قصة قصيرة من غزة مازلت أسمع يا ماجد ... ضربات احتفالية رأس السنة الميلادية 2009
في صباح يوم هادئ وأشعة الشمس تنشر أشعتها الرقيقة الصفراء الذهبية على أشجار وأغصان ونوار الليمون والياسمين ليعانق بعضهما بعضاً ... كأنه عاد زمن روميو وجوليت ... وصوت حفيف الأشجار من كل مكان ومن كل جانب ... وصوت صفير البلبل الذي يبحث عن قوت يومه ينشر بنغماته الجميلة من على شجرة زيتون ينشر السلام على مدى صوته ...
والعامل إلى مزرعته والطالب إلى مدرسته وكلُ إلى عمله ... وأم ماجد التي تطل على أبنها من على شرفة منزلها لتودع أبنها ماجد إلى مدرسته ونظراتها تلاحقه إلى مدرسته ... ويطلب منها أن تحضر له الغداء عند عودته من المدرسة فهو في الصف الثالث وأنا أتتبع طفولته الجميلة وأنا أحتسي كوب القهوة الصباحية في الشرفة المجاورة لمنزله ويحلم بمستقبل باهج وواعد ويمسك بيده رغيف الزعتر كالعادة ...وقسمات الطفولة في وجهه التي كانت ترسل الصفاء والطهر والنقاء للعالم.....
وما أن مرت بضع ساعات حتى سمعنا صوت لم أسمعه من قبل وكأنا القيامة قد قامت كردة فعل ...القيت بكوب قهوتي.... وانتفضت عن مقعدي ...ولا أتحرك...ولا أعرف من أين وما هذا الصوت ولا أعرف أين أذهب... وأنا لا أتحرك والضربات تتولى ... وقد طار معها ذلك البلبل الذي كان يرسل السلام ...وأخذ معه صفوة النفس والطهر والصفاء راحلا من عشه الصغير تاركاً أولاده الصغار ... ليحل مكانه غرابان السماء ويحل نعيقهم يرسل الكراهية والشؤم الجشع إلى العالم ...
ركضت إلى الشارع وأصوات الصرخات من الرجال والنساء ولا تفرق بينهم ..وكأن تسونامي أبى إلا أن يزورنا تاركاً لنا الويلات العظام وأصوات النساء تتوالى إليّ وكأني لا يوجد إلا أنا وأنا شاهق البصر وجفوني أبت التحرك وكلهم يطلبون .. أن أراى لهم أولادهم .. والكل ماذا يحصل .. أين كذا .. وأين كذا .. وبصوت فاجع مجحوم يعتصر الماً وأيدي كالممسوسة من الجان ..إنها جارتي أم ماجد تنادي عليّ قائلة : ماجد ... ماجد... ففهمت الرسالة ..
فتوجهت على الفور مسرع خطا القدمين لاهث النفس ويدي يرتعشان لا أدري لماذا .. أخوفاً على نفسي .. أم على ماجد ذلك الفتى اليافع الصغير .. أم هي إرادة الكون .. والكل ينادي والكل يصرخ أمامي في الطرقات والكل يجري وكأنما نحنوا في سباق الجري وذهبت إلى مدرسة ماجد القريبة من شارعنا .. لم أستطع الرؤية من شدة غبار الصواريخ الظالمة ولم أستطع التنفس من رائحة البارود والدماء ... وفي المدرسة أطفال يبكون ودموعهم تتسأل : لماذا نحنوا المستهدفووووون لماذا ... لماذا ... ما ذنينا ... ياترى ماذا اقترفنا ... لقد كنا ندرس اللغة العربية .. والتربية الدينية .. وكنا نرسم صورة وطن مشرق وحياة أفضل وغد صاعد.. أيها العالم ما ذنبنا وما اقترفنا أكنا نمتلك قنابل ذرية تهدد أمنكم وتقض مضاجعكم ..لماذا ..... ومن بين الأشلاء وعبر دماء الأطفال الشهداء اقتربت من فصل ماجد .. فتحت الفصل وكأنا زلزل قد ضربه وكانت المشمس ما زالت تشرق بأشعتها وترسل السلام عبر فتحة في سقف الفصل من أثر الدماء .. وعند وضوح الرؤية وتلاشي الدخان الأبيض وبارود الصواريخ.. وأخيراً وجدت ماجد مطأطأ الرأس وممسكاً بيديه اليمنى قلمه الأبيض .. وباليد الأخرى وردة حمراء كانت قد أهدته إياها مدرسته لتفوقه في الدراسة .. وضعت يدي على شعره المنساب وقلت بصوت يكتنفه الخجل: ماجد .. لا تخف بالله عليك وقلت كما علمنا النفسيين والمربيين الاجتماعين عدم إخافة الأطفال .. لا تخف ياماجد هذه مجرد بدء لاحتفالية رأس السنة الميلادية 2009 قم ياحبيبي يا وردة تعلو جابيني .. يا قمراً يرسل للعالم أجمع عبير السلام والحرية والصفاء والبراءة... وأخيراً أجابني ماجد ولكن بصوت أخر خرير ونضح الدماء .. يتساقط من رأسه الصغير الذي يحمل معاني السلام والحرية الذي لم يحمله للأسف كبار رؤوس الصهاينة ولم يستوعبوا بعد مصطلح السلام .. نزف الدم من رأسه وقد رسم على دفتر الرسم صورة حمامة ولكن بلون أحمر هو لون الدماء بجانب الصورة التي كان قد رسمها قبل استشهاده .. غصن زيتون أخضر مثمر ... وهكذا اكتملت الصورة...
حملت ماجد بين يدي وإذا بأمه المسكينة الثكلى أمامي لا أدري من أين نزلت وكيف جاءت ..تسابق البرق .. طارت عليه كما الأسد مدافعاً عن أشباله وتنادي عليه بصوت كان أكبر من صوت فاجعة الصواريخ كالرعد يخرج من فمها .. أيماجد ..ماجد ..ماجد حبيبي ياما ..قتلوك ..ماجد..ماجد .. لقد أعددت لك وجبة الغداء .. ماجد وعيناي لم تفارقهما الدموع التي خضبت وجه ماجد واختلطت مع دماءه المنهمرة التي تعانقت مع أشعة الشمس لتشرق من جديد وترسل السلام ...
ومازلت أسمع أنات صوت الصراخ من الضحايا..وصوت خرير ونضح الدماء مازال يصن في أذناي وما زالت صور الصواريخ الصهيونية .. وما زلت أسمع ضربات واحتفالات أعياد الميلاد هناك ليس عندنا ياسادة..ومازلت أسمع شجب هنا واستنكار هناك .. وما زالت الضربات تتوالى وما زلت أسمع .. وأسمع .. وأسمع
محمد صلاح السيقلي






