة الاغتراب السياسي انفسهم كيف سيكون الحال العربي فيما لو كانت الدول التي تمارس العدوان والاستعمار للبلاد العربية دول تدعي الإسلام في عقيدتها الدينية هل سنعود في حينها إلى أمة الملة! أم أمة الطريقة! أم أمة الطائفة! أم أمة المذهب! لاستجماع شروط بقائنا وكفاحنا التحرري في مواجهة هذا العدوان وفي الجانب الآخر فقد بات واضحاً للجميع بعد تجلي الحقيقة في عناصر القضية العربية المعاصرة استبعاد الافتراضات الطبقية وقواعد الصراع الطبقي في الصراع الدولي على البلاد العربية والتقاء هذه الدعوة مع الدعوة الكونية الدينية في الصراع الاستعماري على البلاد العربية فالقضية العربية ليست قضية عمالية ايضاً بين الرأسمالية العربية والعمال والمسحوقين في الوطن العربي أنها قضية الكل العربي في مواجهة الكل الاستعماري العدواني على الوطن العربي وذلك بصرف النظر عن الدين أو الجنسية القومية أو الطبقة الحاكمة في البلدان الاستعمارية هذا فضلا على أن كل هذه الدعوات الافتراضية من خارج قوانين الصراع وعناصر القضية الأساسية للأمة العربية كانت جميعها تأخذ بخيار أهون السبل في معالجة هذا الصراع عبر المنشورات والخطابات في دور العبادة والمهرجانات الشعبية وكانت جميعها تدعو إلى تغريب أبناء الأمة العربية عن قضيتهم الأساسية وحملهم على خدمة قضايا افتراضية ليس لها علاقة بعناصر اضطهاد الأمة ومنع استملاكها لإرادة الوحدة والاستقلال القومي وبالتالي شكلت هذه التجربة الإطار الموضعي لفهم الاغتراب السياسي وطريقة التخلص من جميع مؤثراته واستنباط عناصر العمل السياسي الفلسطيني في معالجة القضية الأساسية التي يعيشها الشعب العربي الفلسطيني انطلاقاً من قواعد ومرتكزات القضية العربية الأساسية والتزاماً بخدمتها في كل الأحوال والظروف وكان واضحاً لكل الذين فهموا خطورة الاغتراب السياسي أن القضايا الكلية والشمولية لكل أبناء الشعب الواحد تفرض وجود حركات وأحزاب سياسية وطنية كلية تمثل بنهجها السياسي علما شموليا للظروف والوقائع التي يعيشها الشعب وتسعى إلى خدمة كل قضايا الشعب وليس قضايا طبقات او شرائح اجتماعية أو أحزاب سياسية داخل هذا الشعب ولذلك فقد جرى التأسيس انطلاقا من هذه المفاهيم للانكفاء والتراجع عن الاغتراب السياسي والعودة إلى الانشغال بالقضية الوطنية الفلسطينية والعمل على إنشاء التنظيمات والحركات الوطنية التقدمية ومباشرة النضال الوطني الفلسطيني لمواجهة الصهيونية والاستعمار حيث انطلقت من حركة القوميين العرب تنظيمات شباب العودة وشباب الثأر ومن مسار قومي ويساري ووطني محلي آخر تشكلت جبهة تحرير فلسطين بزعامة أبو حلمي ومن مسار ديني وقومي ويساري أيضاً تشكلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ومن مسار عربي رسمي انطلقت الدعوة لإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها كيان سياسي وطني جامع لوحدة الشعب العربي الفلسطيني ووحدة قضيته الوطنية ونضاله السياسي من اجل العودة والتحرير وعم الشارع الفلسطيني شعور عارم بالوجود الوطني والكينونة السياسية الفلسطينية وصولاً إلى انطلاق الثورة الشعبية المسلحة بقيادة حركة فتح عام 1965 التي شكلت باستراتيجيتها وتكتيكها الكفاحي التعبير العملي عن ارادة الشعب العربي الفلسطيني بالعودة إلى خدمة قضيته الوطنية والتحرر من الاغتراب السياسي وخدمة قضايا افتراضية من خارج الواقع العربي والفلسطيني على وجه التحديد وبالتالي كان العلم الفلسطيني هو العلم والراية الوحيدة لكل فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية وكذلك القصيدة والنشيد الوطني والأغنية التراثية والسياسية والفنون والآداب الفلكلورية المعبرة عن وحدة الشخصية الوطنية الفلسطينية وانطلقت الحركة الثقافية الوطنية الفلسطينية لإنشاء مراكز البحوث والدراسات السياسية ومنابر العمل السياسي والإعلامي الجامعة لوحدة الثقافة الوطنية الفلسطينية في جميع الاتجاهات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتراثية وعادت الشخصية الوطنية الفلسطينية لتعبر عن نفسها من جديد في السياق الطبيعي لشخصية الأمة الوحدوية التقدمية وهويتها الحضارية الإنسانية المتجانسة مع مبادئ الحق والعدل والسلام ورفض القطرية والتمييز العنصري على قاعدة العرق او الدين أو اللون وعمت الشعب العربي الفلسطيني حالة عميقة من الشعور بوحدته المجتمعية والنفسية الجامعة لوحدة دوره ومهامه الوطنية من اجل استعادة حقوقه المهدورة وانتشرت بين أو ساطة جميع مظاهر الانتماء الوطني وكذلك المؤسسات والتنظيمات والجمعيات القادرة على حماية هذه المظاهر وتعميق تأثيرها في حياته اليومية.

