الأخبار
لمدة 10 أيام.. تعليق إضراب اتحاد موظفي "أونروا" في الضفة بدءاً من الخميسنقابة مستوردي المركبات بغزة يستنكر احتجاز إدارة الجمارك للسيارات المستوردة على معبر بيت حانونبلدية برشلونة تلغي اتفاقية التوأمة مع تل أبيبارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء زلزال تركيا وسوريا إلى 72ارتفاع حصيلة الضحايا الفلسطينيين جراء زلزال تركيا وسوريا إلى 72هنية يصل القاهرة على رأس وفد رفيع لبحث هذه الملفاتمجدلاني يطالب بالضغط على الاحتلال للإفراج عن الأموال المقتطعةكشفان جديدان للسفر عبر معبر رفح البريتوقيع اتفاقية اختبار تطبيق "دفعاتي" لدى سلطة النقد الفلسطينيةالاتحاد العام للجاليات الفلسطينية في أوروبا ينظم حملة مساعدات لمنكوبي الزلازل في سوريا وتركياالمملكة العربية السعودية تطلق النسخة الثانية من مؤتمر القطاع المالي (FSC) يومي 15 و16 مارس/آذار 2023 في الرياضالرئيس عباس يهاتف الأسد ويعزيه بضحايا الزلزالاستئناف العمل في بحر غزة بدءاً من صباح الخميستسرب مياه إلى مصليات المسجد الأقصى وانهيار بلاط على أبوابهشباب رفح يقرر التوجه للجنة الاستئناف باتحاد الكرة
2023/2/8
جميع الأراء المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي دنيا الوطن

المعيقات المؤسسية لعمل المجتمع المدني الفلسطيني بقلم:بلال الشوبكي

تاريخ النشر : 2005-10-21
المعيقات المؤسسية لعمل المجتمع المدني الفلسطيني

بلال الشوبكي

باحث ومحلل سياسي فلسطيني

المقدمة:

عندما تصبح التنمية مطلباً شعبياً، ودولياً، وعندما تكون التنمية مقياساً للوعي والرغبة في التغيير، يصبح العمل على إيجاد مؤسسات لإستيعاب العملية التنموية أمراً مفروغاً منه، وذلك حتى لا تكون العملية التنموية عملية فوضوية غير متوقعة النتائج أو غير محددة الأهداف. ومن هنا تكمن أهمية المؤسسات، حيث تكون الإطار الذي يحدد معالم العملية التنموية، والجهات التي تعمل على صياغة رؤية تنموية تنطلق من إمكانيات المجتمع وتعبر عن حاجاته.

وتتنوع المؤسسات التي يتم من خلالها الشروع في العملية التنموية، فمنها المؤسسات الحكومية ومنها المؤسسات غير الحكومية. فنجد أن المؤسسات الحكومية، هي التي تأخذ على عاتقها تنفيذ المشاريع التنموية والإشراف عليها وضمان نجاحها، لكن قيام المؤسسات الحكومية بدورها في العملية التنموية يتطلب مؤسسات حكومية صالحة، قامت على أسس لا تتعارض مع العمل التنموي، فليس من المنطق أن ننتظر من دول دكتاتورية وفاسدة نشاطات تنموية تخدم المجتمع، لأن البدء في عملية تنموية فعالة يتطلب أولاً مؤسسات فعالة.

إضافة لفساد المؤسسات الحكومية، فإن ظروف بعض الحكومات وخاصة الواقعة تحت الإحتلال، يجعل من قيام المؤسسات الحكومية بمهام تنموية شيئا يتطلب جهوداً مختلفة عن تلك في الدول المستقلة.

من هنا بدأ الحديث يدور عن مؤسسات بديلة تأخذ على عاتقها الشروع في العملية التنموية، فكانت مؤسسات المجتمع المدني هي الأقدر لقيادة هذه العملية.

فمع وجود حكومات قمعية وفاسدة، أصبح وجود مؤسسات المجتمع المدني مطلباً جماهيرياً للحفاظ على مساحة يلعب فيها المواطن دوراً مهماً في كافة الميادين ومنها ميدان التنمية بعيداً عن رقابة السلطة، كما أن وجود مؤسسات حكومية مهددة من قبل الإحتلال أو من قوى خارجية، يجعل من مؤسسات المجتمع المدني مخرجاً مناسباً للقيام ببعض المهام التي حالت ظروف الإحتلال دون آدائها.

وها هو المجتمع الفلسطيني اليوم، يجد التنمية بكافة أشكالها مطلباً شعبياً داخلياً ومطلباً خارجياً، لكن ما يثير الإنتباه هنا أن المجتمع الفلسطيني يعاني من المشكلتين السابقتين – الإحتلال والفساد- لتكون أهمية المجتمع المدني للفلسطينيين أهمية مضاعفة، وتصبح مؤسسات المجتمع المدني محط أنظار كل من يسعى للتنمية، سواء بناءً على الجهد الذاتي الفلسطيني أو حتى بناءً على المساعدات الخارجية، التي وجدت في مؤسسات المجتمع المدني المحلية والدولية بديلاً عن المؤسسات الحكومية لإستقبال الدعم الخارجي وذلك قبل مجيء السلطة في بداية التسعينات من القرن الماضي.

ومع مجيء السلطة وإنشاء مؤسساتها، أصبح مطلوباً منها القيام بالمهام التي كانت موزعة على المؤسسات غير الحكومية المحلية والدولية، وكانت المهام التنموية جزءاً من تلك المهام.

