علاقة الاسكافي بالصحافي كعلاقة الخط والريشة
بقلم / *محمد الأمين ولد يحيى
أن تكون في هذا البلد يجب عليك أن تغمض عينيك كي لا ترى الطريق التي تسير عليها، وأن تتلطف برفق لكي لا تطأ على الأشواك التي وضعت في ممرك, وأن تكبت كل ما تحس به من آهات وألم 'فلكي تتعامل مع كل هذه الأشياء من حولك, يجب عليك أن تغض الطرف وتحفظها عن ظهر غيب.
* * *
ولأن تكون صحفيا أو كاتبا ما أو مصرا فوتوغرافي أو راء يجب عليك أن لا تلفظ بعض الجمل وأن تكتبها إطلاقا لأنها محظورة في عالم "المال والأعمال"، وأن تبتكر أسلوبا آخر يكون ماركة مسجلة باسم السلطان. فهم لا يقرون إلا دستوره البارغماتي.. لخلق بوليس وجمركيين و بياطرة للألفاظ على الورقة التي يكتب عليها.
* * *
فهم أرادوك.. يا حـنفي..، خارج هذا العالم الذي بنوه بدساتير وضعت لجلد الكتابة ونفيها من عالم الصحافة.. وبذلك يخلوا لهم جو التسلق على جدران الأحرف الأبجدية وتمزيق كل مقروء.. لأنهم لا يريدون إلا مؤتمنا أمينا على خزائنهم "المنهوبة" أو حارسا أبكما وأصم وكاتبا مأجور الأنفاس بـ"سمسرة" يتلقاها حيال تلميع أباطرة مملكتهم التي بنوها رغم أعيننا بالصفقات المشبوهة والثروات المغتصبة.
* * *
يا سادتي: كيف يسجن أصحاب الرأي، ويدان من قال "لا" في تشهده؟! ولماذا يسجن من استعمل حق التعبير عن رأيه، حتى تحول من صحافي إلى إسكافي بحثا عن الحقيقة، كيف يسجن هؤلاء ويطلق سراح سماسرة الافيون والمنخرطين في شبكات الارهاب.
* * *
طوبى لمن صنع من الكلمة أحذية يصفع بها أعداء الحق، حتى دخلت في قدسية التاريخ وأصبحت الحرف "التاسع والعشرين"، أداة للرفض عندما يعجز الكاتب وتضيق به العبارة.
يا سادتي الكرام متى أصبحت "الكلمة" مدانة إلى هذا الحد كالبغاء والأفيون يسجن صاحبها مع مهربي الحشيش والمدانين بجرائم القتل والزنا.
* * *
لا جرم أننا تعلمنا أن من يريد أن يتهجى حروف الكتابة أو يلفظها بأسلوب صحيح عليه أن يحفظ عن ظهر غيب أن الإمبراطور فوق القانون، ووحده الله الآمر والناهي.!
* * *
صديقي حنفي بهذا أنت بنظرهم تستحق أكثر من السجن لأنك منفي عندهم، ولذا أرادوا شطب الحرف الأول من اسمك على قائمة المطلوبين والموقوفين، والممنوعين من الكتابة.
لقد سجنوك لمجرد أنهم يريدون حظر "الحاء" من اسمك فيصير "نفي" وتكون حالتك هذه، كواقعنا منفيين من هذا الوطن الحبيب ومغتربين حتى داخله، فلا أحد يجيرنا من هؤلاء، ولا أحد يتذكرنا لأننا نكتب ما لا يقرأ ونقرأ ما لا يكتب.
* * *
صديقي حنفي.. فأنا مثلك تقمصت من الخوف شخصية الاسكافي، وتسلقت بعيد عن أعين الرقيب حرف الصاد (ص) في لغتي وجلدت "الحاء" وطردتها من اسمي واسمك... وصفعت "الألف" العارية النكراء، وقتلت "الـفاء" وذبحت "ة" تاء التأنيث البلهاء.
ولأني قد أكون متهم مثلك عندهم يوما ما، فسأنتقم لك من نفسي ومن الـ"صحافة" في محاولة لجلد الذات "الصحفية" لأنها تحتاج إلى قانون يجيرها قبل أن يمنحوها جواز مرور لـ"التسفير"، -خارجا- فأنا مدان إذا كتبت وإذا لم أكتب، ومدان إذا قرأت، فـاعلنوا يا معشر "الصحافة" استشهاد الحرف من صحفنا، وأعلنوا استقالتكم من مهنة الحرف، لأن علاقة الكاتب بالكتابة كعلاقة السجان بالمسجون، وعلاقة الاسكافي بالصحافي كعلاقة الخط والريشة.






