بقلم يوسف فخر الدين
2005-06-08
مرة أخرى يحاول المثقف الفلسطيني ,التدخل في الحيز السياسي. وإذا كان التاريخ السياسي الفلسطيني مليئاً بمحاولات من هذا القبيل, فإن أشهرها محاولات إدوارد سعيد, والتي انتهت بمنع كتبه من قبل الراحل ياسر عرفات, في مناطق السلطة. ومحاولة هشام شرابي الأخيرة قبل وفاته,بإنشاء شبكة للفلسطينيين اللاجئين, والتي انكسرت على صخرة ممانعة فصائل العمل السياسي . إن استمرار الفشل في هذه المحاولات يدعو للتأمل, فبعض هذه القوى الممانعة, والتي سبق أن فشل مشروعها السياسي والتحقت بمشروع قيادة منظمة التحرير الذي لطالما هاجمته, لازال لديها السعي نفسه لممانعة محاولات المثقف, بالتدخل في ما تعتبره مجال سيطرتها (السياسة الفلسطينية)، متجاهلة في ممانعتها لمبادرة د.كرمة. إن ما يجري الحديث عنه, هو بإطار مؤسسات مدنية, مادون حزبية, تسعى لعكس الحقوق والاحتياجات من قبل المجتمع الفلسطيني نفسه مما يمكنه من الرقابة والمطالبة بحقوقه بشكل مستمر.( وربما هي تمانع ببناها المتخلفة واللاديمقراطية هذه الإمكانية لعدم قدرتها على التكيف معها) . ولكن بعد تثبيت هذه الهياكل المدنية في الداخل الفلسطيني, يمكن الشك بقدرتها على الممانعة هناك، فلماذا لازالت متوفرة لها في الشتات .وربما نجد مؤشراً للجواب بملاحظة أنها تمتلك هذه القدرة النسبية, حيث تحتفظ بعلاقات جيدة مع الدول المضيفة. (مع ملاحظة اتساع الهوامش الديمقراطية من الدول المضيفة للمشروع وضيق صدر هذه القوى والبيروقراطية الفلسطينية ). يقوم مشروع الدكتورة كرمة النابلسي, على قراءة سياسية مفادها أن منظمة التحرير قد انسحبت بعد أوسلو من الشتات إلى بعض الضفة والقطاع، متحولة، في سياق الاتفاقية و الدخول، إلى مؤسسات للسلطة الناشئة بعنوان سياسي واحد( الدولة )، مما يهدد بتشظي المشروع الوطني الفلسطيني بإهمال قيادة المنظمة لحق العودة (وهو الأمر الذي استشعره الفلسطينيون اللاجئون فوراً بعد أوسلو فشكلوا لجان حق العودة كردة فعل مباشرة –مع الدعوة المشهورة من قبل إدوارد سعيد وهشام شرابي في ذلك الوقت)، كما ويهدد بانعكاسات خطيرة أخرى على المجتمع الفلسطيني سياسية واقتصادية اجتماعية. وبما أن الدكتورة كرمة قد أنجزت الجزء الأول من مبادرتها (لجنة تقصي الحقائق ) بالتعاون مع ثلة من البرلمانيين البريطانيين المعروفين بتضامنهم مع الشعب الفلسطيني، دون أن تتعرض لأي ممانعة نتيجة انحصارها بالمسموح به -التقصي عن موقف الفلسطيني اللاجئ من قضايا لا زال مسموح له أن يعبر عن موقفه منها (ما عدا الأردن) ومسموح للمثقف الفلسطيني أن يتدخل بها طالما لا تمس البنى والممارسة السياسية-فقد انتقلت إلى الجزء الثاني من مبادرتها (المغامرة) ألا وهو السعي لتفعيل الأسئلة القائمة فعلاً بأوساط المجتمع الفلسطيني في الشتات حول منظمة التحرير ومؤسساتها والهياكل المدنية الخدمية والسياسية، مما أدخلها في المحظور من أوسع أبوابه، فالفصائل الممانعة تعتبر العنوان الأول حكراً عليها، وربما هو آخر ما تبقى لها. وفي العنوان الثاني تتداخل ممانعتها مع ممانعة بيروقراطية مؤسسات ترى فيه مجالها الحيوي –منها اللجنة الخاصة بملف اللاجئين في منظمة التحرير – فكلاهما يعتبران مبادرة د.كرمة تدخّلاً سافراً في ما تبقى من مبررات وجودهم حتى لو لم يعملوا على هذه العناوين بأوساط الشعب الفلسطيني مكتفين بتحويل خطاب العودة إلى خطاب مكرر حول قوانين وحقوق مغيب عنها الفلسطيني اللاجئ صاحب هذه الحقوق، كممارسة الديمقراطية السياسية أو التعبير عن الاحتياجات ومراقبة الخدمات المقدمة له، وبسياق هذه الممانعة تستل هذه القوى سيف البيانات والمنع لتعبر بالأولى عن ضعف حجتها ومستوى التضليل والخلط بين ما هو وطني وبين ما يشكل امتداداً لمحاولة إنهاء حق العودة وبالثاني-المنع- القوة الحقيقية المتمسكة بها والتي تسمح لها باستمرار ممانعتها اللاديمقراطية، ولكن بعد مجموعة المقالات والاستياء بأوساط المثقفين من الأسلوب ومحاولة تعميم استيائهم (بغض النظر عن مدى اتفاقهم مع مبادرة د.كرمة )يظهر هؤلاء المثقفين مدى ضيقهم من ممارسات عفى عليها الزمن وبارتفاع هذه الأصوات تتلاقى مع الجو العام لدى المجتمع الفلسطيني الذي يضيق بالوصاية ولا يرضى بالمنع والتهجم أسلوباً للحوار، بل يفضل الحوار الديمقراطي بعد أن أيقن أن المنع لطرف هو تكريس للمنع العام . ويمكن السؤال إن كان هذا الأداء السياسي اللاديمقراطي الذي أعاق وضع مبادرة د.كرمة على طاولة الحوار لتكريس آليات الرفض والقبول الديمقراطية، والتي بدورها تمكن المجتمع الفلسطيني من المشاركة السياسية المباشرة، هو أحد الأسباب التي كرست فشل مبادرات المثقف الفلسطيني بعقلنة السياسة,وأسست لعجز الشعب الفلسطيني عن المساهمة بتحديد مستقبلة مما ولد الإحباط لديه والابتعاد عن العمل السياسي. إن أهمية انتقاد هذه الممارسة ليس قائماً بأي حال على العداء لهذه القوى الوطنية، بل على الحرص عليها وعلى استمرار تطورها لضمانة قيامها بدورها الأساس ألا وهو التعبير عن المصالح السياسة العليا للشعب الفلسطيني، مما يوفر لها الاستمرار كأداة كفاحية لهذا الشعب، ويمنع تحولها لقوى معيقة .