وصولا إلى بناء مؤسساته العسكرية الجامعة لوحدة قوته القتالية وإكساب جميع أبنائه القدرة على استخدام السلاح في حربه الوطنية والعلوم العسكرية التي كان محروما منها وتعزيز قدرته على الصمود ومواصلة القتال حتى انتزاع حقوقه المشروعة وليس معرفة عسكرية وعلوم خاصة بإحدى تنظيماته الوطنية أو حركاته السياسية والنضالية وإنشاء المؤسسات والقواعد الإنتاجية القادرة على حماية كل المناضلين من أبنائه والإنفاق على دورهم ومهامهم الكفاحية وحماية كل أسر الشهداء والمعتقلين من أبناء الشعب الفلسطيني وتقديم الرعاية المعيشية والاجتماعية والتعليمية والصحية لأبنائهم وحماية نضال آبائهم كمناضلين وطنيين يدافعون عن كل الشعب العربي الفلسطيني وقضيته الوطنية وليس قضية فصيل أو حركة سياسية داخل هذا الشعب أيضا هذا فضلا عن بناء المؤسسات السياسية الجامعة لوحدة الجهد السياسي من أجل خدمة القضية الوطنية الفلسطينية والمؤسسات الإعلامية والدعائية والممثليات الفلسطينية والدبلوماسية وجميع الأطر التشريعية والتمثيلية والتنفيذية الجامعة لوحدة الكيان السياسي الفلسطيني والقادرة على خدمة قضيته السياسة الواضحة وحمايتها من الخلافات والصراعات الجانية الداخلية والعقائدية والطائفية والمذهبية وغيرها من عناصر وقواعد الصراع الداخلي التي تحاول تغييب البعد الوطني الجامع لوحدة الشعب والقضية الوطنية الفلسطينية وزجها في مستنقع الأولويات الافتراضية من خارج عناصر وجودها كوحدة واحدة طوال مراحل التحرر الوطني من الاحتلال والاغتصاب الصهيوني الظالم وبالتالي فثمة صراع تاريخي بين من تحرر من الاغتراب السياسي بوعي واقتدار وخلص إلى الانشغال بقضية أمته وشعبه وإنشاء المؤسسات والأدوات الكفاحية القادرة على تصريف هذا الوعي في الإطار السليم من القضايا الأساسية للجماهير العربية وبين من يدعو إلى تغريبها عن هذه القضايا وزجها في صراعات دينية ومذهبية أو طبقية كونية ليست على جدول المهام المباشرة في كل تفاصيل حاضرها المعاصر وبعيدا عن السرد التوثيقي لتاريخ وقواعد هذا الصراع لا بد من القول أن جميع التنظيمات السياسية الدينية على سبيل المثال التي أخذت تنشط في البلاد العربية ومنذ تاريخ نشوئها وحتى اليوم لا تعترف في مفاهيمها العقائدية الأساسية بجميع الحقائق التي نشأت في الواقع العربي من خارج عقيدتها الدينية الحزبية الخاصة وبالتالي فهي لا تعترف بوجود الأمة العربية أو أي أمة أخرى غير أمة الدين وتعتبر الدعوة للأمة العربية في مواجهة الاستعمار الخارجي دعوة للعصبية الجاهلية وهي دعوة مقيدة لحدود أمة الدين ومانعة للوحدة الإسلامية وترتقي إلى دائرة التكفير الديني وإخراج صاحبها عن ملة الإسلام كما يطرحون في أدبياتهم الداخلية ووسائل تحريضهم المنبري واعتبار الدعوة للوطنية والعمل الوطني هي تطاول على حرمة الله عز وجل وتقديس المخلوق على حساب الخالق وكأن المناضلين الوطنيين لا يستندون في كفاحهم لهزيمة الظلم والاضطهاد الواقع على شعوبهم إلى الإيمان العميق بحب الله سبحانه وتعالى وتجشم الصعاب والمحن من أجل حماية مقدساته وحرماته على الأرض التي أورثها لعباده الصالحين ولذلك فإنهم لا ينشغلون في قضايا الشعب والوطن والأمة وأن اجبروا على ذلك لأي سبب من الأسباب لا يسعون إلى بناء مؤسسات وطنية أو قومية جامعة لوحدة الشعب أو الأمة بل يسعون الى بناء مؤسسات وهيئات وجمعيات خاصة بأعضائهم وأنصارهم فقط وفي حالة وصولهم إلى قيادة وإدارة مؤسسات وطنية جامعة لا يحسنون قيادتها وإدارتها كمؤسسات وطنية عامة ، وبالتالي فهم يدعون إلى عمل سياسي تغريبي عن قضايا الشعب الحقيقية وثقافة شعبية ورسمية تغريبية وعادات وتقاليد تغريبية وفنون وآداب فلكلورية تغريبية وشكل ومضمون سلوكي تغريبي في مظهر الشخصية وطبيعة علاقاتها الاجتماعية ومقابل هذا السلوك الانفرادي الانعزالي التغريبي عن جميع القضايا العربية والقضية الوطنية الفلسطينية ينطلق المناضلون الوطنيون من قاعدة احترام راية أمتهم وشعوبهم وشخصيتها الوطنية والثقافية المستقلة ويمارسون أرقى حالات التوحد والانتماء والمحبة لكل مظاهر وجودها ولا يسيرون في نشاطهم اليومي في دروب الشبهة لتجزءة التاريخ والتراث الوطني والمعرفي لشعوب امتهم المناضلة وتحويله من تاريخ وثقافة أمة عظيمة إلى تاريخ ملل ومذاهب وطوائف دينية ان المناضلين الوطنيين هم سدنة المساجد ورهبان الكنائس وحماة الإيمان في بلادهم وحرية العبادة والاعتقاد والعمل والتفكير في الإطار الحضاري العربي الواحد القادر على إنتاج القيم والنظم السياسية المدنية المتطورة وهم الذين يقاتلون ويضحون بجهدهم ودمائهم الزكية من أجل الأهداف العظمى لأمتهم وشعوبهم الوطنية في إطار المنهج الموضوعي القادر على هزيمة الواقع الفاسد ضمن الأولويات الحقيقية وليس قواعد التغريب والافتراض والارتهان لخدمة الآخر، وهدر الجهود والطاقات في الحروب والصراعات مع الآخرين وإظهار العقل العربي بهذا الحجم من القصور في معرفة الحقيقة ومعرفة الأولويات والمصالح العربية ونقل الوطن العربي جميعه من وطن ومواطن يتصدى للقهر والعدوان الخارجي إلى وطن وحضارة متعدية على الوجود الإنساني وتمارس القتل الرخيص للأبرياء والعزل في كل بلدان العالم.

لقد عاني الشعب العربي الفلسطيني ويلات الاغتراب السياسي عن خدمة قضية الوطنية العادلة من بداية نكبته الكبرى عام 1948 وحتى انطلاقه ثورته الشعبية المسلحة عام 1965 التي عادت بوعيه الوطني إلى أعمق حالات الانتماء والوجود على خارطة الأحداث والوقائع فهل سيعود هذا الشعب العظيم إلى مستنقع الغربة والضياع السياسي من جديد!! سؤال برسم الإجابة أمام المثقفين والنخب السياسية والأكاديمية والاقتصادية الفلسطينية.

انتهى



الفهرس

- مقدمة............................................................... 1

- مدخل عام........................................................... 2

- تعريف الإغتراب السياسي............................................5

- عودة على بدء.......................................................8

- عناصر القضية العربية وقواعد رفض الاغتراب السياسي...........12

- خلاصة.............................................................22
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف