امرأة سعيدة.. أم امرأة تتوق للسعادة!!
مونودراما تستحق وقفة تقييم!!
بقلم : ديمة جمعة السمان
دخلت قاعة العرض لأرى على خشبة "المسرح الوطني الفلسطيني" في مدينة القدس، امرأة تجلس على كرسي خشبي هزاز باسترخاء، وتغط في نوم عميق.. فتنطلق موسيقى غربية .. فتصحو مذعورة .. تلملم قطع الملابس التي تقبع على الأرض عند قدميها بسرعة.. لا تعرف ماذا تختار منها لتلبس .. وأخيرا تنتقي فستانا ، فتلبسه على عجل معكوسا..فهي متوترة .. ثم تعيد لباسه بالشكل الصحيح.. تتأمل نفسها في المرآة، ترضى عن نفسها.. وتبدأ في عمل المنزل اليومي.. تختار بعض الملابس لكيّها وهي تقف أمام نافذة يطل على منزل مقابل منزلها.. فتشعر بالسعادة عندما ترى سيدة تطل من الشقة المقابلة.. حيث أنها كانت تعتقد أن المنزل لا يسكنه أحد.. وتبدأ بالدردشة مع الجارة .. فتفتح لها قلبها .. وتتحدث عن مأساتها بماضيها وحاضرها..وكأنها تنتظر من يسمعها .. فهي تشعر بوحدة قاتلة.. زوجها يخرج في الصباح الباكر .. ويغلق عليها المنزل بالمفتاح .. ويتركها مع طفلها الرضيع الذي ينام طيلة النهار. كما يعيش معهم سلفها(شقيق زوجها)..الذي يفتقد الى أدنى درجات المثل والأخلاقيات ، فكان السبب في هروب الخادمات من بيت أخيه وزوجته ( ماريا).. ولم تسلم ماريا من مضايقات ومعاكسات سلفها هي أيضا..ولا حياة لمن ينادي.. زوجها لا يسأل ., فهي لا تختلف عن أية قطعة أثاث في المنزل.
حتى الحياة العاطفية بينهما حياة روتينية بنغم واحد .. فيسهل استغلالها من قبل شاب أصغر منها بمساعدة أمه.. ظنته صادقا بعواطفه.. إذا بها تكتشف أنها ضحية لألاعيبه.. هدفه النيل منها فقط.. ويكتشف زوجها خيانة زوجته..فيشدد عليها الخناق.. ويتابعها ويراقبها حتى وهي سجينة المنزل .. هل تحدثت بالهاتف؟؟ مع من؟؟ هل نظرت من النافذة؟؟ الخ..
باختصار امرأة تائهة.. مشتتة .. حاولت الإنتحار أكثر من مرة.. لتضع حدا لمأساتها.. فلم تنجح.
كانت هذه قصة حياة ماريا.. ظهرت على خشبة المسرح بصورة متميزة مبدعة.. استطاعت الممثلة بجهود المخرج أن تجعل المتفرج يرى الشخوص التي كانت تتحدث عنهم.. حتى أنني عشت مع ماريا أحاسيسها طيلة ساعة العرض.
الديكور بسيط جدا ومتعدد الإستعمالات .. فقد كان الحجر تارة مكواة، وتارة بندقية.. وكان الكوب البلاستيك تارة كوبا تشرب به الماء وتارة تلفون.. ومع ذلك تقبله المشاهد ولم يعترض على ذلك.. حيث أن أداء الفنانة المبدعة نسرين فاعور كان مقنعا جدا ومتقنا جدا ..وقد ساعدها على ذلك النص المتميز.. والإخراج المبدع للفنان كامل الباشا.
انتقاء المؤثرات الموسيقية للفنانة ريم تلحمي كان موفقا جدا.. جعل العمل الفني متكاملا.. كما كانت الإضاءة للفنان رمزي الشيخ قاسم تدعم العمل وتسانده مما جعل العمل يصل إلى درجة الإبداع.
