اصوات عربيه لها شعبيه !بقلم:وجيه ندى
تاريخ النشر : 2012-11-20
اصوات عربيه لها شعبيه !

ومتابعه لما سبق ان كتبته وقدمته لمحبى الفنون ابدا تلك المقال بصوت طلال مداح و سلامة النطق و رصانة الاداء - هو أحد أهم وأشهر الأصوات الغنائية الجميلة التي تنتمى لبلاد العرب في الجزيرة العربية... ظل يغني أكثر من ثلاثين عاما ويحقق النجاحات في معظم الألوان التي يقدمها.. عرف النجاح وهو في مرحلة الهواية في بداياته، وعرف النجاح وهو يغوص في المأثور والتراث في بلاده ليغني أغنيته الفلكلورية (يا سارية خبرينى).. ثم عرف قدر النجاح الأكبر عندما أنطلق اسمه وانتشرت أغنيته (سويعات الأصيل) في كل أرجاء الوطن العربي، وأيضا وهو يغني (مقادير) واستمر نجاحه.. وإزداد إقبال المستمعين على لونه المميز وعلى فن الغناء الذي ارتبط باسم طلال المداح. وميلاد أغنية (مقادير) كانت في حفل عيد ميلاد إذاعة صوت العرب في بداية السبعينيات، وهى من نظم الشاعر عبد الله الفيصل ولحن الفنان سراج عمر وكان عذوبة الصوت و شحنة الإحساس أو قرب المسافة بين ما يصدر عنه من غناء وما يصل إلى مسامع الناس وهي مسافة قد تبدو بطول الدهر عند الاستماع إلى صوت ثقيل الظل وقد تبدو في مثل سرعة الضوء عندما ينقلها لأذن المستمع صوت قريب من النفس، خفيف الظل يعيش المعني الذي يغنيه كصوت طلال المداح.
تمتد رحلة المطرب طلال المداح مع الغناء والتى بدأت مع مرحلة الهواية، ثم اتجهت إلى مرحلة الاحتراف، حيث توزعت معالم الرحلة بين الغناء والتلحين والاهتمام بالفلكلور الغنائي في الجزيرة العربية والخليج العربي. ... وبداية الفنان طلال المداح كانت في المدرسة الابتدائية عندما غني في مدينة جدة حيث عاونه الأثر الطيب الذي تركه فيمن سمعوه، على أن يستمر في الغناء وحيث تعلم العزف على العود مرددا معه وبصحبته، ومن خلال الاندماج فيما يصدر عن أوتاره من نغم تلك الأغانى التي يحفظها، وهي أغانى بدوية وفلكلورية، بجانب الحديث عن الأغانى الشهيرة والمنتشرة ت.
والمعروف عن المطرب طلال المداح أن نسبه يعود إلى والده المهاجر من حضرموت والذي قصد مكة المكرمة واستقر حتى تزوج والدة المطرب طلال المداح والتي اختارها الله لحظة ميلاد وحيدها طلال. وقد نشأ طلال المداح في طفولته في بيت شقيقة أمه (خالته) وزوجها على المصري في حي (أجياد) في مدينة مكة، حيث أتاح له زوج خالته أن يتعرف في سنوات عمره الأولى إلى فنون الغناء الشعبي وأمسيات السمر الفلكلورية التي كانت لياليها تضيء بحلقات الصهبة وغناء الليالي والمواويل، وقد حصل طلال على لقبه الفني (طلال المداح) من لقب عائلة زوج خالته وكان من مداحي النبي محمد صلي الله عليه وسلم ومن عائلة أصولها مصرية كان تسافر من السويس إلى جدة وإلى مكة والمدينة المنورة مع مواكب المحمل النبوي. لقد تعلم طلال المداح العزف على العود وأتقنه من خلال الفنان محمد الريس، ومن خلال تعلمه العزف على العود، تعرف إلى المقامات الموسيقية، وهو ما أهله للغناء بتقديم الأغاني البدوية والشعبية، ومن بعدها تقديم أغاني مشاهير تلك المنطقة في تلك السنوات، والتي تعود إلى منتصف الخمسينيات مثل أغنية المطرب حسن جاوه (ويلاه) وأغنية المطرب طارق عبد الحكيم (بد السما بادي) وعندما اشتد عود طلال المداح وعثر على أول وظيفة يعمل فيها ويتكسب منها، كان ذلك في وظيفة إدارية شغلها في مصلحة (البريد) وظل معها استمراره في تلمس خطوات طريقه نحو الفن والشهرة.
وجاءته الفرصة وكان الحفل الذي اشترك فيه في مدينة الطائفة و غني طلال المداح أغنية (وردك يا زارع الورد) التي كانت أكثر ما غني في هذا الحفل نجاحا في تحقيق التجاوب مع الجمهور، وإعجاب هذا الجمهور بصوته وطريقة أدائه وكانت هذه الأغنية هي أول ما لحن طلال المداح، وكانت الكلمات من تأليف عبد الكريم خزامى.
وعندما بدأت الإذاعة السعودية الاهتمام بتقديم فنون الغناء والموسيقى، تقدم إليها طلال المداح بأغانيه وأذيعت من الإذاعة وهي أول ألحانه أيضا وهي أغنية (يا زارع الورد) التي نجح فيها في مواجهة جمهور حفل مدينة الطائف، وكان ذلك عام 1959، وفي العام نفسه أقامت الإذاعة السعودية مسرحها في مدينة جدة وهو المسرح الذي لم يزل في المبنى القديم للإذاعة.. ومن خلال الحفلات التي عرفت بحفلات البث المباشر الذي زودت برنامج (مسرح الإذاعة) بأغانيه وألوانه الموسيقية قدم طلال المداح الأغنية الأولى التي لحنها والتي كانت السبب في شهرته في كل أرجاء المملكة العربية السعودية، فلقى استحسانا ونجاحا مضاعفا، وبعدها بدأت شهرة هذا المطرب تتسع عبر الإذاعة في كل أقطار الخليج العربي والجزيرة العربية إذا أقبلت عليه شركات إنتاج الأغاني لتسجيل له أغنية (يازارع الورد) ومعها أغنية أخرى عنوانها (شذى الطير).
وبعد هذا النجاح انتقل طلال المداح ليعيش في مدينة جدة مستقرا فيها، وليستثمر نجاحه في تلك السنوات الأولى من الستينيات، حيث اشتهر من أغانيه في تلك الفترة أغنية (أسمر حليوة) من تأليف طاهر زمخشرى وتلحين غازي على، وأغنية ( مشاعل بالحي ) التي كتبها أحمد صادق ولحنها طلال المداح. وحيث وضع أيضا من ألحان تلك الفترة لحن أغنية (تذكرينى مع النسمة) الانطلاق إلى المشرق العربي
من جدة سافر طلال المداح إلى المنامة في البحرين، حيث تم طبع أول اسطواناته خارج المملكة، مما ساعد علي ازدياد قدر معرفة الناس به وبفنه، وحتى جاءته فرصة السفر إلى بيروت في منتصف الستينيات، حيث قدم أغنية كان من ألحانه طبقت شهرتها الآفاق، وانطلقت من بيروت لتتردد في أنحاء بلاد العرب، عنينا أغنية (سويعات الأصيل) ولتأتي من بعدها أغنية (أهل الهوى) التي لحنها محمد طلعت.
وكانت بداية الانتشار في تلك الأعمال التي طبعتها شركة لبنانية قامت بنشر أغانى طلال المداح على مستوى المشرق العربي، فساهمت في تقديم الشخصية الفنية لهذا المطرب الذي يقول أن حبه الغنائى تربي على حب الأداء الكلثومى (نسبة إلى أم كلثوم) مكمن الأداء الرصين للغناء العربي، ومع الميل إلى طريقة الغناء الكلثومى، كان يبدو في نطقه السليم وسلامة مخارج ألفاظه، عمق تأثره منذ الطفولة وحتى سنوات العمر الحالية، بتلاوة القرآن الكريم، وهذا مرجعه صدق الإحساس وجمال نطق الكلمات. لقد وضع الملحنون السعوديون وغير السعوديين من مختلف الأقطار العربية العديد من الألحان للمطرب طلال المداح، ولكن تظل ألحانه لنفسه ذات ملمح خاص يعرف المطرب الملحن كيف يقدم الجمل اللحنية الجميلة لصوته، عبر أدائه الذي يتألق فيه، وطريقته في الغناء التي تميزه عن غيره، فقد لحن طلال المداح لنفسه عددا كبيرا من الأغانى، أشهرها لحنه الأول (يا زارع الورد) ثم ألحانه الأخرى (عينى على) من كلمات لطفى الزينى ـ (بشوش عاتبنى) ـ (تصدق) ـ من كلمات إبراهيم خفاجة. (على سلم الطائرة) كلمات بسام محمد على ـ (روح وفكر) من كلمات خالد زارع ـ (الموعد الثانى) من كلمات محمد العبد الله. كما أبدع طلال المداح أيضا العديد من الألحان التي غناها بصوته وحقق بها نجاحا طيبا ونذكر منها (ليه يا دنيا) ـ (قصت ضفايرها) و(هو حبك) و(حبتني أكتر).. إلخ. و أهم ما يميز غناء طلال المداح من ناحية اختياراته المدققة للكلمات التي يغنيها وهذا ما نلحظه إذا تأملنا بعض المعانى ما يغنيه ومنها أغنية (خلينى أمر) التي استمعت إليها مؤخرا عبر برنامج الإذاعية القديرة السيدة تراجي عباس من من إذاعة صوت العرب وهو برنامج (من كل قطر أغنية) الذي يحقق عبر تنوع مادته الغنائية وحدة النغم والتقارب الوجدانى العربي، تقول كلمات الأغنية التي قدمها برنامج (من كل قطر أغنية) وهي من تلحين وغناء طلال المداح وكلمات عبد الأمير عيسى.
لقد غني طلال المداح للملحن الكبير محمد الموجي أغنية (الوطن) وايضا غنى وشارك فى اوبريت افراح النصر وغنى مع ناديه مصطفى و عفاف راضى ويا سمين الخيام وسميره سعيد وسلمى ولطيفه وماجده الرومى وايضا شارك محمد ثروت وسعدون جابر وعبد الهادى بلخياط ومغرد حجاب ومحمد رشدى وكان الاوبريت من نظم عبد الرحمن الابنودى وموسيقى جمال سلامه ، كما غني من ألحان الشقيق الأصغر لمحمد الموجي، وهو الملحن إبراهيم رأفت أغنية انت نور عينى من نظم عباس الخويسكى ، كما غني طلال المداح للملحن اللبناني الراحل ما رون سالم عدة أغان لم يصادفها النجاح الذي حققه طلال المداح في غناء ألحانه أو الألحان المستمدة من الفلكلور والتراث الشعبى أو تلك الألحان التي وضعها له ملحنون آخرون أمثال طارق عبد الحكيم وسراج عمر.
وبقدر نجاحه في عالم الأغنية لم يقدر للمطرب طلال المداح أن يحقق نجاحا مماثلا عندما أقدم على تجربة التمثيل والغناء في الشاشتين الصغيرة والكبيرة إذا كان التوفيق المتواضع من نصيب اشتراك طلال المداح في تقديم مسلسل تلفزيونى ثم في تمثيل فيلم (شارع الضباب) أمام المطربة صباح من إخراج سيد طنطاوى ـ الفيلم صور في لبنان.
ومع إزدياد أعداد الأصوات المغردة التي تصدح في ساحة الغناء العربي في الجزيرة العربية في هذه السنوات تظل لصوت وفن طلال المداح مكانة وموقع متميز على خريطة الغناء لا يمكن مقرانتها بعطاء آخر إلا عطاء المطرب محمد عبده، وكأنه قدر اللون الغنائي العربي في السعودية أن يحظي بهذا التنافس الجميل بين صوتين شهيرين لكل منهما تميزه وشخصيته الغنائية، وكأنهما كل في مجاله، وكلاهما معا، شيخان وطريقتان، مع الفارق أن (الشيخ الفنان طلال) هو أن الذي فتح الطريق ومهدها وعرف الأذن العربية بلون غنائى وموسيقى متميز... رحمه الله
عبد المجيد عبد الله صوت طيب القلب
ما من مرة أستمع إلى المطرب عبد المجيد عبد الله في أغنيته البديعة "يا طيب القلب" إلا وشعور إحساس بأن صوت هذا المطرب أيضا فيه قدر كبير من الطيبة، إضافة إلى الود والألفة التى تبدو صريحة علي نبرات صوته وعلى إحساسه في الأداء وهو ينقل عبر نفس طيبة كل هذا الشعور الذى يصل إلى المتلقي معبرا عن معدن طيب ومشاعر ودوده.
لم أتعرف على المطرب عبد المجيد عبد الله معرفة شخصية، ولكني أتصور أنني أعرف فنه وما يقدم منه غناء معرفة جيدة، وحتى الاتصال التليفونى لم يتحقق بيننا باستثناء مرة عابرة عقب نجاح أغنيته الجميلة "رهيب" عندما كان في زيارة للقاهرة ووقتها أيضا وبعد مكالمته الودود تدعم عندي هذا الشعور وطعم الطيبة يبدو أيضا على أسلوبه وطريقته في أعماله الغنائية الوفيرة. وغناء عبد المجيد عبد الله ينتمي إلى حالة المد الغنائي التى تعرفها الأغنية العربية الخليجية الآن، وحيث الاهتمام بالتعبير الجديد الذى تذوب فيه الإيقاعات الخليجية في أعماق التأثر بالموروث العربي وبخبرات الغناء في مصر والمشرق العربي وأيضا عدم تجاهل وضوح أثر النغمات والإيقاعات الآسيوية القادمة عبر بحر العرب وتلك الأخري الآتية عبر المضيق الجنوبي للبحر الأحمر والتى تحمل التعبير الآتي من دول الجوار في شرق أفريقيا.
ولمسات الأصالة في هذا الغناء لا تفقد هويتها عندما تلتقي مع تقنيات وأشكال التقديم الغنائي الحديث الذي يحمل خبرة الغرب وآليات هذه الخبر . وعبد المجيد عبد الله حالة من حالات هذا التعبير الجميل والجديد حتى وإن تجاور غناؤه حقبة زمنية كاملة، وهذا الاسم يمتلك صوتاً عذباً يتمتع بشحنة عالية من الأحاسيس وسلامة الأداء بصرف النظرعن المواصفات المتعلقة بمدي العدد من أغنياته الحديثة وسواء تلك التى كانت في ألبومه الغنائي "رهيب" الذى يضم هذه الأغنية الشهيرة التى لحنها صالح الشهرى أو في ألبومه الغنائي الآخر "طيب القلب" الذى يضم مجموعة غنائية بديعة معبرة من ألحان وتنفيذ ممدوح سيف، يجعلنا الاستماع نشعر بجانب متعة التجاوب مع هذا الغناء أن نتعرف أيضا على أسلوب هذا المطرب الذى يغني في الأغلب من خلال إمكانات طيبة تبدو واضحة في المنطقة الصوتية الوسطي، وأيضا من منطقة القرار الذي يتميز بسلامة النسب والمكونات، ويبقى الوصول إلى جوابات الصوت وأعاليه وهي مناطق تبدو أيضا سليمة ما لم يبحر صاحبها في غير المناطق المسموح لصوته بعبورها التناسب ووفرة النغم وغناء عبد المجيد عبد الله القادم عبر صوت طيب، حلو الأداء يميز صوته وحيث التناسب ووفرة النغم، وقد جعله هذا التميز يحسن اختيار ما يقدم م أغان يبدو من خلالها أنه يتمتع بما يجب توافره في صاحب الصوت الجميل ونعني الذوق والفطنة والحس الأدبي وهي عوامل تضيف إلى الغناء الجيد الذى لا يقتصر على حضور الصوت فقط ولكن أيضا على تعبير الصوت عن اختياراته وتناولاته لنصوص الأغاني وأشكاله وقوالبها اللحنية والموسيقية. ولأن الغناء العربي قد ارتبط في المسامع، ومنذ عرف الناس كيف يطربون للغناء الجميل؟ بأداء الألحان مقرونة بالقول الدال على المعنى فإن هناك من الأسباب المتصلة بهذا الفهم ما يجعل لصوت عبد المجيد عبد الله شخصية صوتية مستقلة ولوناً غنائياً مختلفاً وتناولات فنية لها مذاقها الذى يحمل طعماً آخر يختلف عن غناء غيره حتى برغم الاشتراك في الروافد المشتركة من نصوص وألحان وتنفيذ موسيقى متاح للكافة. ولأننا نؤمن بأثر البيئة في تشكيل وجدان الإنسان بصفة عامة وصاحب الموهبة بصفة خاصة فإننا نرى أثر هذا الاعتبار في رصد تجربة هذا المطرب الذى تعود بداياته إلى مدينة "جيزان" المطلة على ساحل البحر الأحمر وحتى رحل منها إلى "جدة" عروس البحر الأحمر للدراسة وحتى قدر معلموه موهبته وأشادوا بصوته وهو لم يزل في المدرسة الثانوية، الأمر الذى أوصله إلى الإذاعة السعودية في جدة من خلال تزكية مدرس الأناشيد المدرسية إبراهيم سلطان له وهو يغني أغنيات الرواد ومنهم عبد الحليم حافظ ونجوم الغناء الخليجى ممن سبقوه أمثال طلاح المداح ومحمد عبده وشادي الخليج وغيرهم. وعلى الرغم من بزوغ موهبة عبد المجيد عبد الله في زمن تنتشر فيه المعاهد الموسيقية والأكاديميات الفنية فإن الدراسة الجامعية ذهبت به إلى شعبة الوثائق والمكتبات التى أفادته في اختيار منهاج للتفكير والبحث، مثلما أفادته ميوله المعرفية في التعرف على قواعد وأصول الغناء العربي من خلال حفظ الأعمال المعروفة والغناء بالفطرة والاجتهاد الشخصي والتزود بمعارف وخبرات الغير القادر على العطاء تعلم عبد المجيد عبد الله عزف العود بإصراره ومثابرته وعرف شأن أي موهوب في البداية، أن التجربة هي المدرسة الحقيقية لصقل الموهبة ومن هنا أفاده الانضمام إلى حفلات الهواة في نادي الجمعية السعودية للثقافة والفنون في جدة وحيث أفاده التعرف على عدد من الملحنين العرب مثل نجيب السراج وطاهر باغر ومحمد المغيص وقد أفادوه بألحانهم دون أن تترك هذه الألحان البصمة التى يبحث عنها كل وافد جديد إلى عالم الغناء وحتى يعثر عبد المجيد عبد الله على نغمته الحائرة عند الملحن سامي إحسان وقت أن كان في رحلة تسجيل جديدة مع المطرب الكبير طلال المداح في مصر وبعدها وفي منتصف الثمانينيات يخصه سامي إحسان ببعض ألحانه مثل "يا سيد الأهل" ـ "الصبر مفتاح الفرج" ـ "شفتك وفي عيونك حزن" ويهتدى عبد المجيد عبد الله في تلك السنوات المبكرة من عمر تجربته الغنائية إلى المؤشر الذى يقود خطاه التألق والتميز فيهتم بالمستوى الذى يبحر فيه في نصوص الكلمات المغناه، ويتعمق في المضمون الذى تمضي فيه تناولات معاني أغانيه وينجح أيضا في إضافة ملمح آخر لغنائه بعد البدايات مع سامي إحسان وكان هذا الملمح من خلال اللقاء مع ألحان الفنان البحرينى الملحن المطرب خالد الشيخ في أغنية "طائر الأشجان" والتى تدعمت بعد ذلك في أغنيات منها أرجع بالسلامة ـ "يا ساكن القلب" ـ "عاتب اللى تحب".
وعلى الرغم من النجاحات الواضحة التى حققها غناء عبد المجيد عبد الله لعدد من ألمع النجوم من الملحنين فإنه لم يتوقف عند أحادية التعامل مع أي من الملحنين ممن نجح معهم، ولتكون وسيلته في البحث عن نغمته الجديدة، التنويع في انتقاء الكلمات والتنويع في اختيار الألحان التى يؤديها، فتنوعت مفردات أغنياته بين كلمات مختارة وألحان مختلفة ووجدناه يغني لعدد من الأسماء نجد من بينها حسن تمراز وسامي إحسان ونجيب السراج وخالد الشيخ وأيضا أسماء من لحنوا أغنياته في عدد من ألبوماته مثل ممدوح سيف ملحن "يا طيب القلب" كلمات سالم الخالدى ـ "قالوا لي" كلمات سعود بن عبد الله وصالح الشهرى ملحن أغنية "رهيب" وملحن أغنيات "جيتك" "من الدنيا" اليوم دوري" وصلاح الهملان ملحن أغنية "احتياجي" وطارق العوض ملحن أغنية "راض" وكذلك الملحن الكبير طارق عبد الحكم مؤلف وملحن أغنية "أبكي على ما جرى" وهناك أيضا عبد الله الرميثان ملحن أغنية "الهنا والسعادة" وأغنية "خلاص روحي" وجميل محمود وملحن أغنية "وفر عتابك" وحسين المحضار ملحن أغنية "الله بالأمانة" ومدني عبادي ملحن أغنية "قلبي سعيد الحظ" وغيرهم ممن قدم عبد المجيد عبد الله من خلالهم المعاني الجياشة التى تتبدل فيها الأحوال وتختلف المشاعر ويصل إلى الأسماع صافياً منغماً هذا الغناء الذى يغني لساكن القلب وطائر الأشجان والذى يبدو مذاقه رومانسيا رقيقا وهو يردد:
كيف أسيبك؟ وأنت نظر عينى وأنا حبيبك وإن حصل في يوم افترقنا شوقي يعاندني وأنت يجيبك أصلك وطيبك! وتتفاوت حالات المد والجزر الغنائي ورغم ذلك تبدو مظاهر ووضوح الرؤية والإمساك بمقاليد التوازن والسلامة قوية عند البعض ومنهم عبد المجيد عبد الله، لكننا لابد وأن نقر بأن غرائب حالات المد والجزر في الحياة الغنائية وفي بحور الأنغام العربية تسمح للأمواج الهابطة بأن يعلو صوت من يتعلقون بها فيزعجون المسامع بهذا الضجيج الذى يصدر عنهم وهم يقلدون في الشكل نجاحات الغير في الغرب بينما هم في الروح والمضمون والعطاء والابتكار صفر اليدين، أيضا فإن من غرائب نوات المد والجذر في الغناء العربي الحالي خفوت صوت أصحاب الجهد الطيب والأمواج العالية من أصحاب الإبداع الذين يسعون للسمو بالأذواق والارتفاع بمستويات التناول والتقديم.اطال الله عمر فارس الغناء .
( محمد عبده ) شدو الفارس السعودى
صعد المطرب الغنائي محمد عبده سلم الغناء حتى حقق مكانته الحالية منذ بدأ معرفته بفنون الموسيقى والغناء من خلال برامج الأطفال في إذاعة المملكة العربية السعودية بإشراف وتوجيه مقدم البرنامج الذي عرف باسم "باب عباس" - في نهاية الستينيات وبالتحديد في عالم 1968 تخرج محمد عبده من المعهد الصناعي، حيث حصل على دبلوم في صناعة وصيانة السفن وقتها.. حصل على منحةى للدراسة الأكاديمية في جامعة هامبورج في ألمانيا الاتحادية، غير أنه فضل أن يعوم في بحار النغم على أن يعوم مع مد وجزر موج البحر، وقرر مطربنا البقاء في المملكة وهذا الإخلاص لطريق النغم ساعده على هجر طريق البحر وأن يقرر احتراف الغناء عقب تخرجه من المعهد الصناعي، وحتى كانت هذه المرحلة التي جاءت لهذا المطرب بأول أغنية خاصة له وكانت بعنوان "دموع عينى" غناها وهو لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، ومن يراجع كلماتها يشعر بأنها كانت أكبر من عمره الزمنى وقتها، الذي لم يكن يناسبه تلك الكلمات الباكية التي كتبها الإذاعى مطلق الديابي الذي وضع أيضا لحن الأغنية التي يقوم مطلعها "سكبت دمعي في عذابى".
غير أن الأغنية التي لم تكن تناسب عمر تجربته الصغيرة اليانعة، ساعدته على تقديم نفسه لمحبي فن الغناء العربي، وحيث قدر له بعد معرفة الناس به في المملكة العربية السعودية أن يسافر إلى لبنان، وفي استوديوهات بيروت سجل باقة من الأعمال الجديدة التي رشحته إدارة الغناء والموسيقى بالإذاعة السعودية لأدائها بصوته، وحيث كانت أول أغنياته التي سجلها خارج الجزيرة العربية هي أغنية "خصام العيون" التي كانت باكورة رحلاته الفنية التي صحبه فيها زميل من أبرز أبناء جيله هو الفنان عمر كدراس. كان لحن "خصام العيون" هو البداية في تعرف عبده على أصول فنون الغناء والموسيقى، الصوت هو الوسيلة التى تنقل الفن الجميل ولكن الكلمات والألحان وطريقة التعبير هي المضمون الذى يعكس به الصوت الآخاذ قدرته على الأداء واستطاعته على التعبير. والمطرب العربي محمد عبده امتلك هذه الأبعاد منذ انطلق صوته وحتي وصل إلى الأسماع، اجتذب المطرب محمد عبده الأسماع إلى تجربته. الغنائية من خلال تعرف الناس على حلاوة صوته، مصحوبا بحسن اختياره للكلمات وحرصه على غناء بديع الألحان، كانت الكمات التى غناها في أول حفل استمعنا فيه إليه من ذلك اللون من الكلمات التى تطرق المعاني التى لا يعرفها إلا من عرف كيف يقدر نبل الفروسية وشهامة المصارحة وعفوية التعبير.
هكذا كان الانطباع الأول لاستماعي للمطرب محمد عبده وهو يشدو في ليل المدينة، أغنياته "في أمان الله" ـ "انت محبوبي" ـ "أيوه".
وما خرجت به من انطباع عبر محاولاته الغنائية العديدة التي كان الراديو الوسيلة الرئيسية في تنفيذها ووصولها إلى الناس، فقد لفت محمد عبده الأسماع إليه بجمال الأداء ودقة الأختيار وصدق المعاناة، وهكذا كان في أول أغنياته "يا أبو شعر ثائر" واستمر بعد ذلك، وهو يترنم بالمعاني التي تمثل منطقة في الغناء، وهو يشدو بأغنية "خطأ" من كلمات بدر بن عبد المحسن الذي كتب له أيضا كلمات أغنيته المعروفة "في أمان الله" التي وضع محمد عبد ه لحنها، وعلى الرغم من نجاح الأولي التي غناها محمد عبده وكان بنيانها اللحني من إبداعه، فإن مطربنا تفوق كثيرا عندما غني من ألحان الآخرين، وكما لاحظنا وهو يغني من ألحان سراج عمر أغنياته، مثل "صوتك يناديني" ـ "صاحب العشق" ـ "مر حبيبي" ـ "الدنيا" وغيرها. إن من هذا الغناء الذي نتصوره الأجمل في تجربة محمد عبده الغنائية، أغنيات لها هاذ المذاق المتميز الذي نشعر به حال الاستماع إلى أغنيات من طراز "أيوه" التي كتبها دائم السيف، أو أغنية من لون أغنية "بعاد" أو أغنية "كلك نظر" وأيضا أغنية "دستور". وحيث بدأ محمد عبده مرحلة التعرف والاستيعاب.. وحيث وجهه من يتوسمون الخير في موهبته إلى القراءة والتحصيل، فكانت قراءاته عن تاريخ الموسيقى العربية، وكان اهتمامه بمتابعة ما يكتبه النقاد والمتذوقون عن جديد الغناء العربي، وصحب هذه القراءات الحرص على تكوين مكتبته الغنائية بالاحتفاظ بتسجيلات نجوم الغناء العربي، وفي المقدمة منهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، ومع الحرص علي إقتناء تراث أم كلثوم الغنائي، كان همه أيضا تنويع مقتنيات مكتبته الغنائية بتسجيل جميع أغنيات تلك السنوات من نهاية الستينيات، وكان من أبرز أعلامها عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية وفايزة أحمد ونجاة.
عاد إلى جميل الغناء واستوعب تجارب من سبقوه، وبدأ بمن عاش بينهم في الأوساط الإعلامية والفنية في المملكة العربية السعودية، وحيث تابع خطوات طارق عبد الحكيم أول سعودي يدرس الموسيقى العربية في المعهد العالي للموسيقى العربية في مصر. وأيضا الموسيقى العالمية في معاهد إيطاليا، وطارق عبد الحكيم هو الملحن الذي وضع لحن أغنية المطربة الكبيرة نجاح سلام شعر الأمير عبد الله الفيصل "ياريم".
أيضا استوعب محمد عبده تجربة المطرب الذي سبقه إلى الانتشار والذيوع وهو الفنان طلال المداح ـ كان لنا حديث سابق عن الريادة في تجربته الغنائية ـ ومع استيعاب التجارب الخليجية بدأ محمد عبده التعرف على محاولات عربية أخرى إضافة إلى مصر ولبنان. فمن العراق أحب ناظم الغزالي، ومن سوريا صباح فخرى، وغيرهما من كل بقاع وأقطار الوطن العربي الممتد من محيطه إلى خليجه.
ولم يكتف محمد عبده بتأمل حال الغناء الحديث فاهتم أيضا بالعودة إلى التراث وأراد أن يعود إلى الجذور ليتعرف على منابع الفولكلور العربي، وحيث تستغرقه كنوز الفولكلور في الجزيرة العربية والتى يحفظ منها العديد من الأغنيات الجماعية، والتى جعلته يتقن العزف على العود وهو بصدد حفظ هذا التراث السخي، وحيث يتمعن مطربنا في سحر آلة "العود" ويندمج معه عندما يغني ممهدا لحالة الذوبان في التجربة الوجدانية التي يغني لها، وحيث يمكنه هذا الإندماج من السلطنة في الأداء. أعانه هذا البحث عن جذور التراث، في حسن اختيار الجديد الذي يقدمه ويشكل إضافته في هذا الاتجاه من فنون الغناء، ولهذا برزت... بداياته، والتى انطلقت في أعمال متتالية كان من أهمها في سنوات ما بعد التحصيل والاستيعاب، محاولات العثور على اللون الغنائى الذي يميزه والذى كان من إرهاصاته الأولى لحن طارق عبد الحكيم "لنا الله" ولحنه الآخر "سكة التايهين".
وشجعه نجاحه الغنائى على أن يطوف ببلدان الخليج فبدأ في الكويت، حيث لقى من النجاح ما جعله بعد إتمام رحلاته الخليجية يفكر في القدوم على مصر بعد أن تجاوب معه أطراف العمل، بداية من مشاركة عناصر العمل الفني إضافة إلى حسن استقبال الجمهور.
وفي مصر يسجل أول أغنياته في استديوهات ماسبيرو، وكانت أغنية "لا تنظرنى بعين" ولتوفيقه في تقديمها يختاره المخرج الذي نال لقب ملك الفيديو مع بدايات إرسال التليفزيون العربي لكي يشارك في البرنامج التليفزيونى "بحر الأمان" وحيث صور له بعضا من أغنياته المعروفة والتى تعد من أروعها أغنيته الصافية "مالي ومال الناس.. لما حبيتك ما خدت رأي الناس". وتتردد أغنيات محمد عبده وتكتسب النجاح تلو النجاح، ويعرف الناس أسماء أعماله " بعاد" "ليلة الخميس" "صوتك ينادينى" "المقدر" "أنت محبوبي" "المعازيم" "حبيبى مر بجده" وغيرها.
وأعود إلى حفل إذاعة صوت العرب الذي عرفنى بصورة مباشرة بغناء المطرب محمد عبده، وحيث يكون لهذا الحفل فضل التقديم الأكثر انتشارا للمغني الدؤوب، ويتحقق له اللقاء الأوسع بالمستمع العربي في حفل آخر سبق حفل السبعينيات الذي تألق فيه محمد عبده وكان ذلك في عيد ميلاد إذاعة صوت العرب. وحيث شارك مطربنا بالغناء.وغنت معه هدى سلطان وشريفه فاضل ومها صبرى وعادل مامون واحمد سامى . وقتها انطلق صوته بأشهر أغنياته بصفة عامة وإن لم تكن أشهر أغنيات تلك السنوات، وأقصد أغنية "يا مركب الهند" بلحنها السلس، والمتدفق وكلماتها البسيطة التي عرف المستمع حلاوة بساطتها، والمطرب محمد عبده يقدمها بأدائه الساخن في حيوية وتلقائية صادقة.
وإذا كان المطرب محمد عبده قد حقق هذا النجاح الذي جعل من اسمه وفنه ظاهرة ناجحة تنطلق من الجزيرة العربية، فما هي أسباب هذا النجاح غير المقومات البديهية لانطلاق أي صوت، بداية من جماليات الصوت وسلامة الأداء وحسن التدريب؟
لقد تميز إقبال محمد عبده على أسباب بقائه الفني بذكاء يحسب له.. فقد استجاب هذا المطرب لمن نصحوه بأن يسلم موهبته الصوتية لبعض كبار الملحنين، فغني من ألحان محمد الموجي "ابتهالات" ومن ألحان بليغ حمدى "ياليلاه" لكنه ومن خلال إيمانه بأن الأسماء وحدها لا تصنع استمرارية عطاء الفنان بل إن الذي يدفعه ويصنع مكانته هو ذلك العطاء الجميل الجديد الذي يقدم تجربته المخلصة والطموحة، وبصرف النظر عن اسم صاحبه، كبر أم صغر، فالعبرة بالعمل الذي يضيف على رصيد صاحبه، ليس بالدوى والإلحاح في عرض هذا العمل، وبالتسلق على أسماء بعض الكبار.
إن صدى التجربة هو الذي أعان محمد عبده على حسن الاختيار، وهو صدق يبرهن على جماليات هذا الاختيار الذي أعطى لغناء هذا المطرب، هذا الإحساس بنبل تعبير الفارس في زمن قل فيه الفرسان.
احمد فكرون والغناء المهاجر والعبير الجديد
هو أحمد المبروك فكرون ـ والذى ولد في مدينة بنغازي في أواخر الخمسينيات وفي ميدنته بدأ حبه للموسيقى منذ الطفولة فكان حرصه على العزف على الآلة البسيطة التي يعشقها الصغار "آلة الهارمونيكا" ثم تطور إعجابه حيث اشترى آلة وترية هي بين العود والبزق، ومع قيثارته كان يمضي أغلب أوقات فراغه يتابع الجميل في عالم الموسيقى والغناء ويشارك في نشاطات الأطفال المدرسية ويتابع بنهم ما يقدمه الراديو وما يقدمه التلفزيون، ويحاول أن يوفق بين مذكراته واهتماماته الغنائية، وينجح في هذا الاتجاه وتكافأه الأسرة بأن يسافر معها في شهور الصيف إلى الإسكندرية.., وفي عروس البحر المتوسط، يزداد نهمه الفني ويحاول أن يتابع كل نشاطات الغناء والموسيقى ويقترب من فرق الشباب التي كانت تنعش ليالي الإسكندرية بعروضها الشابة التي استهوته، فيصادق العناصر المكونة لفرق "البتي شاه" "البلاك كوتسى" ويقترب من فنهم،ولا يبخلون عليه بخبراتهم فتبدأ معه مرحلة الاطلاع والقراءة في كل جديد الغناء والموسيقى في العالم. وفي عالم 1972 تتوقف الرحلات المكوكية بين بنغازي والإسكندرية، وتقرر الأسرة أن يسافر الابن إلى العاصمة البريطانية لندن لدراسة اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزى.. ويتفرغ أحمد فكرون لدراسته وتذهب به اهتمامات الدراسة بعيدا عن الموسيقى لكنه لم يستطع وحيث مضي العام الأول عليه وهو يعيش في لندن، في شعور من لا يعرف الراحة، لأنه ابتعد عن طبيعته.. كانت الموسيقى هي طبيعته ولذلك عاد إليها بمجرد أن قربت الظروف بينه وبينها عندما أقام مع أسرة بريطانية كان كبيرها عازفاً للجيتار، فعاونه بالتدريب والمعايشة والمتابعة، وقام بتعريفه بكبار الموسيقيين ممن يعيشون في لندن.. ومن خلاله عشق الجيتار وعرف كيف يتعامل معه، ومن خلاله أيضا تعرف على الفنان الكبير " كانت استيفنس" الذي أعتنق الإسلام وأشهر إسلامه وتسمى باسم يوسف إسلام. في البداية عمل أحمد فكرون مع فرقة غنائية شابة عاونته في تقديم نفسه للمستمع العربي الذي يعيش في عاصمة الضباب الأوروبي، ومن خلالها سجل أغنياته الأولى في استوديوهات لندن، ومنها الإنية التي اشتهر بها في بداياته عبر الإذاعات العربية الصادرة عن العواصم الأوروبية وإذاعات الـ بي بي سي، وموت كارلو، وكانت أغنية البداية "اوعدني.. أوعدني ماتسبنيش" ثم كانت أغنية "نجوم الليل" وهي الأغنية التي سبقته إلى وطنه ليبيا وحيث حققت نجاحا كبيرا هناك، امتد أيضا إلى مصر ولبنان والمغرب وتونس والجزائر والكويت وغيرها من الأقطار العربية.
من حق الأصوات العربية الجميلة التي تغرد بعيدا عن أوطاننا العربية، أن نهتم بها، وأن نلقى إليها بالتحية التي تصلها عبر البحر المتوسط الذي يفصل عالمنا العربي عن عالم الشمال الأوروبي. إن الغناء العربي المهاجر إلى العالم الخارجي، يفتقد إلى همزة الوصل الذي تربطه بوطنه الأم.. وعبر هذا الانتقاد نشعر بتقصير أجهزة الاتصال الجماهيرية، المرئية والمسموعة تجاه الغناء العربي الكبير الذي ينمو في غير أرضه ويزدهر في خارج غلافه الجوى وحيث يعوضه عن الأرض والمجال الحيوى في الوطن هذا، هذا الالتفاف الجميل من أبناء الوطن ممن يعيشون في المهجر بشقيه الدائم والمؤقت.
والمطرب العربي الليبى الكبير أحمد فكرون، هو صورة لهاذ النبت الخصب الذي ينمو في غير أرضه.. فهو ينطلق من مساحات الغناء في العواصم الأوروبية وهو يقيم في العاصمة الفرنسية باريس، يفصله البحر المتوسط عن مدينته بنغازي ولكن تحيطه مشاعر الإعجاب والتشجيع من كل أبناء العروبة ممن يقيمون في عاصمة العالم، الفنية والثقافية. إن العطاء الجميل المنسوب للمطرب أحمد فكرون، يتضح في غنائه المعبر ومن خلال صوته السليم، جيد التدريب، واضح النبرات، صريح الملامح، جيد النطق صحيح الأبعاد، وهذا العطاء الجميل تبدو قيمته في هذه الألوان الجديدة التي يضيفها إلى الغناء العربي المعاصر ومن خلال فهم جيد لا يصدر إلا عن فنان مثقف يعرف للتطور شخصيته.. فهو ينطلق من فهم مزدوج يعرف للأصالة قيمها مثلما يعرف للتحديث أهميته. إن الغناء المنسوب للمطرب أحمد فكرون، هو ذلك الغناء الذي يعرف للكلمة تأثيرها، ويعرف للحن تصوير، وبقدر ما يعرف للأداء، جاذبيته وتمكنه وصدقه وتعبيره الحساس.. ولهذا لم ينقص غناء أحمد فكرون عن التراث الذي صنعه رواد فن الغناء العربي ممن أحبهم وتعلم منهم، كما لم ينعزل أيضا عن الجديد في التعبير الغنائي العالمي. عقد أحمد فكرون في محاولاته الغنائية الناجحة مثل "اوعدنى" "ترحال" "شوارع المدينة" "لبنان" "كلمات حب" "لا يا حب" "نسيان" "اسكندرية" "جامع الغناء" "فلسطين الحبية" وغيرها، هذا العقد الشرعي الذي يمثل المصاهرة بين التعبير الغنائي بإحساسه العربي ومزاجيته الشرقية، وبين العناصر الحديثة من إيقاعات واستخدام وتوظيف وتوازيع الآلات الموسيقية، مع الحرص على تطويع أساليب التكنيك أو التقنية المتقدمة، لتقديم غناء عربي الهوية، عصري المكونات والشخصية.
وكانت محطته التالية بعد لندن هي روما، وفي إيطاليا أعاد تسجيل أغنياته بتوزيع جديد ومن خلال أداء موسيقى جديد، وحيث كانت إيطاليا هي محطة النجاح التالية التي قادته إلى التعرف على مهرجانات الغناء العالمية، وهي التي مهدت له طريق الوصول إلى العاصمة الفرنسية باريس، التي أحسنت استقباله، فعرف طريقه إلى برنامج المنوعات الشهير "نادي الفيديو" في التلفزيون الفرنسى، والذى قدمه أيضا في برنامج "موزييك" على شاشة القناة الفرنسية الثانية، وهو البرنامج الذي شاركت فيه النجمة الغنائية الراحلة "داليدا" والتى أشادت بغناء أحمد فكرون وألحانه وتوزيعاته الموسيقية.
استطاع أحمد فكرون عبر إقامته في العاصمة الفرنسية أن يحصل للغناء العربي على مقوع ثابت في خريطة الغناء التي ترسم تفاصيلها من أسبوع إلى آخر عبر قنوات التلفزيون الفرنسي وحيث أصبح للغناء العربي المهاجر مكانا واضحا في خريطة النغم شمال المتوسط، وهو وضع يشعر به من يشتاق للغناء العربي إذا قدر له أن يعيش الغرب الأوروبي، وقد ساعدت الشاشة الصغيرة على وضوح صوت هذا الغناء وحيث إن أغلب إنتاج من يقدمون هذا اللون من الغناء العربي المهجر مصور للتلفزيون، الذي يقدم لهذه الأصوات ما لم نقدمه لهم في تلفزيونات وطننا العربي جنوب المتوسط.
أذكر أننى تابعت على شاشة القناة الثانية بالتلفزيون الفرنسى برنامج هذا المساء الذي يقدمه فرديريك ميتران، ابن شقي الرئيس الفرنسى الراحل فرانسوا ميتران، وهو مقدم برامج يتمتع بشعبية كبيرة لدي مشاهد الشاشة الصغيرة ومن برامجه الثقافية المعروفة ذلك البرنامج الشهير الذي قدمه من صعود وانتهاء نجم الملك السابق فاروق، ومن خلال برنامج فردريك ميتران و"هذا المساء" حرصت على أن أتعرف على الأسلوب الذي يقدم به التلفزيون الفرنسي المواهب العربية.. وكان أن قدم فردريك ميتران المطرب أحمد فكرون من خلال حوار، ثم قدم بعض أغنياته المصورة لمنوعات التلفزيون، ومنها أغنيات "ليل السهرانين". وإذا كان هذا القبول هو رد الفعل الذي صاحب ظهور المطرب أحمد فكرون في عاصمة الفن الأوربي، فما هو رد الفعل عندما يلتقي هذا المطرب مع المتلقى العربي؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال من خلال متابعتنا لنشاطات المهرجان الأول لموسيقى وغناء الشباب، والذى عقد في مدينة مراكش بالمغرب الشقيق في شهر تموز / يوليو عام 1987 فإننا نود أن نوضح أن غناء أحمد فكرون يعد غناء عربية ليس فيه مسحة من ذلك الغناء المسمى "أنجلو آرب" أو فرانكو آراب، لأن غناء أحمدفكرون يحمل هوية عربية خالصة وليس من مجالات التقليد والمحاكاة ما يجعله يصنف ضمن هؤلاء المقلدين، ممن يزحمون ساحة الغناء ولا يعرف المتلقى هل ينسب هذا النغم لهم أن ينسبه لغيرهم، ممن أخذوا عنهم مثل هذه الألحان وتلك الطرق المستنسخة في الآداء.
إن أداء أحمد فكرون يتدرج تحت مسميات الغناء العربي السليم، بينما أسلوب تنفيذ أعماله من عزف وتسجيل وتوزيع يستفيد إلى حد كبير من إمكانات الغناء الحديث الذي يسود عالم اليوم. ويعرف أحمد فكرون أن المقلدون إلى زوال، بينما يدرك في الوقت نفسه أن المبتكرون هم فقط يضمنون البقاء في الأسماع والأستقرار في الوجدان ولهذا يأتي حرصه من خلال بحثه الدائب عن الشكل الغنائي الذي يميزه، وذلك عبر دراسة تجارب من سبقوه في الشرق والغرب، وهو في حالة بحثه يتوقف كثيرا عند كنوز التراث الغنائى العربي، كما يتوقف أيضا عند الأعمال الشعبية والفلكلورية يقترب منها، يتذوقها ويدرسها ويعتني بالاسترشاد بها وبالتقاء الآذان العربية بجميل إيقاعاتها وغنائها. عرفت من أحمد فكرون أنه حريص على الاقتراب من محاولات الرواد، وبخاصة سيد درويش فنان الشعب العظيم، ثم محاولات التجديد التي تلته ويتوقف في محطاتها العديد عند اسماء مثل، الأخوين رحبانى وعلى إسماعيل وكمال الطويل ومحمد الموجي ومحمود الشريف ومحمد فوزي ومنير مراد وبليغ حمدي وأندريا رايدر وغيرهم.. تستهويهم الأغنية القصيرة، ويتأمل عطاء أهم رموزها ليلى مراد ومحمد فوزي وشادية وعبد الحليم حافظ وعادل مامون وكمال حسنى وفيروز وغيرهم. والمطرب أحمد فكرون يلحن أغنياته ويضع لها التوزيع الموسيقى من خلال البحث عن أعماق تصويرية تمزج النغم بالتعبير الدرامي وعلى نحو يبدو في أغلبه أقدم من أغنيات كان أغلبها من تأليف الشعراء نبيل الجهمى وفرج المذبل من الجماهيرية الليبية ومجدي نجيب من جمهورية مصر العربية الذي كتب له أغنيات آه يا إسكندرية وتمر سنين "انتظار" وغيرها إن حرص أحمد فكرون على اختياره للكلمة ينبع من إحساسه بأن الكلمة موقف، واتجاه الفنان موقف.. ولهذا يبدو موقفه في حرصه على ما يصدر عنه من غناء يعبر عن أحلام وطموحات جيله من الشباب الذي يغني له، إن غناء أحمد فكرون هو نموذج من ذلك الغناء العربي الناضج الذي يقدم تجربته وهو وسط تيارات الإبداع في الغرب الأوروبي، ومن شاكلة غناء أحمد فكرون ونماذج أخرى متميزة ومختلفة المذاق أشهرها غناء المجموعة الجزائرية وتغني "الرأي لنا". وهناك أيضا الفرقة المغربية "الديسدنتين" أو فرقة "المهاجرون" والتى غني المطرب محمد منير واحدة من ألحانها الشهيرة وأسماها "حكمة الأقدار" وهناك أيضا الفرقة المغربية "الجلالة". وحتى لا يجتذبنا الماضي إلى جماليات، نريد أن نطل على المستقبل من خلال تقديم لمحات من عطاء الحاضر الجميل الذي لا يهمل قيمة الاستفادة من تجارب الماضي الأصيل ولا يغلق الباب أمام محاولات التطور والتحديث من خلال مخاطبة المستقبل القادم مع الغد الذي يطرق الأبواب. إننا مع فتح كل النوافذ، لكننا نساند هذا الفن الجيد الذي يعرف كيف يطرق أبواب الغد، من خلال الجديد الذي لا ينكر فضل إبداع الأجداد والذى يصل الأمس بالغد من خلال أنبويين من المعارف أولهما الأصالة وثانيهما المعاصرة. وهذا هو التحديث الذي نبحث عنه في كل مجالات حياتنا.. والغناء هو الأقرب من كل فنون التعبير لكي يبدأ هذا الفهم الجديد ولكي يمهد له هذا الفهم الذي يحاول الغناء العربي المهاجر بأن يخلص في تجربته إزاء الجديد وهو يستأهل منا، ومن أجل التقديم أن نفتح له الأبواب مرجين، فهل نفعل؟
عبد الكريم عبد القادر الصوت المميز !
صاحب هذا الصوت هو نجم الأغنية العربية الكويتية المعاصرة وهو أكثر نجوم الغناء الكويتى قدرة وانتشارا على الرغم من أن معطيات ونتائج التقديم والظهور في عالم الغناء العربي قد تجعل من أسماء لا تطاول هامته، في موقع يبدو لغير المتخصصين وكأنه يسبق صاحب هذا.
عبد الكريم عبد القادر أهم مطربي الجيل الرابع في الأغنية العربية الكويتية، وهو صاحب تاريخ فني ممتد، أثري العديد من الأعمال الناجحة والمميزة التي كان من أحدثها تلك الأغانى التي عبرت عن هموم أمته ، يعد اسم المطرب عبد الكريم عبد القادر أبرز أسماء الجيل الرابع منها، وهو أيضا أحد أبرز أسماء نجوم هذه الأجيال مجتمعة.
والجيل الأول في الأغنية الكويتية هو جيل الريادة الذي بدأ في ظروف بيئية وتقنية وثقافية صعبة، ومع ذلك حقق للأغنية العربية الكويتية المسار الممهد لخطوات الأجيال التالية، ومن نجوم هذا الجيل "عبد اللطيف الكويتى" و"عبد الله فضاله" "ومحمود الكويتى" وبعد هذا الجيل جاءت خطوات الجيل الثانى الذي بدأ مع الدور المهم لنشر الأغنية عبر الراديو، ومن نجوم هذا الجيل "عوض دوخي" و"سعيد الراشد".. وقد أعطى إخلاص هذا الجيل دفعة لنجوم الجيل الثالث من الأسماء التي جاءت في زمن التنوير والاهتمام الثقافى في سنوات المد القومي العربي، وهو الجيل الذي بدأ مع نهايات الخمسينيات وسنوات الستينيات ومن نجومه، صاحب النقلة المهمة في مسار الغناء العربي الكويتى المطرب "شادي الخليج" وأبناء جيله "صالح الحريبى" و"مصطفى أحمد" و"عزيز الشاطئ". و قام تعبير الجيل الرابع في الأغنية الكويتية على دعائم من جهد وإبداع الأجيال السابقة،وهو إبداع أتاح لنجم الجيل الرابع "عبد الكريم عبد القادر" أن يقدم أغانيه التي انطلقت بفهم وإحساس يعرف كيف يمد الجسور إلى عطاء المراحل التي سبقته، مثلما يعرف كيف يمد الجسور الأخرى إلى خطوات أخرى تمهد الطريق أمام جيل مقبل، وهو ما كان من أمر هذا الجيل الذي انطلق منه عبد الكريم عبد القادر ورفيق دربه المطرب "عبد المحسن المهنا" وليكن غناء هذا الجيل الأكثر انتشارا في الغناء الخليجى، وحتى جاءت من صلبه علامات الجيل التالي، وهو الجيل الخامس في الأغنية الكويتية الحديثة والتى يبدو من نجومها "عبد الله الرويشد" و"نبيل شعيل" و"رباب" و"محمد البلوشى" وغيرهم. توصل المطرب عبد الكريم عبد القادر لهذه الملكات عبر ارتوائه من الينابيع الأصيلة، فقد نشأ وعاش في كنف أسرة متدينة علمته من الصفر قراءات القرآن الكريم، بل وزادت من اهتماماته بالقراءة فوجهته إلى التجويد والترتيل، فاشتهر صوته الجميل المعبر وهو يدعو للصلاة مؤذنا في مسجد الضاحية التي عاش فيها إلى جانب تلاوة وتجويد القرآن الكريم. ومن الصقل الصوتى في مرحلة بدايات العمر في محراب القرآن الكريم بدأت اهتماماته بالنظم والنغم الجميل تشغل تفكيره، مع صحبة الأهل والأصدقاء ممن شجعوا صوته الجميل على غناء الشائع من أعمال التراث الشعبى، أو المعروف من أغانى الكلاسيكيات العربية التي سطعت في سماء الغناء في سنوات بداياته، عبر نجوم هذا الغناء، أم كلثوم وعبد الوهاب وفريد الأطرش وناظم الغزالي ووديع الصافي وعوض دوخي وشادي الخليج وغيرهم. ظل غناء عبد الكريم عبد القادر أسير تجارب الاجتهاد الفردي حتى التقى مع الملحن عبد الرحمن البعيجان الذي درس الموسيقى دراسة أكاديمية متخصصة في مصر، و كانت أغنية "تكون ظالم" بداية مرحلة جديدة في الغناء الكويتي وفي غناء المطرب عبد الكريم عبد القادر الذي ساهم في تحديد ملامح صورته الفنية وقسمات خريطته الغنائية بحيث قامت على صوت يعرف كيف يجيد التعبير،، وكيف يمكن من تصوير الألحان التي يؤديها، وعبر الإمساك السليم بالطبقة والقدرة على الانتقال من طبقة إلي أخرى، ومن خلال أداء متقن وتمكن لغوي ونطق واضح وسليم. ورصيد صوت عبد الكريم عبد القادر من الغناء يضم عشرات وعشرات الأعمال الناضجة والجيدة التي تنتسب بصدق إلى الغناء العربي السليم، وهي أغان لم تقع مثل غيرها في أخطاء الركض وراء الإيقاعات أو النغمات الآسيوية الهندية، حتى على الرغم من تسليمنا بقيم التأثير والتأثر بين موروثاتنا والوافد المقبل إلينا من الخارج بشرط الاحتفاظ بالمكونات الأساسية لشخصيتنا الثقافية.
ورصيد عبد الكريم عبد القادر الغنائي يضم مراحل عدة نختار منها ما يمثل مرحلته الأولي عبد التعاون مع الملحن عبد الرحمن البعيجان، فكان من أبرز ثمار هذه المرحلة، أغنية "تكون ظالم" وبعدها تأتي أعمال مرحلته الثانية بالتعاون مع ألحان عبد الرب إدريس ويوسف المهنا، ومن أبرز نجاحات هذه المرحلة أغنية "عاشق".. ثم تأتي المرحلة الحالية من مراحل عطاء هذا الصوت العربي المميز، وهي المرحلة الثالثة التي كان من أهم علاماتها الجديدة أغنية المعبرة "وطن النهار" من ألحان سليمان الملا وكلمات بدر بورسلي، وأغنية "كل العالم" من كلمات أحمد الشرقاوى وتلحين راشد الخضر.
يقدم عبد الكريم عبد القادر في مرحلته الحالية، أغاني عربية لا تغترب بعيدا عن المدركات والأحاسيس والوجدانيات العربية في وطنه الكويت، حتى ولو تحركت في نطاق الأداء الموسيقى العصري والتناول التوزيعي الحديث، وعلى نحو تراجعه في أعماله الجديدة التي سجلها مع فرق موسيقية في مصر وحقق في التعاون معها، أقصي ما يتمناه من تكامل فني، وعبر تناول موسيقى لا يبتعد عن الإطار العلمي في الصيغة والكتابة والعزف والأداء الموسيقى، وكذلك خلال المعالجة التوزيعية والتي قام بها في أغانيه الجديدة كل من سعيد البنا وميشيل المصري وطارق عاكف، خصوصا أن غالبية أغاني عبد الكريم عبد القادر من الألوان المسجلة في الأستديوهات، ولا سيما أن أغانيه تندر في الحفلات التي بات غالبيتها يقدم في غياب التخطيط الغنائي السليم، وفي قاعات الفنادق حيث تتراقص الأشياء وحيث تبدو موائد الطعام التي تحيط بها، كالغلاف الهوائي الملوث بالدخان، وهو مناخ لا يصلح فيه الغناء الجميل، بقدر ما تناسبه هذه الألوان المنتشرة هذه الأيام من غناء الزمن الردئ الذي لم تصل عدواه إلى غناء عبد الكريم عبد القادر المحصن ضد تلك الأوبئة الغنائية التي تحاصر كيان الغناء العربي، القادر على المقاومة، بفعل الجيد والجميل الذي يمكن أن يصمد في وجه الهجمات الغنائية المغولية والتي قد ينحصر مدي انتشارها إذا قوى الرأي العام المساند للتيار الصحي والسليم في الغناء العربي الجديد.
يبرهن عطاء صوت عبد الكريم عبد القادر على أنه يمتلك طاقة تعينه إذا ما مد الجسور مع أصحاب القصد النبيل من مواهب الغناء العربي المتناثرة على خريطة هذا الغناء في مختلف المناطق العربية، وحيث يبدو عطاء عبد الكريم عبد القادر الذي أفاد من خبرات الرواد ومن أحلام الشباب.. من خلال تلك المقدرة المتفردة التي تبدو في تعاونه مع الأجيال الغنائية المختلفة التي أعطت لأغانيه ثمار يانعة يبدو من بينها في صدى الأسماء تلك الأعمال الطيبة التي نتذكر منها الأغنية التي ارتبطت بأدائه وأسلوبه الغنائي أغنية "الصوت الجريح" من كلمات عبد اللطيف البناي وألحان أنور عبد الله، وأغنية "خطاوينا" من كلمات ساهر وألحان سليمان الملا، وأغنية "ما أصعبك" من كلمات بدر بورسلي وألحان راشد الخضر، وأغنية "المسافر" من كلمات عبد اللطيف البناي وألحان أنور عبد الله، وهما أيضا شركاء اللحن والكلمات في أغنية "آخر كلام". لقد بحث عبد الكريم عبد القادر عن النطاق الصوتي الذي يميزه، وعن الأسلوب الغنائي الذي يحمل توقيعه الصوتي، وكان هذا من خلال اجتهاد العثور على اللحن الذي يتجاوز النمطية والتقليدية وحالة التيه في دائرة مفرغة وهو ما تمكن منه أيضا غير التنقيب عن الكلمة الطيبة المعبرة، حيث البداية الصحيحة في الكلمة الأمينة والمخلصة التي تعبر عن موقف ووجهة نظر، ليس في أمور المشاعر والأحاسيس فقط، ولكن أيضا في انفعالات الإنسان الحياتية الثابتة والمتغيرة، وقد نجح صوت عبد الكريم عبد القادر في تصويبه على هذا الهدف، من خلال اختياراته لاشعار وكتابات يوسف ناصر وبدر بورسلي والشيخ محمد بن راشد المكتوم وعبد اللطيف البناي ومبارك الحديثي وغيرهم من الأسماء التي أعانته في رحلته بين أغاني الأمس واليوم، بحثا عن أغنية الغد، على أن يمتلك قدرته على التعامل مع الأجيال المتباينة، وبحيث استطاع أن يتجاوز جيله والجيل الذي يليه. وهذا هو يواصل خطواته بالاقتدار نفسه موضحا لأصحاب الأغاني العارضة صدق المقولة القديمة، أن من ليس له كبير يبحث عن كبير- اطال الله عمر الفنان عبد الكريم عبد القادر ووفقه فى حياته الفنيه
الدلوعه المغربيه سميره سعيد
إن الإمكانات التي تصحب ظهور أصحاب المواهب تتوافر في أجهزة الإعلام والفنون، ممثلة في الراديو والتلفزيون والمسرح والسينما، وهي أجهزة تظهر المراجعة المجردة تقاعسها عن أداء دورها معتمدة على التلقي المنتج عبر شركات الكاسيت التي تتمكن من ظروف يصعب تجاهلها تعتمد على دور المؤسسات الإنتاجية في الإفادة من ملكات صاحب الموهبة، ومن هنا فقد كان ومازال لعامل الربح التجاري العامة الأساسي في تحريك نشاطات المؤسسات الفنية الأمر الذي يعني أن اقتصاديات الغناء باتت في أيدي من يبحثون عن الكسب التي تغير من نشاطات الغناء حتى قبل أن تتذوقه وتعمل على نشر الجيد منه.
وقد كانت المطربة سميرة سعيد أحد أبرز الأصوات التي أصابتها سهام هذا التفكير الشعوبى الضيق عندما حققت شهرتها ومعرفة الناس بأسمها من خلال انطلاقها من مصر، في نهاية السبعينيات وفي نفس توقيت انطلاق أصوات ميادة الحناوى "سوريا" وعزيزة جلال "المغرب" وماجدة الرومي "لبنان" وهنا يمكن أن نقارن النجاح الذي بدأ في الخمسينيات للرباعي الغنائي الذهبى شادية ونجاة وهدى سلطان وفايزة أحمد وسعاد محمد وشهر زاد ونجاح سلام، بذلك النجاح الذي صاحب رباعي السبعينيات سميرة سعيد وماجدة الرومي وعزيزة جلال وميادة الحناوى وحيث تميز غناء رباعى الخمسينات بلون غنائي مميز يختلف عن الاتجاه السائد في الألوان التي استقرت في الأسماع من خلال غناء عبقرية الغناء العربي السيدة الراحلة أم كلثوم، أو من خلال ذلك اللون الغنائي السينمائئ الذي اشتهرت به ليلي مراد. إن مشكلة سميرة سعيد والجيل الذي ينتمي إلى صعود نجمة في أعوامل الثمانينيات يبدو في أنهم أصوات شابة جميلة وجديدة تقدم الألوان نفسها من كلمات وألحان اشتهرت في الخمسينيات والستينيات وأيضا في سنوات بداية الجدب في السبعينات بل وفي درجة أضعف في المستوى من ناحية كم وكيف الغناء ثم ما تمثل بعد ذلك في الغناء البعيد عن الهوية والذى نسمعه اليوم!ومقارنة جيل سميرة سعيد في الثمانينيات مع جيل الرباعي الذهبي في الخمسينيات يميل بالدقة إلى غنائيات الجيل السابق الذي عرف أصالة الموهبة، وتوهج الطموح وجسارة المحاولة بجانب جماليات الأداء وتميز اللون والشخصية الفنية والذي أعطي هذا الرباعي الذهبي ما نشهده الآن من استقرار لغنائيات هذه الأسماء وجيلها، في الوجدان والأسماع ومن بعد الغياب والإعتزال. البداية كانت مع المطربه فايزة أحمد
في شتاء عام 1978 دعوه فايزة أحمد للاستماع إلى صوت رقيق حساس قادم من المغرب ليجرب حظه في مصر وفعلا استمعت لتلك الفتاة الصغيرة سميرة عبد الرازق بن سعيد "17سنة" هي تؤدي بطريقتها ومن دون تقليد "كربونى" رائعة أم كلثوم "أنت فاكرانى" ورائعة ليلي مراد "قلبي دليلي".
وبهذه البداية، كان انطلاق اسم سميرة سعيد مع الاحتراف والشهرة عندما قدمت فايزة أحمد،المطربه الصاعده سميرة سعيد للفنان والملحن وزوجها محمد سلطان، وبعدما استمع الفنان وفايزة احمد إلى سميرة سعيد وهي تشارك في حفلات غنائية في العاصمة المغربية الرباط، وبعد عدة سنوات من معرفة الناس في القطر العربي بالمطرية الصغيرة عبر برنامج "مواهب" الذي كان يقدمه الفنان عبد النبي الجيراري في التلفزيون المغربي، وهو البرنامج ذاته أيضا الذي قدم المطربة المعتزلة عزيرة جلال. وعندما جاءت سميرة إلى مصر كانت تحرص وقتئذ على أن يطلق عليها اسم سميرة بن سعيد.. وفي تلك الفترة كانت دون العشرين، وفي أعوام المراهقة، ولهذا لعب الاختيار دورا مهما في نجاح محاولاتها الأولي، وكان ذلك عبر اختيار الكلمات والاعتناء بتلحين هذه الكلمات وهي بمثابة جواز مرورها إلى الأسماع مع أغنية البداية التي تخصها والتى كانت بعنوان "الحب اللي أنا عايشاه" من كلمات محمد حمزة وألحان محمد سلطان، الذي لحن لسميرة سعيد أكثر من عمل غنائي، من أشهره "الدنيا كده" من تأليف الشاعرة الراحلة نبيلة قنديل (الفنانه ومؤدية فن المونولوج سعاد وجدى ) - وأغنية "حكاية" من تأليف عمر بطيشة.
ولقد تحقق لسميرة الانتشار الجماهيري والنجاح عندما شاركت في حفلات مهرجان الإسكندرية السينمائي بغناء لحن بليغ حمدي وكلمات عبد الوهاب محمد "علمناه الحب" والتى أجادتها بصورة لفتت إليها الأسماع، وكانت الجسر الذي ربط بينها وبين مشاهد التلفزيون الذي تيقن من ملكة الحضور التي تتحلي بها هذه المطربة الشابة.
ويتتابع نجاح سميرة سعيد عندما تغني عبر الشاشة الصغيرة، المقدمة والنهاية الغنائية للحلقات التليفزيونية "ألف ليلة وليلة" التي كتب معالجتها الجديدة أحمد بهجت وأخرجها عبد العزيز السكري وعرفت هذه الحلقات باسم أغنية المقدمة "احكي يا شهر زاد" والتي كانت أول لقاء بين ألحان الموسيقار.جمال سلامة وغناء سميرة سعيد.
وقبل أن تغني سميرة سعيد للملحن نفسه أغنيات "قال جاني بعد يومين" "واحشني" "مش حتنازل أبدا عنك" لم يكن لها لون غنائي محدد الملامح على الرغم من جمال أدائها النابع من إحساس يصعب تجاهله وصوت سليم، وتدريب وصقل طيب يجعلان لهذا الغناء مذاقه عبر الشعور بحلاوة ما يصدر من غناء له جمالياته، وحضور له وضوحه، وخفة ظل يسهل الوصول إليها، وكلها اعتبارات ساعد على ظهورها التقديم التلفزيونى، خصوصا في تلك الأغنيات المصورة، وحتى غناء تلك الأغنيات التي وضع لحنها د. جمال سلامة واتهمته بعض العناصر الموسيقية والنقدية باستعارة لحنها الأساسي من أعمال منسوبة لغيره، كانت مشكلة سميرة سعيد، على الرغم من أنها تمتلك صوتا مميزا وإحساساً صادقا وجسورا ورقيقا يتيح لها التجاوب الصريح عند الظهور في الحفلات أو عبر الإذاعتين المرئية والمسموعة، في مشكلة تقارب الألوان التي قدمتها من قبل خصوصا تلك الألحان التي تستمد استمراريتها من تلك الألوان التي تعيش في الأسماع وتستقر في الوجدان، فعندما نجحت سميرة سعيد في غناء لحن محمد سلطان اتجه من استمعوا إليها إلى المقارنة، فقد شعر المستمعون أنهم يتابعون هذا اللون الغنائي القريب من شدو الكروان الراحل فايزة أحمد، وعندما غنت من ألحان بليغ حمدي الأغنيات القصيرة التي كتب لها كلماتها شاعر العامية عبد الرحيم منصور وسيد حجاب وهي أغنيات "بنلف"، "توهة"، "سيدي يا سيدي"، "آه يا لموني"، " صعيدي ولا بحيري" وكذلك الأغنية الطويلة التي قدمتها في حفل غنائي "علمناه وأمرنا لله" من كلمات عبد الوهاب محمد، أقترب أدائها من طريقة غناء نجمة التعبير الغنائي والتمثيلي شادية والتى كانت أغنياتها من أنضج تجارب بليغ حمدي اللحنية، خصوصا في الأعمال القريبة من هذا اللون الذي قدمه بليغ حمدي اللحنية، خصوصا في الأعمال القريبة من هذا اللون الذي قدمه بليغ حمدي عبر أغنيات سميرة سعيدة، والتى تعيد الأسماع إلى مقارنات من تلك الأغنيات الشهيرة المنسوبة إلى شادية خصوصا في الألحان النابعة من التراث الفلكلوري كأغنية " قولوا لعين الشمس" كلمات مجدي نجيب وأغنية "آه يا اسمراني اللون" كلمات عبد الرحمن الأبنودي، وأغنية "خدني معاك إن كنت مسافر" كلمات.. محمد حمزة.
لقد غنت سميرة سعيد باللهجة المغربية عشرات الألحان، غير أن شهرة هذه الألحان لم تتجاوز المساحة الزمنية التي صدرت فيها ولم تتجاوز أيضا حدود القطر العربي المغربي، ولهذا لا يعرف المستمع سميرة سعيد إلا في غنائها باللهجة المصرية وفي غناء عدد قليل من قصائد اللغة العربية الفصحي ومنها القصيدة التي لحنها د. جمال سلامة عن شعر عمر بطيشة "آه من قلبك". وغنت سميرة سعيد لعدد غير قليل من الملحنين.., ومن أهم هذه الأسماء الموسيقار محمد الموجي الذي وضع ألحان فيلمها السينمائي الوحيد "سأكتب اسمك على الرمال" من إخراج وسيناريو وانتاج المغربى عبد الله المصباحي، عن قصة حفيظه العسرى وهو الفيلم الذي شارك في بطولته محمود المليجي وأمينة رزق وعزت العلايلي وناهد شريف وتحيه حافظ و عبد الرحيم الزرقانى وفاروق فلوكس وسمير صبرى ومريم فخر الدين وكان العرض 1980 ، كما لحن لها محمد الموجي أغنية "شط الحبايب" من كلمات عبد الرحيم منصور، ومن ألحان حلمي بكر قدمت سميرة سعيد عدة أغنيات منها "إيش جاب لجاب". "مالك" "أنا ولا أنت" والأخيرة كتب كلماتها سمير الطائر. ومع هاني مهني لم يقتصر تعاون سميرة سعيد على الإفادة من فرقته الموسيقية أو قيادته للفرقة في أثناء وصلاتها الغنائية، بل أن الأمر تعدي ذلك إذ لحن لها بعضاً من أغنياتها مثل الأغنية الوطنية "بلد الحب" والأغنية العاطفية "عاشقة". وبحثا عن هوية غنائية تزيد من اقتراب سميرة سعيد من مشاعر جيلها الفني، يبدو جديد غنائها لأعمال الشباب "من أمثال محمد ضياء" ابن المطرب والملحن محمد ضياء الدين والمطربه ندى والذان كونا ثنائيا فنيا هو ( ثياء وندى ) وتنوع غناء سميرة للأسماء الشابة من الملحنين فتغني أيضا الجديد من ألحان فاروق الشرنوبي وإبراهيم فهمي المغني والملحن، الذي بدأ حياته الفنية عازفا على آلة القانون في الإذاعة الليبية إلى جانب صلاح الشرنوبي الذي وضع لها ألحان عديدة لمعت بسرعة ثم اختفت عن الأسماع بسرعة أيضا. وسميرة سعيد معجبة أيضا بألحان الفنان الشاب زياد الطويل لكنها لم تغن له بعد وهو الابن الثاني للموسيقار المجدد كما الطويل الذي أشاد بغناء سميرة سعيد عندما أدت مقطعا من رائعته "خللي للحزن نهاية" التي كتب كلماتها الشاعر عبد الرحمن الأبنودي وتقول كلماتها:
ولا كل من ضحكت عينه عاشق - ولا كل من فرد الأيدين مشتاق
ولا كل من قال الكلام صادق - ولا كل من يبكي من العشاق يا حبيبي..،
لكن سميرة لم تغن بعد لهذا الملحن الشاب الذي نجح مع لطيفة في أغنيات مثل "حبك هادي" وأصالة نصري في أغنيات مثل "قلبي بيرتحلك". ويرى الموسيقار كمال الطويل الذي لم يسمح لسميرة سعيد حتى لحظة كتابتنا لهذه السطور بغناء رائعته اللحنية الجميلة "خلي للحزن نهاية" أن أداء سميرة سعيد له مزايا وخصوصيته المتمثلة في إحساسها بما تغنيه من كلمات وألحان. وعلى الرغم من هذا التقدير لصوت وإحساس سميرة سعيد، فإن ألحان الموسيقار الكبير بقيت ممنوعة وحتى وفاة الموسيقار عام 2003 ومازالت سميره سعيد في مرحلة البحث عن النغمة المتميزة التي مازالت تائهة عنها، لا تجد بغيتها في الجديد الذي نرجوه من صوت سميرة سعيد.اطال الله عمرها بيننا
حبيب تونس لطفى بوشناق
تعكس الطبيعة الثرية خصوصيتها المتميزة على بعض أصحاب المواهب ممن ينعمون بما تعكسه هذه الطبيعة السخية على ملكاتهم وإبداعاتهم والتي تميز بين قدرات من يعرفون كيف ينعمون بما حباهم الله من مواهب وقدرات.والمطرب التونسي لطفي بوشناق هو من ذلك النوع من الناس، ممن حباهم الله موهبة سخية تتمثل في صوت، قوي يعكس خصوبة العطاء وقدرة التعبير، وملكة الحضور التي تتمكن منه ومن إحساسه وتجعله يبدع في غنائه وإلى حد تقديم هذا اللون من الأداء الذي يتميز به، ظهر الصوت وكأنه مثل نبع للماء الصافي.. ماء رقراق فيه الوضوح والصفاء وهو ما يبدو على طريقة أداءه ومخارج ألفاظه الشديدة الوضوح، لقد نشأ لطفي بوشناق في عائلة تحب الموسيقى، وتتذوق الفنون، ولذلك وجد التشجيع من الأبوين في أن تكون له مكتبته الغنائية الخاصة، ولم تعترض الأسرة على تدرجه في مراحل التفوق في مجال هوايته للغناء والموسيقى، بل ساعدته بتقديمه لمن يساعده في حفظ الموشحات القديمة، والتدريب على جماليات غنائها. عشق الشعر العربي، ووجد من يرشده من أساتذته في المدرسة إلى وجدانيات ونغمات وموسيقى الشعر العربي، فحفظ الكثير من أشعار القدامي والمحدثين.. ومن هذا الاهتمام لا يعترف بأن هناك أزمة في النص أو ندرة في الكلمات المناسبة للغناء، لأنه يؤمن أن في العودة لأشعار شوقي، وحافظ، وجبران، والشابي، والبياتى، وعبد الصبور، والشناوى، وغيرهم ملاذا وافيا يحمي الأسماع من مطاردة الكلمات السخيفة والمعاني الرديئة والخيالات السطحية.. صوت لطفي بوشناق صوت كبير، قادر متميز المعالم، قوي في أكثر من اتجاه فالجوابات فيه متينة، والقرارات عنده محكمة، والمناطق الوسطي لديه غنية التعبير تبدو فيها حلاوة الصوت، عندما يندمج في الغناء بإحساس يوضح إلى أي مدي يتمكن هذا المطرب من التعبير عن حبه لمن يغني لهم. ومطربنا لطفي بوشناق يحمل لقبا عائليا يعود في أصوله إلى إقليم "البوسنة" و"الهرسك" في اتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية السابقة وقد تحور اسم العائلة من البوسني نسبة إلى البوسنة إلى بوشناق كما ينطق اللقب أو النسب في أكثر من مكان على الأرض العربية. جاءت العائلة من البوسنة حيث الأغلبية المسلمة التي تعيش في هذه الجمهورية ذات العواصم التي لها باع طويل في طريق الاستشراق الأساسي في قلب أوروبا وفي مدن مثل "سراييفو" و"موستار" وينتشر أبناء هذه العائلة في أكثر من بقعة على الأرض العربية فهم في "باب اللوق" بالقاهرة و"المنشية" بالإسكندرية وفي "غزة" بفلسطين وفي "صيدا" في لبنان وفي "دمشق" في سوريا وفي "بنغازي" بليبيا و"البصرة" في العراق. إن الصوت العربي صاحب الأصول البلقانية المسلمة، وهو من ذلك اللون من الأصوات الذى ينتمى لجيل الأصوات القوية ذات الصدي والتردد، صوت يذكرك بسلامة حجازي في تسجيلاته الذهبية، وصالح عبد الحي في أوليات مجده، وصباح فخري في سطوع شمسه. والمطرب لطفي بوشناق يغني منذ طفولته، ولكنه لم يحترف الغناء إلا في عام 1978.. ولم يكن حتى ذلك الحين يتصور أنه قد يحترف هذا اللون من النشاطات الفنية، فقد كانت صلته بالغناء هي صلة العاشق المحب الذي لا يتصور أن ينال من وراء استجابته لنداء موهبته إلا إرضاء الذات، وإشباع رغبات الهواية. عرف المطرب لطفي بوشناق طريق الغناء هاويا منذ سنوات الطفولة لكنه عرف كيف يخضع بين الهواية واكتساب الخبرات منذ جاء إلى مصر ليعمل مديرا لمكتب الخطوط الجوية التونسية في القاهرة. في هذه الفترة من نهاية السبعينيات تعرف على الموسيقار الفنان أحمد صدقي عاشق النغم الشرقي الأصيل... وأعجب به، وتصور أن أبواب الشهرة ستفتح لهذا الصوت المقبل من ربوع تونس الخضراء، غير أن الموسيقار لم يدرك في نطاق انفعاله بجمال أداء الوافد الشاب، إن متغيرات الغناء في السبعينيات قد طفت، وإن انعكاسات الرياح الانفتاحية قد تركت بصماتها حتى على مجالات الإبداع. وضع له لحنا من أجمل ألحانه السلسة المتدفقة واختار له كلمات بديعة عميقة لفيلسوف الشعب الساخر الشاعر الزجال الراحل بيرم التونسى ابن الإسكندرية ذي الأصول العربية التونسية، ونجح أحمد صدقي أيضاً في أن يتقدم باكتشافه الموهوب إلى لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية، إلى اشادت بصوته وغنائه، ومنحت غناءه وأداءه.. تقدير الامتياز. وبعد الموسيقار أحمد صدقي، تعامل مطربنا لطفى بوشناق مع الملحن الموهوب سيد مكاوي، ومع الموسيقى المجدد هاني شنودة. وعرفت أغانيه الطريق إلى أذن المستمع عبر إذاعة صوت العرب، ولكن أغانيه لم تعرف طريق الذيوع والانتشار الذي عرفته أغاني سواه ممن يقلون عنه قدرة وموهبة، لأن لطفي بوشناق أصر على المسلك الصعب، ولم يقبل على المسلك السهل بتقديم هذا الغناء الباهت الذي يستغل قلق الاستماع ، والنبرة الزاعقة. وكما أن للدراسة مراحل، فإن لصقل الموهبة مراحل مماثلة.. وقد تعمقت قدرات لطفي بوشناق عبر هذا الهيام الذي صحب طفولته وهو يحفظ غنائيات زعيمة الغناء الراحلة أم كلثوم، وهو ينصت باهتمام، لغنائيات أصوات الرجال التي تعلق بها، مثل محمد قنديل وكارم محمود ومحمد عبد المطلب وعبد العزيز محمود - لم يبحث لطفي بوشناق في دواوين شعراء الفصحي فقط، بل انتقل به البحث إلى دواوين شعر العامية، ووجد بغيته فأيما اختار من كلمات شاعر الشعب ليرم التونسي، وجميل ما كتب من أشعار باللهجة البدوية التي لم تزل تحافظ على جمالها، لا يختلف جرسها البديع عندما تستمع إليها بلهجة بدو المغرب العربي، إن هذا الصوت لا يجد من فرص التقديم المتاحة غير القدر الذي يناسب أصوات الإمكانات الفقيرة والمحدودة، والتى قد تجد بحبوحة الغناء في غنائيات الكاسيت الذي يتملق الأسماع المجهدة، والمرهقة، بهذا اللون من غنائيات الإلحاح ذي الوتيرة الواحدة. لقد تربي صوت لطفي بوشناق على قدرات الأداء الذي يتناسب مع ظروف أفضل في التقديم الغنائي، فقد بدأ هذا المطرب تعرفه على الغناء السليم في دار ثقافة "ابن خلدون" بالعاصمة التونسية، وهي التي قربت بينه وبين الانضمام لفرقة الشبيبة التونسية التي أشرف عليها علمان من أعلام الموسيقى التربوية التونسية، هما توفيق خضيرى وفتحي زهدي، وخلال هذا الاحتضان والتبني درس لطفي بوشناق العود، وتدرب على أستاذه، عازف العود المعروف الفنان على الشريطي. تعلم لطفي بوشناق الكثير من هذه المدرسة الفنية وعرف كيف يتفاعل من الجمهور وهو يقف ليغني لهم، ويستمد اندماجه منهم، وهو يواجهه على خشبة المسرح، وعرف خلالهم، أن الحب هو الأبقي وأن مظاهر ماديات الحياة إلى زوال، ولذلك يبقى في النفس هذا الشعور بحب الناس وامتصاص رحيق الحياة والنجاح منهم.
وهذا الشعور الذي يتمكن منه يجعله اليوم يقيم حفلا شهريا منتظما في أحد مسارح تونس العاصمة لا يبغي معه أجرا غير رضا الناس، وحبهم وتشجيعهم وهو يشبع خلالهم هواياته في الغناء من دون أن ينتظر المقابل المادي. لقد حقق هذا الرضا، وعبر هذه القناعة، والكثير من النجاح للمطرب الذي تأخذه أسباب الانبهار بالغناء السوقي الذي يسود ساحة هذه الأيام.. وعلى الرغم من ذلك فقد حقق هذا المطرب نجاحاً لا ينكره أحد... فانطلقت شهرته من تونس إلى ليبيا ثم الجزائر والمغرب، وبعدها إلى المشرق العربي، في سوريا، والعراق، والأردن، ولبنان، غير أنه لم يحقق في مصر التي كانت قبلته الأولي للشهرة، ما كان يطمح غليه من ذيوع وانتشار، وعلى الرغم من الاهتمام الذي خصه به الملحن أحمد صدقي وتشجيع إذاعة صوت العرب.. تبقي مشكلته مع التلفزيون الذي يراعي اهتمامات شركات إنتاج الكاسيت التي لا يهمها أن تلتفت إلى قيمة معدن صوته وسلامة أدائه الغنائي وجودة اختياراته لأنها تفترض أن صوته طالما يحرص على النسب والمناسيب السليمة، فهو صوت يعود إلى أنغام الأمس، أو ما يطلقون عليه بالتعبير العامي الدارج "غناء الدقة القديمة".
لقد ظل الفنان يحي أمسيات الأسبوع التونسي الذي أقيم في القاهرة، ويغنى امام المستمعين أحلي غنائيات زعيمة الطرب الراحلة أم كلثوم، و يغني من روائع ألحان رياض السنباطي "الأطلال" و"رباعيات الخيام" و"سلوا قلبي" و"حديث الروح" و"أقبل الليل" و"أراك عصي الدمع" وغيرها.. ثم يعرف الحضور ماهوالفن الشعبي في الغنائيات التونسية، وبعدها ينتقل بهم إلى أغانيه الخاصة التي تمثل لونه الغنائي الذي اختار فيه أن يمزج الأصالة بالمعاصرة.
وظل يشارك فى مهرجانات "قرطاج"التونسية و"وجرش" الأردنية، ومعرض "دمشق" في سوريا و وكان الغناء في أمسيات الأسبوع التونسي في مصر كانت المرة الوحيدة التي يشارك فيها في حفل جماهيري ، وكثيرا ما شارك في حفلات فرقة أم كلثوم للموسيقي العربية بقيادة حسين جنيد، وأيضا مشاركته في فرقة الموسيقى القومية العربية بقيادة سليم سحاب، والتى قدمت عروضها على مسرح "دار الأوبرا".
ان هذا الصوت العملاق الذي تظلمه أجهزة التقديم، حكام السطحية والقرارات غير المنصفة نبحث عن دور لأجهزة الإعلام التي يفترض أن لديها وعي الانتقاء، والحرص على تقديم الأفضل. ونسأل ونحن نتأمل في خصوبة صوت لطفي بوشناق الذي يغيب عن مساندته أي حضور لأجهزة الإعلام الجماهيرية: أين دور هذه الأجهزة في صعود نجم الفنان الحقيقي في ظل غياب مناخ الحياة الفنية السليمة، ولا سيما أن الأعمال الجيدة تصطدم بحواجز وسلبيات عديده ؟ إن المناخ الغنائي اليوم لا يناسب أصحاب الهامات الفنية العالية الموهبة وأصوات الأمس الجميلة لو بدأت اليوم، لانسحبت على الفور، في ظل أحوال لا تناسب الغناء الجميل وفي ظل متغيرات فنية لا تشجيع الفن النبيل، ورسالته التي تهدف إلى الحق والخير والجمال.
إننا إذا تأملنا المساحة الصوتية المتسعة لصوت المطرب لطفي بوشناق، وإذا تابعنا جماليات غنائه، وانفعلنا بارتفاع درجة الإحساس في غنائه فإن هذا الحال يجعلنا نتألم من عدم وجود هذا الصوت في الموقع الذي يتناسب مع موهبته في خريطة الغناء اليوم،اطال الله عمره
الفنان العراقى سعدون جابر
فن المقام العراقي هو غناء عربي متميز القسمات له بنائه النغمي والإيقاعي، وأسلوبه المختلف في الغناء، وهو فن عريق في القطر العربي الشقيق تعود أصوله إلى أيام كانت بغداد حاضرة الدولة العربية الإسلامية. فهو فن يعبر عن اهتمام الحضارة العربية الإسلامية بإبداعات الحضارات القديمة الأخري التي تفاعلت معها حضارتنا العربية وأعطت لفنونها وثقافاتها وفلسفتها عمق التأثير وأمد البقاء.
وضحت موهبة سعدون جابر الصوتية وهو لم يزل طالبا في المدرسة الثانوية، حيث كانت الهواية هي هدفه، وهي أيضا لم تزل محور نظرته إلى الغناء على الرغم من احترافه له. نشأ المطرب الشاب وفي الأسماع غناء عربي يصل إلى الوجدان، بعضه من العراق وبعضه الآخر من وطنه العربي خارج العراق.. وقد تعلق المطرب الشاب بفنون الموسيقى والغناء، حتى وهو يتلقي علومه الدراسية لكي يصبح معلما في مدارس بغداد ثم ليواصل دراسته الجامعية مهتما بدراسة الأدب الإنجليزي. واستوعب سعدون جابر فنون الغناء التي يعيش معها.. تعرف على الغناء العربي العراقي، بداية من فن المقام وحتى الفنون الغنائية الشعبية التي تسمى حينا الغناء الريفي، وحينا آخر الغناء البدوى، ولاحظ كيف تبدو علاقات التأثير والتأثر بين هذه الألوان قديمها وحديثها. وممن استمعوا إليه وأثنوا على غنائه عرف المطرب الشاب أنه يمتلك صوتا جميلا، معبرا، له مساحات عريضة تجعل من الغناء الصادر عن حنجرته، إضافة للغناء القادر والمتمكن الذي سبقه والذى عشقه سعدون جابر، وهو غناء ناظم الغزالي الذي تجاوز حدود بلاد ما بين النهرين إلى التأثير على كل من استمع إليه وعشقه من سمعيه الغناء العربي. لقد نبغ ناظم الغزالي في غناء المقام العرافي مثلما نبغ، أيضا يوسف عمر وقبلهما محمد القبانجي الذي كان أول مطرب عربي من العراق يسجل في العاصمة الألمانية برلين، غنائيات المقام العراقي على اسطوانات في أواخر العشرينيات من القرن الحالي.
ومع عشقه للغناء العربي في العراق عرف سعدون جابر كيف يتأثر وكيف يستوعب تجارب الغناء العربي خارج العراق، فتعلق بغناء عبد الحليم حافظ وبطريقة الغناء المميز الذي صاغ معالمه كمال الطويل ومحمد الموجي ومن بعدها محمد عبد الوهاب ومنير مراد وبليغ حمدي، وأحب سعدون جابر أداء عبد الحليم حافظ.. وبالدرجة نفسها، أنبهر بقدرات وديع الصافي وملكاته في الأداء الغنائي. بعد سنوات قليلة من نجاحه وتعرف الناس إلى صوته في العراق وبعض بلاد المشرق العربي جاء المطرب سعدون جابر إلي مصر ليشارك في احتفالات عيد ميلاد إذاعة صوت العرب التي أقيمت في يوليو من عام 1976. وقد الحظ المستمع هذا البريق البادي في هذا الصوت الآتي من عاصمة الرشيد، وهو يغني واحدة من أغنياته الجميلة وهي أغنية "عيني.. عيني ". لقد قدم سعدون جابر في حفل صوت العرب باقة من أغنياته الجميلة التي وضع ألحانها اثنان من مشاهير ملحني العراق هما القراغولي وكوكب حمزة، وشارك في وضع كلماتها شعراء الأغنية في بلاد النهرين، ومن هؤلاء عبد الجبار القرى وزهير البرجيلي. ومع نجاح سعدون جابر في زيارته الصيفية لمصر، كان اللقاء الذي جري له مع الموسيقار بليغ حمدي الذي أعجب بملامح صوته الذي تميزه نبرة رجولية فيها وضوح القرار، مثلما القدرة على الصعود إلى الجواب. قال عنه الموسيقار بليغ حمدى إن صوت سعدون جابر يميزه تفرده، واختلافه عن أصوات الرجال ممن ظهروا في زمن العندليب عبد الحليم حافظ، وعلى الرغم من الحب الكبير الذي يكنه سعدون جابر لغناء العندليب فإنه استوعب قدراته وأستاذيته في الغناء الحساس بيد أنه لم يقلدون يتأثر تأثيرا كربونيا مثلما كان الحال مع معظم الأصوات التي ظهرت في السبعينيات في ظل سطوع شمس عبد الحليم حافظ الغنائية. لقد بدأ اتجاه سعدون جابر إلى احتراف الغناء في الفترة نفسها التي ظهر فيها المطرب هاني شاكر شديد التأثير بطريقة عبد الحليم حافظ في الأداء، ومن بعده أصوات أخرى تأثرت بنسب أخرى متفاوتة مثل عبد اللطيف التلبانى وكمال حسنى وعماد عبد الحليم "مصر" ووليد توفيق "لبنان" ومحمد رشيد "ليبيا" ومحمد الحيانى "المغرب" وعلى الرغم من أثر طريقة عبد الحليم حافظ في الأداء ووضوح علاقات التأثير بغنائه في أصوات غالبية أبناء الجيل الذي جاء بعده، وبدأ ظهوره والعندليب لم يزل على قيد الحياة، فإن المطرب سعدون جابر اختار لغنائه أسلوبا مغايرا يعبر عن شخصيته الفنية المستقلة وغنائه الصادر عن أحاسيسه الخاصة، والذى لم تتضح فيه، إلا في حدود العفوية والتلقائية. علامات التأثر بأصحاب العلامات البارزة من نجوم الطرب والغناء ممن انفعل بهم وأحبهم، وتعلق بالغناء خلال استيعاب تجاربهم، وفي مقدمة هذه الأسماء العندليب الراحل عبد الحليم حافظ وأستاذ غناء المقام العراقي ناظم الغزالي ومطرب الفطرة الرائعة قوي الصوت وديع الصافي، وحلو الغناء جميل النبرات صاحب الحنجرة الذهبية المطرب محمد قنديل.
إن استماعنا لغنائيات سعدون جابر عبر متابعته في تسجيلاته الإذاعية والتلفزيونية ثم خلال ملاحظة غنائه وهو يشارك في الحفلات العامة
مثلما كانت مشاركته في حفل عيد ميلاد صوت العرب وفي احتفالات أعياد العبور ونصر حرب رمضان "أكتوبر تعرفنا في هذه القراءة لصوته الشجعي والمعبر أنه يمتلك صوتا قادراً على الانتقال في غنائه لمعظم المقامات، بجانب قدرته على الاستيعاب الكامل لجماليات اللحن والمضمون الذي يتغني به، وخلال قدرات السيطرة على الإيقاع، والواضحة في إمتلاكه لأذن موسيقية مرهفة تبتعد به عما يقع فيه غيره من نشاز.
لقد استطاع سعدون جابر أن يحقق لصوته ولغنائه هذا المستوى خلال حرصه على الثقافة العامة والثقافة الخاصة، فالمعني من دون فهم لخصوصيات الموسيقى والغناء لا يستطيع التعامل الصحيح مع أصول الغناء والأداء، والمغني من دون الثقافة العامة لا يستطيع أن يختار الكلمات المناسبة التي يتغني بها ولها ولينفعل بها وينقل إنفعاله إلى مستمعيه عملا بالمقولة التي ترى أن ما يصدر عن القلب يصل إلى القلب ويبقى في الوجدان.
لقد أعانت الموهبة المصحوبة بالثقافة المطرب سعدون جابر على أن يختار لنفسه موقفاً متميزاً في خريطة الغناء العراقي الحديث، والذي بدأ مع حرصه الواضح على فهم رموز التراث الغنائي العربي، وصقله لموهبته بالمران والدراسة.
ولقد جاء غناء سعدون جابر امتداد لأصوات أخري شهيرة معروفة على خريطة الغناء العراقي، وبعضها أيضا يتجاوز حدود القطرية إلى حدود القومية التي تمتد بالاستماع إلى الغناء العربي في كل أرجاء الوطن العربي من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.
جاء بعد غناء كل من ناظم الغزالي ومحمد القبانجي ويوسف عمر ومحمد الفقانشي من الرجال وسليمة باشا "أو المطربة سليمة مراد" ومائدة نزهة وأنصاف منير وأحلام وهبي وستياها مونياك وأنوار عبد الملك من الأصوات النسائية، وجاء من بعده المطرب كاظم الساهر الذي حقق شهرة عربية فاقت شهرة النجم الذي سبقه إلى الصعود الغنائي وربما لوقفه شعر نزار قباني بجوار ألحانه التي تبدو عادية ومألوفة وعاجزة عن الخروج عن النمطية السائدة، وربما بسبب شحنة الإحساس العالية التي تتملكه وربما لأنه وجد أيضا قوى إنتاجية تدفعه وتستثمر ألم الإنسان العربي تجاه الشأن العراقي الذي تبدو نبرته في حنجرة الساهر. اختلف اللون الذي تميز به سعدون جابر بالميل إلى الأغنية العصرية القصيرة والأغنية التعبيرية، من دون الاغتراب عن النغم العربي الشرقي الذي يميل إلى أغنيات التطريب، وعلى غرار عشق المستمع للمقام العراقي الذي يتميز فئة بإعطاء الأصوات القادرة فرصتها في الغناء المتمكن عبر هذه الألوان الرصينة، والتى تسمح لصاحب الصوت القادر بأن يصول ويجول بغنائه لهذا المقام، عبر طبقات عديدة تتعدد فيها الجوابات، وهذا اللون من الغناء يناسب أصوات الرجال حيث يتمكن الصوت القوي من الأغاني الصوتية.
ومن يتأمل مضمون الأغنيات العاطفية والصوفية والشعبية والوطنية التي يغنيها المطرب سعدون جابر يشعر بما يحرك مشاعر هذا المطرب في اختياراته لمضمون كلمات أعماله الغنائية والتى تفسر وجهة نظره في الاختيار فهي تري أن الفنان المصادف يجب أن يكون مرآة عاكسة لطموحات وأحلام ومعنويات أبناء المجتمع الذي ينتمي إليه.
ومن يقارن أغنيات سعدون جابر بأغنيات من سبقوه من رواد الغناء في العراق، يلحظ أن ألوان الغناء الحزينة كانت تغلب على الكم الأكبر من أعمال هؤلاء المطربين والمطربات، غير أن اهتمامات سعدون جابر خرجت به عن هذا النطاق للمعاني التي تتناول في الغالب معاني الهجر والفراق والبعاد والسهاد والعذاب، وما إلى ذلك من ألوان الغناء الرومانسي الذي يغلب عليه الحزن وعلى حساب ألوان التعبير الأخري.
إن مساحة الإعجاب بغناء سعدون جابر يمكن أن تزداد في نطاق وطنه العربي لو ابتعدت بعض الشيء عن الاستغراق في الغناء بالعامية العراقية صعبة الاستيعاب عند عشاق الغناء في وطنه العربي، وحيث اختيار المفردات المحلية الأقرب إلى الفصحي، واللغة الأم التي تجمع أبناء الوطن العربي، من الحلو الناجحة.
إن مساحة الإعجاب بفن سعدون جابر يمكن أن تزداد أيضا لو أعطته السينما الغنائية بعض الالتفاف الذي تحقق لغيره من مطربي جيله ومطربي الأجيال السابقة - أن سعدون جابر يتمتع بصوت قادر، عريض المساحة يصلح للمسرح الغنائي الذي لم يستفد من قدراته على الاشتراك في أعمال مسرحية غنائية، والسبب حال الانكماش التي يعاني منه فن الأوبريت ويشكو منها عالم المسرح الغنائي في وطننا العربي.
إن في موهبة المطرب سعدون جابر، وفي شخصيته الفنية، وفي ثقافته العامة ما يؤهله لمكانة أكبر من التي يشغلها الآن على خريطة الغناء العربي، والتى مازال بعيدا عنها لأسباب بعضها يعود إليه وبعضها الآخر يعود لظروف كساد الغناء الجيد في عالم الغناء في الآونة الأخيرة والذي يشكو من صخب الأصوات الرديئة وانتشار الألوان الفاقعة الساذجة من غناء يختلط فيه الاستماع بالأرجل من الاستماع بالأذن، وفي وقت أصبحنا نشكو فيه من هذا التلوث الصوتى الذي يضيف هما جديدا لمثالب تلوث البيئة. فهل تجد الأصوات الجميلة القادرة فرصتها في الصمود أمام تلك الموجات الهابطة والصارخة الزاعقة؟اطال الله عمره المؤرخ والباحث فى التراث الفنى وجيــه نـــدى 01006802177 – wagihnada295@yahoo.com