لتقديم والتأخير في النظم القرآني الكريم بلاغته.. ودلالاته بقلم د. سامي عطا حسن
تاريخ النشر : 2013-04-01
التقديم والتأخير في النظم القرآني الكريم
بلاغته...... ودلالاته
د. سامي عطا حسن
جامعة آل البيت – المفرق
ملخص
التقديم والتأخير من أهم مباحث علم المعاني ، الذي يبحث في بناء الجمل ، وصياغة العبارات ، ويتأمل التراكيب ، لكي يبرز ما يكمن وراءها من أسرار ومزايا بلاغية ، ومن المسلم به أن معنى الجملة ليس هو مجموع معاني المفردات التي تتألف منها ، بل هو حصيلة تركيب هذه المفردات في نمط معين ، حسب قواعد لغوية محددة، كما أن الساعة مثلا، ليست مجموع القطع المعدنية التي تتألف منها ، وإنما هي آلة تتكون من هذه القطع حسب قواعد معينة لتؤدي وظيفة لا تؤديها أي من القطع وحدها ، ولا تؤديها كل القطع مجتمعة إلا إذا ركبت بطريقة محددة . فنسق الجملة وكيفية ترتيب الأجزاء فيها ، مما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، ذلك لأن المعنى إنما يتولد فقط من ترتيب الألفاظ والعبارات ، ومعنى هذا أن لكل تركيب نظمه وترتيبه ، ومواقع ألفاظه .
والترابط في الكلام ووضع كل كلمة في مكانها المناسب من الجملة ، من أهم مقومات البلاغة والبيان ، وكثير من الكلمات لو قدمتها أو أخرتها عن محلها لتغير عليك المعنى الذي تريد ، أو ضاع جماله ورونقه ، لأن تقديم اللفظ وتحويله من مكان إلى آخر ، يغير المعنى . وتغيير المعنى بتقديم اللفظ ، وتحويله عن مكانه ، لا يكون جزافا وعبثا ، وإنما يتم وفق أسس وضوابط ، وأغراض يقصد إليها المتكلم ، فيقدم ما يريد التنبيه عليه والالتفات إليه ، ويؤخر ما لم يرد فيه ذلك . ويتميز القرآن الكريم بالدقة في اختيار الكلمة، والدقة في اختيار موضعها ، فإذا قدم كلمة على أخرى فلحكمة لغوية وبلاغية تليق بالسياق العام . إذن فلكل كلمة في موضعها من الجملة معنى، متقدمة كانت أو متأخرة ..
والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا يقدم بعض الكلام على بعضه الآخر..؟
وما جدوى ذلك ..؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه في هذا البحث .
مقدمة
مبحث التقديم والتأخير من أكثر المباحث البلاغية ، التي نالت اهتمام علماء المعاني ، ذلك الاهتمام الذي تجلى في رصدهم لصور التقديم والتأخير المتعددة ، وما تؤديه كل صورة من قيمة دلالية ، أو تأثيرية ، مضافة إلى المعنى الأساسي للعبارة .
والترابط في الكلام ، ووضع كل كلمة في مكانها اللائق من الجملة ، من أهم مقومات البلاغة والبيان ، وكثير من الكلمات لو قدمتها أو أخرتها عن محلها لفسد عليك المعنى الذي تريد ، أو ضاع جماله ورونقه ، أو على أقل تقدير كنت مخلا بأساسيات التعبير العربي الفصيح ، فلكل كلمة في موضعها من الجملة معنى ، متقدمة كانت أو متأخرة .
وقد جعل النحاة للكلام رُتبا بعضها أسبق من بعض ، فرتبة المبتدأ مثلا قبل رتبة الخبر، ورتبة الفاعل قبل رتبة المفعول ، ورتبة المفعول الأول قبل رتبة المفعول الثاني وهكذا ، فإن جئت بالكلام على الأصل لم يكن من باب التقديم والتأخير ، وإن وضعت الكلمة في غير مَرتبتها دخلت في باب التقديم والتأخير . ( )
والقرآن الكريم هو كلام الله المعجز للخلق ، في أسلوبه ونظمه ، وفي روعته وبيانه ، وقد أجمع أهل العربية على أن القرآن مُعجز بذاته ، لفصاحة ألفاظه ، ورَوعة بيانه ، وأسلوبه الفريد ، الذي لا يشابهه فيه أسلوب آخر من نثر أو من شعر ، ومن مظاهر هذا الإعجاز ( أسلوب التقديم والتأخير )، إذ عندما ننظر في أجزاء الجملة ، ونتأمل الجزء الذي قدم فيها ، فسنراه أهم أجزائها ، ولم يقدم إلا لكونه هو الأهم ، وموضع عناية الناس واهتمامهم ، فالعناية والاهتمام أصل كل تقديم ، ثم إن تقديم اللفظ وتحويله من مكان إلى آخر، يغير المعنى ، وتغيير المعنى بتقديم اللفظ وتحويله عن مكانه ، لا يكون جزافا وعبثا ، وإنما يتم وفق أسس وضوابط ، وأغراض يقصد إليها المتكلم المتمرس ، الخبير بطرق الكلام ، البصير بالأساليب والصياغات ، فهو يتصرف في التراكيب ، فيقدم ويؤخر عن خِبرة وبصيرة ، ويعرف ما وراء تقديم هذا اللفظ من مغزى ، وما تأخير ذلك من غرض .
ويمثل التقديم في بناء الجملة ركيزة أساسية في بلاغتها وتحقيق مراداتها ، وإصابة غرض المتكلم ، لتحقيق التواصل بينه وبين المخاطب ، لا سيما أنه يقوم على إعادة ترتيب مكونات الجملة ، فيُقدم ما حقه التأخير في عرف اللغة واصطلاح النحاة ، ويُؤخر ما حقه التقديم ، ولا يتم ذلك إلا لتحقيق أغراض بلاغية وأسلوبية .
وقد بلغ القرآن الكريم في هذا الفن- كما في غيره - الذِّروة في وضع الكلمات الوضع الذي تستحقه في التعبير، بحيث تستقر في مكانها المناسب ، فكان هذا البحث لبيان بعض الأغراض البيانية للتقديم والتأخير في النظم القرآني الكريم .
وحين تناولت هذا الموضوع ، كنت أعلم أن عددا من الباحثين قد سبقوني إلى تناول هذا الموضوع ، ووقفت عند وجهات نظرهم في أغلب أبحاثهم ، وأفدت منها ، ومع ذلك قويت رغبتي في معاودة النظر في هذا الموضوع ، وكلي ثقة في أن أُقدّم جديدا ، وإني لأرجو أن أكون قد حققت بعض ما تطلعت إليه حين عاودت الكتابة في موضوع سبقني إليه الكثيرون ..