القضايا التي تم طرحها في المسرحية قضايا هامة جدا وحساسة جدا وخطيرة جدا ..تتعلق بالمرأة وانسانيتها.. وعلاقتها مع شريك حياتها ..فهي تشكل ما يزيد عن نصف المجتمع..
وهنا يبقى لدينا سؤالا ملحا علينا طرحه بمنتهى الصراحة والموضوعية.. ما هو تأثير عرض موضوع المسرحية على مشاهدنا الفلسطيني العربي المحافظ بالجرأة التي شاهدناها على خشبة المسرح؟؟.. الموضوع جريء جدا ..يتحدث بتفاصيل لم يعتد مجتمعنا أن يطرحها على الملأ.. قد تطل عليه عبر التلفاز بزيارة داخل منزله فيشاهدها وحده أو مع عائلته .. وهنا يختار ، إما أن يشاهدها أو يدعو قناة تلفزيونية أخرى بواسطة( الريموت كونترول).. فهو يعتبرها خاصة جدا ولها حرمتها.. أما أن تقوده رجلاه لعرض كهذا على خشبة المسرح الذي اعتاد على أن يكون ملتزما وفق مفاهيمه للإلتزام..!! لا أدري؟؟ أعتقد أن هذا يستحق وقفة تقييم للفكرة والنص المطروح وأسلوب الطرح.. هل يتقبله المشاهد؟؟ هل يحتاج المشاهد لتهيئة تدريجية من خلال أعمال تدريجية أقل جرأة ؟؟ هل يعود العمل على المشاهد الفلسطيني المحافظ بنتائج ايجابية ام غير ذلك؟؟ كل هذا يتطلب أجوبة مدروسة بعمق نفسيا واجتماعيا من قبل مختصين للبت بالأمر.. خاصة أن العمل أثار نقاشا حادا بعد الإنتهاء من العرض بين الجمهور.. حيث انقسم إلى فريقين : فريق يؤيد الفكرة ويدعمها بجرأتها.. مقتنع بأن على الفنان أن يلقي الضوء على مثل هذه القضايا - وخاصة قضايا المرأة التي تعيش بالظل ، ويتم استغلالها من الرجل أسوأ استغلال - كما أن على الفنان أن يدق جرس الإنذار للرجل ..يهزه ويطلب منه التنازل عن روح رمسيس التي تسكنه..وبهذا يرى البعض أن هذا الطرح هو حلا فعّالا سيأتي أكله.. أما الفريق الثاني فقد رفض الأسلوب وحذر من طرح مثل هذه القضايا بهذه الجرأة .. حيث أن ردود فعل الجمهور لن تكون بصالح الهدف الذي عرضت من أجله المسرحية.. حيث أن النتائج ستكون وخيمة.
وعلى الرغم مما ذكر .. أو سيتم ذكره من ملاحظات حول العمل الفني المذكور.. أعتقد أن مسرحية امرأة سعيدة.. والتي كان من الأجدى أن تسمى بامرأة تتوق للسعادة.. هي مسرحية ناجحة.. لأنها استطاعت أن توصل الرسالة بصراحة ووضوح.
كما أنني أعتقد أن هناك العديد من القضايا التي تستحق إلقاء الضوء عليها..والتي قد تكون بحساسية قضية مسرحية امرأة سعيدة.. فالفنان المسرحي يقع على عاتقه مسؤولية كبيرة في مجال التوعية الإجتماعية والإنسانية وغيرها.. فالإنتقاء الجيد يميزه عن غيره من المخرجين.. خاصة إذا استطاع توظيفه بصورة ذكية ومناسبة.. يتلاءم والمكان والزمان المناسبان لطرح القضية بالصورة اللائقة التي تتجاوب ونفسية المشاهد فتحدث الأثر.. ويكون لها فاعلية.. فتخدم(الهدف).
**********************







