السبت - 2010/03/13


الثالثة ثابتة بقلم:حسن بلال التل

تاريخ النشر : 2010-02-09
القراءة : 172


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

الثالثة ثابتة

حسن بلال التل

قبل نحو عشرين عاما، وفي سنة (الثلجة الكبيرة) التي بدأت عام 1990 واستمرت لثلاثة فصول شتاء متتالية، كان يدير دائرة الارصاد الجوية أحد أبرز علماء الظواهر الطبيعية في الاردن والعالم العربي وأحد البارزين في هذا المجال عالميا، لقد كان ذلك الرجل هو المرحوم المظلوم حاله حال جميع علمائنا، الدكتور علي عبندة.
ولمن يذكر فإن الدكتور عبندة الذي كان عالما بحق في مجال الارصاد الجوية، وقضى عمره باحثا عاملا فيها، وقد أنعم عليه جلالة الملك الحسين رحمه الله بأرفع الاوسمة تكريما لجهده وعمله في هذه المجالات، تقدم باستقالته من هذه الدائرة التي أفنى فيها عمره، عندما خابت إحدى توقعاته وسببت للاردن والاردنيين بعض التشابك والارتباك في شؤون حياتهم اليومية، وبصورة أقل وأخف مما يجري لنا في كل شتاء ومع كل منخفض جوي منذ ثلاث سنوات، هذا رغم أن الدائرة تتمتع بموارد كبيرة وأجهزة ومعدات متطورة، لكن يبقى أمر الله هو الغالب، وهو أمر كان يدركه عبندة كما يدركه الاردنيون، لكن عندما تقع الاخطاء أيا كان شكلها او نوعها فلا بد من ان يتحمل مسؤوليتها ونتائجها هذا المخطئ او المسيء بغض النظر عن القصد من عدمه.
لكن ما يجري منذ ثلاث سنوات ومنذ قررت بعض الجهات الأهلية من وسائل اعلام ومؤسسات ومواقع الكترونية أن تنتهج نهج الحكومة في الخصخصة وتخصخص الجو والارصاد الجوية عن طريق تجيير الاردنيين ونظام حياتهم لصالح بعض الهواة، فإننا نقع العام وراء الآخر في مطبات لا نحسد عليها، والمشكلة الاكبر أن احدا لا يتحمل المسؤولية او يعترف بها أو يتحمل نتائج فعلته، بل يُخبَّأ الخطأ تحت عباءة من القهقهات عبر أثير الاذاعات، وسلسلة من الأخبار المبهرة والمكذوبة أحيانا عبر شاشات بعض التلفزيونات والمواقع.
وقد يكون ما حصل صباح الخميس الماضي أبرز مثال على ذلك، فرغم أن دائرة الارصاد الجوية تحدثت عن تساقط الثلوج في بعض مناطق المملكة وتراكمها في مناطق منها، ورغم أن مواقع عالمية ضخمة متخصصة بالطقس ولديها امكانيات رصدية حقيقية وضخمة مثل موقعي ويذر، وويذر آي كيو، بقيت مصرة أن الاجواء في العديد من مناطق المملكة وبالتحديد في عمان ستبقى بين غائم الى غائم جزئي مصحوب بالأمطار وبعض تساقط الثلوج، (وهو ما حصل فعلا)، بقي بعض الهواة ومن ورائهم آلات ومؤسسات اعلامية تراهن عليهم من باب (المعابطة) لا أكثر مصرين -وانا اقتبس هنا-: (إن ثلوجا كثيفة متراكمة ستشمل كافة مناطق عمان والمملكة وبالذات فوق 700 متر ((وهذا الارتفاع يشمل 90٪ من عمان ومعظم المناطق المأهولة في الاردن)) ابتداء من ساعات فجر الخميس)... ناصحين المواطنين (باتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر وعدم مغادرة منازلهم الا للطوارئ، واتخاذ كافة الاحتياطات اللازمة لمواجهة المنخفض الذي سيستمر ويتعمق حتى مساء السبت)!!!
وبناء على هذا فقد استعد الاردنيون ماديا ونفسيا للبقاء مسجونين في بيوتهم لمدة أربعة ايام على الاقل، فتراكمت طوابير المواطنين امام المخابز بصورة وصفها نقيب تجار المواد الغذائية بأنها لم تحدث منذ سنوات، وتقاطروا على محطات الوقود حتى ان الكثير منها جفت مخازن الكاز فيه، وأوشك الأرز والسكر والشاي وما شابهها على الاختفاء من متاجر بعض المناطق، وكانت النكتة عندما استيقظ عشرات الآلاف منهم صباح الخميس على أشعة الشمس وحرارتها تخترق نوافذهم وهو ما حصل معي، حيث قفزت من فراشي مفزوعا (مصروعا) وجريت نحو العمل لافاجأ أن المسافة من مكان سكني في أقصى شرق عمان الى مكان العمل في قلب شمالها الغربي لم تشهد ولو ملء (كشتبان) من الثلج المتراكم، وعندما وصلت فوجئت بأن بعض الموظفين ممن يقطنون في أعلى مناطق عمان وأكثرها برودة حاضرون، لكن هذا لم ينف ان البعض الآخر قد تغيب رغم أن هذا الغياب ليس له ما يبرره أبدا، والأنكى من ذلك انه حتى الامطار كانت متقطعة والحرارة أعلى قليلا من اليوم الذي سبق، وحتى في ساعات ما بعد الظهر وساعات الليل بقي الامر على حاله ولم يغلق في عمان ولو زقاق!!!
وما (يبط الكبد) يا سادة أن هؤلاء الهواة ومن ورائهم تلك الآلات الاعلامية بقوا مصرين على ما يقولون من باب المعابطة والجقم، رغم ان الحقيقة خرقت اعينهم، وما زالوا حتى لحظة كتابة هذه السطور مصرين أن المنخفض مستمر والشوارع مغلقة!! فإلى متى هذه المهازل؟؟؟
عندما تخطئ نشرة الارصاد الجوية المبثوثة عبر أثير الاذاعة الرسمية او التلفزيون، فهناك من يتحمل المسؤولية ويعاقب ويلام، وعندما تخطئ دائرة الأرصاد الجوية وتتسبب في شل حياة الاردنيين وتعطيل اعمالهم وخسارة القطاعين العام والخاص ليوم او ايام عمل تكلفهما الملايين في دولة تحتاج حتى الملاليم، فهناك من يستقيل ويقال ويعاقب، لكن عندما تتلاعب بمصائرنا مؤسسات اعلامية من باب (الجقم)، وهواة يعتمدون على هواتف تأتيهم من أطفال مختبئين تحت (اللحف) و(يرصدون الجو) من وراء النوافذ فلا خاسر الا الوطن والمواطن، ولا أحد يتحمل مسؤولية هذه الخسارة... في ألعاب الاطفال نقول إن الثالثة ثابتة وبعدها لا تجوز الفرص، فهل هناك من يثبّت هذه الثالثة ويوقفها عند حدها ام سنبقى نباطح مع الرابعة والخامسة والخمسين؟!!


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 1
  1. بكل أسف كل ما تقدمت به صحيح
    محمد المومني ، 10-02-2010