ومن ثَمَّ قسمت هذا البحث إلى مقدمة ، وفصلين ، وخاتمة ، وتضمن الفصل الأول بضعة مطالب ، وتضمن الفصل الثاني دراسة تطبيقية لبيان دلالات وبلاغة التقديم والتأخير في بعض آيات القرآن الكريم على النحو التالي :
الفصل الأول : ويتضمن ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : معنى التقديم والتأخير في اللغة والاصطلاح .
المطلب الثاني : أهمية التقديم والتأخير .
المطلب الثالث : أنواع التقديم والتأخير في القرآن الكريم وأسرارها البيانية .
الفصل الثاني : دراسة تطبيقية لبيان بلاغة التقديم والتأخير في بعض آيات القرآن الكريم
الخاتمة : وذكرت فيها بعض ما توصلت إليه من نتائج . .. والله الهادي سواء السبيل .




الفصل الأول
المطلب الأول : التقديم والتأخير في اللغة والاصطلاح :
عند البحث عن معنى التقديم والتأخير في اللغة والاصطلاح ، نجد أن مادة ( قدم ) تؤدي معاني مختلفة ، ذكرتها المعاجم العربية ..
فالفراهيدي (تـ 175هـ) في معجم العبن يذكر : القُدمَة ، والقَدَم : أي : السابقة في الأمر ، ومنه قوله تعالى { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم .. } ( يونس : 2 ) أي : سبق لهم عند الله خير .. وقَدَمَ فلان قومه : أي : يكون أمامهم ، والقدم : المضي ، أي : يمضي قُدُما ولا ينثني ، ورجل قُدُم : مقتحم للأشياء ، يتقدم ويمضي في الحرب قُدُما .( )
قال الزمخشري ( ت 528هـ ) في أسلس البلاغة :[ وأقدم بمعنى نقدم ، ومنه مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة ، والإقدام في الحرب ، قال عنترة ( ):
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ............. قيل الفوارس ويك عنترة اقدم .
ويقال : تقدمه واستقدم عليه ، وقدمته ، وأقدمته ، فقدم وأقدم بمعنى : تقدم ،ومنه : مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة ، والإقدام في الحرب . ويقال : مضى قدما وتأخر آخرا ، وجاء في أخريات الناس ، ويقال : قدم رجلك إلى هذا العمل : أقبل عليه . وفلان يتقدم بين يدي أبيه : إذا تقدم في الشرف والمكارم ومعالي الأمور ] ( )
وقال ابن منظور : ( ت711هـ) : القدم والقدمة : السابقة في الأمر ، وتقدم كقدم .وقدم واستقدم : تقدم . وأخرته فتأخر ، واستأخر كتأخر ، ومنه قوله تعالى : { ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين } ( الحجر: 24 ) ، والآخر : خلاف الأول ، ويقال : لا مرحبا بالآخر ، أي : بالأبعد. ( )
وقال الفيروزآبادي : ( مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي ت 817هـ) : أقدم على الأمر : شجع ، وأقدمته وقدمته . وتأخر وأخر تأخيرا ، استأخر . ( )
فالتقديم والتأخير في اللغة متناقضان ، حيث يعنى الأول بوضع الشيء أمام غيره ، وقد كان خلفه ، ويعنى الثاني بوضع الشيء خلف غيره وقد كان أمامه . وبالمعنى نفسه انتقل هذا المبحث من الوضع اللغوي إلى الدلالة الاصطلاحية ، إذ اعتاد العرب تقديم ما حقه التأخير لفضل دلالة وتمام معنى ، وتأخير ما حقه التقديم للغرض ذاته ، وذلك بجعل اللفظ في رتبة قبل رتبته الأصلية أو بعدها لعارض اختصاص ، أو أهمية ، أو ضرورة .( ) .
قال سيبويه ( عمرو بن عثمان بن قنبر تـ 180هـ) : " والظاهر أنهم يقدمون الشيء الذي شأنه أهم ، وهم به أعنى ، وإن كانا جميعا مهمين " . ( )
ويقول الثعالبي ( عبد الملك بن محمد بن إسماعيل أبو منصور تـ429هـ ) : [ العرب تبتدئ بذكر الشيء والمقدم غيره ، كما قال عز وجل :
{ يا مريم اقنتي لربك واركعي مع الراكعين }(آل عمران : 43) وكما قال تعالى : { فمنكم كافر ومنكم مؤمن }( التغابن : 2)
وكقول حسان بن ثابت - رضي الله عنه – في بني هاشم :
بهاليل منهم جعفر وابن عمه علي ومنهم أحمد المتخير .
وكما قال الصلتان العبدي :
فَمِلّتنا أننا مسلمون على دين صديقنا والنبي . ( )
فقد تقدم في الآية الأولى القنوت والسجود على الركوع وهو قبلهما ، وتقدم في الآية الثانية الكافر على المؤمن وهو الأصل ، وفي بيت حسان تقدم ذكر جعفر وعلي – رضي الله عنهما - على النبي – صلى الله عليه وسلم - . كما تقدم في بيت الصلتان العبدي ذكر أبي بكر – رضي الله عنه – على النبي – صلى الله عليه وسلم - .
ولا شك في أن العرب كانت تفعل ذلك دلالة على ملكتهم في صوغ الكلام ، وحاجتهم إلى إصابة المعنى ، وتحقيق الغرض ، حتى أتى هذا المبحث في كلامهم : [ وله في القلوب أحسن موقع ، وأعذب مذاق ] ( )
المطلب الثاني : أهمية التقديم والتأخير :
التقديم والتأخير سمة أسلوبية لها عظيم الأثر في روعة الأسلوب وبلاغته ، ومن أهم مباحث علم المعاني ، الذي يبحث في بناء الجمل ، وصياغة العبارات ، ويتأمل التراكيب ، لكي يبرز ما يكمن وراءها من أسرار ومزايا بلاغية .
وينقل لنا السيوطي (تـ 911هـ ) أن السلف – رضوان الله عليهم – قد أشكل عليهم معنى بعض الآيات ، فلما عرفوا أنها من باب التقديم والتأخير اتضح مدلولها ، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا ..) ( التوبة : 55) قال : هذا من تقادبم الكلام ، يقول : لا تعجبك أموالهم في الحياة الدنيا ، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة ..
وأخرج الطبري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – في قوله تعالى : { فقالوا أرنا الله جهرة .. } (النساء :153) قال : إنهم إذا رأوا الله فقد رأوه ، وإنما قالوا : جهرة أرنا الله ، قال : هو مقدم ومؤخر ، قال ابن جرير : يعني أن سؤالهم كان جهرة .. ( )
وأهمية التقديم والتأخير في كلام العرب تتضح من وجهين :
الأول : - أنه سمة بارزة في الكلام ، تشهد للعرب [ بتمكنهم في الفصاحة ، وامتلاكهم ناصية الكلام ، وتصرفهم فيه على حكم ما يختارونه ، وانقياده لهم لقوة ملكتهم فيه ، وفي معانيه ، ثقة بصفاء أذهانهم ] ( ) ، فهو علامة من علامات سمو التفكير عند العرب .
الثاني : - أنه كما يقول عبد القاهر الجرجاني : [ باب كثير الفوائد ، جم المحاسن ، واسع التصرف ، بعيد الغاية ، لا يزال يفتر لك عن بديعه ، ويفضي بك إلى لطيفه ، ولا نزال ترى شعرا يروقك مسمعه ، ويلطف لديك موقعه ، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك ، أن قدم فيه شيء ، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان ]( ) فضلا عن أنه [ زيادة في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ ] ( )
وتكمن أهمية التقديم والتأخير في الأسلوب القرآني من حيث أن كل تقديم وتأخير فيه على حكمة بالغة ، وقدرة فائقة ، ليس فيه ما يفسد المعنى ، وإنما فيه الواضح الجلي البليغ ، وليس هناك ما يقوم مقامه ، فكأن المعنى يقتضي ما تقدم أو تأخر اقتضاء طبيعيا ، بما يؤثر في المتلقي تأثيرا واضحا ، قال عبد القاهر الجرجاني ( ت474هـ) :
[ اعلم أنه إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه ، حتى لا يشكل ، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه هو الصواب ، إلى قكر وروية ، فلا مزية ، وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجها آخر ، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر ، ورأيت للذي جاء عليه حسنا ، وقبولا ، تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني . ومثال ذلك : قوله تعالى : {وجعلوا لله شركاء الجن } ( الأنعام :100) ليس بخاف أن لتقديم ( الشركاء ) حسنا وروعة ، ومأخذا من القلوب ، أنت لا تجد شيئا منه إن أنت أخرت فقلت : [ وجعلوا الجن شركاء لله ] ، إذ أدرك الجرجاني أن ( للتقديم فائدة شريفة ، ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير ، بيانه : أنا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله أنهم جعلوا الجن شركاء وعبدوهم مع الله تعالى ، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم ، فإن نقديم ( الشركاء) يفيد هذا المعنى ، ويفيد معه معنى آخر ، وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غير الجن .
وإذا أخر فقيل : ( جعلوا الجن شركاء لله ) لم يفد ذلك . ولم يكن قيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى ، فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره ، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن ، فلا يكون في اللفظ مع تأخير ( الشركاء ) دليل عليه ، وذلك أن التقدير يكون مع التقديم : أن ( شركاء ) مفعول أول لجعل ، و ( الله ) في موضع المفعول الثاني ، ويكون ( الجن ) على كلام ثان ، وعلى تقدير أنه قيل : ( فمن جعلوا شركاء لله تعالى ) فقيل : ( الجن )
وإذا كان التقدير – كذلك – وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء ، وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتخاذه من الجن ، .... وإذا أخر فقيل ( وجعلوا الجن شركاء لله ) .. كان الشركاء مخصوصا غير مطلق ، من حيث كان محالا أن يُجرى خبرا على الجن ، ثم يكون عاما فيهم وفي غيرهم ، وإذا كان كذلك احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى الجن خصوصا أن يكونوا شركاء دون غيرهم ، جل الله تعالى عن أن يكون له شريك وشبيه بحال ] ( )
وقد رأى السكّاكي ( تـ 626هـ) : أن تقديم المفعول الثاني ( لفظ الجلالة : الله ) ،على الأول ( شركاء ) بناء على هذا التقدير ، كان للعناية به ، والاهتمام بشأنه ( )..
وفي الحقيقة عندما ننظر في أجزاء الجملة ، ونتأمل الجزء الذي قدم فيها ، فسنراه أهم أجزائها ، ولم يقدم إلا لكونه هو الأهم ، وموضع عناية الناس وانشغالهم ، فالعناية والاهتمام أصل في كل تقديم ، إلا أنه ينبغي أن يمتد تأملنا إلى أبعد من هذا ، فنعرف سبب العناية ، ونقف على دواعي الأهمية ، وقد حذر الإمام عبد القاهر البلاغيّ من أن يقف عند العناية والاهتمام ، ويعدهما سببا للتقديم ، دون أن ينقب عن دواعي الاهتمام ، ويفتش عن أسباب العناية . يقول عبد القاهر الجرجاني : [ وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال : إنه قدم للعناية ، ولأن ذكره أهم ، من غير أن يذكر من أين كانت تلك العناية ، ولم كان أهم ، ولتخيلهم ذلك ، صغر أمر التقديم والتأخير في نفوسهم ، وهونوا الخطب فيه ..] ( )
المطلب الثالث : أنواع التقديم والتأخير.
وقد ورد منه في القرآن الكريم أنواع حصرها الزركشي في ثلاثة:
النوع الأول: ما قدّم والمعنى عليه..
أي أن اللفظ والمعنى مقصود تقدمهما ، ومقتضيات هذا النوع وأسبابه كثيرة ، ذكر منها الزركشي خمسةً وعشرين ( ) .
النوع الثاني: مما قدّم والنية به التأخير..
أي لفظه مقدم، ومعناه مؤخر ( ) ، وهذا النوعان يكونان في آية واحدة ، أو سياق واحد.
النوع الثالث: ما قدَّم في آية وأخَّر في أخرى..
وهذا الاختلاف في نظم العبارات ذوات المعنى الواحد، لا يظهر إلاَّ بمقارنة عبارتين تتحدثان عن موضوع واحد، فتجد أن كلمة أو أكثر قد قدّمت في موضع، وأُخرت في آخر، وهذا النوع هو الذي يخص هذا البحث ،ويسميه بعض العلماء بالتقديم غير الاصطلاحي ، وسأعرض لذكر نماذج متعددة منه، ودراستها لمحاولة تلمس الحِكم ، والدلالات البلاغية فيها ، و [ للاستشهاد بها على روعة وعظمة القرآن الكريم، وعلوّ بلاغته، وسمّوه على كلام الناس وأساليبهم بهذا النظم المحكم، وتلك البلاغة المعجزة ، التي تجلّت في جميع سوره وآياته، بل في وضع حروفه من ألفاظه، وألفاظه من جمله، وجمله من تراكيبه ] ( ) .
وهذه الأنواع التي ذكرها الزركشي ( تـ 794هـ) ، لم يبحثها البلاغيون إلا من خلال الجملة والعملية الإسنادية ،فما كان خارجا عن نطاق الجملة ، ولا علاقة له بالإسناد ، كان اهتمامهم به قليلا ، ولذلك كانت دراستهم لموضوع التقديم والتأخير قاصرة ومحدودة ، أما المفسرون والذين عنوا بأسلوب القرآن الكريم ، فقد تجاوزوا ذلك ، وتحدثوا عن التقديم والتأخير في ألفاظ القرآن الكريم ، كاشفين عن المعاني البلاغية في الأسلوب القرآني ، التي أودعها الله في كتابه العزيز ، فكانت دراستهم لموضوع التقديم والتأخير في هذا المجال ، أكثر عمقا ، وأغزر مادة ، وأكثر فائدة للدارسين . ولا يكاد يستثنى إلا عبد القاهر الجرجاني الذي أبدع في تحليل الأساليب البلاغية . ( )
ويبدو أن سبب ذلك من وجهين :
الأول : اعتماد علماء الأسلوب القرآني والمفسرين على السياق في معرفة سبب التقديم والتأخير ، لأن السياق مهم في بيان معاني الآيات ، وفي الكشف عن كيفية نظم الكلام ، مراعاة لتلك المعاني ، في حين لم يعتمد علماء البلاغة على السياق اعتمادا واضحا .
الثاني : منهج التأليف البلاغي اقتضى توزيع البحث في التقديم والتأخير على المسند والمسند إليه ومتعلقات الفعل ( ) ، فضاعت معالم هذا الفن الرفيع ..أما علماء الأسلوب القرآني والمفسرون ، فقد جمعوا مادته ، وحصروا أنواعه في فصول مفردة له ،وقد تمرسوا هذا الفن حين تصديهم لشرح كتاب الله ، وإيضاح معانيه ، وبيان مظاهر الجمال والإعجاز فيه ، وحصروا أنواعه في فصول مفردة ، كما فعل الزركشي( بدر الدين محمد بن عبد الله تـ 794هـ) في البرهان ، أو أشاروا إليه في سياقاته ، كما فعل الخطيب الإسكافي ( أبو عبد الله محمد بن عبد الله تـ 420هـ ) في ( درة التنزيل ) ، والزمخشري ( جار الله محمود بن عمر تـ 538هـ) في ( الكشاف ) ، وابن الزبير الغرناطي (تـ 708هـ) في كتابه : ( ملاك التأويل ) فهو عندهم ألصق بمواضعه ، وسياقاته ، ومعانيه مما هو عند البلاغيين . ( ) . إن تقديم الألفاظ بعضها على بعض ، له أسباب عديدة يقتضيها المقام ، وسياق الكلام ، فالتقديم إنما يكون للعناية والاهتمام. فما كانت به عنايتك أكبر قدمته في الكلام. والعناية باللفظة لا تكون من حيث أنها لفظة معينة ، بل قد تكون العناية بحسب مقتضى الحال. ولذا نرى القرآن يقدم لفظة مرة ، ويؤخرها مرة أخرى على حسب المقام. فنراه مثلاً يقدم السماء على الأرض ، ومرة يقدم الأرض على السماء ، ومرة يقدم الإنس على الجن ، ومرة يقدم الجن على الإنس ، ومرة يقدم الضر على النفع ، ومرة يقدم النفع على الضر ، كل ذلك بحسب ما يقتضيه الكلام وسياق التعبير.
فإذا أردت أن تبين أسباب هذا التقديم أو ذاك ، فإنه لا يصح الاكتفاء بالقول إنه قدم هذه الكلم للعناية بها والاهتمام ، دون تبيين مواطن هذه العناية وسبب هذا التقديم.
إن القرآن الكريم دقيق في وضع الألفاظ ورصفها بجنب بعض دقة عجيبة ، فقد تكون له خطوط عامة في التقديم والتأخير ، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك ، كل ذلك مراعى فيه سياق الكلام ، والاتساق العام في التعبير على أكمل وجه ، وأبهى صورة.

الفصل الثاني
دراسة تطبيقية لبيان دلالات و بلاغة التقديم والتأخير في بعض آيات القرآن .
التوافق في القرآن الكريم ليس محصورا بين سوره فقط ، أو بين آياته ، بل إن التوافق كذلك موجود بين كل كلمة والتي تليها في نفس الآية ، وكذلك بين مقدمة الآية وختامها ، حيث يرد الختام على هيئة تعقيب مناسب يتلاءم تمام التلاؤم مع المعاني التي تضمنتها الآية ، وهو ما يسميه البلاغيون بالتذييل . ...
وجاء ترتيب السور القرآنية كما هي الآن في المصحف الشريف ترتيبا غاية في التناسب ، وعجبا في التَّلاحم ، أو كما يقول السيوطي : ( إنها على حسب الوقائع تنزيلا ، وعلى حسب الحكمة ترتيبا وتأصيلا . ) ( ) بما يثبت بغير عناء إعجاز القرآن في نظمه وأسلوبه ، الذي جاء على غير مقدور البشر ..
يقول الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز : [ وآية ذلك : أنك ترى – أحد البلغاء - حين يتعقب كلام نفسه الفَينة بعد الفَينة ، يجد فيه زائدا يمحوه ، وناقصا يثبته ، ويجد فيه ما يُهذب ويُبدل ، وما يُقدم أو يُؤخر ،حتى يسلك سبيله إلى النفس سويا ، ولعله لو رجع إليه سبعين مرة لكان له في كل مرة نظرة ، وكلما كان أنفذ بصرا وأدق حسا ، كان أقل في ذلك قناعة ، وأبعد هَمََّا ، إذ يرى وراء جهده غاية هي المثل الأعلى الذي يطمح إليه ولا يطاوعه ، والكمال البياني الذي يتعلق به خياله ولا يناله { كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه }( الرعد:14)، هذا حظ الكلام البليغ عند قائله ، فما ظنك بناقديه ومنافسيه ..؟ ......سل العلماء بنقد الشعر والكلام ، هل رأيتم قصيدة ، أو رسالة ، كلُّها أو جُلها معنى ناصع ، ولفظ جامع ، ونظم رائع ..؟ لقد أجمعت كلمتهم على أن أروع الشعراء لم يبلغوا مرتبة الإجادة إلا في أبيات محدودة ، من قصائد معدودة ، وكان لهم وراء ذلك المتوسط والرديء ، والغث ، والمستهلَك ، وكذلك قالوا في الكتاب والخطباء ، والأمر فيهم أبين . .....
