وللسيطرة مفهوم آخر
بقلم : محمد يوسف جبارين(ابوسامح)..أم الفحم..فلسطين
المقهورون الذين يعانون قهرًا سياسيًا واقتصاديًا، يدركون بأن الممارسة الدمقراطية نتاج تطبيق حقيقي للدمقراطية. وأما في سياقات القهر، فإن هذه الدمقراطية تغيب وتختفي مع ما كان يُفترض أن ينبثق عنها من معايير وتقاليد، وممارسات. فلا ممارسة ديمقراطية بوجود قهر سياسي. ذلك بأن القهر إلغاء صريح لهذه الممارسة، وإلا ما كان قهرًا.
فحيث نجد قهرًا سياسيًا لا نجد ممارسة ديمقراطية، حتى ولوعنونوا الدولة بكلمة ديمقراطية. ونجد النظام القانوني في كذا دولة فاسحًا، سانحًا، سامحًا. ومشاركًا في علاقات السلطة والقوة والسيطرة والقمع والقهر.
ولقد كانت النُظم القانونية التي وضعتها الأنظمة الاستعمارية في مستعمراتها بمثابة عدوان مصوغ في شكل قوانين، يتم الاعتماد عليها في قهر ارادة المواطنين.
فحرصًا على القانون والنظام تُحارب الأفكار، وتطارد الحريات، وتعتقل القدرات، وتحتجز الامكانيات. ويرزج بالطلائع من الرواد والأحرار في السجون.. هكذا كان وكائن وسوف يكون طالما أن نظامًا كهذا قائم أو يقوم.
وكان القهر السياسي والاقتصادي من ضرورات السيطرة، تمامًا مثل ما أن السيطرة من ضرورات تشكيل الظروف ، وتوفير امكان تحقيق الأغراض التي بررت للمستعمرين استعمارهم ، لشعوب قست عليها ظروفها، فزادها الاستعمار قساوة وشقاء.
ولقد نطق القهر في وعي الفقراء المغلوب على أمرهم، وأبان بأن الغايات الموضوعية لذلك النظام القانوني ، انما تتناقض مع الغايات الاجتماعية التي يدركها المقهورون من مجتمعاتهم المقهورة. وبأن المقهورين فيما لو التزموا النظام القانوني الاستعماري وأطاعوه واحترموه ، لتنازلوا عن حقوقهم في الحياة ، وفي أرضهم بمحض ارادتهم. وأما اذا احترموا أنفسهم، وانحازوا الى حقوقهم ومصالحهم، وعرفوا غاياتهم الاجتماعية، وعرفوا أسلوبًا اليها لوجدوا بأن نظامًا قانونيًا آخر ، يجب أن يحل محل ذلك النظام القانوني المفروض عليهم بالقوة. وبأن النظام القانوني الجديد، يجب ان تكون غاياته الموضوعية صياغة دقيقة وصحيحة للغايات الاجتماعية التي يدركها المقهورون عن واقعهم الاجتماعي، والى هنا أو يتنازلوا أو يعاندوا ويكافحوا ويتحركوا في مواجهة الصلف الاستعماري، واعين مدركين بأن قدرتهم كامنة في ذاتهم .
هذا الادراك صحوة شعور وفكر، وباقترانه بالارادة والعزم. يغدو حركة ذات مبدأ واتجاه.. قيادات طلائعية، وجماهير تكافح من أجل حريتها.. تريد حقوقها، وتسعى بالوعي والعمل اليها.
وهذا بذاته زعزعة تضرب السيطرة والأطماع الاستعمارية. مما يدعو المستعمرين بحرصهم على أطماعهم وأغراضهم، أن يضاعفوا من القهر تدعيمًا للسيطرة. وهكذا يجري التناقض في الزمان، وتتطاحن الارادات المتصارعة وكل منها بقدرته يصارع .
فإرادة الجماهير تتحرك من أجل الاستواء بحق على حقوقها .. على عدالة راسخة بنص القانون. وضمانات الممارسة والمشاركة ، وفي حقها في الاختلاف في فلسفة الحياة والحكم.
وأما ارادة القهر فتتحرك لتحرس ظروفًا، قد أحاطت الجماهير بها وكبلتها ، وهي الظروف التي تعني استدامتها بقاء السيطرة ، على مسافة بين الجماهير وبين حقوقها التي تطالب بها.
وهكذا حركتان، حركة تريد نفيًا لظروف سائدة حولها، وحركة تحرس هذه الظروف وتريدها باقية أبدًا.. ارادتان، ارادة التغيير وهي ارادة الجماهير. وارادة الاستنقاع في القيود، الى درجة التبلد وفقدان الحس بالقيود، وهي ارادة القهر.
ومن هذا التناقض الذي أقامته علاقات القوة بالسلطة ، بالسيطرة ، بالرغبة في السلب، ينشأ الصراع.
وعلى أكف الصراع تتنابذ الأضداد، وتنكشف ماهيات المتناقضات، وتطفو وتغدو مادة المناقشات والمقالات، في القضاء العمومي . فكذلك يستخرجها الصراع من حصارها، الى فضاء واسع.
وأشد ما يخشاه الظالمون، انكشاف ظلمهم، وافتضاح أمر ممارساتهم القمعية. يصبح صعبًا عليهم أن يقدموا صورتهم للعالم على الصورة التي يريدونها ويرغبونها. وهذا في جوهره استيلاء قوة تنغص وتشتت وتربك، ولربما ترغم على تراجع وتعديل في ممارساتهم . وذلك لا يكون ممكنًا، من دون ظهور الصراع ، بمظهر تظهر فيه حقائقه ، بأدق تفاصيلها . فوقت استعار الصراع ، تظهر بإزاء الحرية كافة المعترضات التي لطالما اعترضت سبيلها، تبرز جلية واضحة، ولا يظل ممكنًا لأي منها أن يبقى خفيًا، او مستورًا بوهم أو لعبة خداع أو جهل. فساحة الصراع تتجلى آنئذٍ وكأنها معرض للحقوق السليبة. وعرضًا للاستبداد وفضحًا له ولأساليب القهر على حالها الذي تبدو فيه في الصراع .
فالفكر ساعة الصراع ينصب على ضرورة انتصاره ، في تشكيل وعي صحيح بالصراع وأسبابه، فهنا مطالب الحرية، وهنا تبريرات القمع ، كما تنحدر من علاقة السلطة بالقوة ، بالأطماع.
ولذلك كان الكفاح ضرورة اظهار الحقوق، والكلام عليها، والتبصير بها، وإبداء الاستعداد الدائم لبذل الجهد من أجل الحصول عليها. والبذل بنشاط دائب ، ووعي مستفيض ، بصير بالمتغيرات السائدة في الواقع . والوثوب نحو أهداف واضحة ومحددة، تعرفها الجماهير من ظروفها التي تضغط على أنفاسها .
ولذلك الواجب بانبثاق القدرة، من أصلاب الجماهير، بإحيائها وتربيتها، وحشد الجهود فيها، لتمكينها من الحركة والسعي الدائم في اتجاه الحقوق. ووجوب هذا وجوب العدل بعودة الحقوق الى أصحابها.
ثم إن حسم الصراع، يستوجب أن تكون القدرة، على قدر ما توجبه الاستعادة للحقوق. فالتغلب ضرورة حسم ، كما أنه ضرورة استعادة للحقوق.
وبرغم أن الصراع مناخ صعب، ومناسبة مريرة، واستهلاك جهد لا يرحم ، وبه من المتغيرات المستجدة ما يدور منها في دائرة الاحتمال. فإنه الصراع الذي يمكنه أن يضع أصحاب الحقوق يومًا ما أمام التحولات التي يتطلعون اليها، وذلك فيما لو اقتدروا على ذلك ويجب أن يقتدروا، فأن لا يقدروا يعني أن يعجزوا عن استعادة حقوقهم، ويعني أن حقوقهم تبقى بعيدة عن متناول أيديهم . ولذلك صحيح أن نقول بأن غير الاستجابة للحقوق، الاستكانة أو الاستهانة بالحقوق، أشبه ما تكون بالتوقيع بالموافقة على استدامة الواقع المرير.
أما القدرة على الاستجابة للحقوق، فهي امكانيات، وفاعلية تنظيمية، قادرة على استقطاب الجماهير، في اتجاهات واضحة تتجه صوب غايات، تتحقق فيها حلول مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية.
وثمة اقتدار كهذا بحركة كهذه يستوجب حرصًا دائمًا، من جانب الحركة على تطوير دائم في العلاقات بين وسائلها وغاياتها، واقتدار كهذا على تنبيه الجماهير وحشد طاقاتها وتنظيمها، في فعل مؤثر، يقاوم النزعة نحو ممارسة القهر، يبدو وكأنه خلخلة في نظام السيطرة، ما يستعدي نظام الحكم، السلطة، القوة، القمع،
فمزيد من القهر السياسي بتقييد وتطويق وتفكيك القدرة على الاقتراب من الحقوق. ومزيد من القهر الاقتصادي، بإضعاف البنية الاقتصادية للقدرة المحركة للجماهير. وإضعاف البنية الاقتصادية للجماهير التي منها انبثقت هذه القدرة. اقتناعًا بأنه بهكذا أسلوب تتحقق السيطرة على الجماهير.
وبإرهاب كهذا الذي توجع به دولة ، جماهير باحثة عن عدالة قضيتها ، يتجلى النظام القانوني وكأنه والذين صاغوه في جانب، بينما الجماهير والعدل الغائب في جانب آخر.
وتتساءل الجماهير في تعبير قوي عن حاجتها، متى وكيف يصبح النظام القانوني كافيًا وحاميًا كل مواطن من أي انتقاص لحقوقه، فالجماهير تعرف حقوقها، وتعرف بأن حصولها على هذه الحقوق، وتأصيلها في النظام القانوني للدولة، هو ما يفسح للتفاهم طريقه في الفضاء العمومي، ويعطي مفهومًا للسيطرة مختلفًا. إذ تصبح انبثاقًا من استواء كل المواطنين على حقوقهم، ومن وجوب حماية حرية كل فرد، وكل جماعة، في نشاطها الثقافي والاجتماعي والسياسي. تصبح السيطرة بمعنى الضمان لسير عجلات التقدم والتطور. وتأكيد الهوية للأقلية العربية كأقلية قومية. وهذا المفهوم ضرورة يدركها، من يفقهون الدمقراطية، بفقه الحرية والمساواة المصوغة في قوانين، فيما لو كانت هي جزءًا من النظام القانوني للدولة، لكان أمكن للديمقراطية ان تجد معناها، وان تكون علاقات السلطة والقوة والسيطرة، ذات مضامين تصرف أدوات القمع الى إزاحة المعترضات من أمام سير الحرية في نبض التقدم وعافية التطور، لكل المواطنين على حد سواء.
لكن الاشكالية في أن هذا هو المفهوم المقموع، وذلك بقمع نشأة الأسباب التي بتكونها واجتماعها معًا تُنشئ المعاني والظروف التي تمكن من صياغة ذلك المفهوم وتأصيله.





