عزيزي محمود عمرو
عندما يأتي الغد يكون الأمس قد انطوى، ليطوي معه يوما بكل ما فيه من الفرح والألم، لكن تبقى ذكراه خالدة فينا، نحن من لُسِع بمرارة الحاضر واكتوى بناره، ليس لأننا نحن، بل لأن العالم أجحف بحق غدنا، ولأنه لا يريد لنا أن نكون ممن يحلمون بغدٍ مشرق، وفي حالتنا نصبح عاجزين عن الاحتفاظ بالذاكرة، لنذكّر أجيالنا التي سترث قيدنا وبؤسنا انه ليس ذنبنا أننا محتلون، وأن حياتنا تتساوى مع الموت، وليس في أيدنا نحن من تشرد وتشردت أحلامنا سوى الوحدة والنضال لتغير قدرنا، وفي أيدينا الكثير لنغير من حالة الضبابية والإغماء التي تسيطر علينا. ورغم عبثية وغياب قوة المنطق واستبدالهما بمنطق القوة، ليس من طرف عدوٍّ ومحتل فقط، بل أيضا من طرف بعضنا ضد بعضنا ، فهل يستطيع حفنة من المثقفين أن يتداركوا حالة الموت السريري لقضيتنا، أو على الأقل الموت السريري لما تبقى منها ومنهم، وأقصد القضية والمثقفين معا، لأننا أمام ثقافة أسيادنا في الجاهلية أسيادنا في الإسلام، فكيف سنقنع الجيل القادم بثقافة الوحدة والنضال والموت في سبيل القضية ونحن نحمل ثقافة الهزيمة والانقسام؟! وهل فاقد الشيء يعطيه؟!.
صديقي محمود
في يوم من الأيام صادفت امرأة طاعنة في السن في شوارع مدينة نابلس كانت ترتدي ثوباً أبيضَ مطرزاً بألوان العلم الفلسطيني، وإن كان لون الأسود يطغى على بياض الثوب بسبب تراكم غبار وأوساخ الزمن على ثوبها، لكنّ ما كان يميز تلك المرأة أمر مخيف، ولو كانت متواجدة بين ملاين البشر لكانت مميزة عنهم بشيء قد يكون بالنسبة لأصحاب القرار تافهاً، لكنه مؤلم لدرجة أن ألمه يلسع القلب كما تلسع وتأكل الشوارع والطرق أقدام هذه المرأة لأن أقدامها كانت تلبس فيهما حجارة وأشواك ومسامير الطرقات وسخونة الشوارع الإسفلتية، فكانت حافية القدمين، أما الإحساس والشعور بالألم فقد ماتا لديها ولم تعد تشعر بوخزٍ فيهما، ولو أحضرت لها حذاء فلن يشكّل فرقاً لديها لان الوقت استغرقها وهي حافية القدمين وستكون لحظة الاستفاقة متأخرة وصلت حتمية موت الإحساس، فشعرت إنني عارٍ من الأخلاق والإنسانية، وفي المحصلة هذا حالنا شعب يتحرك ولكن حركته ميتة مثل موت الإحساس لأقدام تلك العجوز، فهل تستطيع أن تتخيل الحال الذي وصلنا إليه وهل يستطيع أصحاب القرار أن يتحركوا ويسيروا بحريةٍ يوماً واحداً حفاة الأقدام؟، بالطبع لا، لأنهم هم من أوصل العجوز وأوصلونا لنكون عراة الإحساس والمسؤولية حتى لا ننتبه إلا ونحن نيام، مثلما حدث في إحدى الدول العربية، تلك التي تُسمى فلسطين أو ما تبقى منها عندما استفحل فيها الاستيطان والجدار والسبب وراء ذلك فشل الحوار.
يجب عدم تقسيم سلطة رام الله وسلطة غزة وعدم المساس بهما لأنهما تنسجمان بمصالحهما، وهم خارج معادلة الانقسام لأنهم مشغلون ببناء المؤسسات الوطنية والأجهزة الأمنية الساهرة على أمن المواطن الفتحاوي في رام الله والحمساوي في غزة، وهم بوابة الوحدة والتحرير نحو محاصصة اسمها السلطة، وعلى الشعب أن يعيش البؤس ويقف طوابير أمام الحواجز، ناهيك عن الاعتقال والقتل والتهويد، ولكن كل ذلك سيُحَل وسينتهي بؤسنا وقيدنا ووحدتنا باتت على مرمى حجر، عندما يلتقي مشعل وعباس في القمة المرتقبة خلال السنوات القادمة، فلماذا نشغل بالنا وهناك من يفكر عنا حتى أصبحت قضيتنا وقضايانا محصورات في ثقافة الانقسام، أوليس الماء يبطل التيمم؟!!!.
أنا لا اعرف لماذا يجب أن أكتب، ولكنني مجبر على الكتابة لعلي أنفث ما بداخلي من حقد وغل متورم في صدري، وسخط يكاد يقتلني عندما أقف عاجزاً أمام دموع أُمٍّ فقدت ابنها، وهو في العاشرة من العمر عندما خرج للبحث عن لقمة عيش وخبز ليطفئ نار جوعه وجوع أمه العاجزة عن توفير قوت أبنائها، وبدل البحث عن لعبة يلعب بها كان قدره رصاصة مجنونة أفقدته طفولته وأطفأت براءته، لكن الأكثر جنوناً أن نعجز عن التوحد خلف هذا الدم ليضيع دون ثمن بين حكومتين بلا وطن، فهل أبكى إنسانيتنا أو ما تبقى منها وهو يصرخصراخه الأخير؟. وفي الطرف الآخر كانت الخنادق والسرايا والمقاطعة مليئة بمواد التموين، ولكن كل شيء بثمن، والثمن رخيص بالنسبة لمن يتاجرون بها، أن تكون مجاهداً تهب حياتك لأمير المؤمنين والسمع والطاعة له ولأهل بيته، أو عليك أن تصالح الدم بغصن الزيتون، لكنه أرخص عند أولئك الذين لا يملكون قوت يومهم ولا يعرفون الراحة في نومهم... إنهم من كانوا خارج الحراك الفوضوي بين فتح وحماس، وذنبهم أنهم لم يدخلوا في لعبة المصالح وسياسة الردح والمناكفات الرخيصة. فهلاّ تساءلنا يوماً كم يكلفنا صون النضال والوحدة لبلوغ الاستقلال والحرية.
بدلاً من التوحد وصون الدم الفلسطيني أفرطنا كثيراً في سعينا لاحترام أمن إسرائيل وتركنا للمستوطنين حرية الاستيلاء على أرضنا والعبث كيفما شاءوا، ويرسم الجدار حدود دولتنا مع بعض التعديلات التي منها تهويد القدس وعدم السماح بعودة اللاجئين لأرض الميعاد ولا بديل عن السلام إلا السلام، وما هي الحياة إن لم تكن مفاوضات؟!.
قد يكون المغزى من الكتابة أكثر من سبب لكن يجب أن نكتب لأولئك الناهضين قبل الفجر المصطفّين طوابير أمام الحواجز الإسرائيلية في مشهدٍ مذلٍ للكرامة والإنسانية. أكتب لآلاف الأمهات الثكلى بعذابات الأسى حزناً على أبنائهن الساكنين تحت الأرض، ولآلاف الأطفال الجوعى المشردين الباحثين عن حضنٍ دافئ ويدٍ تمسح عنهم دمع الحرمان، ولأولئك الشهداء الذين لم يبقَ منهم إلا صوراً معلقةً على جدار الأيام، وأسرى رهنوا حريتهم بحريتنا. فهل ستصل الرسالة؟، أتعرف يا صديقي: أعتقد أنّ الرسالة لم ولن تصل لهذا العالم، لأنها ببساطة تاهت بين حدود غزة والضفة.
فالتراب الذي يحتضن آلاف الشهداء له طقوسه في استقبال الموتى، وفي تشققاته طقوساً أخرى في استقبال ماء الحياة، وبالرغم من أن الموت والحياة يتساويان عند تراب الأرض، إلا أن القرن الواحد والعشرين لم يسمع بأطفال فلسطين، ولم يهمس بكلمة وسط احتفالاته ببدء عام جديد ولو من باب الخجل، ليذكر أن على هذه الأرض أطفالاً يستحقون الحياة واللعب والجري، لكنهم فقدوا البراءة لأن رصاصة محتل قتلتهم أو قتلت الأخ أو الأم أو الأب، فهل سمع بهم العالم الجديد؟، هل وصلته أخبارهم وهم يكفَّنون؟، أطفال العالم يلهون ويلعبون وأطفالنا جوعى بين الحاويات عن لقمةٍ يبحثون، وتحتَ خيمةٍ يسكنون؟... فكيف لا نكفر بالطفولة إن لم يعِش أطفالنا كما يعيش الأطفال؟.
حزينة شوارعنا، فجدرانها مزيّنةً بصور شهداء وقادة سقطوا على مذبح الحرية والاستقلال، لكننا للأسف نستذكرهم كلما داهمتنا ذكرى استشهادهم، وننشغل في مهرجانات التأبين والخطابات البطولية لهذا الشهيد وذاك، بينما كانت خطاباتنا لمّا كانوا بيننا محشوّةً بعبارات الاستسلام والتآمر والخيانة تلميحاً أو تصريحاً. فعجباً لهذا الشعب الذي يفقد ذاكرته عند أول محطة، رغم أنه أحوج الشعوب لحفظ الذاكرة حتى وإن كانت حزينة.
بقلم: مُنال زيدان