ثم يقول : ضع يدك حيث شئت من المصحف ، وعد ما أحصته كفك من الكلمات عدّا ، ثم احص عدتها من أبلغ كلام تختاره خارجا عن الدفتين ، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك ، ثم انظر كم كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها من هذا الكلام ، دون إخلال بغرض قائله ..؟ وأي كلمة تستطيع أن تسقطها أو تبدلها هناك ..؟ فكتاب الله كما يقول ابن عطية : [ لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم توجد ] بل هو كما وصفه الله :
{ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير }(سورة هود:11) . ]( )
والقرآن الكريم يقدم الألفاظ ويؤخرها حسب ما يقتضيه المقام ، وحسب ما يقتضيه السياق ، وتبعا للمعنى المقتضي للتقديم ....
وهذه بعض الأمثلة التي تبين دقة القرآن وبلاغته في أسلوبي التقديم والتأخير ، ولا يتسع هذا البحث ، بل لا يسمح باستقصائها ، فذلك أمر بعيد المنال.
1 : - قال تعالى { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } ( آل عمران :157- 158 ) فقدم القتل على الموت في الآية الأولى ، لأن الحديث فيها عن الجهاد في سبيل الله ، فقدم القتل ( أي الشهادة ) على ( الموت ) . فالمجاهد الشهيد الذي يسقط في المعركة ، والذي يناسبه القتل ، أعظم درجة من المجاهد الذي يموت على فراشه ، وإن كان كل منهما تناله مغفرة الله ورحمنه . لذا ختم الآية بقوله : {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون }( آل عمران : 157) . وهي خاتمة طيبة تهفو إليها النفوس المؤمنة .
أما في الآية الثانية : فقدم الموت على القتل ، لأن الحديث فيها عن القتل والموت في الظروف والحالات الطبيعية ، وليس في الجهاد في سبيل الله ، لذا ختم الآية بقوله { لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } إذ الميت والمقتول كلاهما يحشره الله إليه. فشتان ما بين الخاتمتين. فلم يزد في غير الشهيد ، ومن مات في سبيل الله ، على أن يقول : { لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ }،
وقال في خاتمة الشهيد : {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون }( آل عمران : 157) . فوضع كل لفظة في الموضع الذي يقتضيه السياق.
2 : - ومن ذلك قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } ( سورة الأنعام : 151)
وقوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} . (سورة الإسراء : 31 )
ففي الآية الأولى قال : ( من إملاق ) . وفي الثانية : ( خشية إملاق ) .
وفي الأولى قال : ( نحن نرزقكم وإياهم ) ، وفي الثانية : ( نحن نرزقهم وإياكم ) .
والآية الأولى : خطاب للفقراء الذين يعيشون حاليا في فقر شديد ، ويقتلون أولادهم ، لأنهم لا يجدون ما يأكلون ، فضلا عن أن يُطعموا أولادهم .. لا أنهم يخشونه ، فقدم رزق الآباء في الآية الأولى على الأبناء .
أما الآية الثانية : فهي خطاب للأغنياء الذين يعيشون في رغد من العيش ، ويخشون أن يأتي يوم يصابون فيه بالفقر ، أو يخشون أن كثرة عدد أولادهم يجعلهم لا يرثون المال الكثير ، فيؤثر ذلك على إسعادهم ، والخشية إنما تكون مما لم يقع ، لذا فهم يُقدمون على قتل أولادهم ، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم ، لأنه حاصل ، فكان أهم ، فقدم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم . ( ) ليكون أمنع لهم من ارتكاب القتل [ وكأنَّ السياق يُشعر بتشفيع الأولاد في رفع فقر الآباء القاتلين، فكأنه قد قيل لهم: إنما تُرزقون بهم، فلا تقتلوهم، فتأكد تقديم ضمير الآباء لهذا الغرض ]( ) .
وذكر صاحب التحرير والتنوير نكتة لطيفة في تقديم ضمير الآباء على الأولاد مفادها : أنَّ الفقر أصاب الآباء، ربما قبل أن يولد الأبناء، فلماذا يقتلون... ؟! يقول: [ وقد رزق الآباء للإشارة إلى أنه كما رزق الآباء فلم يموتوا جوعًا، كذلك يرزق الأبناء، على أن الفقر إنما اعترى الآباء فلم يقتل لأجله الأبناء؟!] ( ) .
والمقصود بالأولاد في هذه الآيات ونظائرها خصوصَ البنات؛ لأنهن اللاتي كانوا يقتلونهن وأدًا، ولكن عبّر عنهن بلفظ الأولاد، لأن البنت يقال لها ولد . وجرى الضمير على اعتبار اللفظ في قوله : ( نرزقهم) على لفظ المذكر . ( ) .
وأيضًا فإن تقديم ضمير الأولاد على ضمير الآباء علّة للنهى عن قتلهم، وإبطالاً لمعذرتهم؛ [ لأن الفقر قد جعلوه عذرًا لقتل الأولاد، ومع كون الفقر لا يصلح أن يكون داعيًا لقتل النفس، فقد بيَّن الله أنه لما خلق الأولاد فقد قدّر رزقهم، فمن الحماقة أن يظن الأب أن عجزه عن رزقهم يخوله قتلهم، وكان الأجدر به أن يكتسب لهم ] ( ) .
ولعلَّ هذا يقودنا إلى الحديث عمَّا يسمى في الوقت الحاضر ( حُقَن الرحمة ) ( أو الموت الرحيم ) أو غيرها من المسميات، التي تُستخدم لقتل المرضى الميؤوس من شفائهم، فبدلاً من أن يجتهدوا في إيجاد العلاج لهم، أو يتركوهم على حالهم، يبادرون بقتلهم، وكأنهم أرحم بالعباد من رب العباد، إن الكفر يحجب عنهم حِكم الله في ابتلاء خلقه . ( )
3 : -ومن ذلك قوله تعالى : في وصف خمر الجنة : { لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون }
( الصافات :47) .ففي تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى : ( لا فيها غول ) دلالة على نفي الغول عن خمر الجنة ، وإثباته لخمور الدنيا ، فخمور الدنيا تغتال العقول ، أي : تفسدها . وينزف عنها شاربوها ، أي :يسكرون وتذهب عقولهم ، أما خمر الجنة فمنزهة عن ذلك .
ولسائل أن يقول : لماذا لم يقدم الجار والمجرور في وصف القرآن في أول سورة البقرة قي قوله تعالى : { لا ريب فيه } ( البقرة : 2) كما فعل في الآية السابقة { لا فيها غول }...؟ وللإجابة عن ذلك نقول : إن الله تعالى أراد في هذا الترتيب للجملة { لا ريب فيه } أن ينفي الريب عن القرآن الكريم دون أن يتعرض للكتب السماوية الأخرى : بمدح ، أو غير مدح .. ولو عكس التعبير فقال : ( لا فيه ريب ) أدى إلى نفي الريب عن القرآن ، وإثباته في نفس الوقت لغيره من الكتب ، وهو غير مراد .
4 : - ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ( الأنفال : 72) وقوله : {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } ( التوبة : 20)
فقدم الأموال والأنفس على {في سبيل الله} في سورة الأنفال ..
وقدم {في سبيل الله} على الأموال والأنفس في سورة التوبة..
وبالرجوع إلى السياق في سورة الأنفال ، نجد أن الآية جاءت في مدح المؤمنين الذين وقع منهم
[ الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس، وتغبيطهم بما منّ الله عليهم به من ذلك، وتفخيم فعلهم الموجب لموالاة بعضهم بعضًا ]( ) . فعرضت الآية إلى اعتبار كل من المهاجرين والأنصار في مرتبة واحدة، في تأييد الدين ونصرته بالنفس والمال، والإنسان - بطبيعته - حريص على حياته وماله، خصوصًا في وقت الضنك والحاجة، فهذا لم يمنعهم من البذل والإيثار.
ولاشك أن فضل المهاجرين يعلو درجة على الأنصار، وكَلاًّ وعد الله الحسنى، فالمهاجرون امتازوا بالسبق إلى الإسلام ، وتكبدوا مفارقة الوطن، والأنصار امتازوا بإيوائهم..
وكان فضل المجاهدين أقوى؛ لأنهم فضلوا الإسلام على وطنهم وأهليهم، وبادر إليه أكثرهم، فكانوا قدوة ومثالاً صالحًا للناس( ) .
وبمعنى آخر : تقدم في سورة الأنفال ذكر المال والفداء والغنيمة ، من مثل قوله تعالى : {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } ( الأنفال : 67) وهو المال الذي فدى به الأسرى أنفسهم ، وقوله : {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } ( الأنفال: 68) أي من الفداء وقوله : {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} ( الأنفال : 69) وغير ذلك ، فقدم المال ههنا، لأن المال كان مطلوباً لهم حتى عاتبهم الله في ذلك ، فطلب أن يبدأوا بالتضحية به.
وأما في سورة التوبة ، فالأمر ليس كذلك ، فهي تقصد الرد على من سوى بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، وبين الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله ، قال تعالى : { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله .. }( التوبة : 19) . وذلك [ كما توهم بعض المسلمين ، وكما يزعم كبراء مشركي قريش ، الذين كانوا يتبجحون ويستكبرون على الناس به ] ( ) . وظنهم أن القيام بشعائر المسجد الحرام ، مساو لأعمال الهجرة والجهاد . ( )
كما تقدم فيها ذكر الجهاد في سبيل الله ، من مثل قوله تعالى : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ } (التوبة : 14)
وقوله : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ( التوبة : 16)
فقدم ذكر (في سبيل الله) على الأموال والأنفس ، وهو المناسب ههنا للجهاد ، كما قدم الأموال والأنفس هناك ،لأنه المناسب للأموال.( )
5 : - ومن ذلك : تقديم وتأخير الجن والإنس في آيتي الإسراء والرحمن :
قال تعالى: { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يأتوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لا يأتونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} ( الإسراء : 88)
وقال عز وجل : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } ( الرحمن : 33)
قدم في الأولى الإنس : لأن مضمون الآية هو التحدي بالإتيان بمثل القرآن ، ولا شك أن مدار التحدي على لغة القرآن ونظمه ، وبلاغته وحسن بيانه وفصاحته.
والإنس في هذا المجال هم المقدمون ، وهم أصحاب البلاغة ، وأرباب الفصاحة ، وأساطين البيان ، فإتيان ذلك من قبلهم أولى ، ولذلك كان تقديمهم أولى ليناسب ما يتلاءم مع طبيعتهم.
أما في الآية الثانية قدم الجن : لأن الحديث فيها عن النفاذ من أقطار السموات والأرض ، ولا شك أن هذا هو ميدان الجن ، وهم الأقدر على ذلك ، لتنقلهم وسرعة حركتهم الطيفية وبلوغهم أن يتخذوا مقاعد في السماء للاستماع ، كما قال تعالى على لسانهم : { وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } ( الجن : 9 ) . فقدم الجن على الإنس لأن النفاذ مما يناسب خواصهم وماهية أجسامهم أكثر من الإنس. ( )
وقرأتها كذلك لشيخنا الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس حيث يقول : [ تحدث القرآن الكريم في آيات كثيرة عن الجن والإنس ، ولكن الذي يلفت الانتباه ، ما نجده في النظم القرآني البديع ، من تقديم الجن تارة ، وتقديم الانسأخرى ، وهذا ما يستدعيه السياق ، وتوجبه الحكمة البيانية ، ففي سياق التحدي بالقرآن الكريم ، يقدم الإنس على الجن ، لأن الإنس هم المقصودون بالتحدي أولا وقبل كل شيء ، قال تعالى : { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا }( الإسراء: 88)
أما في سياق التحدي بالنفوذ من أقطار السموات والأرض فقد قدم الجن ، لأنهم أقدر على الحركة من الإنس ، قال تعالى : { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ } ( الرحمن : 33)
أما قوله سبحانه : {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . }( الذاريات: 56) فلقد قدم الجن على الإنس ، لأنه قد روعي السبق الزمني ، فإن الجن مخلوقون قبل الإنس . وهكذا نجد الكلمة القرآنية تقدر في مكانها الذي جاءت فيه ، ( ذلك تقدير العزيز العليم )( يس: 38).
6-و من مواضع التقديم والتأخير في القرآن الكريم ما ورد في آية واحدة من سورة الجمعة ، وهي قوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.( الجمعة : 11)
ففي البدء قدم التجارة على اللهو ، لأن التجارة هي السبب الحقيقي في انفضاضهم عن الرسول -صلى الله عليه وسلم - ، فالآية نزلت في واقعة حدثت عندما كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يخطب الجمعة ، فقدمت عير التجارة إلى المدينة ، فانصرف الناس إليها ، وتركوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يبق معه إلا اثني عشر رجلا ، وكان من عاداتهم أن يتقدم الدف والطبل تلك العير فهو من اللهو ، ولكنه ليس مقصودا لذاته ، بل هو تبع للتجارة التي هي مقصدهم الأصلي ولعل هذا هو السبب أيضا في إفراد الضمير وعودته على التجارة في قوله : { انفضوا إليها } ولم يقل إليهما ، وأعيد الضمير على التجارة أيضا للتأكيد على ذم الانفضاض عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى لو كان للتجارة ، وهي ذات منفعة لهم ، لا سيما أنهم كانوا في فترة جوع وغلاء سعر ، فكيف بغيرها من توافه الأمور ، فأنت إن خصصت النافع بذم أو نهي ، فما دونه أولى في الترك ، وأدخل في الذم ، أما في الجزء الثاني من الآية فقد قدم اللهو ، لأنه يتحدث عن أمر عام، بأن ما كان عند الله خير ، فناسب تقديم اللهو لأنه أعم ، فاللهو يفعله أكثر الناس حتى الفقراء منهم ، أما التجارة فهي لبعض الناس ، ولأن المعتاد أن نبدأ بالأدنى عند المفاضلة، واللهو أدنى من التجارة ، ففي التجارة شيء من كسب ونفع لا يوجدان في اللهو ، ثم إن المقام مقام ذم ، ولا شك أن اللهو أظهر في المذمة ، وناسب تأخير التجارة لتكون ألصق بخاتمة الآية { والله خير الرازقين } فهي مصدر الرزق .
وقد يخطر على الذهن سؤال : لم أعاد حرف الجر ( من ) في قوله : { خير من اللهو ومن التجارة }..؟
والجواب :إن الإعادة للتأكيد على أن الذم واقع على كل واحد منهما منفردا ، إضافة إلى اشتراكهما ، فلا يظنن ظان أن ما عند الله خير منهما في حالة واحدة هي اجتماعهما ، أما لو انفرد أحدهما كالتجارة مثلا فقد يختلف الحكم . والواو كما نعلم تفيد الجمع والاشتراك ، فقد يفهم منها ذلك ، أما مع إ عادة الجار ، فالأمر واضح بشمول الذم لاجتماعهما ، ولكل منهما منفردا ، وبخيرية ما عند الله وأفضليته على اللهو منفردا ، وعلى التجارة منفردة ، وعليهما مجتمعين ...
7 - قال تعالى في سورة القصص: { وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى} ( القصص: 20 ).
وقال في سورة يس: { وَجَاء مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ } (يس: 20) .
للسائل أن يسأل عن تقديم قوله : { وَجَاء مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ} على ( رجل ) الذي هو الفاعل في سورة يس، وتأخيره في سورة القصص ..؟
الجواب أن يقال : إن التقديم في سورة يس ، مناسب لما سبقه من آيات جاءت في سياق وصف أصحاب القرية ( أنطاكية ) بالإسراف في عصيان رسل عيسى – عليه السلام – إليهم .
وأن رجلا آمن بدعوة أولئك الرسل ، وجاء ينصح قومه باتباعهم ، وهذا الرجل جاء من مكان بعيد عن مجتمع الناس في القرية ، ( من أقصى المدينة ) إذ تقديمه فيه زيادة توبيخ لأصخاب القرية ، الذين استمعوا عن قرب ، وشاهدوا من الرسل ما لم يشاهده ذلك الرجل الذي كان في أقصى المدينة ، ومع ذلك فقد نصح لهم بما لم ينصحوا به أنفسهم . فقدم ما تبكيت القوم به أعظم ، والتعجب منه أكثر .
وأما تقديم الفاعل على الجار والمجرور في القصص ، فهو على الأصل في تقديم الفاعل على الجار والمجرور ، والمراد : جاء من لا يعرفه موسى – عليه السلام -، من مكان لم يكن مجاورا لمكانه ، فأعلمه ما فيه الكفار من ائتمارهم به ، ولم يكن هناك تبكيت للقوم بكونه من أقصى المدينة كما كان ذلك في سورة يس .
قال صاحب التحرير والتنوير : ( وفائدة ذكر أنه جاء من أقصى المدينة ، الإشارة إلى أن الإيمان بالله ظهر في أهل ربض المدينة قبل ظهوره في الأنصاف ، والنظر في صحة ما يدعوهم إليهم الرسل ، وعامة سكانها تبع لعظمائها لتعلقهم بهم ، وخشيتهم بأسهم ، بخلاف سكان أطراف المدينة ، فهم أقرب إلى الاستقلال بالنظر ، وقلة اكتراث بالآخرين ، لأن سكان الأطراف غالبهم عملة أنفسهم ، لقربهم من البدو ، وبهذا يظهر وجه تقديم ( من أقصا المدبنة ) على رجل للاهتمام بالثناء على أهل أقصى المدينة ، وأنه قد يوجد في الأطراف ما لا يوجد في الوسط ، وأن الإيمان يسبق إلى الضعفاء ، لأنهم لا يصدهم عن الحق ما فيه أهل السيادة من ترف ، وعظمة ، إذ المعتاد أنهم يسكنون وسط المدينة .
قال أبو تمام :
كانت هي الوسطُ المحميُّ فاتصلت بها الحوادث حتى أصبحت طَرفا .
وأما في سورة القصص : فجاء النظم على الترتيب الأصلي ، إذ لا داعي إلى التقديم ، إذ كان ذلك الرجل ناصحا ، ولم يكن داعيا للإيمان ] (38)
غير أن الزركشي في البرهان يرى أن سر تقديم أقصى المدينة على الرجل في سورة يس مراعاة السياق ، حيث قال : [قدم المجرور على المرفوع ، لاشتمال ما قبله من سوء معاملة أصحاب القرية الرسل ، وإصرارهم على تكذيبهم ، فكان مظنة التتابع على مجرى العبارة ، تلك القرية ، ويبقى مخيلا في فكره : أكانت كلها كذلك ، أم كان فيها من على خلاف ذلك ، بخلاف ما في سورة القصص )
وقد يكون التخريجان متحققين في الآية ، فلا تصادم بين رأي ابن عاشور ، ورأي الزركشي ، فالقرآن أشمل من أن تُحَد آفاقه ، وتحصر كلماته .
وحاصل الأخبار من هذه الآيات ، مثال وبيان لحال كفار قريش من أهل مكة ، وحال الأنصار من أهل المدينة ، حين جاء هؤلاء الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – وآمنوا به مع بعد دارهم ، وعاندت قريش فكفروا به مع فرب دارهم ، والتحامهم معه – عليه الصلاة والسلام – في النسب .. والله أعلم .
8 – ومن الصور البلاغية في فن التقديم القرآني ، تقديم السماء على الأرض في آيات كثيرة في القرآن الكريم ، منها قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }( سبأ :3) فالسماء فيها آيات لله سبحانه ، دالة على وحدانيته وربوبيته ، وعظم خلقها ، وما فيها من الكواكب ، وشمس وقمر ونجوم ، وعلوها واستغنائها عن العمد في رفعها ، وما فيها من العجائب مما لا يوجد في الأرض ( ) .. وجاء تقديم الأرض على السماء في قوله تعالى : { وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }( سورة يونس : 61) . فتقديم الأرض على السماء جاء في هذه الآية الكريمة ، لأن الحديث كان عن أهل الأرض وأحوالهم ومعيشتهم وطرق أعمالهم ووصل ذلك بقوله ( لا يعزب عنه ) لاءم تقديم الأرض على السماء . ( ) ومن الآيات الكريمة التي جاء فيها تقديم الأرض على السماء قوله تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }( الزمر : 67) فالآية الكريمة سيقت في التهديد والوعيد لأهل الأرض ، فقدم الأرض في الآية الكريمة لهذه المناسبة .( )
9 - من الحقائق الجلية في كناب الله ، أنه يأتي بالجملة على أصلها ،وقد يقدم الكلمة على الكلمة ، أو يقدمها على الكلمتين ، أو يقدمها على الجملة كلها ، ولكل ذلك سبب وقصد قال تعالى : { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا .} ( الفتح : 27) . وقال سبحانه : { وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا }( النساء :2) فهاتان الآيتان – وغيرهما كثير – جرتا على الأصل ، من دون تقديم وتأخير ، لأن المقام لا يقتضي ذلك ، وإنما يقتضي وضع كل كلمة في مكانها الذي وضعت فيه . وقد يأتي الكلام على غيرذلك ، فيقدم ويؤخر . من ذلك : قوله تعالى : { فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ .}( الزخرف : 53) فقدم الجار والمجرور ( عليه ) على نائب الفاعل ، في حين قال : { أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } ( القمر:25) فلم يقدم الجار والمجرور ( عليه ) . وإنما جاءت الآية على الأصل، وذلك أن الكلام في ( الزخرف ) على موسى – عليه السلام - ، قال تعالى على لسان فرعون : { أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ . فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ .}( الزخرف: 52-53) فناسب تقديم ( عليه ) – أي : على موسى – لأن السياق في ذكره . في حين أن الكلام جرى في سورة القمر على الأصل ، ذلك أن السياق هو في التكذيب بالنذر، ومدار التكذيب قائم على إنكار إنزال الذكر على الرسل ، { أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } ( القمر:25)، فالمسألة أصلا في إنكار الإيمان بالنبوة ، وإنكار أن الله أوحىإلى بشر ليبلغوا عنه . ولا يختلف الإنكار باختلاف الشخص المرسل ، فإن الاختلاف ليس على الشخص ، وإنما على أصل المسألة ، في حين كان السياق في ( الزخرف ) في المفاضلة بين شخصيت : موسى – عليه السلام - ، وفرعون ، { أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ }( الزخرف:52) مناسب تقديم ما قدم .( )
10- يأتي التعبير القرآني في فن التقديم والتأخير كما في غيره – من الفنون الأخرى - ، القمة قي وضع الألفاظ الموضع الذي تستحقه ، مراعيا في ذلك [ جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة ، ونظر إليها نظرة شاملة في القرآن الكريم كله ، فنرى التعبير متسقا متناسقا مع غيره من النعبيرات ، كأنه لوحة فنية واحدة مكتملة متكاملة ]. ( ) ومن هذا النمط من التقديم : تقديم لفظ ( النفع ) على ( الضر ) وبالعكس ، فعندما يكون الحديث عن النفع ، تُقدم كلمة (النفع ) على ( الضر) ، وحيث يكون الحديث عن ( الضر ) تُقدم على ( النفع ) ، من ذلك : ما جاء في قوله تعالى : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}( الأعراف : 188) ( ) فقدم النفع على الضر لأنه تقدم الآبة الكريمة قوله تعالى : { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }( الأعراف : 178) . ففي هذه الآية قدم الهداية على الضلال ، فناسب تقديم النفع على الضر ، ثم قال بعد ذلك : { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } ( الأعراف : 188) . فالآيات كما نرى ، قدم فيما الخير والهداية وما هي إلا منافع للبشر . ( ) فكان تقديم النفع أولى من تأخيره . ثم جاء تقديم ( الضر ) في قوله تعالى : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ }( يونس : 49) فالآيات الكريمة التي سبقت هذه ، كان تقديم الشر فيها على الخير ، من ذلك قوله نعالى : { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }( يونس : 11) وقال تعالى : { وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }( يونس : 12) . ثم قال تعالى بعد الآية التي وردت فيها كلمتا : ( الضر ) و ( النفع ) : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ }( يونس : 50 ).
وبعد : فلا أدعي بأنني وقفت على جميع أغراض التقديم والتأخير في القرآن الكريم ،أو أتيت بما لم تستطعه الأوائل ، وما نقلته عن أعلام التفسير والبيان ، وما ارتأيته حسب قدرتي المحدودة ، ما هو إلا غيض من فيض منابع بلاغة القرآن الكريم ، الذي لا تنقضي عجائبه وحسبي أن أكون قد أعطيت الموضوع ما يستحق من العناية والاهتمام ، ليكون بهذه الصورة التي هو عليها ، بل قد بذلت فيه ما يُضني ، و إلا فالكمال لله وحده ، ولله الحمد أولا وآخرا .




خاتمة البحث
هذا ما تيسّر لي جمعه ومناقشته في هذا البحث المتواضع، وإني أوجز ما توصلت إليه في النقاط الآتية:
1 – إن كل لفظة في التعبير القرآني جاءت مقصودة لذاتها ، ووضعت موضعها الذي وضعت فيه في السياق القرآني ، من أجل أن تؤدي معتى مقصودا لا تؤديه لفظة أخرى غيرها . ولا تؤديه أيضا نفس اللفظة إذا نقلناها من موضعها الذي هي فيه بالتقديم أو التأخير ، ولو حدث لاختل المعنى المراد من الله عز وجل .
2 - لم يكن التقديم والتأخير لرعاية الإيقاع الموسيقي في رؤوس الآيات ( الفواصل ) وإنما جاء مقصودا لغرض يقتضيه المقام ، والمعنى الإلهي ، والسياق . وكل تقديم وتأخير فيه جرى على حكمة بالغة، وقدرة فائقة ، ليس فيه ما يفسد المعنى ، وإنما فيه الواضح الجلي البليغ .
3 - حاولت تلمس الأسباب الموضوعية والبلاغية الداعية إلى التقديم والتأخير.
4 - قصدت من هذا البحث المساهمة في خدمة كتاب الله العزيز، على حسب القدرة البشرية وأظنني قد فعلت . وما فيه من صواب فهو بتوفيقه سبحانه ، أما أخطاؤنا فمن قلة بضاعتنا المُزجاة ، وقصور الإنسان .





الهوامش