الجزء السادس من رواية صبحي فحماوي(عذبة).
قال لي والدي: "أعطانا الحاج عبد القادر أرضا وعرة، اسمها الظهرة، واتفق معنا على أن نستصلحها، ونزرعها بالزيتون، على أن نأخذ نصف الأرض لدى إثمارها، ويبقى للحاج النصف الآخر. وهكذا فعلنا نحن الاخوة الثلاث، وبعد عشر سنوات أصبحنا من أكبر ملاكي القرية، وذلك بتوجيهاته، وبجهودنا الفردية". سألته:"من كان أنشط الاخوة في العمل يا أبي"؟ فقال:" عمك أبو الخناجر، كان يعمل بقوة ونشاط منقطعي النظير، وكنت أنا أكثر إدارة، فأنا الذي دبرت أمر الأرض مع الحاج، كنا أطفالاً أيتاماً، مات جدك ونحن صغار لا نذكره تماماً. وكانت جدتك سعدة، امرأة مسترجلة، تقيم وتُقعِد كل حياتنا، وتُوجِّهنا للعمل، ولا شيء غير العمل. وكان ثالثنا عمك عبد الرحمن، لم يكن يعمل في الأرض بجنيه فلسطيني واحد. كان من قادة ثوار (أبو دُرَّة). وكانت سُمعته في القرية مثل الذهب. كان الناس يحبونه، والإنجليز يرهبونه، ولكنهم يبحثون عنه في كل مكان، وأما هو فكان يختفي بين الأدغال يوماً، وداخل بيوت أهالي المدن والقرى، أياماً عديدة أخر. كان مطلوباً من الجيش البريطاني؛ حياً أو ميتاً، لكثرة ما قتل منهم، حتى استشهد ذات يوم، تحت شجرة البلوط الكنعانية .
وفي أحد الأيام من عام 1936، جاء ابن عمي مصطفى إلى بيتنا، وجهه شاحب! وحديثه متقطع! وقد جف لعاب فمه قائلاً: الله يستر عبد الرحمن! فقامت أمي سعدة عن غسيلها ملهوفة نحوه، وهي تسأله:" ماذا حصل مع عبد الرحمن؟" فقال مصطفى متلعثماً: " كنت أسير معه عند جسر الشلّ في حيفا، وكان يحمل سلة مملوءة بالبيض، قال إنه سيذهب ويبيع البيض، لدكان بشارع الملك فيصل، لم أفهم منه شيئا. وفي الطريق مرّ جندي إنجليزي على دراجته النارية، فشاهد عبد الرحمن، ويبدو أنه قد تعرّف عليه، أو شكَّ في موضوع سلة البيض، حيث كان المجاهدون يُغطّون أسلحتهم المخبأة في السلال، أو الصناديق، ويضعون فوقها خضاراً من النعنع أو الباذنجان أو... كي لا يراها الإنجليز. ويبدو أن سائق الدرّاجة، قد شمَّ رائحة البارود، أو تعرّف على وجه المجاهد عبد الرحمن، فبعد أن تعدّانا إلى الأمام، عاد واستدار وتوجّه إلينا، وأوقف دراجته أمامنا، ثم سألنا عن هويتينا، فما كان من عبد الرحمن إلا أن أخرج مسدساً من سرواله، وأطلق رصاصتين على الجندي ، الذي وقع هو ودراجته النارية على الأرض. وهرب عبد الرحمن وهو يقول لي: أهرب يا مصطفى! ابحث لك عن ملاذ آمن! فسلّة البيض التي معي مملوءة بالأسلحة. هرب عبد الرحمن، وهربت أنا، كل باتجاه، وأنت تعرف أن الناس في حيفا متعودون، أو مطلوب منهم شعبيا، في حين حصول إطلاق نار، أو اغتيال جندي إنجليزي، أو مجند يهودي، أو تم جرحه، أن يركضوا في كل الاتجاهات، وذلك بهدف التمويه، وكي لا يركض المجاهد وحده، فيتم التعرف عليه، فبذلك يختفي بين الراكضين. هذا ما حصل." فقالت أُمي:" الله يستر، ويرجعك لنا سالماً غانماً يا عبد الرحمن، يا رب يا مجيب الدعوات. لا نعرف من أين جاء لنا هذا البلاء "! وواصل أبي حديثه قائلاً: "وبعد يومين من الانتظار والخوف عليه، جاء المحترم عبد الرحمن وهو يضحك! استقبلناه بالأحضان، وقالت له أمي، وهي تتعلّق بعنقه وتحتضنه، وتشد على كتفيه المرتفعتين: طمِّني يا ابني! ما الذي حصل معك؟ فقال لها باسماً ومتكاسلاً، بصوت غير المهتم لما حصل : لا شيء يا اماه. فسألته وهي تبكي فَرِحة: أين غبت هذين اليومين؟ أين نمت؟ متنا من الخوف عليك بعد ما حكى لنا مصطفى عما حصل! فقال لها وقد عاد إلى جدِّيته، وشعوره بالمسؤولية: هذا مصطفى واحد خوّاف! فبعد الحادث، عشت يومين من التوتر، وشد الأعصاب، لم يسبق لهما مثيل، هربت باتجاه أحد بيوت الحارة المجاورة لجسر الشل، في قاع حيفا، طرقت باباً ودخلت مُربَكاً، استقبلني رجل عجوز، فهمت أنه صاحب البيت، قلت له دون الدخول في التفاصيل: أنا مجاهد، وأريد أن أختبىء مؤقتا عندكم. فرحب الرجل بي متفاجئاً، وهو يكاد يحضنني ماداً ذراعيه، فارداً عباءته على شكل جناحين، وكأنه يريد أن يلفني ويطير بي: على الرحب والسعة يا ولدي! هل أنت محاصر؟ فأجبت: ضربوا طوقاً على المنطقة كلّها. فقال: ما رأيك أن تلبس ملابس الحريم، وتغطي رأسك ووجهك، وتخرج من هنا إلى حيث تريد؟ طبعاً بعد أن تهدأ الأمور، وتأكل وتشرب! وبالفعل استضافني الرجل، واحترمني، وفي النهاية ألبسني ملابس الحريم، وغطى وجهي، وباقي جسمي بالحجاب والملاية السوداوين. والله يا اماه لبسنا ملابس الحريم في آخر الزمان! فقالت أمي سعدة مداعبة، ووجهها ينطق فرحاً: مالها ملابس الحريم يا ولد؟ الحريم هي التي ولدت الرجال يا ولد! وأنت سيد الرجال! لكن أُمك الحرمة، هي سيدتك! معناه إنها سيدة سيد الرجال. فأجابها موقناً: هذا صحيح . فتابعت أسئلتها اللحوحة: وبعدين يا ولد! فتدخلت أنا" والحديث ما زال لأبي " وقلت لها : لا تقولي له: يا ولد! قولي له: يا بطل! فقالت واثقة من نفسها، وتائهة من فرط غرورها بابنها المجاهد: كل مولود في عين أمه ولد، حتى لو صار بطل مثل عبد الرحمن! الله يحميك يا ابني من العدوين، ومن أولاد الحرام، اللي ما تنام، ولا تخلِّي الناس تنام! فتابع سرده قائلاً: لم أستطع الخروج! نمت عندهم، كانوا كرماء معي بشكل غير عادي، الطعام طعام، والاحترام احترام، وجميع أفراد عائلته؛ الشباب والبنات يحومون حولي، ويبحلقون بي، وكأنني نازل عليهم من السماء!
وفي صباح اليوم التالي، خرجت مع الحريم إلى حارة مجاورة، حيث أصدقائي دار أبو يونس، فخبأوني في قاع بئر جاف، وأنزلت ابنتهم وطفة لي ضوءاً بحبل، لأتأكد من خلو البئر من الهوام والزواحف السامة، ثم رفعته بعدما.. كي أبقى في العتمة، ذلك لأن الدورية الإنجليزية كانت تفتش بيوت الحارة، بيتاً بيتاً. وبعد يوم من التوتر والحذر، خرجت إلى زقاق يؤدي إلى رائحة السنديان والصنوبر، في هدار الكرمل، ومن هناك مشيت بين روائح الطبيعة التي أحبها ، حتى وصلت اليكم. أنا أحب غابات الكرمل يا اماه، وينتعش صدري بين أغصانها، لأنها تشتغل معنا في مقاومة المحتلين، وتحميني وتحمي رفاقي، إذا ضاقت أمامنا السبل ".
لم يمهلوا عمي عبد الرحمن كثيراً ، فبعد ستة أشهر من التحرِّيات، والمتابعة والتفتيش، عرفوا أن الناشط عبد الرحمن، قد عاد إلى بيته، وجاء لزيارتنا،كان ذلك في خريف عام 1936، فضربوا طوقاً حول القرية، وأمروا رجال البلد بالتجمع على البيادر، وأوقفوهم في صفوف مثل صفوف العساكر على بيادر القرية، ومر قائد الدورية، ومعه رجل غريب…قد لا يكون غريباً، ولكنه يضع فوق رأسه طاقية سوداء كنا نسميها "بخُنُق"، فلا يرى أحد شكل وجهه، ولا حتى رقبته. فقط ثقبان أمام عينيه. وجاء حاكم منطقة حيفا العسكري، البريجادير كوهين بنفسه، ليضبط المجاهد، يرافقه جاسوس ملثم، فسارا بين صفوف رجال البلد الواقفين، وكأنهما يفتشان حرس الشرف! وكان الجاسوس يسير بخسّة وقحة وراء سيده الحاكم، وعند مرورهما بالمجاهد عبد الرحمن، أشار الملثم إليه، فالتقطه الجنود المتحلقون حول البيادر فوراً ، ومشوا به خارج السرب، وهناك سأله كوهين:" هل أنت عبد الرحمن الحسن "؟ فقال المجاهد: " نعم" فقال الحاكم بصوت منخفض هادىء، مؤشراً بعصاته: " إننا نحترم المجاهدين، ونقدِّرهم حق قدرهم، ولهذا جئت شخصياً للتعرف إليك "! لم يجب عبد الرحمن. فتابع كوهين حديثه بهدوء وببساطة، آمراً جنوده: "إعدام".
وفوراً أجلسوه تحت شجرة البلوط الكنعانية شرق البيادر، وأمام كل أهالي البلد المحاصرين بالبنادق، ربطوه بجذعها بحبل غليظ، قيدوا به عنقه وصدره وبطنه، ثم ابتعدوا عنه، وكان الناس بعضهم يهاجم بيديه، ليبعد جماعة كوهين عن المجاهد عبد الرحمن، وبعضهم يولول، وبعضهم يبكي، والعجوز أبو مناور يهجم عليهم بالعصاة ليضربهم، ويتفوه بعبارات غير مفهومة! ولكن العساكر يصدُّونه، ساحبين في وجهه أقسام رشاشات؛ برنّ ومترليوز وستن، وبنادق إنجليزية، تستطيع أن تقتل كل المحجوزين حول الشجرة برشّةٍ واحدة، لو وجّهوها لفِعل ذلك، أحضروها معهم، وكأنهم قد استعدوا لجبهة قتال ميدانية! وجلس أبو الخميرة؛ العجوز الأسود، رافعاً يديه إلى الله، ومستجيراً به، للانتقام من الظالمين! ولكن الله....! أطلق الجنود النار على المجاهد عبد الرحمن من عدة بنادق، ليؤكدوا كونهم متكافلين متضامنين، وتركوه مضمخاً برائحة الدم والبارود المتصاعدة، لتتلاقح مع عبق نسائم البلوط ، فتكوِّن ريح فلسطين المحترقة بغزلان غاباتها ! تركوه بين أهل بلده، وأفراد عشيرته ، ليكون "عبرة لمن يعتبر"، حسبما قال الحاكم كوهين ، واتجهوا نحو سياراتهم، بينما تجمع الرجال مرعوبين محاولين.. ولكن بعد فوات الأوان!
وعندما سمعت نساء القرية أصوات اطلاق نيران الرشاشات، خرجن من بيوتهن، وهجمن باتجاه شجرة البلوط الكنعانية، وتقدمتهن والدتي سعدة، وَرَدَحنَ وبكين، وغنين أغاني الحبشي الذبيح، كما هي العادة، بعد مقتل كل شهيد! وما باليد حيلة، سوى الحقد المتراكم عبر الأجيال.فكّ رجال ونساء القرية وثاق الشهيد ، وتجمعوا حوله تحت الشجرة ، وراحت أمه تهدهده، وتقلبه يميناً ويساراً، وكأنه طفل يتململ بين يديها، وهي تغني له بصوت يسمعه كل من هم في المعمعة..
لم يتركوها وحيدة تصارع موت ابنها، بل سحبوا الشهيد من بين يديها، ولم يغسلوه، ولم يكفِّنوه كالموتى، بل تناولوه كما هو، بملابسه الطاهرة، وهجم أبو معزوز قادماً من بيته، وهو يحمل علماً كبيراً لفلسطين، فلفوا جثته بالعلم، وحملوه في موكب حزين، ثم دفنوه شرق شجرة البلوط ، حيث بقي قبره هناك وحيدًا ، في نفس المكان الذي استشهد فيه .
لا تغيب من مخيلتي تلك الشخصية المقاومة يا عذبة، فأهم مكان سأزوره في أم الزينات، هو قبر عمي عبد الرحمن! ترى هل بقيت يا عمي صامداً شرق شجرة البلوط العملاقة حتى اليوم؟ وهل ما زلت تتنقّل هناك بين الأدغال؟ وهل تعودت لبس خمارات الحريم السوداء ، والسير بها كشبح من أشباح الغابة، تشارك الحراثين ورعاة الأغنام، وعمال الزراعة وحطابي الغابات حياتهم، تسير بينهم كظلِّهم، وأحياناً يسمعون صوتك؛ ناياً حزيناً في الغابة، تنطلق نغماته مع الرياح الشرقية، أو الشمالية، فيستغربون من أين يأتي هذا الصوت الشجي؟ وهل تضحك أو تعطس أو تصرخ أحياناً، دون أن تتمالك نفسك، فترعب كل من حولك ؟ وهل يستطيع الشبح يا عمي المقاومة والانتقام لنفسه من قاتله، وبنفس الطريقة التي استشهد بها، وإلا فكيف يقولون:"وبشِّر القاتل بالقتل، ولو بعد حين"؟ يقولون إن الشهيد لا يموت، بل يمارس نمطاً من الحياة، في المنطقة التي استشهد فيها، وكثيراً ما يشاهدون آثار أقدامه في وحل الغابة، أو المكان الذي يتجوّل فيه! أو يلاحظون نتاج عمله، فإذا كان بنّاءً، يعود للبناء في الأماكن الخربة، أو ترميم البيوت المهدومة، حيث قضى! وإذا كان راعياً فإنه.. وإذا كان جليس المقاهي، فإن كثيراً من جلسائها يشعرون بجسده يضغط لإزاحتهم، ليتركوا له مكاناً يجلس فيه إلى جوارهم و..
نسيت أن أحكي لك على ذمة أمي التي قالت لي:" لم تمض ستة أشهر على استشهاده، حتى جلس أعمامك في دار المختار، وبحثوا أمر نجية؛ امرأة عمك عبد الرحمن؛ وكان كلٌّ يدلي بدلوه: المرأة ما تزال صبية، والزواج سترة لها! وقال آخر: ولكن عندها صبي عمره سنتان !وقال ثالث: هذا الصبي مسكين أصابه في رقبته "خلند" ورقبته كل يوم تنتفخ، وممكن يموت لا سمح الله !وقال رابع: لازم نعالجه! وتدخّل عمك خليل فقال: أرسلناه لأكبر حكيم في هدار حيفا، وقال الحكيم هذا سرطان، ولا يشفى !فقال عمك الشيخ يحيى: الله هو الشافي !وسأل مصطفى: ما العمل إذن ؟ فأجابه سلطان: ننتظر رحمة ربنا! وانتظر أعمامك رحمة ربنا، فجاءت بأن توفي الطفل حمد في عمر الثلاث سنوات، وصارت المرأة أرملة شهيد، وأم متوفى! صارت نجيِّة تمشي في الشارع، تكلم نفسها بصوت عال: عبد الرحمن؛ روح جيب حمد من الحارة ! حمد جائع! من سيطعمه ؟ حمد عريان ! عبد الرحمن؛ ليش تتركني لحالي؟ من سيرسل الولد للدكتور؟" وتابعت أمي حديثها قائلة: أعمامك قالوا: إذا استمرت المرأة على هذا الحال، فقد تجن! فقال مصطفى: وما العمل؟ وقال أحد أعمامك، لا أذكر اسمه: لازم تتزوج !فقال سلطان: تتزوج مين؟ فاقترح الشيخ يحيى قائلاً: اعرضوا زواجها على أخيه منذر! وعندما سمع منذر بهذا الحكي، جُنّ جنونه فسمعته وهو يقول: أنا أتزوّج مرت اخوي! هذه تظل أختي طوال عمري !فقال شيخ الجامع: يا رجل الدين يحلل الـ.. ! فصرخ منذر قائلاً: بلا...! وفي النهاية هدّدَ أعمامَه، صائحاً في وجوههم: لا داعي لأن أعمل لكم مذبحة في هذا البلد! أنا لا أعارض زواجها، خاصة بعد وفاة طفلها! ولكن ابحثوا لكم عن واحد غيري يتزوجها، وليكن صديقي أبو سعد! فقالوا: ونعم الرأي. وما هي سوى أسابيع وإذ بأبو سعد متزوج من نجية، زوجة ثانية على امرأته الأولى أم سعد، على سنّة الله ورسوله "!
طبعاً كانت أمي صفاء فخورة، وهي تصف مقاومة أبي الزواج من غيرها! ليس المهم أن تكون امرأة أخيه أو أبيه! المهم إنها ضرّة والسلام! شعرت إنها قد حققت نصراً مبينا، لا أعرف، فقد تكون هي التي شحنت أبي لعدم الزواج من زوجة أخيه الشهيد، وقد تكون شهامة أبي، وحبه لعبد الرحمن ونجية كأخ وأخت له! وقد تكون روح الشهيد العطرة باقية ترفرف، وقد تكون الشهادة لله







