ماذا قدم الإسلام للغرب
تاريخ النشر : 2013-10-06
ماذا قدم الإسلام للغرب
عرض : محمود حسانين
ماذا قدم الإسلام للغرب ؟، سؤال تطرحه لجنة التعريف بالإسلام، من خلال كتاب يحمل العنوان نفسه صدر مؤخراً عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ووزارة الأوقاف، مشتملاً على ثلاثة بحوث للأساتذة الدكتورة آمنة نصير التي تبحث عما قدمه الإسلام للغرب في مجال العقيدة والفلسفة وعلومها، والدكتور عبد الحميد إبراهيم أبو سعدة الذي يدرس أثر الجانب الفقهي والقانوني فيما قدمه الإسلام للغرب، ثم أخيراً يبحث المستشار محمد التهامي وراء ما قدمه الإسلام للغرب في مجال الحضارة؛ والكتاب في جملته شيق الطرح معين على التلقي .
في القسم الأول من الكتاب توضح الدكتورة آمنة نصير أن الإسلام هو النبراس الذي أضاء للبشرية الكون، وأشاع نور اليقين للعالم، وتضيف أن العرب هم صناع الحضارات ونبع للثقافات وهم الأسبق في أغلب المجالات التي نسبها الغرب إلى نفسه ظلماً وبهتاناً، وتوضح أيضاً مفاهيم هذه الحقيقة وتضع لنا أمثلة لعباقرة العرب كأمثال ابن سينا والخوارزمي والأنطاكي وغيرهم، وتوضح في الوقت ذاته كيف ظهر الإسلام بحضارته وبرع العرب في العلم وبنوا الحضارة، لا كما سلبها الغرب بالهمجية والوحشية التي كانت تتفشى فيهم، وتستشهد على هذا ببعض المنصفين للعرب من أمثال وول ديورانت وبول ماسون أوسيل، وتثبت بأن الفلسفة الإسلامية لها أكبر الأدوار في صنع النهضة الأوروبية وحضاراتها، وأن الغرب قد أخذ من الحضارة الإسلامية والفلسفة أكبر جزء، وتشير أيضًا من خلال عرضها لبعض المشكلات التي واجهت الفلاسفة المسلمين والتي لم يكن يعرفها الغرب واليونانيون، شرحت المنظور الحقيقي للفلسفة عبر العصور التي كان فيها الفلاسفة تختلف دياناتهم، وكيف أن كل هؤلاء أخذ فلسفته من وحي عقيدته، ثم تقسم الموضوع إلى عدة أقسام أطلقت عليها ميادين الاتصال بأوروبا، وشرحت فيها ما تطورت إليه الحضارات وانتقلت بعد ذلك إلى الترجمة وفاعليتها التي ساعدت على سهولة تلاقي الحضارات وأخذها من بعضها البعض، وتختتم هذا البحث بشرح لما قدمته من مفاهيم ونظرات؛ ثم يطالعنا الجزء الثاني من الكتاب الذي يتناول فيه الأستاذ عبد الحميد أبو سعدة الجانب الفقهي، وفي هذا الفصل يقدم الإسلام على أنه دين منـزه عن كل زيف وتحريف ومستخلص بعيداً عن كل مزايا البغض والكراهية ويوضح ذلك بالمفهوم العام للإسلام الذي هو محدد بالشرائع من خلال القرآن والسنة التي تتيح للمسلمين فرصة إقامة مجموعة من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع الاندماج الذي يجعل المسلم عليه استيعاب كل مفاهيم الأديان التي سبقت والإيمان بها، مع فهم الشريعة الإسلامية التي يعتنقها عن اقتناع بمفهوم هذا الدين الحنيف، الذي جعل قانون البشرية جزءاً من ثوابته، من خلال القرآن والسنة، لكي يجعل من المسلم فرداً منضبطاًُ حاضر الذهن في سياق المجتمع الذي ينتمي إليه وما يصادفه فيه، ويبين في الوقت ذاته العقوبات التي شرعها الدين وجعل لها من يقوم بها على حدود الله، فقال في محكم آياته: ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب ) وهذا التشريع أنصف المظلوم وعاقب المذنب على قدر الإثم الذي اقترفه، ويستشهد الكاتب ببعض القانونيين الشرقيين، والأوروبيين كأمثال العلاَّمة فارس الخوري وهو من أعلام الشرق وأحد الخبراء السوريين الذي يقول: "إن محمداً أعظم عظماء العالم، لم يَجُد الدهر بعد بمثله، والدين الذي جاء به أرقى الأديان، وأتمها وأكملها، وقد أودع شريعته المطهرة أربع آلاف مسألة علمية واجتماعية وتشريعية ولم يستطع علماء القانون المنصفون إلا الاعتراف بفضله وبأن مبادئه متفقة مع العقل مطابقة لأرقى النظم والحقائق العلمية، وأيضاً قول الأستاذ سليم باز النصراني اللبناني، الذي شرح جملة الأحكام الشرعية بقوله: "إني أعتقد بكل اطمئنان أن في الفقه الإسلامي كل حاجات البشر من عقود ومعاملات وأقضية والتزامات وذلك ماثل في الكتب المودعة بخزائن الكتب في البلاد الإسلامية أو في البلاد الأوروبية، فإن ما في هذه المكتبات من موسوعات الفقه الإسلامي إنما هو ثمرة جهود الألوف من فحول العلماء، وهي الشاهد الأكبر على أنه لا يوجد معنى من معاني الأحكام التي ينشد بها العدل، ولا حاجة من حاجات البشر في التشريع إلا تقدم لفقيه مسلم القول فيها"، وأمثال العلامة سانتيلانا الذي يقول: "إن في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني، إن لم نقل ما يكفي الإنسانية". وقول هوكنج أستاذ الفلسفة بجامعة هارفارد: "إني أشعر أني على حق حين أقرر أن في الشريعة الإسلامية كل المبادئ اللازمة للنهوض"، ومن عظمة الإسلام أنه جعل مساحة حرة لتبادل الآراء وتنقية أسلوب الحوار بين المجتمعات.
ثم من حيث الحضارة نجد الجزء الثالث من الكتاب يقدم لنا فيه المستشار محمد التهامي، جانباً في مجال الحضارة ويصف لنا مبلغ التأثير الذي أحدثه المد الحضاري العربي والإسلامي في الدول الأوروبية ويوضح لنا أن أهم الطرق التي أوصلت الحضارة الإسلامية إلى أوروبا كانت الأندلس ثم صقلية، ويشرح المدى الذي أحرزته التعاليم والشعائر الإسلامية، ابتداءً بالنظافة التي فرضها الإسلام على المسلمين من وضوء وخلافه، وتحري القبلة واختراعهم للبوصلة ثم الساعة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان إمبراطور فرنسا؛ ويطرد المؤلف في حديثه شارحاً دور المد الحضاري وما أحرزته تعاليم الإسلام وشرائعه، إلى أن انتقلت تلك التعاليم من خلال القصة والشعر والفلسفة والترجمة وعلم الجبر والهندسة والاختراعات كالساعة المائية والمزولة والاسطرلاب، والعلوم كالكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والطب والصناعات كالحرير والنسيج والزجاج والعمارة والتخطيط، مما جعل أوروبا تنمو على أكتاف العرب وينسبون ذلك إلى أنفسهم، فما كان من أوروبا أن تشهد ما شهدته من تقدم وحضارة إن لم تستند إلى أساس متين من التراث العلمي العربي الإسلامي .
ــــــــــــــــ
بيانات الكاتب:
· كاتب مصري .
محمود أحمد حسانين
[email protected]