الثلاثاء - 2010/03/16


الفصل الاول من رواية " تجليات الروح " بقلم:محمد نصار

تاريخ النشر : 2010-02-09
القراءة : 214


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

للكاتب / محمد نصار

سؤال يعصف بي .. بل سيل من الأسئلة يحاصرني .. يطيح بي ويجرفني إلى هاوية لا أرى لها من قرار : هل بعث النمرود حقا ؟ ، أم جاء نيرون ليحرق المدن كلها ؟ ، هل نفض مارس إله الحرب الغبار عن عرشه ؟، أم أقبل هولاكو زاحفا ، ليغرق الأرض في بحر من المداد والدم ؟ لا أدري..فلقد أصبح هذا الزمن السريالي قابلا لكل اجتهاد ، بعد أن ولت ثوابت كثيرة وضاعت قيم أكثر، فضاقت الأرض بما رحبت علينا ، وأصبحنا في جنباتها كالأعمى في زحمة المارثون .
أسئلة كثيرة تباغتني في كل لحظة ، فأرى في بعضها تخريفا وفي بعضها تجديفا وجلها هذيانا قادني إليه ضيق الأفق وإحساسي الزائد بالأشياء من حولي ، فأنا واحد من كثر مثلي يطحنون الوقت هباء .. يرددون مقولات وأفكار وأشياء لاتسمن ولا تغني من جوع .. نلوكها منذ قرون بعيدة ، ثم نجترها ونعيدها ، ثم نلوكها وهكذا دواليك بلا كلل ولا ملل ، كمن يتعشم الزبد بعد خض الماء وحين تدور بنا الدوائر نلعنها ونشكك في فروعنا وأصولنا .. في انتمائنا وتاريخنا وأحيانا يتجرأ البعض منا على ملامسة الحقيقة فيلعن ذاته .
دماء تسيل من حولنا ، تستصرخ الحس فينا والأسئلة ، وبعضنا يرتدي عباءة دنكشوت يصارع العدم بسيفه ولسانه ، وآخرون يمضغون القيم والفراغ ، يحيكون منها حللا تليق بكل مقام ، دون أن يعنيهم من الأمر شيئا عن ماهية من سيلبسها أو من سيدفع الثمن .
فنتازيا عجيبة تحرك الأشياء فينا ومن حولنا ، غرائبية تجعل اللبيب حيرانا وأحيانا تقتادنا اللعبة فندور معها وأحيانا يحركها البعض فتدور معه ، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى .
وأنا لا أدري إن كان هذا الذي يراودني يشغل البعض ممن يعيشون الفاجعة بقربي أم أنهم يرونها من زاوية أخرى ، أو بمقياس أخر، قد يكون قابلا للربح والخسارة أو لعلهم انخرطوا في اللعبة فتساوت الأشياء من أمامهم .
أحد الجالسين إلى جواري فاض به الأمر من هول ما رأى على شاشة التلفاز، فصاح : اللهم انتقم من الطغاة والمتجبرين .
فأطرق الجمع وانصبت الأنظار عليه حتى شك للحظة بأنه ارتكب ذنبا ما ، فراح يحدق في العيون التي تراخت بعض الشيء ، عدا اثنتين ظلتا تحدقان فيه بشكل أزال اللعاب من حلقه ، ثم نطق صاحبها مستفسرا : لماذا ؟ .
- لماذا ! .. من أجل الضحايا .. من أجل الثكالى .. من أجل الظلم الحاصل .. من أجلنا .
- أما الضحايا فقد انتقموا لذاتهم وأما الظلم فالتصدي أولى به وأما نحن فهذه فيها نظر .
تبلد الرجل للحظة ولم ينطق بشيء ، بينما العيون عادت تحدق في التلفاز من جديد وأنا أصابتني الكلمات في مقتل فجر الكثير من التساؤلات ، فغابت من أمامي الصور وتوارت الكلمات .
تركت المكان وصدى دعاء أبي يرافقني الطريق ، لأكتشف بعد حين أن أولئك النفر الذين حسبتهم للتو قد بقوا خلفي ، يسيرون معي وبداخلي .. يتابعون ما بقي من جدال حينا وحينا يصمتون .. يحثون الخطى إلى جواري .. يحيطون بي من كل جانب يتأملون الوجوه التي تقابلني بتفحص غريب ، لا يخلو من لمز وغمز وفي بعض الأحيان أضبط بعضهم يمارس نفس الأشياء معي ولا أجرؤ على الاعتراض أو المسائلة وقد باتوا جزءا مني ولا أملك القدرة على التخلص منهم .
في الحقيقة أنا لا أعرفهم ولا أدري على أي شاكلة هم ، أو من أين أتوا ومتي ؟ .. ربما مع بداية الأحداث أو قبلها ، إلا أن الأمر لم يكن على هذه الشاكلة ، كان الحديث عن واحد أو اثنين ، يأتي بمفرده أو يأتيان معا وعلى فترات متباعدة ، أما هؤلاء الذين لا أعرفهم ولا أدري كم عددهم ، فغالبا ما يأتون جماعة ، ولا يكادون يفارقونني ولو للحظة واحدة ، حتى إن كنت أقضي حاجتي ، بل تصل بهم الجرأة في بعض الأحيان إلى ما هو أبعد من ذلك.
أحدهم ضبطني مرة متلبسا في أداء مهمة وطنية ، فراح يحرجني على نحو كاد ينهي الأمور على غير ما خطط لها ، بادرني بالقول وأنا في أشد اللحظات اصطهاجا : الناس يذبحون على مرمى حجر ، وأنت تمارس البطولة في السرير.. لا أدري هل مات الحس فيك ، أم أنك تنشد نصرا توطأ الخصم فيه سلفا ؟ .
أصابتني رجفة تحولت في لحظة إلى بركان أوشك أن ينفجر في وجهه صرخة مدوية : أغرب عن وجهي ودعني أمارس حياتي كيفما أريد.. حس .. عن أي حس تتحدث ؟ .. هل هجر الناس مضاجعهم وأعلنوا الحداد .. هل .. أدركت بأن لا أحد أمامي .. تعذبلت بالله من الشيطان ورحت أكمل المهمة ولكن بشق الأنفس .
منذ الجمعة المشهودة وهم يرافقوني على نحو بات يهدد توازني ، يصحون معي ويهجعون بعد أن يهدني النعاس ، ومع تصاعد الأحداث أصبح وجودهم القسري أمرا لا يحتمل النقاش .
أطيب الأوقات لديهم تلك التي أجلس فيها قبالة التلفاز ،ومع كل خبر أو تعليق يشتعل النقاش .. يعلو الضجيج وأنا أحاول جاهدا مراقبة ما يحدث عن بعد والنأي بنفسي عن جدل لا أقوى على الخوض فيه،فبمجرد أن تستوقفني بعض الآراء أو تحظى بإعجابي ، يهاجمني المعارضون بآرائهم وشيئا فشيئا أجد نفسي غارقا في النقاش رغم أنفي ، وأحيانا كثيرة يمتد الجدال إلى ساعات طويلة .
في البداية كان الأمر أشق من أن أحتمله ، خصوصا في تلك اللحظات التي أضع فيها رأسي على الوسادة طالبا النوم .. يا إلهي ما أتعسها من لحظات ، رغبة جارفة لغفوة تنجيني من واقع يمزقني إربا وجمع لا أدري من هم ولا من أين جاءوا يتصارعون بقربي على أصغر الصغائر .. يتشاجرون فيصل الصدى في بعض الأحيان إلى من هم بقربي ، أطبق جفوني محاولا الهرب من نظراتهم فيطاردوني ، يفر النوم من أمامي ..ألاحقه على أمل الإمساك به وكلما شارفت على اقتناص اللحظة أفلتت من يدي ،إلى أن يعيني الأمر ، فأجد نفسي وقد أفقت على صبح جديد وما هي سوى لحظات حتى أجدهم إلى جواري ، احدهم يحثني على فتح التلفاز لكي يعرف ما استجد من أحداث وأخر يناولني علبة سجائري وثالث يشعل عود ثقاب وحين أود دخول الحمام يتبعني أحدهم محذرا : لا تطل المكوث هناك لكي لا يفتك شيء .
أكثر اللحظات ارتياحا بالنسبة لي ،هي تلك التي تجمعني بزملاء العمل ،رغم أنها تصب في نفس الاتجاه .. نفس النقاش تقريبا ،لكنها أقل حدة وقسوة ،إلا أن المهم في الأمر،هو التزام رفاقي الجدد بالصمت .. يراقبون عن بعد .. يتحينون الفرص التي أخلو فيها مع نفسي، فينقضون علي للمتابعة والمساجلة .
أحد المصنفين من علية القوم ، جمعتني به علاقة عمل ، تطورت مع الأيام إلى صداقة جعلته يستشيرني في بعض القضايا ، خصوصا السياسية منها وأحيانا يستأنس برأي فيما هو حاصل من مستجدات ،سألني في آخر لقاء جمعنا وكان قبل وقوع الكارثة بيوم واحد عما هو متوقع ، فلم يكن جوابي مغايرا لما سبق وسمعه مني في أحداث مشابهة وإن كان في هذه المرة أكثر سوداوية مما عهد عندي ، ومع ذلك قاسمني الرأي .
ودعته على أمل اللقاء به ، وفي الطريق أقبل الرفاق مهنئين ، حينها تبادر إلى ذهني تساؤل مفاده : أين كانوا طيلة هذه المدة .
- لم نشأ إزعاجك ، فآثرنا الانسحاب . رد أحدهم قائلا .
- تحدث عن نفسك ولا تعمم . عقب أخر محتدا .
- ألم تنسحب معنا ؟ .
- بلى ولكن لأسباب مغايرة .
- كفى .
صرخت بملء في ، فقفز الذي يشاركني المقعد مبتعدا إلى الناحية الأخرى وأوقف السائق العربة على عجل ، ثم راحا يحدقان بي مستهجنين .
آسف .
قلتها متلعثما وانسليت من العربة ناحية الرصيف ، يجتاحني غضب على هذه الصحبة اللعينة والمواقف المحرجة التي تضعني فيها ، فتطالعني ابتسامة على وجه سائقي البليد ، الذي أضاع العربة في شربة ماء وكاد أن يودي بحياتي معها .
وجوه مكفهرة تضج بها الساحات والأرصفة ، تجوب الشوارع و الأزقة بحثا عن أشياء تجهلها .. عن بضاعة مفقودة ، رغم رواج أصناف كثيرة تتشابه فيما بينها ، لكن جلها فاسد .
ووجوه ترهقها قترة كأنها فرت من موت يتخطفها ودهماء هائمة كالضارب في التيه ، تنظر بعيون فقدت بريقها وأحاسيس تبلدت خواصها ، فلم يعد يعنيها من الأمر شيئا .




أحد الباعة في السوق المكتظ بالسابلة ، أعلن في خبر عاجل عن تحديه للغلاء فخفض سعر البضاعة إلى النصف ، فرد عليه أخر من الجهة المقابلة معلنا عن يوم مجاني دعما للصمود الوطني ، فانتفض أحد المتبرعين بداخلي معقبا : أخشى أن يصبح سلعة في الغد القريب .
اقتنيت بعض الحاجيات علي عجل وانقلبت عائدا من دون أن أحشر نفسي في تداعيات بدأت تتوالد في داخلي .
صعدت إلى العربة وصوت المذياع ينذر بالتهديد والوعيد ، بينما قلة من الركاب الذين سبقوني إلى السيارة ، يرهفون السمع طمعا في معرفة المزيد من التفاصيل التي قد تشي بما هو حاصل ، لكن المفاجأة حطت عليهم لحظة صعود السائق إلى مكانه ، إذ راح يحدق في المذياع بغضب وازدراء ، ثم اندفعت يده بقوة لتكتم أنفاسه وكأن بينهما عداء دفينا .
نظر الركاب بعضهم إلى بعض من دون أن ينطق أي منهم بحرف ، بينما السائق يرغي ويزبد .. يسب ويلعن الساعة التي صنع فيها ومن صنعه أيضا ، لدرجة أن نصحه أحدهم بالانتباه إلى الطريق ، بعد أن أوشك على صدم امرأة قطعتها دون انتباه .
لذت بالصمت محاولا النأي بنفسي عن رفقة يتحينون الفرص للإيقاع بي وكلما أوغلت في الصمت ، أصبحت كالموغل في رمال متحركة .. تقتادني شيئا فشيئا نحو الهاوية ، حيث لا نصير ولا مجير فيها ، أواجه قدري بمفردي .. أغالبه ويغالبني .. أستسلم أحيانا وفي الغالب أقاوم ، غير أن عبء صحبتي الجديدة أثقل كاهلي وشتت مكامن الارتكاز بداخلي ، فبت أركن إلى المهادنة والحياد في الغالب .
- مر السائق أن يفتح المذياع بدعوى وجود أنباء عن معونات قادمة . ، قال أحدهم ممازحا .
فرد أخر بخبث : (توريطة ) ، بينما زفر ثالث بحنق وهمس مداريا غيظه : تتاجرون بمشاعر الناس وأحاسيسهم يا أولاد ال...
- بدأنا في التنظير . ، عقب الأول قائلا .
- إذن فليكن الحديث عن تفجير وقع قبل لحظات .




همست بها من دون أن ألاحظ انقيادي إلى الحديث رغما عني وما أن انفرجت شفتاي عن ابتسامة ، سببها تخيلي لهيئة السائق لحظة سماعه بالأمر ، حتى اندفع ذلك الحانق معقبا : لقد أصبحت أكثر خساسة مما نعتقد .
صدمني القول ولم أعقب بشيء وإن لم يخل الأمر من تقريع ، لمت به النفس على هذا الانقياد السلس نحو الفخ المنصوبة لها .
لم ينقذني من هذه الورطة ، سوى الثاني صاحب اللسان السليط ، حين اندفع قائلا : عجبا لكم ، إن تحدثنا عن معونات تستخفون وإن تحدثنا عن تفجيرات تتخوفون .. وإن قال أحدهم الجهاد ، قلتم السلام وإن قال السلام رميتموه بالاستسلام .. أنتم مع الوطن أم ضده .. مع الحرب أم مع السلام .. حددوا أهدافكم .
استعر الوضع بداخلي وظننت للحظة ، بأن ريحا سموما تنتشر في الفضاء الذي يغلفه ، وأطبق صمت خلت معه أنهم جميعا قد لفظوا أنفاسهم ، ليتضح بعد حين بأنهم تواروا لبعض الوقت ، حيث تململ أحدهم قائلا : أهدافنا ! ..لنعرفها أولا ثم نتحدث عنها .
زمجرت الريح مرة أخرى ، والعاصفة التي حسبتها ولت ، عادت لتضرب من جديد ، فالقنبلة التي ألقاها الأخير ، زلزلت المكامن بداخلي ودفعت بحشد من الناس لا أدري من هم ولا من أين أتوا ، ليجتمعوا على هذا النحو بداخلي وكأن هذا الفضاء بين جوانحي ، قد أصبح من الاتساع ليشمل الكون كله ، ومن حيث لا أدري شعرت أني أجذب إلى عمق هذا الجسد الممزق بتوجهاتهم رحت أحدق في الوجوه .. أحاول قراءة ملامحها أو التعرف عليها ، فرأيت فيهم خليطا كالذي أراه كل يوم ، أعرف بعضهم أو أكاد وبعضهم لا أجيد التعرف عليه ، أما الغالبية التي أشاهدها للمرة الأولى في هذا النهار ، فهي عامة كعامة الناس ، تظهر في لحظات فاصلة ، تثبت وجودها ولو شكلا ، ثم تعود لتغفو في سبات عميق .
على عتبة البيت من الداخل ، طالعتني أكياس صغيرة ، كتلك التي يوزعونها على الناس درأ للجوع المتربص عند الباب ، فانتابتني قشعريرة مباغتة ، سببها ظني الذي شك بأن أحدا ما قد جلبها إلي .
صحت بلا وعي مناديا على زوجتي ، فهرعت من الطابق العلوي هلعة فزعة تمتمت بأشياء لم أفهمها وربما استعصى علي فهمها ، أشرت إلى الأكياس وسألتها بحنق : ما هذا ؟ .
- أغراض اشتريتها قبل ساعة ولم أقو على حملها ، فتركتها حيث ترى .
- وما حاجتنا بكل هذا ؟.
- الناس يعدون أنفسهم للأسوأ .
- يعدون أنفسهم أم يعدون بطونهم ! .
- أنفسهم أم بطونهم ، كل يعد على طريقته .
صوت التلفاز بقربي يعرض آخر ما توصل إليه المجتمعون في بيروت وصوت الناس وهم يتساءلون من حولي ، عن جدوى البيانات أمام آلاف الدبابات المحتشدة حول المدن الفلسطينية ، فتذكرت عبارة طالعتها على الزجاج الخلفي لإحدى السيارات العابرة وجاء فيها ( علي الطلاق ما أنا فاهم حاجة ) .
كدت أغرق من الضحك حينها ، لولا خشيتي من سوء الظن بي وعاودني ذلك الإحساس الآن ، لكني آثرت الصمت أمام نظرات زوجتي الممتعضة من طريقة تخاطبي معها .
غير أن عودة ذلك المشهد للذاكرة مرة أخرى ،أعاد إلى النفس لحظات تأمل راحت تتابع الكلمات مدققة في دلالاتها .
صاحب اللسان السليط قاطعني متهكما : صاحبك حمار .
وقبل أن أتدارك ما رمى إليه ، عقب أخر بامتعاض : دعك من خلق الله وابدأ بنفسك .
لم أدر كيف انفلت زمام الأمور من يدي إثر ذلك ، ولم أدر كيف تدافع الناس غاضبين ،حطموا كل الحواجز بداخلي ، رغم شكي المسبق بوجودها أصلا ، وما كان مجرد حديث عابر أصبح عراكا داميا بين أناس بالكاد تميز بينهم ، وما بدا سهلا يمكن حصره في لحظة ، بات يخشى الاقتراب منه ، وسط هذا الجنون الذي تحول إلى صراخ وهتاف ..أشياء تتطاير في شتى الاتجاهات وغبار غلف سماء المعركة..هياج يعصف بكل شيء من دون غلبة لأحد .


سؤال باغتني على نحو مفاجئ : كيف يميزون بين هذا وذاك ؟ . وكيف يعرف كل طرف خصمه في هذا الأتون المستعر ؟ .
هذا ما يعنيك من الأمر ؟ . ، صوت جديد في هذه المرة .
لم أقصد ذلك ولكن الأمر ملفت للنظر .
-هي الأشياء يا صاحبي ، تحرك الناس وفق أهدافهم وبها يتباينون .
أحد الانتهازيين بداخلي باغتني حين صاح على نحو لم أكن لأتوقعه من مثله : أوقف المهزلة وكفاك هذرا .
تغاضيت وكأن الأمر لا يخصني ، بالطبع لم أعمد إلى ذلك ولكنه لم يكن رغما عني وربما كان بإرادتي ، فما عاد يهمني ذلك في شيء خصوصا مع تسري شعور بالدهشة وربما الإعجاب ببلادة أسرتني وسببت لي ارتياحا لا يعرف مذاقه ، سوى أولئك المتبوئين للمقاعد الأمامية من صفوف المتفرجين .
وربما هناك شيء أخر ، لعله كان السبب في ذلك الصمت المتفرج ، ربما هو النهم الغاشم لمعرفة الأمور ، لدرجة أن وصل انزعاج ذلك الدعي أو المصلح المزعوم وهو يحاول الحؤول بيني وبين ما أريد ، إلى حد الصد الذي هدد بفتح معركة أخرى .
- كفى .
صاح الدعي بعد ما يئس من تدخلي ، فصمت الجمع على نحو فاجأني ودفعه للمضي في الصياح والتنظير : لا تجعلا من وجهة ننظر عابرة مثار فتنة وخلاف .
- أي وجهة وأي نظر بعد أن شتمني ودعاني بالحمار ؟ .
-لا ضير فكلنا من خلق الله .
كدت انفجر من الضحك أمام هذا الفهم المزعوم وهذا التسطيح الذي يبوئ الكثيرين أماكن لا يستحقونها ولكن العجب العجاب أصابني حين التزم الجميع بالأمر ، ترى هل كانوا بحاجة لمن يقول كفى ؟ ، أم أن الإعياء أنهكهم ، فاستكانوا لأول فرصة؟


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .