الأخبار
2018/11/18
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

أرض الدماء و إعلام الغوغاء بقلم:فادي فيصل الحسيني

تاريخ النشر : 2006-06-15
لطالما أفجعنا منظر الفتاة الباكية على شاطئ غزة تندب أباها و عائلتها المبادة دون ذنب اقترفوه أو جرم اجترموه، لتندي جبين الإنسانية من قسوة العدوان و الظلم والطغيان، دون أن يتحرك ساكناً في محكمة الضمير العالمي في زمان يعترف بالقوة ضد الحق و بالظلم ضد العدل و ينصر الغريب على القريب و يعين العدو على الحبيب. أما صوتها فكان قرعة لأسماعنا مؤذياً و وقعه على نفوسنا مؤلماً، و يهدد أمتنا بقادم من المحن عظام و من الكروب فخام. و نتساءل أما آن الأوان لهذه الصيحات المخنوقة و الأنات الضعيفة الواهنة أن تخترق عواصف الظلم الثائرة و تعلو على صوت الرياح العاتية لتنفذ إلى قلوب الأمم الرحيمة و ضمير الشعوب الكريمة.

منذ زمن عزى الكثير من المراقبين نجاح إسرائيل في سياستها الخارجية إلى تميز خطابها الإعلامي، و قدرتها على مخاطية عقول و قلوب العالم الغربي، مستعينة بخبراء في علم النفس و مستخدمة كلمات و ألفاظ منسوجة بنسيج خلاب من المفردات الإنسانية و التي تريح مسامع أكثر الناس، فنجدها طغت و بغت و ظلمت و أجرمت، و استطاعت بعد ذلك أن تسم أفعالها هذه بميسم الوئام و تصبغها بصبغة الرحمة و الامتنان. فإذا ما اغتالت ناشطاً من نشطاء مقاومتنا الأبطال، تنقل الخبر لوسائل الإعلام عن اصطياد مسلح إرهابي كان يخطط لمهاجمة مدنيين إسرائيليين عزل. أما إذا قصفت المقاومة الفلسطينية المستوطنات الإسرائيلية المخالفة لجميع الأعراف و القوانين الدولية بالصواريخ البدائية و التي ما ندر أن أصابت أهدافاً، تهول وسائل الإعلام الإسرائيلية من خطر هذه الصواريخ المحلية الصنع و تبعد كل البعد عن وصف المستوطنات باسمها حتى لا تذكر السامع بحقيقتها. أما عند تشييع الجنازات، فتتسابق وسائل الإعلام المحلية قبل الغربية في تصوير المواكب الجنائزية الفلسطينية و التي تعج بالمسلحين الملثمين و طلقات النار المدوية مقابل صور لجنازات إسرائيلية هادئة تنم عن حضارة و رقي، يلبس الحاضرين أفضل ما عندهم بقليل من العويل و البكاء و بعيداً عن اللثام و طلقات النار في الهواء. المشاهد الغربي يحس بطبيعة الحال بقرب نفسي و تفاعل مع الجانب الإسرائيلي، و بعد و نفور مما يشاهده في الجانب الفلسطيني.

و إذا انتقلنا لدور الإعلام الفلسطيني، و خاصة من الحادثة الأخيرة التي وقعت على شاطئ غزه، نجد أن الرسالة الإعلامية الفلسطينية و تناقلها لهذا الخبر أفقر و أضعف من كل التصورات، فنلاحظ أن التغطية الإعلامية لهذه الحادثة لا تتعدى عن كونها رسالة للاستهلاك المحلي لا أكثر، و لا نجد أسلوب لغوي أو إعلامي أو نفسي لمخاطبة الرأي العام العالمي، و نكاد أن نجزم بأن الرسالة الإعلامية الفلسطينية الموجهة للخارج ما هي سوى ترجمة حرفية للخبر الذي ينشر للمشاهد و السامع الفلسطيني، غير عابئين بتمايز الثقافات و اختلاف الحضارات بين الدول المختلفة، و غير آبهين بمدى حساسية و دقة مضمون و شكل و نتيجة الرسالة الإعلامية الموجهة للخارج. ومهما يكن الامر فقد نجحت الصورة في نقل ما لم تستطع أعتى الأقلام نقله، الأمر الذي دفع وزير الدفاع الإسرائيلي للاعتذار و أمر بفتح تحقيق و أضحت نتيجة التحقيق أننا قتلنا أنفسنا و أنه خطا فلسطيني بحت لا علاقة لإسرائيل به، و هو أمر طبيعي لأغراض استهلاكية تهدئ من روع و غضب الرأي العام الغربي، و هو نفس ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي قبيل زيارته لأوروبا بأن يصرح أن الجيش الإسرائيلي أكبر جيش أخلاقي في العالم. و لنعرج قليلاً نحو إعلامنا الداخلي الرسمي و المنابر غير رسمية، نجد بكل تواضع أن تواجد الإعلام الرسمي الفلسطيني في هذه الظروف الصعبة و التي يعيشها مجتمعنا تواجد ضعيف لأبعد الحدود، و لا يتعدى طموحات هواة في في معترك المحترفين، فلم نشهد موقفاً واضحا تجاه قضايا الفترة الدقيقة التي نمر بها مثل الاقتتال و الاستفتاء، بعيداً عن أي انتماءات حزبية و بمهنية غير منحازة، أما المنابر الإعلامية غير الرسمية فنجد أكثرها و بكل موضوعية تنتهج منهجاً واحداً متطابقاً في مواصفاته و أهدافه، متنافراً في ألوانه و أطيافه، تكرس الفتنة و ترسخ حالة التفسخ في المجتمع الفلسطيني. سعدت و سعد الكثير بتعدد هذه المنابر في البداية، و تعدت تواقعاتنا أسوار طموحاتنا في مستقبل الإعلام في بلادنا، و لكن سرعان ما انكشفت هشاشة تكوبن تلك المنابر و ركاكة المادة الإعلامية المقدمة منها، لتخلي الرسالة الإعلامية من محتواها و لتوجهها سلاح ضد من لا يحلق في هواها.

أرض مقدسة تفيض بالدماء و أصوات العويل تعلو في السماء، و آلام متأججة في كل ركن لا تملك سوى الرجاء و الدعاء، و شعوب عربية منقسمة على حالها، فقسم تائه في مهاوي الهلاك و قسم آخر يعيش لحظة بلحظة ينتظر الفناء، و قسم يلجأ إلى حصن الدعاء و الرجاء و يتخبط بالأحلام و الأوهام العشواء، و يتوه كما يتوه الظمآن وراء السراب في الصحراء. و لكن في حقبة أدمتها أنياب الطغيان، لن يخرج أمتنا من كربها سوى إعلام رنان، و وحدة رجالنا الشجعان، فبرجال فتح الغابر و بحماس في يومها الحاضر، نرنو بكل الأمل الضائع و الرجاء المفقود عسى أن نحقق ما لم نحققه طوال هذه العقود.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف