الإثنين - 2010/03/15


تأنّى أيها الإنسان بقلم:إبراهيم إستنبولي

تاريخ النشر : 2010-02-09
القراءة : 255


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

" مُتْ قبل الموت " !


إبراهيم إستنبولي



بحثتُ ، لكني لم أستطع أن أجِدَك .
ناديتك بصوتٍ عالٍ، وأنا واقف على المئذنة.
قرعت جرساً نحاسياً منذ شروق الشمس وحتى غروبها.
سبحت في نهر الغانغ، لكن سدى .
عدتُ من الكعبة خائباً.
بحثتُ عنك في الأرض ،
بحثتُ عنك في السماوات ، أيها المعشوق.
و في النهاية ، وجدتك مختبئاً، كما الدّرة ،
في محارة قلبي .


إنها أبيات من قصيدة صوفية معروفة ..
تتلخص غاية الصوفي في الحياة في كونه لا يرفض أية ديانة ، و أنه لا ينكر أية جماعة أو مجتمع . فبغض النظر عمّا يدور الحديث – عن المسيحية، أو البوذية، أو اليهودية، أو الهندوسية أو عن أية تعاليم أو مجموعة بشرية – سواء في مجال التيوصوفيا ، أو الفكرة الجديدة أو العلم المسيحي، - فهو ، أي الصوفي ، لا يسعى لاكتشاف نقاط الضعف فيها ، بل إنه يرى الخير في كل شيء.
هل يبحث الصوفي عن وجود الله ؟ هل هو يخضع لتأثير تدريبات مقررة من قبل نبيٍّ أو معلِّم ؟ الجواب هو : لا. فالمتصوف لا يبحث عن حضور الإله ، ذلك لأنه حين يكون هناك حديث عن حضور أو غياب – عندئذ تظهر ثنائية ، بينما هدفه يكمن في الاتحاد . وفي الاتحاد قد يكون عدم الحضور . والمتصوف بالتحديد لا يسعى لكي يربط نفسه إلى الأبد بمعلِّمٍ واحد . هو لا يرغب في الصعود إلى السماوات ، لأنه يرى السماوات في كل مكان.
فما هو إذن هدف المتصوف ؟ إنه يسعى للوصول إلى نوع من المعاناة ، التي لا تمت بصلة إلى " المعاناة " بالمعنى العادي المباشر للكلمة. ثمّة اتجاهان : هناك السعي إلى الحيوية والتظاهر الذي يدخلنا إلى عالمنا المتنوع هذا ، و هناك الميل إلى السلبية التي تعيدنا إلى الحالة التي خرجنا منها. بينما الكمال لا يقوم لا على التظاهر لوحده ولا على عدم التظاهر بمفرده ؛ بل في اتحادهما .
أي إن مهمة المتصوف – هي رفع الحُجُب. فروح الإنسان محاطة بطبقة سميكة من مختلف الاهتزازات ، بحيث أنها عاجزة عن رؤية ذاتها وسط تلك الارتجاجات. و لكن بواسطة التدريبات وتمارين أخرى يقوم الصوفي بداية بإزالة الجسد الفيزيائي، ويستكشف ما يمكن أن يشاهده من دون الجسد.
والهارمونيا – هي التي تخلق الجمال ، فالجمال بحد ذاته لا قيمة له . ما هو جميل في لحظة معينة وفي مكان معين قد لا يبدو جميلا في ظروف أخرى مغايرة . هذا ينطبق أيضاً على الأفكار، والكلمات ، وعلى الأفعال . فالذي نعتبره رائعاً هو يكون كذلك فقط في وقت محدد وفي ظروف معينة . و التركيبة النفسية للإنسان مبنية هكذا لكي يرتكس على الهارمونيا وعلى اللاتناغم سواء بسواء.
و أما نداء المسيح أن : " لا تقاوموا الشر" – فهو نصيحة بأن لا تردوا على اللاتناغم . لكن "عدم مقاومة الشر" لا تعني أنه يجب على المرء أن يحملَ الشر في داخله . هذا يعني أن لا تُعيدَ اللاتناغم الذي وقع عليك ، أن لا تكون مثل لاعب كرة التنس ، الذي يُرجع الكرة بمضربه.
لذلك نرى أن المتصوف يتحاشى أية أفعال غير متناسقة ؛ هو يحافظ على إيقاع الكلام تحت رقابة الصبر، لذلك لن يقول أبداً كلمة قبل أوانها ولن يبدأ بالجواب قبل أن يسمع كل السؤال .
كما أن المتصوف يسعى لإنكا الذات . لكن إنكار الذات في التصوف يختلف عمّا هو في الزهد . فالزاهد لا يتزوج، لا يأكل بشكل جيد ، لا يرتدي لباساً جيداً ولا يقوم بأي عمل مما يسبب المتعة للإنسان . بينما المتصوف يعتقد أن كل ما في الدنيا هو موجود لأجله، ولذلك لا توجد ضرورة ملحة لأن يغادر هذا العالم ، حاملاً معه رغبات لم تتحقق . لكنه يحافظ على ذاته محررة من سلطة تلك الرغبات. هو لا يذهب إلى الجبال من أجل الانفراد ، هو يعيش بين الناس . يمكنه الذهاب إلى الجبال لو أراد، لكن لا يوجد هناك ما يمكن أن يبقيه في الجبال إلى الأبد. لا شك أنه من السهل أن يصبح الإنسان روحانياً وكهنوتياً أكثر في كهف جبلي، مما بين الناس، وسط العالم ! لكن الصوفي ليس مضطراً للهروب من العالم، لأنه يرى ويعرف صورة معشوقه ، صورة الرب في كل مكان وفي كل شيء.
من الأهم والأصعب بكثير أن يعيش المرء بين الناس وأن يبقى روحانياً في نفس الوقت. أن تتحمل مسؤولية الحياة ، الاهتمام بالأصدقاء وبالأقارب ، أن تخدم الأعداء والأصدقاء على السواء وفي نفس الوقت أن تبقى روحانياً. أن تتجاوز الضغط الدائم للمحيط ، أن تكون في خضم المسؤولية ، أن تعاني من العداوة – هذا أصعب بكثير وأعظم بكثير من أن تعيش زاهداً في الغابات. كلا الدربين محفوفان بالمخاطر. إذا كان الإنسان يعيش وسط العالم ، فإن الميل الدفين إلى الملذات والرغبة في معرفة العالم يمكنهما في أية لحظة أن تعيده إلى الوراء.
إن المقدرة على إنكار الذات تتعلق بدرجة نمو الروح . و الإنسان القاصر روحياً لا يستطيع الالتزام بالنكران الحقيقي. الألعاب قد تكون ذات معنى بالنسبة للأطفال ولا تعني شيئاً للكبار . من السهل التخلي عن الألعوبات. هكذا هو الأمر مع أولئك المتطورين روحياً – هم يتخلون بسهولة عن كل ما يشاءون.
كثيراً ما نندهش لكون الله قد خلق الإنسان بهذا الضعف ، بحيث يبدو هذا الإنسان غالباً كما لو أنه مصمم لأن يكون سيئاً – بل إننا نلحظ في ذلك مظهراً من اللاعدل الإلهي. لكن الأمر ليس كذلك، وقد تمت مناقشة هذا الموضوع بشكل رائع في الحكاية العربية " ألف ليلة وليلة ".
كان هناك خادم عند أحد الملوك – سكرجي عظيم . وفي أحد الأيام، ومن أجل التسلية، أمر الملك الخدم الآخرين أن يسقوا ذلك الخادم كمية كبيرة من الكحول حتى السُكْر الشديد ومن ثم يقومون بوضعه في سرير الملك. ومع بداية النهار بدأت الفرقة الموسيقية بالعزف كالمعتاد، وراحت دزينة من الفتيات الملاح تغني في مخدع نوم الملك من أجل إيقاظه.
عندما استيقظ، فقد فكر الخادم: " ماذا حدث لي؟ بالأمس فقط كنت خادماً؛ الآن أنا نائم في سرير الملك وكل شيء من حولي يبدو ملكياً ! فمن أنا: ملك أم خادم؟ ".. نظر إلى الفتيات فانحنين جميعهن له. وراح كل واحد يناديه " فخامتك ".
نهض، خرج من المخدع وذهب إلى الدربار( ). جلس على العرش هناك، ثم جاء الوزراء، انحنوا له وخاطبوه بكلمات ترحيبية. عندها قرر الخادم: " أنا على الأرجح ملك. لو أنني كنت ملكاً في السرير فقط لما كان لهذا أي معنى؛ لكن الجميع هنا أيضاً ينحنون لي باحترام وينادونني -فخامتك – ! ".
استمتع طيلة اليوم بحياة الملوك. لكن في المساء جاءت زوجته. ففي الليلة الفائتة، عندما لم يعد إلى البيت، اعتقدت هي أنه ربما يكون مستلقياً في مكان ما بسبب السكر. بحثت عنه في كل مكان، وعندما لم تجده – ذهبت إلى القصر. لم يمنعها أحد، لأن الملك كان قد أمر بذلك. عندما دخلت القاعة – نظر إليها زوجها بطريقة كما لو أنه شاهد الموت بعينه؛ فقد فكر: " لا يعقل أنني الملك، لأنه لو كان الأمر كذلك – لما كانت زوجتي هنا. سأضطر للذهاب معها ! " وقالت له: " ماذا تفعل هنا؟ أنت لم تعد البارحة إلى البيت؛ لم يكن عندنا أية قطعة من الخبز، بينما أنت تتسكع هنا. لنذهب ". فأجاب زوجته: " أنا لا أعرفك. هيا من هنا ". لكنها احتجت : " أنت زوجي ، هيا تعال معي ". واصطحبته الزوجة معها بالرغم من إصراره و تكراره : " أنا الملك ، أنا الملك ".
إن الظروف، التي نتواجد فيها تدفعنا للاعتقاد، بأننا نمثل هذا أو ذاك. إن ما تختبره النفس – هو ما تعتقد أنها تمثله. إذا حسبت النفس " أناها " الخارجية مجرد رضيع، فإنه تظن: " أنا طفلة ". وإذا حسبت " أناها " الخارجية عجوزاً، فإنها تظن : " أنا عجوز "؛ وإذا رأت " أناها " الخارجية في قصر، فهي تعتقد: " أنا ثرية "؛ وإذا رأت " الإلهام " خاصتها في كوخ، فإنها تظن: " أنا فقيرة ". لكن ما هو واقعي بالفعل هو فقط: " أنا موجود ".
هناك مفاتن في الحياة تمارس فعل السحر على الإنسان . لقد قال حافظ: " قبل أن نُولَد – أنتَ تسقينا بلعة خمر ". أما جامي Jami فقد قال : " أوه، أيها الساقي، يا مَن يقدِّم الخمر، اعذرني، إنها فتوتي. أحياناً ألتقط قنينة الخمر وأقبّلها. و أحياناً أرميها بعيداً ". جميعنا على هذا المنوال . الطفل تارة يناغي ويقبل الدمية ، وتارة يرميها على الأرض ويكسرها، ليأخذ دمية أخرى . أحياناً ندعو أحدهم بالصديق، وأحياناً نعتبره هو ذاته عدواً. أحياناً نعلن إعجابنا بعرق أو بقومية ما، وفي مناسبة أخرى نصبح أعداء لها. نحن كالأطفال، ولهذا نحن متقلبون.
يجري الإنسان أثناء نومه الدنيوي باستمرار وراء الغيوم المبتعدة. ومتى هو يستيقظ؟ عندما تأتي زوجته. من هي هذه الزوجة؟ الزوجة هنا – هي القوة المدمرة للطبيعة؛ عندما هي تأتي، كما الموت، فإن الإنسان يرى أن كل ما كان يملك وما كان يحسبه ملكاً لـه، سيبقى خلفه: اسمه، أمجاده، ثروته.كل ذلك يوجد فقط لمن يحيا، أما بالنسبة إليه فيوجد القبر فقط. لن يستطيع أن يأخذ معه أي شيء. عندها سيدرك أنه لا يوجد حوله ما يمكن أن يساعده في الحصول على الملذات والدنيا إلى الأبد، فيبدأ بالبحث عما يحقق له ذلك.
إنه موضوع الايغو . هناك مثل هندي : " إهانة الحكيم لن تذهب سدى . فالبذرة تقع في التربة لكي تنمو ". بعد أن يذلّ الحكيمُ نفسه لدرجة الغبار ، فإن هذا الغبار يعمل على ازدهاره هو . هذه ليست سيادة بعد ، لكنها خطوة نحو مراحل أكثر تطور.
جاء في القرآن : " موتوا قبل أن تموتوا " – أي متْ قبل الموت . المتصوف يموت قبل موته ويدرك خلال حياته ما سوف يكون بعد الموت. بكلمة أخرى، هو يدعو زوجته لزيارته ويرحب بها في مملكته الخاصة، أي أنه بدلاً من أن يسمح لها بسحبه من القصر – هو يستطيع الاستمتاع بالحياة معها، مع زوجته، على الأرض. بكلمة أخرى – هو يتحول إلى ميت حي.
حين يتفهم الإنسان بعقله، أن كل ما هو حاصل في هذه الدنيا إنما هو نابع من الواحد الأحد، فإنه لن يستطيع التقيد بالكلمات: " مَن يجب علينا أن نعبد، ماذا يجب أن نقدس وأن نحترم، طالما أننا نحن كل شيء؟ وماذا علينا أن نخاف؟ " لكنه ينسى شخصيته الخاصة؛ فإذا كان يتكون من هكذا مجموعة من الأعضاء المختلفة، ومن ذرات ومخططات مختلفة وفي نفس الوقت يظل شخصية فريدة، فلماذا إذن لا يمكن للواحد العظيم أن يكون شخصية فريدة متفردة؟ عقلياً نحن نعترف، أننا جميعاً عبارة عن ذات الواحد. لكن عندما يسبب لنا أحدهم الألم، فإننا لا نتحمل ذلك وعندها لا نفكر أننا وإياه إنما ذات الشيء. عندما يتسبب أحدهم بالضرر لنا، فإننا نلعنه. لكن إذا كنا لا زلنا نؤمن، أنه هو نفس الشيء كما نحن، فلماذا يجب أن نلعنه؟


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .