غــَريـب فـي آيـسـلـنــدة
الـدكـتـور عـبـدالقادرحسين ياسين*
لم أكن أعـرف أحداً في تلك الأصقـاع الشمالية المتجمدة ، ولم أكن أعـرف كيف أصل الى بلدة (تروند) أو أين هي "تروند" أصـلا ، وكم تبعـد عن العاصمة الآيسلندية ريكيافيك .
لذلك إرتميت متعـباً في المقعـد الخلفي من سيارة الأجرة الصغيرة ، وقلت للسائق : "إلى فندق تروندال من فضلك ، إنني لا اعـرف العـنوان..."
كنت قد سمعـتُ بـفـنـدق "التروندال" من الصديقة الدكتورة إبتسام الخطيب ، وكانت الدكتورة الخطيب قد حذرتني من أن "التروندال" هو "أغـلى فـنادق المدينة"... وقلت يومها : "كلها ليلة واحدة ، وأنت الغـريب في بلد لا تعرفه ، فلم لا ؛ أين ستذهب في هذا الصقيع ؟!"
سالت موظفة الاستقبال الحسناء عن أجرة الغـرفة ، فقالت لي، بأدب جـَمّ اشتهرَ به أهلُ الشمال : "ستمائة كراون آيسلندي ، يا سيدي" [أي ما يعادل 120 دولاراً أمريكيـاُ.]" ؛ أما إذا رغـبت في قضاء أسبوع أو اكثر فان فالأجرة ستكون خمسمائة كراون في الليلة الواحدة" ... ولم تنسَ أن تذكريني بان هذه الأجرة تشمل الفطور فقط...!
سـَحـَرتني "تروند" ، وكدت ، وأنا امشي على شواطئ "ألفيورد" الذي يشطرهـا ، وأشاهد جبال الجليد التي تنتصبُ كوحوش الأساطير في الميثولوجيا الآيسلندية ، كدت أنسى أنني جئت إلى هنا بدعـوة من "المعهد الآيسلندي للشؤون الدولية" للمشاركة في ندوة حول "الصراعات العـقائدية في العالم الثالث" ...
وكان كل من رآني يسـألني بتهذيب شـديد :"هل أنت قادم من وراء البحار يا سيدي؟" وعندما كنت أجيب بأنني قادم من تلك البـقعة الساخنة من العـالم المسماة "الشرق الاوسط" ، كان الجميع يتنهدون في تعجب ، ويعـرضون عليّ الضيافة ، ويرحـبون بي كما كان اهل تمبكـتـو يرحـبون بتجار التوابل القادمين من الهند.
كان من المفروض أن أجـد مندوباً عن المعهد بانتظاري في المطار ، ولكن عاصفة ثلجية أدت إلى تأخر وصول طائرتي من أوسلو خمس ساعات كاملة ...
ويبدو ان الصورة النمطية للعـرب ، وعـدم إحترامهم لعـنصر الوقت ولآداب السلوك في أذهان شعوب الشمال ، دفعت الرجل ـ كما أخبرني فـيما بعـد ـ إلى الاعتـقاد بأنني ربما قررت عـدم الحضور ، ولو كلـف نفسه عـناء السؤال لعرف السبب ، ووفر عليّ مشـقة القيام بتوضيح الصورة...
لكن كان لابد لي من أن أنسى سحـر "تروند " ، وأن اتحرك .....
ولكن كيف ؟
ومن أين أبـدأ ؟
ومن أعـرف هـنا؟
وبينما كنت اطرح على نفسي هـذه التساؤلات وأنا أعـبرُ الشارع العام ، لمحتُ بالنيون العـريض اسم صحيفة "نور ليس" (الأنوار الشمالية) ، وقلت في نفسي : فـُرجـَت... لا شك في أن أحـد المحـررين يعرف مكان الندوة ، أو على الأقل عنوان "المعهد الايسلندي للشؤون الدولية" ، وسيتفضل مشكوراً بارشادي إلى المكان...
وقفتُ عند البوابة حيث وضع "كاونتر" خاص للاعلانات المبوبة ، ثم تـقـدمت من احدى الحسناوات هناك ، ورويت لها مشكلتي ...
وابتسمت... وقالت : "ليس في استطاعـتي عمل أي شيء ، لكن اقـترح أن تقابل محرر الشؤون المحلية ، فهو لا شك سـيـفـيـدك" ...
واتصلت بالمحرر ، وقالت له : "ثمة غـريب غـريب الأطوار، وصل لتوه من الشرق الاوسط ، وهو يريد مساعدتك..." وقالت لي اسم المحرر ، لكن لكثرة خجلي وشدة تسرعي لم اسمع الاسم جيدا ... وصعدتُ إلى الطابق السابع ، فوجدتُ في انتظاري عملاقاً ضخم الجـثة ، كثيف الشعر، وكأنه واحدٌ من محاربي "الفايكنغ" الذين تتحدث عنهم الاسـاطير .
رحب بي الرجـل بحرارة ، وأجلسني إلى جانبه ، ودون أن يكلف نفسه عناء السؤال ، تناول زجاجة من “الاكوافيت"Aqua Vit ، المشروب الوطني الآيستندي الذي تبلغ نسبة الكحول فيه 68% فقط ، وقال : "انك تكاد تـتجمد (كانت درجة الحرارة 35 درجة مئوية تحت الصفـر) ... تناول كاسا واحدة من الاكوافيت وستشعر بالدفء !"
شكرته وقلت له انني لا أتناول الكحول على الاطلاق ...
طلب إلى السكرتير ة ان تـُعـدَّ لي فنجانا من الشاي ،
وأخـذ يشرح لي فوائد "الأكوافيت" قائلا : "الكأس الأولى تنقلك من الدائرة القطبية الشمالية إلى خط الاستواء ...، اما الثالثة فتنقلك إلى جهنم والعالم الاخر...!"
قلت له انني تاخرت في الوصول إلى ريكيافيك لأسباب قاهرة ، وانني أجهل مكان الندوة ، او حتى عـنوان المعهد ، وقال الرجل في كل بساطة وتهذيب :
"سوف اوصلك بنفسي إلى مكان الندوة ، فانا مكلف بتغطيتها ... وأعتقـد أنك أول عـربي تـطـأ قدماه "مدينة" تروند ، وأود أن أحيـطـك علـمـاً بأننا على موعـد مع الانتخابات البلـدية في الأسـبوع المقبـل ، ويشـارك في هـذه الانتخـابات خمسة أحزاب يتنافس ممـثلوها للفوز بمقاعـد المجلس البلدي والحكومة المحلية...(بالمناسبة ، لمن يـهـمـه الأمر ، يبلغ عـدد سكان آيسلندة 285 ألف نسـمـة... وتبين لي ، فيما بعـد ، أن عدد سكان "المدينة" لا يزيد عـن ثلاثة آلاف نسمة ، "وربما كان من المفيد لرجل مثلك الاطلاع على تجربتنا الانتخابية ...
"هل تعلم أن ابن رئيس البلـدية الذي يمثـل الحـزب الشـيوعي ينافس والـده المسيحي المحـافـظ؟ ، وهل تعلم أن الحكومة [المحلية] الحالية تضم خمس نساء احداهـن في السبعـين من عمرها؟!"... شكرته ودخلت إلى قاعـة المعهـد .
خرجت من الفندق قاصداً مسرح "هنريك إبسـن". اشتريت بطاقتين واحدة لي والأخرى للدكتورة ابتسام الخطيب ، لعلنا نشاهد المسرحية معاً. يبدأ العرض في الساعة السـابعة مساءا... ما زالت أمامي ثلاث ساعات ونصف الساعة . اتصلت بالدكتورة الخطيب لأحيطها علماً بأنني سأكون بانتظارها... إعتذرت عن الحضور لانها مضطرة لانجازعمل متراكم منذ اسبوع، ووعـدت بأن نـشاهـد المسرحية في اليوم التالي...
وقـفـت أنظر إلى الطابور الطويل أمام شباك التذاكر . ليس ثمة شك في أن أي واحد من هؤلاء الناس سيكون مسروراً للحصول على بطاقة؛ فهو ـ على الاقـل ـ سيوفر على نفسه مشقة الانتظار في هذا الجـو الذي بلغت فيه درجة الحرارة 35 درجة تحت الصفر.
في آخر الطابور رأيت فتاة تقف بانتظار دورها وهي تتململ ...فجاة لمعـت في ذهني فكرة ؛ تقدمت اليها وقلت لها بأدب أنه يسرني جداً أن أدعـوها لمشاهـدة المسرحية معاً... نظرت اليَّ مليـَّـاً ، ووافـقـت وهي تبـتـسم...
قرأت في عـيـنـيـها الزرقـاوين علامات الرضى والاطمئـنان لهذا الغريب ... ما زال أمامنا ساعة ونصف الساعة قبل بدء العـرض . دعوتها لتناول فنجان من القهوة في كافتيريا المسرح ، فوافقـت على الفور ، وتعارفـنا...
“إلسهElse ، في الثلاثين من العمر ، أعد لنيل الماجستير في الفلسفة الإغـريقية وأعمل في دار الكتب الوطنية بالعاصمة ريكيافيك ."
"عبد القادر، فلسطيني حضرت الى ريكيافيك بدعـوة المعهد الآيسلندي للشؤون الدولية لالقاء محاضرة حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي... هذه أول زيارة أقوم بها لهذه القارة المتجمدة التي أحاطني أهـلها بالرعاية والدفء..."
قالت وهي تبتسم : "منذ أن رأيتك وأنا أحاول أن أتذكر أين شاهـدتك من قبل . لقد تذكرت الآن ... مساء أمس في البرنامج التلفزيوني بانوراما... لقد بـدَّدَ حديثك الكثير من الأوهام العالقة في أذهاننا حول الديمقراطية في اسرائيل..."
وتحدثنا طوال ساعة كاملة في مواضيع شتى عن قضـيـة فلسطين ، والمشكلة اليهودية ، والديانات ، وحقوق الانسان ، والفلسفة الاغـريقية ، و"الإرهاب" ، والعالم الآخر ...
وفجأة ، وبدون مقدمات ، سألتني : "هل لديك شكوك ؟"
شكوك ؟
"نعم ؛ لقد اتضح لي من حديثك أنك واسع الاطلاع في الفلسفة وفي الديانات القديمة ، وقد حدثـتـني بأمور لم اكن اعـرفها عن باروخ سبينوزا ورينيـه ديكارت وغـوتـفريـد فيـلهلـم فون لايـبـنـتـس ، وغيرهم من الفلاسفة في الشرق والغرب ... هل لديك شكوك ؟
وأعترف بأن سؤالها هذا أخـذني على حين غرة .
لقد أربكـني فعلا... نظرت عبر النافذة في محاولة لأتغلب على الحيرة والارتباك اللذين أوقعـني فيهما سؤالها المفاجئ ، وقلت لها :
"في الواقع ، هـذه هي المرة الأولى التي أجـد فيها نفسي أمام إمتحان من هذا النوع ... ان مثل هـذا السـؤال لم يخطر ببالي من قبـل ، ولكني سأجيـبـك على سؤالك: كلا ليس لديّ شكوك ، ولكن عـنـدي الـكـثيـر مـن التساؤلات ..."
ولكي أنقـذها من نظرات الحيرة التي بـدت في عينيها أكملت حديثي موضحا :
"ان التساؤلات هي الأسئلة غير المحـلولة بعـد ، وهي تعـبير عن مستوى المعـرفة الذي وصل اليـه الانسـان ، ولمـَّـا كانت المعـرفـة غير المحدودة ؛ فلا بد أن يكون لدى الانسان ـ وعـلمه محـدود بالضرورة ، بالـقياس إلى بحر المعـرفة الذي بدون شطآن ـ هامشٌ للجهل... ان التساؤل هو الرغـبة في التغـلب على هذا الجهـل ، وأعـتقد أن التساؤل طريقٌ لا مناص منه للوصول إلى الحقـيقة... إنني اؤمن ايماناً راسخاً بالفلسفة العلمية ، ولا يساورني أدنى شك في صحتها...إن الشـك يزعـزع أركان العـقـيـدة ، ولا أسـتطبع أن أزعـم ـ "وما أوتيت من العـلـم الا قليلا" ـ أنني أحطت بكل مسائل الفلسفـة.."
قاطعـتـني بأدب جـَمّ : "لقد فهمت...أشكرك جزيل الشكر لهذا التوضيح القـيـَّم..."
بعـد مشاهدة المسرحية افـترقـنا ، وذهب كلٌ منا في طريق ... ولم التق إلسه بعد تلك الرفـقـة التي أهدتني إياها الصدفة ، وكلما تذكرتها يغـمرني شعـور بالرضى والامـتـنان لتـلـك الفـتاة الآيسلندية الذكية الطيبة الجميلة التي أتاحت لي أن أفهم الـفـرق بين الشك والتساؤل ...وليس هذا فحسب ، بل وأن احب التساؤل دائما...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتـب وأكـاديمي فلسـطيني مقيم في السـويد .






