الموقف الموريتاني من القضية الصحراوية
بين " الورطة " والحياد ـ الجزء الثالث والأخير ـ
إعداد : ميشان إبراهيم أعلاتي *
………………………….
هذه قراءة موجزة للموقف الموريتاني من القضية الصحراوية ، وهي محاولة لفهم مختلف الأبعاد والخلفيات الكامنة وراء إثارة هذا الموضوع في الأسابيع الماضية .
المقال عبارة عن بحث في 3 أجزاء يتناول الموقف من مختلف الجوانب التاريخية و الثقافية و الجغرافية والسياسية .
………………………….
الخرجات السياسية والإعلامية .. حقائق وخلفيات ...
تأتي هذه التصريحات المتضاربة و الخرجات البهلوانية التي خلفت حساسيات و مواقف محرجة لدى الأشقاء الموريتانيين تأتي في ظل تطورات إقليمية ودولية وفي سياق عام تميز بدخول المملكة المغربية في نفق مظلم وطريق مسدود من كل الجوانب ، خاصة بعد مجمل التداعيات التي باتت تتخبط فيها الساحة السياسية المغربية ، ومن ذلك الفشل الذريع الذي خرج به المغرب جراء تسييسه وعدم إدراكه وعدم تحكمه في تسيير ملف الناشطة الحقوقية أمينتو حيدار ، التي إستطاعت وبإرادة إمرأة من حديد وعقل صحراوي مسيس بالفطرة أن تعصف بأعتى رجالات الحكومة المغربية وعلى رأسها وزير الداخلية و وزير العدل المغربيين اللذان شملهما التعديل الحكومي الأخير الذي زاح خمس وزراء دون مبررات وحجج مقنعة لا للرأي العام المغربي ولا العالمي .
ومن أجل تغطية هذا الفشل الذي لم يستطيع أن يغطيه بخطاب الجهوية " المسمومة " والحكم الذاتي " المتجاوز " عمد المنظرين السياسيين في مخزن الملك إلى محاولة إستدراج من هم في منئ عن ملف الصحراء الغربية ، وقد إستطاعت هذه المسرحية أن تنطلي على أمثال الدبلوماسي الموريتاني الذي وجد نفسه في دوامة جراء هفوة صغير لم يحسبها جيدا .
وما لايدركه الكثيرين أن هذه " الورطة " كما أسمتها الكاتبة خديجة حمدي ، لم تكن الأولى من نوعها على مستوى الساحة الموريتانية ، فقد عملت سفارة المملكة المغربية بموريتانيا في سنوات ماضية ـ ولازالت إلى اليوم ـ على محاولة إستدراج الساسة و الفاعلين ضمن المجتمع المدني الموريتاني للإنحياز للموقف المغربي الداعي إلى ضم الصحراء الغربية ولو بالقوة ومن صور ذلك الندوة التي نظمت في شهر فيفري 2009 تحت إشراف هذه السفارة بموريتانيا ودعت إليها كل من تلتمس فيه ميول ولو محتشم إلى دعاويها ومواقفها المتجبرة والظالمة .
وقد إعتبرت بعض الأوساط السياسية ووسائل إعلام موريتاينة أن هذا النوع من الندوات يشكل إحراجا لموريتانيا كما يعتبر دعاية
" وبروباغاندا " يشنها وكلاء النظام المغربي علي تراب الجمهورية الموريتانية .
يضاف إلى ذلك التصريحات التي أدلى بها الصالح حننا في وقت سابق لقتاة الجزيرة وكانت هي الأخرى متناقضة مع الموقف الذي تبناه وعبر عنه في رسالة رسمية حملها نواب من حزب " حاتم " الذي يقوده إلى قيادة البوليساريو في بلدة تيفاريتي المحررة ، وعبروا من خلالها عن موقف حزبهم المبدئي بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم وتضامنه مع نضالاتهم المشروعة .
يضاف إلى ذلك أيضا دعم المملكة المغربية لكل ما من شأنه أن يشوه ويشوش على نضالات الشعب الصحراوي عبر القطر الموريتاني ومن ذلك الدعم المادي والمالي واللوجستيكي و الإعلامي الذي صخره عملاء المخابرات المغربية المتمركزين داخل التراب الموريتاني لمن أشرفوا شكليا على محاولة تنظيم مؤتمر " أقجيجمات " والذي حظي بالفشل الذريع أنذاك .
وقد شكلت الأراضي الموريتانية الخصبة مجال رحب للملكة المغربية من أجل اللعب عليها خاصة في ظل ما تعيشه موريتانيا اليوم جراء تصاعد مد التيار الإسلامي المتشددة " الإرهاب" وإرهاصاته الخطيرة ، و ما تشكله القاعدة بالمغرب الإسلامي من خطر محدق بأمن وسلامة المنطقة والتي خلقت معضلة أمنية وقودها العمليات الإنتحارية والإختطافات التي طالت متعاونين وسياح أجانب .
وفي ظل حالة إستثنائية كهذه لابد وأن تستغل المملكة ضعف الدولة الموريتانية وما تعانيه مؤسسات الدولة المركزية من ضعف في شؤون الإدارة و تسيير الشأن العام للتوغل عبرها من أجل فرض تصور غامض لايخدم إلا أزلاف البلاط الملكي الذين يعتمدون على ألية الإنتشار والتمدد كإستراتيجية بعيدة المدى .
إذا عرف السبب بطل العجب ...
يعود هذا التغير المفاجئ في مواقف بعض النخب والساسة والدبلوماسيين الذين يحسبون على أصابع اليد بالدرجة الأولى إلى جملة من الأسباب ولعل أهمها ما تحدث عنه الكاتب والسفير السابق أحمد مصطفى في معرض تحليله لمعالم السياسة الخارجية الموريتانية عبر 50 سنة المنصرمة من معوقات ، حيث أشار في دراسة شاملة إلى مكامن الضعف والفشل في هذه السياسة ومن تلك الأسباب :
1ـ ضبابية الإستراتيجيات . بمعنى إنعدام الأهداف والبرامج و غياب التخطيط والتقييم ، وتحول هيكلية العمل الدبلوماسي بكل مكوناته إلى جهاز فاسد يمتص موارد الدولة الموريتانية دون مقابل .
2 ـ إنعدام تحفبز للديبلوماسيين وتوفير وسائل العمل لأن ظروفهم المادية تكبل طموحهم وتجعلهم عرضة لكل المساومات والإغراءات والرشاوي .
3 ـ إعتبار الديبلوماسية مجرد أداة لتنمية الإستثمارات الخاصة ووسيلة لإبرام الشراكات ولتحقيق الأرباح المادية .
ويرى الكاتب بأن السفارات والقنصليات التي يفترض أن تسخر لتحقيق الأهداف الحيوية للدولة الموريتانية أصبحت مجرد إكراميات تهدى لمن فاتته قاطرة التشكيلة الحكومية وبأنها مكافاة تمنح لسماسرة السياسة ومسوقي الأوهام الديماغوجية ويرى أيضا أن التعامل معها من هذا المنطلق وهو ما يحدث في موريتاينا بكل أسف ـ كما يقول ـ فإن هذه البعثات ستتحول إلى إقامات مؤقتة لموظفين هدفهم نهب الميزانية المحولة والعودة على عجل بداعى الاسهام في الحراك السياسي المحلي لمخادعة صناع القرار وفي وضعية كهذه لا يتوقع انجاز أية مهام مفيدة .
وإنطلاقا من الخلاصات التي قدمها الدبلوماسي الموريتاني يمكن فهم المكامن والدوافع وراء تغيير مواقف شخصيات سياسية ودبلوماسية
إنصاغات ونتيجة لظروف خاصة وراء إغراءات مادية ومطامع دنيوية ، وتبقى هذه المواقف والتصريحات تراوح مكانها لأنها لا تعبر إلا عن رؤية ومستوى تفكير أصحابها الضيق .:
بناءا على ما سبق أعتقد أن الشعب الموريتاني و مجمل أطياف مجتمعه المدني وكل الوسائط السياسية والإعلامية الموريتانية مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى للعب الدور المنوط بها وعلى كل المستويات من أجل المساهمة وبفعالية في بلورة موقف موريتاني ، موقف إنساني وسياسي واضح وبناء من القضية الصحراوية ، بدل ترك المجال للعديد من الطفيليات التي تحاول زرع الشقاق بين الجسم الصحراوي و الموريتاني الشقيقين ، والتي تحاول أيضا تضليل الرأي العام العالمي بصفة عامة والموريتاني بصفة خاصة .
وإنطلاقا من مجمل الأحداث المشينة والتطورات التي ميزة الأسابيع الماضية فإنه لم يعد هناك مجال للحديث عن "الحياد" بمفهومه الفضفاض و الغامض " سلبي/ إيجابي " ، خاصة في ظل ما تشهده المناطق المحتلة بالصحراء الغربية من إنتهاك شبه يومي للحرمات و لحقوق الإنسان مثل الإعتقالات التعسفية و التعذيب و التنكيل ، يضاف إلى ذلك ما يعيشه ويعانيه الشعب الصحراوي المهجر بمخيمات اللاجئين الصحراويين غرب تندوف جراء قسوة الظروف الطبيعية و شح الدعم المقدم من لدن المنظمات الإنسانية ، كل هذا والحديث بموريتانيا الشقيقة لازال ومنذ أكثر من 30 سنة لم يتراوح المفهوم الضيق
" للإنقياد " ، فمتى سيتجاوز الأشقاء الموريتانيين إشكالية " الحياد " هاته ؟.
إنتهى
*صحفي من الصحرء الغربية
fr.yoaho@22michat