وكون المجتمع الفلسطيني يعيش مرحلة بناء الدولة فإنه أصبح محط أنظار المستثمرين والمانحين، واستمر الأمر كذلك إلى أن طفت على السطح قضايا الفساد المالي والإداري، لتفقد مؤسسات السلطة مصداقيتها وثقة الممولين بها، والتقى فساد المؤسسات مع إعادة إحتلال الأراضي الفلسطينية عام 2000، وإتباع إسرائيل سياسة تقويض مؤسسات السلطة، لتظهر الحاجة من جديد إلى مؤسسات المجتمع المدني.

وفي ظل هذه الحاجة لمؤسسات المجتمع المدني، لسد الفراغ الذي أحدثه غياب الدور الفعال من المؤسسات الحكومية، نجد أن هذه المؤسسات تعاني من عدة مشاكل شكلت عائقا أمام قيامها بنشاطاتها المتوقعة، حيث تحد هذه المشاكل من قدرة مؤسسات المجتمع المدني على القيام بدورها التنموي في الأراضي الفلسطينية، وهذه المشاكل منها ما ينطبق على مؤسسات المجتمع المدني في دول العالم الثالث بشكل عام ومنها ما هو نابع من الخصوصية الفلسطينية.

وتعددت هذه المشاكل والمعيقات سواء من حيث أساسها أو طبيعتها فمنها التي ارتبطت بنشأة المؤسسة وتأسيسها، ومنها ما كان نتيجة ظروف مرحلية أحاطت بعمل هذه المؤسسات، ومنها ما كان جزء من المشاكل التي تواجه مؤسسات المجتمع كافة ومن بينها مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، وفي هذه الدراسة سيتم الإلتفات إلى جزء معين من هذه المشاكل والمعيقات وهي ما تتعلق بأساس ونشأة هذه المؤسسات، والسبب في التركيز على هذه المعيقات – كما أسماها الباحث – هو كونها تشكل جذور المشكلة وأساسها ولذلك ينبغي معالجتها أولا ومن ثم يمكن الحديث عن باقي المشاكل التي تعاني منها هذه المؤسسات.

وللوقوف على هذا الموضوع بدأت الدراسة بمدخل بسيط عن بداية الإعتماد على مؤسسات المجتمع المدني، كبديل أو مكمل في بعض الأحيان لما لم تستطع مؤسسات الحكومة القيام به، ومن ثم تعريف بأهمية مؤسسات المجتمع المدني في تسيير العملية التنموية وذلك حتى يتسنى التعرف على أثر المعيقات المؤسسية على التقدم في عملية التنمية. وقبل البدء في مناقشة هذه المشاكل يتم تبني مفهوم محدد للمجتمع المدني والذي على أساسه يتم الانتقال لتوضيح المشاكل المؤسسية وأثرها على العملية التنموية.

الفرضية:

تنطلق هذه الدراسة من الفرضية التالية والتي مفادها: أنه في ظل الحاجة إلى مؤسسات مجتمع مدني للمساهمة في العملية التنموية، واجهت هذه المؤسسات معيقات مؤسسية ولدت مع نشأة هذه المؤسسات، وتشكل هذه المعيقات العامل المستقل في هذه الدراسة، في حين تشكل عدم قدرة هذه المؤسسات على القيام بدورها التنموي نتيجة تلك المعيقات العامل التابع في هذه الدراسة.

المنهج المستخدم:

إن طبيعة الدراسة التي تسعى لاستعراض أهم المعيقات المؤسسية التي تحول دون قيام مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بدورها التنموي، تدفع بالباحث نحو استخدام المنهج الوصفي لإيضاح هذه المعيقات. وبالتوازي مع هذا المنهج سيتم إتباع المنهج التحليلي لمعرفة أثر هذه المعيقات على العملية التنموية التي يشكل المجتمع المدني الفلسطيني أحد أقطابها.

حدود الدراسة:

تتخذ الدراسة من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني إطارا مكانيا لها، وفي الحين الذي تواجه فيه هذه المؤسسات مشاكل ومعيقات مختلفة ومتنوعة فإن هذه الدراسة لن تقوم بطرح جميع هذه المعيقات، وإنما ستحصر نفسها في المعيقات المؤسسية التي تحد من قيام هذه المؤسسات بدورها المنشود بفاعلية.

الأدبيات السابقة:

لقد عولجت هذه القضية من خلال دراسات مختلفة، لكن بقيت هذه الدراسات إما في إطار واسع مكانيا، كأن تعالج هذه القضية من خلال طرح مؤسسات المجتمع المدني كجزء من مؤسسات المجتمع المدني في العالم الثالث أو في الوطن العربي، ومن الأمثلة على هذه الدراسات: دراسة للدكتور عزمي بشارة بعنوان "المجتمع المدني دراسة نقدية"، ودراسة للدكتور أحمد شكر الصبيحي بعنوان: "مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي". أو في إطار واسع من حيث الموضوع قيد الدراسة، فقد تم طرح المشاكل التي تعاني منها مؤسسات المجتمع المدني بشكل عام دون معالجة كل مجموعة من المشاكل بشكل متخصص ووافي، لكن بالرغم من ذلك فقد ظهرت دراسات متخصصة في جزئيات معينة من المجتمع المدني ومثالا على ذلك دراسة للدكتور محسن خضر بعنوان: "مستقبل العمل التطوعي في المجتمع المدني من منظور تنموي".

الجانب التنموي في المجتمع المدني:

بالرغم مما ذكر سابقاً من أن اللجوء إلى مؤسسات المجتمع المدني يكون متزايداً كلما كانت مؤسسات الحكومة تعاني من مشاكل، سواء كانت هذه المشاكل نابعة من الداخل كالفساد أو من الخارج كالإحتلال، إلا أن وجود مؤسسات المجتمع المدني أصبح مرتبطاً بالنظم الديمقراطية حيث أنه يحافظ على مساحة تكفل للمواطن حريته دون تدخل الحكومة.

وتعتبر مؤسسات المجتمع المدني من أهم المؤسسات التي يتم من خلالها تنفيذ المشاريع التنموية، وإن كانت هذه المشاريع تركز عملها نحو قطاع معين من التنمية يتعلق ببناء المؤسسات ونشر الديمقراطية وتفعيل المشاركة السياسية، ويكون التركيز على هذا القطاع متزايداً كلما كانت مؤسسات المجتمع المدني مدعومة من قبل جهات خارجية تتبنى هذه الرؤى.

وذلك لا يعني عدم قيام مؤسسات المجتمع المدني، بمهام تنموية في المجالات الإقتصادية والخدماتية والبيئية والإجتماعية، إلا أن مؤسسات المجتمع المدني التي تعالج هذه القضايا ما زالت محدودة، حيث ينصب التركيز على قضايا تتبناها الجهات المانحة لهذه المؤسسات، وهذا ما سيتم إيضاحه من خلال مناقشة موضوع التمويل الأجنبي لهذه المؤسسات، وأثره على عملية التنمية الشاملة.

وما يعطي مؤسسات المجتمع المدني التمييز عن باقي المؤسسات في مجال العمل التنموي، هو أساس هذه المؤسسات الذي يقوم على فكرة العمل الطوعي و" المبادرة الذاتية للفرد" والرغبة في العمل من أجل التقدم والتغيير.

وهذا يلتقي مع الأساس الذي يجب أن تقوم عليه العمليات التنموية، وهو الإجتهاد الذاتي والإعتماد على الإمكانيات الذاتية، والإنطلاق من رؤية تعبر عن حاجات المجتمع ورغبته في التقدم.

لكن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، كمثيلاتها في دول العالم الثالث لم تقم على الأساس السليم لهذه المؤسسات، وإن كان اختلافات نتيجة للخصوصية الفلسطينية.

فقد أدى غياب رؤية تنموية واضحة لدى الفلسطينيين إلى فرض الرؤى الأجنبية عن طريق المانحين والممولين، وحصر دور مؤسسات المجتمع المدني ضمن مفهومها التنموي في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان مع إغفال متعمد لقطاعات أخرى.

صحيح أن مؤسسات المجتمع المدني خطت خطوات واضحة في مجال نشر القيم الديمقراطية، والإهتمام بقضايا حقوق الإنسان، إلا أن الربط الضمني بين مؤسسات المجتمع المدني والديمقراطية، أصبح يشكل رؤية بل نظرية تبناها الأوروبيون إذ أن الوصول إلى الديمقراطية من وجهة نظرهم يتطلب أولاً مؤسسات مجتمع مدني فاعلة.

لكن المجتمع المدني وبالرغم من كل الملاحظات التي وضعت علية إلا أنه لا يزال يلعب دوراً إنمائياً ثقافياً وإجتماعياً واقتصادياً وتقنياً وسياسياً.

ذكر في مقدمة هذه الدراسة، الدور البديل الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات المجتمع المدني، في بعض الظروف الإستثنائية التي تواجهها المؤسسات الحكومية وطرحت هذه الدراسة مثالين على هذه الحالات الإستثنائية واللذين انطبقا على الحالة الفلسطينية، وهما ظروف الإحتلال وتقويض المؤسسات الحكومية، والفساد الذي تعاني منه هذه المؤسسات، لنجد مؤسسات المجتمع المدني تقوم بدور الحامي لبعض حقوق المواطن من وطأة السلطة، وبدور تعويضي لما لم تستطع القيام به السلطة.

لكن لهذا الرأي من عارضه، ومنهم الدكتور محمد نور فرحات الذي يرى أن وجود مؤسسات المجتمع المدني في ظل حكومة مهيمنة لا يعني سوى أن هذه المؤسسات ستعمل بشكل أو بآخر تحت سيطرة الحكومة، وبالتالي لن تختلف عن المؤسسات الحكومية في شيء، بل إنها أصبحت تسمى المنظمات الحكومية غير الحكومية: Gove
mental Non Gove
mental Organization مما يفقد مؤسسات المجتمع المدني مضمونها الذي من أجله وجدت، ويلغي دور المبادرة الذاتية فيها والتي هي أساس العمل التنموي.

هذا بالنسبة لحالات الدولة المهيمنة والسلطوية، وفي أغلب الأحيان الفاسدة، أما بالنسبة لحالات وظروف الإحتلال فإن مؤسسات المجتمع المدني تعاني من مشاكل أخرى تطغى على عملها التنموي، إذ يتوجب عليها المشاركة في مرحلة التحرر من الإحتلال والعمل النضالي، كما أنها قد تسيَّس من قبل الأحزاب، أو تستغل من قبل جهات خارجية للعب دور ما كما هو حاصل في الحالة الفلسطينية، إذ أن كثير من الدول وخاصة الأوروبية تلعب دوراً في الساحة الفلسطينية من خلال مؤسسات المجتمع المدني المدعومة من قبلهم.

ومع ذلك فإن مؤسسات المجتمع المدني تمتع بثقة الجمهور أكثر من المؤسسات الحكومية، وخاصة عندما أظهرت هذه المؤسسات كفاءة عالية خلال الإنتفاضة الثانية، حيث عملت على تطوير برامج طارئة تلبي حاجات المواطنين خلال الإنتفاضة، دون إجراء تغييرات على أهدافها بعيدة المدى.

كما أن هذه المؤسسات استمرت في سعيها نحو بلورة برامج للإصلاح، والسير نحو مؤسسة الدولة، وتطبيق مبادئ الحكم الصالح بالرغم من ظروف الاحتلال السائدة، ولعبت دوراً أساسياً نحو التحول الديمقراطي الفلسطيني بالرغم من معيقات تتعلق بالإحتلال وأخرى بالعلاقة مع السلطة، وأخرى بالعلاقة مع الفصائل والتنظيمات، بل وصل الأمر إلى أن يصبح التحول الديمقراطي الذي تسعى له مؤسسات المجتمع المدني متضارباً مع عمل بعض هذه المؤسسات، لأن في التحول الديمقراطي خطر على مصالحها المرتبطة بجماعات أو أطراف سياسية، وفي بعض الأحيان تحكم مسيرة هذه المؤسسات مصالح مالية.

ربما يحتاج الحديث عنه الفوائد التنموية، وخاصة في المجال البنيوي لمؤسسات المجتمع المدني دراسات عديدة، لكن في هذه الدراسة يطرح الموضوع أي - أهمية مؤسسات المجتمع المدني في عملية التنمية - في إطار عام مختصر كتمهيد للدخول إلى المعيقات التي تحول دون قيام مؤسسات المجتمع المدني بدورها بشكل عام، ودورها التنموي بشكل خاص، وقد تم الإشارة إلى بعض هذه المعيقات في البداية بشكل سريع وعابر سيجري إيضاحها لاحقاً.

وللوقوف على أهم هذه المعيقات كان لابد من إيضاح مفهوم المجتمع المدني، والإتفاق على تبني مفهوم محدد في ظل تعدد الآراء بشأنه، وذلك حتى يصبح بالإمكان تحديد معيقات عمله بشكل علمي، لأن هذه المعيقات تتعلق بالبناء الهيكلي لمؤسسات وتنظيمات المجتمع المدني.

مفهوم المجتمع المدني:

وإن كان المصطلح حديث التداول، إلا أنه قديم المضمون، وإذا كان البعد عن سلطة الدولة هو أساس المجتمع المدني، فإن المجتمعات الشرقية والعربية عرفت قديماً تنظيمات إجتماعية كانت بعيدة عن حكم مؤسسات الدولة، وتقوم بعدة وظائف تلبي حاجات إجتماعية لا تقوم بها الدولة بنفس الكفاءة.

وما يميز المجتمع المدني الفلسطيني عن مثيله العربي، من حيث النشأة هو وجود جمعيات وتنظيمات قبل قيام السلطة بمئات السنين، حيث شكلت هذه المؤسسات والتنظيمات أساساً لتنمية مؤسسات المجتمع منذ بداية القرن الماضي، وقامت هذه المنظمات والجمعيات بشكل علني عام 1908 بعد صدور الدستور العثماني.

بعد هذا المدخل البسيط لنشأة المجتمع المدني الفلسطيني تظهر الحاجة الآن إلى طرح مفهوم محدد للمجتمع المدني، يتم تبنيه في هذه الدراسة.

تعددت الآراء حول مفهوم المجتمع المدني، وعناصره، ومقوماته بل وتضاربت في بعض الأحيان، وعندما وصل الحديث عن مجتمع مدني فلسطيني نجد أن تحديد المفهوم أصبح أصعب بكثير مما هو عليه في مناطق أخرى.

وبما أن موضوع هذه الدراسة هو معيقات عمل المجتمع المدني الفلسطيني، فإنه ليس من الضروري طرح وجهات النظر المختلفة حول تعريف وتحديد معالم المجتمع المدني الفلسطيني، لكن هذه الدراسة ستتبنى التعريف التالي للمجتمع المدني: فالمجتمع المدني " هو الحيز الذي يتشكل ضمن المجتمع العام من خلال مجهود جماعي مكتسب ومنظم، يشترك به الأفراد طواعية من أجل وقاية حقوقهم وحرياتهم ضمن مساحة خاصة يسعى دوماً للحفاظ عليها، محمية من إمكانية اختراق وتسلط الدولة"، ويعبر عن هذا الحيز من خلال مجموعة من المؤسسات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية.

وتجدر الإشارة هنا، أنه إضافة إلى الدور التنموي الذي تقوم به مختلف مؤسسات المجتمع المدني بكافة أشكالها وتخصصاتها من خلال مجال عملها، فإن المجتمع المدني الفلسطيني شهد نشأة مؤسسات مجتمع مدني متخصصة في العمل التنموي.

وبالرغم من تعدد تعاريف المجتمع المدني، إلا أن أغلب هذه التعاريف تشترك في عدة عناصر وهي: وجوب فكرة الطوعية في هذه المؤسسات، إضافة إلى فكرة المؤسسية التي تبعد المجتمع المدني عن الأسس التقليدية لمؤسسات المجتمع وتجعل منه كيانا منظما، وضرورة استقلالها عن مؤسسات الحكومة، والنظر إليها ضمن إطار مفاهيمي عام مثل الفردية وحقوق الإنسان وغيرها.

معيقات قيام مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بدورها التنموي:

إذا كانت هذه الدراسة تسعى لإيضاح معيقات قيام مؤسسات المجتمع المدني بدورها التنموي، فهي تلقائياً ستوضح معيقات قيام هذه المؤسسات بدورها بشكل عام، وذلك لأن الدور التنموي هو جزء من مجموعة أدوار تقوم بها هذه المؤسسات.

وعند عرض أهم هذه المعيقات المؤسسية – التي اختصت بها هذه الدراسة _ سيتبين لنا أنها ليست من مصدر واحد فبعضها ناجم عن خلل بنيوي في هذه المؤسسات، وبعضها ناجم عن طبيعة العلاقة مع السلطة أو الأحزاب، ومنها ما كان للإحتلال الإسرائيلي دور في فرضه على الأرض، كما أن الجهات المانحة لهذه المؤسسات تمثل مشكلة لها من خلال فرض رؤية محددة تجاه عمل هذه المؤسسات، وتصبح من خلالها هذه المؤسسات أداة بيد الجهات المانحة.

المعيقات:

بالنظر إلى التعريف السابق الذكر لمفهوم المجتمع المدني، يمكن التعرف على أهم الأسس التي يجب أن يقوم عليها بنيان المجتمع المدني، وإن أي خلل في هذه الأسس سيشكل عائقاً يحول دون قيام هذه المؤسسات بعملها بشكل عام، ودورها التنموي بشكل خاص.

وبالإطلاع على واقع مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني نجد أنها تعاني من بعض المشاكل المؤسسية ومنها:

1) ارتباط نشأة هذه المؤسسات بنشاط شخصي:

بحيث تصبح المؤسسة بيد شخص واحد، وحينها يغلب على هذه المؤسسة طابع المرحلية، إذ أنها تتوارى وتختفي بغياب الشخص المؤسس، مما يجعل من إمكانية قيامها بدور تنموي احتمال ضعيف وذلك لأن العملية التنموية بحاجة إلى إستمرارية في العمل وشمولية في التغطية ورؤية واضحة في الأسس.

وهذا ما عبر عنه الدكتور أحمد شكر الصبيحي عندما وضع عدة خصائص يجب توفرها في المجتمع المدني وهي القدرة على التكيف الزمني والجيلي والوظيفي. وهو يقصد هنا إستمرارية عمل هذه المؤسسات، وعدم إرتباطها بشخص أو قائد معين، كما يشير إلى ضرورة إجراء تعديلات وظيفية تبعاً للظروف المستجدة.

كما أن إنشاء مؤسسات المجتمع المدني على أسس ومصالح شخصية، يتعارض مع أساس هذه المؤسسات الذي يقوم على حاجات ومصالح الجمهور.

2) غياب التجانس والتكامل بين أعضاء المؤسسة:

وهذا ناجم عن وجود صراع بين أعضاء المؤسسة نابع من أسباب مختلفة، فهناك صراع قائم على أساس الإختلاف في الرؤى والأساليب وهذا صراع إيجابي يعبر عن حراك فعّال داخل هذه المؤسسة، لكن يجب أن يكون هناك أطر قانونية تنظم هذا الصراع بما يكفل تحقيق مصلحة الجميع.

كما أن الصراع قد ينبع من إختلاف حول مصالح شخصية بين أعضاء وقيادات مؤسسات المجتمع المدني، مما يجعل من مؤسسات المجتمع المدني رهينة القيادات الأقوى لخدمة مصالحها، حيث تصبح أداة التخلف بدل التنمية.

كما أن غياب التجانس داخل المؤسسة، قد يكون بسبب غياب مبدأ الطوعية في عمل المجتمع المدني، أو جزئية هذا المبدأ، مما يؤدي إلى غياب التساوي بين أعضاء المؤسسة حيث أصبح المتطوعون عبارة عن مساعدين للعاملين بأجر في هذه المؤسسات، إذا أن فلسفة العمل التطوعي تغيرت، حيث أصبحت مقتصرة على من لا يملكون فرصة للعمل بأجر، أو من لا يملكون خبرات أو مؤهلات كافية، وبذلك أصبحت مؤسسات المجتمع المدني تعاني من غياب الإبداع والرؤى الخلاقة القائمة على فكرة العمل التطوعي النابع من رؤية الفرد نحو التقدم، لا من ظروف المجتمع، التي لم تتح له فرصة العمل إلا في مجال العمل التطوعي.

كل هذا يؤدي إلى غياب رابط الولاء بين المؤسسة وأعضائها، وحينها لن تكون هذه المؤسسات سوى شركات ربحية يستفيد منها العاملون بأجر على حساب العاملين المتطوعين.


3) غياب الديمقراطية:

في حين أن الكثير من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني تضع من نشر الديمقراطية أول أهدافها، إلا أنها في نفس الوقت لا تطبق مبادىء الديمقراطية في نطاق عملها، مما يغيب المصداقية عن هذه المؤسسات أمام الجمهور، ومن مظاهر غياب الديمقراطية داخل مؤسسات المجتمع المدني تولي بعض الشخصيات قيادة هذه المؤسسات فترات طويلة، مناقضاً بذلك مبدأ تكافؤ الفرص، وحق المشاركة، والتفويض، ويقوض روح الإبداع والمبادرة الذاتية لدى الأفراد.

وبذلك تكون مؤسسات المجتمع المدني، مجرد هياكل مفرغة من مضمونها، إذ أنها لم ترتبط بغايات تسعى لتحقيقها بقدر ما تعتبر قيام المؤسسة كبناء وهيكل فقط هو الغاية، وهنا يصبح العمل من أجل بقاء المؤسسة بغض النظر عما تقدمه من خدمات للمجتمع.

هنا تصبح هذه المؤسسات بحاجة إلى من يعمل على إصلاحها والنهوض بها، في الحين الذي يجب أن تكون فيه هذه المؤسسات هي من يعمل على إصلاح مؤسسات المجتمع كافة ونشر القيم الديمقراطية.

4) الفساد الإداري:

في الوقت الذي وضعت فيه البيروقراطية الإدارية، أسس الإدارة النموذجية التي تكفل حفظ القوانين والإلتزام بها، وتكافؤ الفرص وتقديم الخدمات للجميع بشكل متساوي، نجد أن البيروقراطية أصبحت أخطر ما يهدد المؤسسات في العالم الثالث بشكل عام، ففي ظل القوانين الجامدة التي تحكم سير المؤسسات أصبحت البيروقراطية تقابل الجمود المميت للمؤسسة وغياب الفعالية والكفاءة. في ظل هذه الظروف المؤسسية أصبح الفساد الإداري، أسرع الطرق للتخلص من مساوئ البيروقراطية.

كما تجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن حصر سبب الفساد المؤسسي في مساوئ البيروقراطية، إذ أن الفساد الإداري في مؤسسات المجتمع المدني هو جزء من الفساد الذي تعاني منه مؤسسات المجتمع كافة وإن اختلفت حدته، وتعددت أسباب هذا الفساد بين عدم فعالية المؤسسات، وغياب الوعي، وسياسة التعيينات في المناصب القيادية، إضافة إلى عوامل كثيرة ليست من موضوع الدراسة.

5) التسييس:

في ظل هيمنة السياسي على المدني، كانت مؤسسات المجتمع المدني هي المخرج من هذه الأزمة لضمان حيز من المدنية للمواطن بعيداً عن سلطة السياسيين. وبقيت الأمور بين مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة والأحزاب في علاقة تكاملية، إلى أن بدأت تظهر علاقات التداخل بل وأن تطغى مؤسسات على الأخرى في الدول التي غابت فيها الديمقراطية، حيث تم إستغلال مؤسسات المجتمع المدني من قبل السياسيين لخدمة مصالحهم في بعض الأحيان وللتستر على سلطة الحكومة في أحيان أخرى.

وبذلك أصبحت مؤسسات المجتمع المدني عبارة عن وكالات للأحزاب السياسية، حيث تشكل حلقة وصل بين الحزب والجمهور بعيداً عن سطوة نظام الحكم.

وبالرغم من الضرر الذي يلحق بمؤسسات المجتمع المدني من حيث القدرة على أداء دورها المنشود في المجتمع، إلا أن استخدامها ناجم عن غياب الديمقراطية وحق المشاركة السياسية في بعض الدول، ولم تكن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بعيدة عن هذا الإستغلال، ولكن ما يميز الحالة الفلسطينية عن محيطها العربي، هو أن إستغلال مؤسسات المجتمع المدني من قبل الأحزاب السياسية، جاء في بعض الأحيان للتخفي والتملص من قيود الإحتلال الإسرائيلي، الذي يعيق عمل الأحزاب السياسية.

كما أن الأحزاب السياسية في فلسطين إستغلت مؤسسات المجتمع المدني لتكون القناة التي يصل من خلالها الدعم الخارجي لهذه الأحزاب، تحت ستار المشاريع التي تنفذها مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني.

وبهذا الأمر تكون الجهات السياسية قد أزالت عن المجتمع المدني أحد أهم عناصره، وهو الإبتعاد عن هيمنة الدولة أو سيطرة الأحزاب بما يكفل للمواطن مساحة من الحرية بعيدة عن يد الساسة، الذين لن يروا في نهاية المطاف إلا مصالحهم الفئوية الضيقة.

كما أن قضية التسييس هذه ليست محصورة في الإطار الداخلي للجهات السياسية المختلفة، بل انها قد تستغل سياسيا من قبل أطراف خارجية سواء كانت هذه الأطراف منظمات أو حكومات، وفي هذه الحالة قد تشكل مؤسسات المجتمع المدني المسيرة من الخارج خطرا على المصالح العامة في المجتمع.

6) التمويل:

التمويل كمصدر لمؤسسات المجتمع المدني أساسي ومهم، بل بدونه لا يمكن لهذه المؤسسات أن تقوم بدورها المنشود، لكن هذا الأمر بالذات _ التمويل_ يعتبر من أكثر المواضيع حساسية عند إنشاء أي مؤسسة، وخاصة إذا كنا نتكلم عن المجتمع المدني الفلسطيني، إذ أن الإمكانيات المالية الذاتية ضعيفة مما يؤدي إلى إعاقة عمل المؤسسات.

وبناء عليه فإن نشاطات المجتمع المدني ستبقى رهينة الإمكانيات المالية، وقد كان واضحا هذا الأمر مع مجيء السلطة الفلسطينية حيث تحول جزء كبير من الدعم المخصص للمجتمع المدني إلى السلطة الفلسطينية. لكن مشكلة نقص التمويل هذه لم تستمر وتم التغلب عليها، فمؤسسات المجتمع المدني تتلقى التمويل من كل حدب وصوب وهذا الأمر بات يشكل خطرا على عمل هذه المؤسسات أكبر من خطر نقص التمويل وذلك على النحو التالي:

1- مؤسسات مجتمع مدني تستفيد من التمويل المحلي:

ويقصد الباحث هنا بالتمويل المحلي: الدعم المقدم لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني من جهات داخلية. وفي هذه الجزئية بالذات سنرى ارتباط بين مشكلة التمويل ومشكلة التسييس سابقة الذكر.

فقد اعتمدت الفصائل الفلسطينية أساليب مختلفة تماما عن الأساليب المباشرة للتأثير في الشارع الفلسطيني بما يخدم مصالحها، فنجد أن لكل فصيل مؤسساته الخاصة به التي تعد ضمن مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني من حيث الشكل والتأسيس، إذا أنها تظهر على شكل مؤسسات مستقلة لكن عملها ونشاطها يوضح أهدافها المتوافقة مع أهداف أحد الفصائل.

ويكون الرابط بين المؤسسة والفصيل هو ذلك الرابط المالي، حيث توفر هذه الفصائل الدعم المالي للمؤسسات مقابل أن يتماشى نشاطها مع أهداف الفصيل المموِّل وهنا تظهر المشكلة السابقة الذكر في تسييس هذه المؤسسات على حساب مدنيتها.

وهذا ربما لا يقتصر على الفصائل وإنما قد تعمل السلطة على دعم بعض مؤسسات المجتمع المدني بما يخدم مصالحها، وان كان هذا الدعم غير مباشر أو غير مالي، إذ قد تقوم السلطة بالتسهيلات الفنية والقانونية لهذه المؤسسات عند التأسييس إضافة إلى الدعم المالي.

2- مؤسسات مجتمع مدني تستفيد من التمويل الأجنبي:

بالرغم مما ذكر سابقا عن تبعية مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني إلى جهات حزبية داخلية، إلا أن الكثير من هذه المؤسسات حافظت على استقلاليتها من أن تكون تابعة لأي من الفصائل أو الحكومة. لكنها بذلك وقعت في تبعية أخطر لجهات خارجية، فمع رفضها أن تحسب على أي جهة داخلية أصبح التمويل والمساعدات الخارجية أمرا مفروغا منه لتسيير أعمالها، لتجد نفسها في تلك المشكلة التي حاولت تجنبها وهي التبعية، فمع اعتمادها على التمويل الأجنبي سواء من الحكومات أو من مؤسسات دولية أصبح تطبيقها لشروط وأهداف الممولين هو الضمان الوحيد لحصولها على الدعم.

وتعددت الشروط التي فرضها الجهات الممولة والمانحة لهذه المؤسسات، فمنها من يسعى لفرض رؤيته في تحديد أهداف المؤسسة وأساليب عملها، ومنها من يسعى لاستغلاها سياسيا بما يخدم مصالح القوى المختلفة.

وفي الجانب التنموي نجد أن غياب رؤية تنموية فلسطينية يجعل من مؤسسات المجتمع المدني تتخبط في الأهداف والوسائل دون تنسيق، حيث تعمل كل مؤسسة وفق وجهة نظر مموليها، بما يعنيه ذلك من أثر سلبي على حركة التنمية الفلسطينية.

وتتكشف خطورة التمويل الأجنبي عندما يتم التعرف على شخصية الجهات الممولة، لتظهر لنا الأهداف الحقيقية جلية من وراء هذا الدعم المالي بخلاف الأهداف المعلنة، وذلك نتيجة المعرفة المسبقة لأهداف تلك الجهات والتي تتخذ من مؤسسات المجتمع المدني أداة لتحقيق مآربها.

كما أن الجهات المانحة في كثير من الأحيان لا تتردد في استخدام التمويل كأداة ضاغطة من أجل مصالح استراتيجية أو مكاسب سياسية، فقد تسعى للترويج لنشر قيمها وثقافتها في دول العالم، وهذا ليس بالأمر الغامض فكثرة مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل على نشر الثقافة الغربية بقيمها المتعددة في الأراضي الفلسطينية _ وإن كان ذلك بحسن نية في بعض الأحيان _ تدل بشكل واضح على الدافع الحقيقي وراء هذا الدعم المالي من قبل المؤسسات والحكومات الغربية.

كما أن الجهات الممولة لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني قد تشترط بعض الأمور التي تدفع في نهاية المطاف إلى التطبيع مع إسرائيل، وذلك من خلال مؤسسات تتعاون في المجال البيئي أو الصحي وغيرها. مما يعمل على تسريع صياغة معالم العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية وفق وجهة نظر الممولين، والتي لا تختلف في أغلب أحيانها عن وجهة نظر إسرائيل. وبغض النظر عن قبول الفلسطينيين لوجهة النظر هذه أو رفضها لكنه تعيد مؤسسات المجتمع المدني إلى مشكلة التسييس أيضا، لتصبح مؤسسات المجتمع المدني فعليا تابعا لحزب هنا أو حكومة هناك.

3- مؤسسات مجتمع مدني للإستثمار الخاص:

فرضت مصلحة السياسيين داخليا وخارجيا عليهم تسخير قدراتهم المالية لكل من يعمل على خدمتهم في مختلف الاتجاهات، لكن السياسيين ليسوا وحدهم من يسعوا لتحقيق مصالحهم فهناك من أجاد استغلال نقطة الضعف هذه – مصالح السياسيين- لتحقيق مصالحه الشخصية المالية.

وإن كان ما سنناقشه الآن ليس بالظاهرة إلا أنه بات يشكل خطرا على وظيفة مؤسسات المجتمع المدني، إذ أن الإغراءات المالية التي يقدمها الممولون وخاصة الدوليون أفرزت في المجتمع من هم أشبه بالمرتزقة، حيث يقوموا بتأسيس مؤسسات بشعارات متوافقة مع شعارات الممولين بشكل عام والممولين الغربيين على وجه الخصوص، لينالوا مرضاة هذه الجهات التي تحن عليهم بالمال الوفير.

ولا يتوقف الأمر على أبناء المجتمع من المستفيدين شخصيا من هذا التمويل، إذا أن هناك من الأجانب من يتولوا مهمة الإشراف على بعض المؤسسات وتمويلها نيابة عن حكوماتهم والمؤسسات الدولية الممولة، والذين أسماهم خليل نخلة مستشار الاتحاد الأوروبي بسماسرة التنمية بالرغم من اعتبارهم كأفراد أناس يسعون لخدمة الفلسطينيين لكنهم حقيقة يعيقوا عملية التنمية من خلال غياب التنسيق والكفاءة، وانشغال البعض بالمصالح المالية.

خاتمة:

يشهد المجتمع الفلسطيني حاجة متزايدة لمؤسسات المجتمع المدني لتساهم بدور فاعل في النشاطات المجتمعية وأهمها النشاطات التنموية، وتزايدت هذه الحاجة كلما ضعف دور المؤسسات الأخرى وعلى رأسها المؤسسات الحكومية، نتيجة عوامل داخلية وخارجية كالفساد والإحتلال.

لكن المشكلة الحقيقية التي تواجه المجتمع الفلسطيني اليوم، هو عدم فاعلية مؤسسات المجتمع المدني إلى جانب ضعف مؤسسات السلطة، وذلك نتيجة لمجموعة من المعيقات والتي جرى مناقشة جزء منها في هذه الدراسة، وهي المعيقات المؤسسية التي شملت شخصانية هذه المؤسسات، وغياب الديمقراطية، والفساد الإداري، وغياب التجانس، ومشكلة التسييس والتمويل.

ويرى الباحث أن هذه المشاكل ذات طبيعة تراكمية، إذ أن وجود مشكلة واحدة من هذه المشاكل هو محفز لظهور المشاكل والمعيقات الأخرى، فمثلا قد يدفع اعتماد مؤسسات المجتمع المدني على التمويل من جهات سياسية إلى انجرارها تلقائيا إلى ساحة العمل السياسي والحزبي أحيانا. كما أن ارتباط المؤسسة بشخص معين وغياب الديمقراطية يعني في نفس الوقت الفساد الإداري وغياب التجانس والتكامل بين أعضاء المؤسسة.

ولذلك رأى الباحث أنه من الأهمية بمكان الإلتفات إلى هذه المعيقات لعمل المجتمع المدني، في سبيل إظهارها للمهتمين، علّها تلاقي حلولا مناسبة. وفي هذا الإطار يرى الباحث ضرورة اتباع شروط صارمة على إنشاء هذه المؤسسات ليس من قبل السلطة حتى لا تقع في نفس المشكلة، وإنما من لجنة تشكل من ناشطي المجتمع المدني، وتتولى أيضا الإشراف على الأمور المالية والإدارية في هذه المؤسسات.

إضافة لذلك يجدر بهذه المؤسسات _ مؤسسات المجتمع المدني _ أن تقوم بتثقيف الجمهور بأهمية العمل التطوعي والتشجيع عليه، مما يمكنها من التخفيف من العبء المالي عليها، والذي يدفها إلى الالتجاء لجهات قد تستغلها سياسيا.



المصادر والمراجع:

1- أحمد شكر الصبيحي، مستقبل المجتمع المدني في الوطن العربي، ط1، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000.

2- برنامج دراسات التنمية، تقرير التنمية البشرية، 2002، جامعة بيرزيت، فلسطين.

3- برنامج دراسات التنمية، تقرير التنمية البشرية، 1998-1999، جامعة بيرزيت، فلسطين.

4- جورج كرزم، علاقة المانحين التمويلية بالسلطة والمنظمات غير الحكومية: شراكة أم تبعية؟، السياسة الفلسطينية، عدد 24، خريف 1999.

5- خليل الزبن، العلاقة بين مؤسسات المجتمع المدني والسلطة الوطنية، السياسة الفلسطينية، عدد 24، خريف 1999.

6- زياد أبو عمرو، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في فلسطين، ط1، مواطن، رام الله، 1995.

7- محسن خضر، مستقبل العمل التطوعي في المجتمع المدني من ومنظور تنموي، شؤون عربية، عدد 117، ربيع 2004.

8- محمد نور فرحات، الدولة والمجتمع المدني العربي ( إشكاليات العجز والهيمنة والتوجهات الليبرالية)، شؤون عربية، عدد 117، ربيع 2004.

9- نصر محمد عارف، نظريات التنمية السياسية المعاصرة، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، 1981.

10- إبراهيم علوش، التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني: وثيقة للسي اي إيه، من موقع الصوت العربي الحر الإليكتروني:

11- خليل نخلة، نظرة نقدية عن التمويل الأجنبي في فلسطين_ إلى أين نسير؟، من موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني الإليكتروني:
12- شهيدة الباز, المشكلات المؤسسية للعمل الأهلي العربي، ورقة عمل مقدمة في التنظيمات الأهلية العربية، مؤتمر القاهرة 31 أكتوبر إلى 3 نوفمبر 1989, ص 56-62، من موقع مركز التميز للمنظمات غير الحكومية:
13- عزت عبد الهادي، رؤية أوسع لدور المنظمات الأهلية الفلسطينية في عملية التنمية "ورقة مفاهيم"، من موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني الإليكتروني:
14- محمد فهمي الشلالدة، تعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني في الصمود، ورقة عمل، مؤتمر البناء الديمقراطي المقاوم، رام الله، 26/11/2002، من موقع مركز التميز للمنظمات غير الحكومية الإليكتروني.
 
اضف تعليق

التعليق الذي يحتوي على تجريح أو تخوين أو إتهامات لأشخاص أو مؤسسات لا ينشر ونرجو من الأخوة القراء توخي الموضوعية والنقد البناء من أجل حوار هادف