الميليشيا المسلحة والأنظمة الشمولية .. لنمنع تكرار الماضي بقلم:الدكتور عبدالله يوسف الجبوري
تاريخ النشر : 2005-12-04
الميليشيا المسلحة والأنظمة الشمولية .. لنمنع تكرار الماضي

الدكتور عبدالله يوسف الجبوري

المشرف العام لشبكة أخبار العراق

نائب رئيس تحرير جريدة المغترب العربي – كندا

يحدثنا التاريخ المعاصر عن قضايا مهمة ، ولكن يبدو ان بعض السياسيين لا يقرأون التاريخ فليس لديهم القدرة على معرفة الكوامن التي تختفي وراء إنهيار أكثر من قوة وأكثر من نظام ومن هنا أردنا ان ننبه العقل العراقي الى قضية مهمة ، هذه القضية تتركز على الخلل الحاصل في السياسة ومتغيرات الوضع في ظل تعدد الأحزاب التي ترافقها حالة من شبه الفوضى في تعدد المليشيات التي لا تجلب ربما سوى التدمير لهذه القوى .. أي أنها تحمل سر نهاية قوتها كما جرى لحزب البعث العربي الأشتراكي الذي استمر في الحكم لأكثر من ثلث قرن ، وفي النهاية انهارت إمبراطورية الموت بسبب أنها كانت تعتمد الى حد ما على المليشيات المسلحة إما في إرهاب الشعب او في السيطرة على مفاصل الحياة .

في التاريخ القريب كذلك كان الإتحاد السوفيتي يعتمد على مؤسسة إستخباراتية غاية في التنظيم والتعقيد فهي سلطة فوق دولة وهي القدرة التي لا تقبل النقاش والجدل ، وهكذا عاش السوفيت أكثر من ثلاثة أرباع القرن تحت هاجس الخوف من المؤسسة الشيوعية التي لا يمكن لها ان تصدق سوى الميليشيا المسلحة التي تشرف على سير الأمور المهمة للدولة والتي كانت ثاني أكبر قوة في العالم بل والمنافس لأكبر قوة إمبريالية عرفها العصر الحديث .

فالشيوعية نظام شمولي بكل المقاييس ولا يمكن ان تتخلى عن منهجها في قيادة المجتمع والدولة وتسيطر على مداخل الأمور ومخارجها ، بدون ذلك الكم الهائل من الجيش غير النظامي المسمى قواعد الحزب الشيوعي وتنظيماته الشعبية المسلحة التي ظلت طيلة عقود تعيش تحت هاجس المؤامرة وهاجس الخوف من المجهول الذي يرتسم أمام قيادات الدولة السوفيتية العظيمة .

فالنظم الشمولية التي استمدت قدرتها ووعيها لمصالحها من الفكر الشيوعي كما هو الحال في كوبا حتى يومنا هذا ، تعتمد على التنظيمات الشعبية في رصد تحركات المجتمع وهي بذلك تشكل منظمة سرية بأسماء تنظيمات شعبية وحزبية ، وهي تخضع لإرادة وتوجيه الفر د الأعلى كما هو حال كاسترو .

إذن هناك علاقة واضحة بين النظم الشمولية وبين التنظيم للميليشيات المسلحة وقد تم اقتباسها من اكثر من جهة ، فألمانيا الهتلرية عاشت كذلك نظاما شموليا دكتاتوريا ونازيا في الوقت ذاته وأعتمد هتلر على عدد من التنظيمات الشعبية مثل شبيبة هتلر وغيرها الى جانب التنظيمات السرية المسلحة ، وكلها تخضع لتوجيه القائد الأعلى الذي يجب ان لا يسمع غير صوته هو وما يقابله هو الإجابة بنعم دائما . وقد تبين أن هذه الميليشيات لا يمكن تجاهل عمليات تنظيمها ووضع الأرصدة المالية لها لأنها تتحمل مسؤوليات من وجهة نظر القائد الأعلى ، أكبر من أية جهة لأنها الجهة الوحيدة التي ولدت مع القائد ولا تموت إلا ومعه ، فهي تحصل على دعم غير عادي في الجوانب المادية او في الجوانب القانونية كذلك .

وعندما انهزم هتلر أصبحت شبيبته وغيرها من التنظيمات المسلحة وهي ميليشيا حقيقية ، أصبحت منهارة وغير قادرة على الأستمرار أو التعايش مع الواقع الجديد بل ربما تخلت عن كل مفاهيمها لأننا لو راجعنا عمليات التنظيم لوجدنا ان هذه الميليشيات عبارة عن تنظيم فردي جاء بناء على رغبة ودعم القائد الفرد ، وهكذا الحال في الإتحاد السوفيتي السابق وبقية الدول التي كانت تعتمد على التنظيم الشعبي المسلح كجزء من تنظيمها السياسي والشعبي الملسح .

أما الدول العربية فهي الأخرى تشهد هكذا تنظيمات وهي عديدة ففي زمن الحكومات الجمهورية هناك تنظيمات مسلحة تابعة للحزب الحاكم وهناك تنظيمات مسلحة تظهر عند الحاجة الى إبراز قوة الدولة من الناحية الإجتماعية ، ففي عهد ثورة 14 تموز 1958 كان التنظيم الشعبي المسلح هو المقاومة الشعبية وهي تنظيمات مسلحة حزبية إعتمدت عليها الدولة او الفئة الحاكمة لكي تظهر للشعب أنها لا يمكن ان تخضع لعصر التخويف او الإنقلابات وهكذا كانت تنظيمات المقاومة الشعبية عبارة عن تنظيم ميليشيا مسلحة تابعة للحزب الشيوعي العراقي الذي برز دوره في بداية عهد الزعيم عبد الكريم قاسم ولكنها كانت نواة للحكم الشمولي الذي يميل الى الدكتاتورية ، ولكون عبدالكريم قاسم ليس شيوعيا فقد تم تحجيم المقاومة الشعبية ، ولكنها أستغلت من قبل السلطة في مراحل معينة لدعم الموقف الأمني وإظهار تعاطف الشارع مع الحكومة .

وعندما تقدمت المسيرة السياسية نجد ان المقاومة الشعبية في العراق كانت تمثل الجانب المسلح للحزب الشيوعي وهنا يمكن ملاحظة ان ذلك كان بداية تبريرية لبقية الأحزاب للتفكير بالكفاح الشعبي المسلح والمقاومة الشعبية وغيرها من المسميات .. وعندما حدث إنقلاب 8 شباط 1963 كان حزب البعث قد اتجه مباشرة الى تنظيم الميليشيا المسلحة له تاكيدا لما بدأه الزعيم عبدالكريم قاسم من دعمه للحزب الشيوعي العراقي وتشكيل المقاومة الشعبية .

ظهرت بوادر ميليشيا حزب البعث بتنظيم الحرس القومي وهو عبارة عن جيش حزبي مسلح يتبع للتنظيم الحزبي الذي يقود السلطة والدولة ومن هنا باتت النظرية الشمولية تنمو وتتطور لأن الحزب يمتلك سلطة مسلحة وقوة عسكرية بديلة عن تلك المهيأة للعملية الإنقلابية ، ومن هنا نجد ان الحرس القومي تصرف كسلطة وكقوة مسلحة وكجهاز حزبي أمني ، فإذن بات من المؤكد ان ذلك يدعم تفكير القائد الحزبي بأتجاه تنمية القرار الفردي المعتمد على الهرم التنظيمي للحزب والمستند على التنظيم الحزبي المسلح ، وعندما فكر البعثيون عام 1964 بالإنقلاب على عبد السلام عارف جندوا قوتهم المسلحة على الأرض من خلال التنظيم الحزبي المسلح ولكن كان الفشل في هذه التجربة حليفهم مما أفشل قدرتهم على السيطرة على مقاليد الأمور وهكذا عندما جاء عبد السلام عارف لم يلجأ الى الميليشيات المسلحة لأنه كان عسكريا وكان يدرك ان الإزدواجية في العمل السياسي والعسكري ربما تؤدي الى فاجعة حقيقية للبلد لذلك أبعد التنظيمات الشعبية عن فكرة التسليح والتحول الى ميليشيات لها دور في الحياة السياسية والعامة .

وهنا لا بد من العودة الى قضية الميليشيا الحزبية والتي تعد الظهير القوي للحزب الحاكم ففي عهد صدام حسين بدأت التنظيمات الشعبية المسلحة بالجيش الشعبي وهو نموذج للفكر الشمولي في السيطرة على الحياة العامة ، وأصبح الجيش الشعبي أول تنظيم مسلح يشرف عليه الحزب إضافة للسيطرة التامة على الجيش النظامي ورويدا تطور الجيش الشعبي ليصبح قوة امنية وتنظيمية وعسكرية في آن واحد وهذا يعكس جزء مما كانت قيادة السلطة تريده وتبحث عنه في دعم مشروعها الفردي الشمولي ،.

لقد أسهم الجيش الشعبي في مهمات معينة كان يراد منها إبراز أهمية عدم الإعتماد على التنظيمات التقليدية فهو ميليشيا ناجحة ضمن مفهوم وتصور السلطة الشمولية ، لكن هناك تعدد آخر في الحلقات الأمنية التي أضيفت لتؤكد على شمولية المنهج السلطوي عند حزب البعث وعند النظام السابق .

ثم أصبح هناك تنظيمات أخرى وبحسب الحاجة مثل فدائيي صدام وهي قوة مسلحة أخرى يشرف عليها مباشرة إبن رئيس الدولة ولها صلاحيات وتنظيمات مسلحة خاصة وتنال الدعم المباشر من شخص رئيس الجمهورية وهو الشخص الواحد والقائد المتفرد بكل شيء . وأضافت الحاجة التي كانت تشعر بها سلطة صدام حسين تنظيمات مسلحة أخرى وهي ميليشيا بشكل او بآخر ، فظهر جيش القدس وهو تنظيم ميليشيات خاصة أخرى يشرف عليها قصي صدام حسين ولها صلاحيات عسكرية معينة ترتبط برأس الدولة . ومن هنا بات من الصعب معرفة عدد التنظيمات العسكرية التي تؤكد ان السلطة الشمولية لا يمكن ان تكتفي بتنظيم واحد بل بعدة تنظيمات وهي لديها مبررات لا يمكن مناقشتها او الإعتراض عليها .

وهكذا عندما سقط النظام السابق بفعل المحتلين ظهر ان الميليشيا لا يمكن ان تدافع عن نفسها فكيف يمكنها من الدفاع عن النظام ذاته ؟؟ وهذا ثابت تأريخيا بأن الميليشيا المسلحة تنهزم قبل النظام القوي الصارم وتهرب قبله ، لأن الجيش هو الاخر كان يرى في نفسه رديفا للميليشيات فهو بات غير مقتنع بدوره المهني .

وعندما سقط النظام جاءت تنظيما حزبية أخرى لا تمتلك لنفسها غير ان تسلك نفس الطريق في الشمولية والسيطرة على الساحة السياسية بالقوة وعن طريق الميليشيات المسلحة وهو ما يجري الآن من سيطرة فيلق بدر على مقادير الأمور في وزارة الداخلية والدفاع وعدد كبير من المؤسسات الرسمية بفعل إنتماء هذه المؤسسات الى أحزاب معينة باتت تسيطر بفعل قوة الميليشيا المسلحة التي تمتلكها ،، فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية يعتمد في تنفيذ سياسته على فعل القوة المتوفرة لدى فيلق بدر والمدعوم من قبل إيران التي تعتمد على الحرس الثوري وهو نظام ميليشيا أيضا فهي دكتاتورية تنظيمية خاصة لا يمكن مناقشة أفعالها ، وكذلك حزب الدعوة الإسلامية الذي يستند على ميليشيا خاصة وهي تنظيم حزبي مسلح يستمد قوته من خلال وجود رئيس الحزب في السلطة أي رئيس الوزراء نفسه .

وهناك ميليشيات متعددة الان في العراق ولذلك لا يمكن للديمقراطية ان تنجح وإن نجحت فتكون على الطريقة الإيرانية أي الخضوع لولاية الفقية وهو تنظيم دكتاتوري متميز فلا يجوز أن ينتخب أي شخص في إيران خارج إرادة الحرس الثوري وولاية الفقيه وتشخيص مصلحة النظام ، وكل تلك التسميات تلتزم برأي شخص المرشد الأعلى .

إننا نرى في المليشيات تنظيم غير مشروع وعليه لا بد من التحذير من مخاطر تنمية هذه التنظيمات التي لا يروق لها غير ما تفعله هي ، ومن هنا يبدو ان الميليشيا المسلحة ترتبط أصلا وتعد نواة للأنظمة الشمولية عبر العصور ، وهنا لا بد من التنبيه الى خطورة سيطرة الميليشيات على العملية السياسية في العراق .

إن الديمقراطية التي لا تأتي بقوة الشعب وبإرادة الأغلبية غير المعتمدة على التزوير وعلى فعل الميليشيات في تزوير الحقائق وصناديق الإقتراع سوف تصاب بالنكسة والإنهيار آجلا ام عاجلا .