الخميس - 2010/03/18


عندما يودع الأبناء أبائهم فهل تسمعون دموعهم ؟ بقلم : نصر فؤاد أبو فول

تاريخ النشر : 2010-02-09
القراءة : 315


عندما يودع الأبناء أبائهم فهل تسمعون دموعهم ؟ بقلم : نصر فؤاد أبو فول

كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

نعم فهل تسمعون دموعه التي ترى علي خديه وماذا تقول حينها ؟ إنها دموع الفراق الصعب دموع الوجع والفرقة , ليتنى كنت مكان أبي ويا ليتنى كنت مكان من يدمع علي أباه حتى لا أرى المنظر المؤلم حين تحن لوداع الأب الغالي والعزيز .

إنها ليست قصة وإنها حقيقة وجدت قبل أيام معدودة حين توع أباك وترد على هاتفك الجوال لتقول لأخاك في سجون الاحتلال أن أباك توفاه الله قبل قليل ؟ ماذا تتوقع بعد ذلك ؟ أناديك وكلي يقين بأنك على مسمع...فما زلت أبحث عنك ياوالدي من بين محاور الحوار المتمدن وأكن ألاستغراب حول هذا التأخر المريب ,ولكن كل ما أجد من بعد يوم الرابع من فبراير أسطر تهلهل ممن هم أبدعوا وأحسنوا وعمقوا أرثائك...فيبدوا انك فعلا رحلت, فأصبحت أضحوكته وكذبني قبرك بكُلُ ما زَعمت ,فهنيئا لك يا قبر.

انه والدي الحاج المرحوم بإذن الله فؤاد علي أبو فول " أبو علي " والد الأسير " علي فؤاد أبو فول , وإذا بأخي على الهاتف يقول لي عد إلى البيت فأن والدك قد توفى، وعدت مسرعاً إلى البيت كي أتأكد من حقيقية هذا الإحساس الغريب. عندما دخلت البيت رأيت والدي وهو يغط في نوم عميق في فراشه, عندها أدركت بأن هذا الإحساس ليس بصحيح، لكنه ترك في نفسي هاجسا ظل يراودني وأصبحت اخشي من يوم الذي سأسمع فيه خبر وفاة والدي الذي طالما تمنيت الموت قبله كي لا يسبقني إليه.

توفى والدي يوم الخميس المصادف الرابع من فبراير الماضي ، استسلم بعد إن صارع الموت لسنوات عديدة حزنا علي ابنه البكر الأسير . صراع أعادني إلى صراع آخر جعل أبي إن يضحي بعائلته، الزوجة و الأولاد، بالرغم من حبه الكبير لهم , كان يوم الخامس أى يوم الجمعة بعد وفاته بيوم يحضر لخطبتي والجميع فرح وهو يمزج ما بين الوجع والفرح ليستطيع مشاركتي فرحي لأنني الابن الأخير له , فأراده الله أن يفرح بجانبه قبل الخطبة بيوم .

انه لشعور مخيف اشعر بحزن كبير لفقدان والدي لأنه كان صديقي الحميم قبل ان يكون والدا وخاصة في الأيام الأخيرة من عمره، وأنا مؤمن بأن الموت حق، لكن الشي الذي يحزنني كثيراً أن والدي توفى دون إن يفرح بي بالرغم من ملازمتي له أيام صراعه مع الموت، إذ إصابته النوبة القلبية بغيبوبة، لكنه قطعا كان يشعر بيدي و يدي والدتي و نحن نمسك بيده، فكرنا للحظة بأننا قد نمنحه بعض حياتنا، لكنه أمر الله. و ليس وداعا يا أبي.

والدي يا أيها الكتلة الحماسية الطموحة الملتهبة المعطاء فاجأتني برحيلك...وأدهشني هذا القلب الكبير...فلم أكن اعلم انه سيذوق طعم السكوت...كما وعهدتك أكثر مني شبابا وكنت تخلق لي أجواء المنافسة وتجعلني من حيث لا اعلم ألتهم خير جليس في الزمان , فما وجدتك ألا زميلا وصديقا وحبيبا وأخا وفي أصعب ألا وقات وبأمرها كنت أبا... ما مرت ثانية ألا وأنت فيٌ وحولي فقد تركت بنا غصة الذكريات وقلب أدماه فراق الحبيب وابتسامتك التي ارتسمت مقلة دامعة وحزن لن يُهزم ,فقد قضيت سنتك الخامسة بعد الستون ويكن إليك قلبي عتابا شديدا نفسه ذاك العتب الذي كنت أدعوك إياه بعد إن تتأخر بهدية فرحى ومشاركتك فيه ...فعادت علي هذه ولكن ليست بوجودك ...ولكن ها أنذا أصبر نفسي فعلمت (من بعد أن داهمني الشك) ان هاتفي لن يرن بأسمك وأن حوارك أنقطع عن الحوار وإنها كانت الأخيرة في اليوم الرابع..!! ولكن أنت أكثرهم تعلم بأنه لن ينفك عقلي عن الترنين بأسمك , وأنشدك بأن كل ما عندي من عتاب أصبح إليك مندماً....

صحيح انك رحلت وأعلم أنها مبكرة وما أصعب علي فقدانك ,ولكن أنت فينا وحولنا بأحاسيسنا وبوجداننا وبأفكارنا وبكل الأحبة والأصدقاء الذين أرغموا شبح رحيلك على الهزيمة وأثبتوا لعائلتك أنك موجود...وأعلن إن افتخاري يفوق حزني ولن تنحني راية أدميت قلبك وأفنيت بحياتك وضحيت وضحينا بالغالى لأجلها ...فيا حنيني لن انسى توصيتك أبدا ولن أستوحش طريق الحق مهما قل سالكيه ...وأنبيك انه معج بأرباب الحق والحرية.

لقد كان الخبر فاجعة فأرغموني أصدقائك وأحبتك على أن أستقوي فأستجمعت شملي, فأرثوك نعم الرثاء بل كان هو الأطراء ومـا كُنتُ لأصنع ما يفوقهم فلم أعلم انك كنت مخلد لغيري ولكني علمت انك زرعت جذوة من الحب والوفاء التي لن تنطفي... أنها لم تكن مصيبة عائلتك بل راحت تشاطر قلوب محبيك,وافتخرت بأنهم ظلوا الأسبق واعلم أنك بهم مفتخرُ ,فأسترح ياوالدي ونِم قرير العين وأفرح وكأنك بينهم فأني أرى حلمك أصبح حقيقة وأملكَ أصبح يقيناً بل أضيفك مسرة بأن الأمر تعدى نبتة الخير(التي كنت تهجو بها) وأمتد ليصبح أرض ما أنبتت غير الخَير ,وأنا هنالك من الطيبين من يفخر بهم الفخر,لن يعرفوا ألاستكانة , وأنه لواضح على البعض منهم بأن قلائد الغربة والمهجر قد أدمت معاصمهم ولكن لن تراها إلا مفاتيح مستقبلنا الزاهر!!! أرى فيهم روحك الحماسية وتفاؤلك العميق وارتباطهم الوثيق , أرثوك كل الرثاء وناغوك حتى البكاء ولكن يبدوا إن هنالك من بيننا أسعد فها هو قبرك يبتسم فقد نال منك دفئ أحضانك .

سيبقي جثمانك في هذه الأيام ... بعد إنقشاع هذه الغيوم وسواد الليل ... سيأتي الفجر وهو الفجر الأكثر قسوة .. فجر سأذكره ماحييت ... فهو فجر اليوم الذي رأيت به وجهك المشرق لآخر مرة..ومن بعدها سأعيش وحيد ... أرعى أخوتي وأمي التي سيمزقها فراقك ... ياربي أقف الآن على باب رحمتك متوسلا ومتضرعا أن ترحمه وتعفو عنه وتصفح ...

أسأل الله أن يلهمنا الصبر والسلوان ويبدله داراً خيراً من دارنا .. وأهلاً خيراً منا رحم الله جميع موتى المسلمين فإن لم نلتق في الأرض يوماً وفرق بيننا كأس المنون فموعدنا غداً بدار خلد ..


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .