الهستيريا تسيطر على الكولونيل "تسيمح" بينما جنده في ارتباك بين خوفٍ وحقدٍ وتوحش،،،الكولونيل يطلب من أقرب عسكري له شربة ماء، يمد يده في جيبه فتخرج بحبتين من الدواء الأبيض الصغير، يُلقمهما فمه ويدلق الماء في فيه غير آبهٍ بالماء السائل فوق بزته وصدره.
الأيدي المتهالكة للأسرى تهب إلى اسعد وتحاول جره إلى عيادة المعتقل، لكن اسعد، ذلك النبع المتدفق بالحيوية، صار جثة هامدة تسحبها الأيدي المتهالكة على رمال النقب، فتخلف على سطحها الرملي أخدوداً متعرجاً ونقاط صغيرة أو كبيرة من الدم، صارت العيون التي اختلطت فيها دموع الغاز ودموع الحزن ترى تلك النقاط نجوماً بعيدة في درب أو مجرة لا يعرف لها بداية أو نهاية.
في الطريق إلى العيادة، وقبل الخروج من السياج السلكي الذي يحيط بالمعتقل، تبادل الرجال الذين سحبوا جثة اسعد نظرات تفيض بالانكسار والحزن حينما تأكد لهم أنهم يحملون جثة بلا روح، كانت الروح قد صعدت في سماء النقب وراحت ترفرف فوق حي الشجاعية مسقط رأسها، حينذاك مددوا الجثة وافترشوا الأرض حولها، وراح احدهم يتلو آيات من القرآن دون أن يرفع ناظريه عن ذلك الوجه الذي كان لهيباً خبا وللأبد.
خلال تلك اللحظات كان "تسيمح" قائد المعسكر يستعيد بعض هدوءه وهو يؤكد لضباطه وجنوده انه بأسلوبه الحاسم والصلب سيردع المعتقلين عن أي خطة قد يفكرون بها، وهو بذلك أيضاً سيساهم في جعل معتقل "كتسيعوت" مقبرة أخرى للانتفاضة وصناعها.
- نعم ... نعم هذا صحيح، قال الضابط "راتس" الذي يعتبر اقرب صديق لقائده تسيمح.
- لكن الم تلاحظ دقة الإصابة؟ لقد وصلت الرصاصة إلى حيث أريدها... الجانب الأيسر للصدر ... الم تلاحظ ذلك؟.!
- نعم، نعم ... ولكن ربما عامل الصدفة ساعد في ذلك ..
قال "راتس" ذلك بخبث، بينما رمقهُ الضباط الآخرون بنظرات الإعجاب والحسد على هذه الشجاعة التي يتحدث بها مع قائد المعسكر الكولونيل، ولما كان "تسيمح" ما يزال مزهواًً بمشاعر النصر الهستيري الذي بدا بمظاهر الهدوء المؤقت في أقسام الأسرى، والذي انعكس في تثاقل حركة الأسرى الماضين إلى خيامهم ، فقد انتفخت أوداجه الحمراء... ولمعت عيناه ببريق من الغضب والاستهتار لحديث العريف "راتس" المستفز، ومرة أخرى يمد "تسيمح" يده إلى بندقية "راتس" ال M16 القصيرة، يتراجع خطوات قليلة إلى الوراء، يسند كتفيه إلى خزان المياه المحمول على قاعدة حديدية .. يضع عقب البندقية على صدره من الناحية اليمنى، يصوب بندقيته بكل مهارة بين عينيه، بدأت عيناه بالانكماش فيما كان يحرك البندقية يساراً ويميناً نحو خيام الأسرى، ثمة عدد من الأجساد تتمدد في الخيمة المواجهة للبندقية، ما عدا جسد واحد يترنح ملتصقاً بعامود الوسط... الجسد يتمايل مع استمرار نوبة السعال المتواصل من اثر الغاز، ينطق "تسيمح" بكلمة واحدة:
- فوق القلب.
- ثم تنطلق البندقية بطلقتين فقط، ومثلما تنهار قنطرة من الحجارة، انهار جسد بسام الصمودي المترنح في رمشه عين لتتواصل حالة الذهول، ولتتضاعف حالة احتقان المشاعر لدى كافة الأسرى...
أعاد "تسيمح" البندقية القصيرة إلى "راتس" شاكراً، لم يجب "راتس" بأي كلمة، فقد خسر التحدي، أما "تسيمح" فقد أدار ظهره لراتس وبقية الضباط المذهولين أو المعجبين وراح يشعل سيجارته وهو يقول :
- اتبعوني إلى المكتب، ولكن بعد أن تذهبوا إلى العيادة لمعاينة الجثث وتحديد مكان الإصابة، أظنك يا راتس خسرت الرهان.
وفي اليوم التالي، كان الجنود يتحدثون عن مهارة "تسيمح" في التصويب ادعى بعضهم أن "تسيمح" فاز بجائزة أفضل قناص في الدولة عام 1974 ، وادعى جندي من جنود الاحتياط أن "تسيمح" كان يصيد حمامتين بطلقة واحدة خلال خدمته العسكرية في هضبة الجولان المحتلة عام 1980 ، وقال جندي احتياط ثالث، يحب العزلة ويخطط للهجرة في أقرب فرصة، إن "تسيمح" لو لم يجد هدفاً عربياً لهوايته في القنص ، لمارس هذه الهواية على جنوده...
صار دم بسام ودم أسـعد زيتاً مقدسـاً يضيء مشاعل الشوارع والمنازل والقلوب الدامية النازفة في الضفة الغربية وقطاع غزة التي تشتعل بمواجهات عارمة من المظاهرات والمصادمات مع جنود الاحتلال، لتلحق بهما أعداد أخرى من الشهداء والجرحى والمعتقلين.
وعلى مدى أسبوع كامل كان أهالي قطاع غزة القريبين من البحر يتحدثون عن مشاهداتهم لعين الشمس الدامعة حينما تسقط وتختفي خلف بحر غزة، وكان أهالي بلدة "اليامون" في جنين أيضاً يتحدثون عن مشاهداتهم لرف حمام بريشه الأخضر يأتي من جهة صحراء النقب ويحوم حول القرية مساءً قبل أن يأوي إلى بيت أبناء الشهيد بسام الصمودي الخمسة.
أما الأسرى في معتقل أنصار"3" ، فقد أقسموا معاً في ذلك المساء أن دم الشهيدين لن يذهب هدراً، وأنهم لن يتنازلوا قيد أنملةٍ عن مطالبهم وحقوقهم ، وهم ما زلوا يملكون إراداتهم في الحياة والمقاومة، وعلى مدى أسبوع ظلوا يتحدثون عن مشاهداتهم الغريبة لقمر الصحراء، ولكنهم أجمعوا على أن وجه القمرِ باتَ حزيناً دامعاً.
(انتهى النص ولم تنته الملحمة)
وشكراً لكل المتابعين من القراء.





