البرامج السياسية الراهنة للقضية الفلسطينية
د. حسام الدين عبد الرزاق
الظروف الحالية التي تعيشها القضية الفلسطينية قاسية جدا ، بعد أن كان لها صولة و جولة في عقود خلت ، الانقسام الفلسطيني هو سيد الموقف ، هذا الانقسام بمثابة تدمير ذاتي لأية انتفاضة أو مشروع نهضة أو دولة مرتقبة ، وأي انحاز يتم تحقيقه يظل منقوصاً سواء في الضفة أو القطاع ، و حتى في الشتات الذي أصبح منقسماً على ذاته في ظل انقسام الوطن .
الوضع الاجتماعي السائد يرثى له ، أحد عشر ألف أسير فلسطيني هذا غير الموقوفين إدارياً، السور الفاصل في الضفة الغربية حول الحياة إلى جحيم و أكثر من 600 حاجز تواجه المواطنين في كل مكان ، أصبحت الضفة الغربية مجموعة كانتونات متجاورة ، كل ما يجمعها سماء حزينة واحدة .
أما في غزة ، حيث الفقر و البطالة و الحصار و الإغلاق ، و الحزن و الأحلام المدمرة إلى جانب الدور المدمرة
على المستوى السياسي : هناك انغلاق في أي أفق تفاوضية ، و كل مشروع مقاومة لن يحصد له أي ثمار سياسية ، و هنا انقسمت النخب السياسية الفلسطينية على مجموعة من المشاريع أبرزها :
- مشروع الدولة الفلسطينية : و هو المشروع القديم لمنظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1974 القاضي بإقامة دولة فلسطينية على أي جزء يتم تحريره ، من منطلق الإيمان بالمرحلية ، وافقت حماس على لسان الشيخ أحمد ياسين قبيل استشهاده على هذا المشروع ، كذلك كافة الفصائل الفلسطينية التي توصف غربياً بالراديكالية .
هذا المشروع الذي لاقى إقبالا و توافقاً أكثر من غيره من المشاريع ، و لكن الخلاف بدا في التفاصيل ، منظمة التحرير الفلسطينية ترى أنه من الواقع قبول دولة إسرائيلية إلى جانب الدولة الفلسطينية العتيدة ، حماس تختلف معها و ترى أنه من الممكن قبول تهدئة طويلة الأمد تمتد حتى 25 سنة دون الاعتراف بإسرائيل ، وهذه النقطة تحسب لحماس ولو ظاهرياً ، و لكن على أرض الواقع الكل مرهون بقوى موضوعية أكثر منها ذاتية .
الخلاف الآخر هو حدود هذه الدولة حماس كما في وثيقة أحمد يوسف ترى أنه من الممكن قيام دولة فلسطينية على أي حدود و لو مؤقتة ، الأمر الذي ترفضه فصائل منظمة التحرير فالدولة الفلسطينية برأيهم تمتد على كافة حدود الضفة و القطاع و القدس الغربية ، و هذه النقطة تحسب لمنظمة التحرير ، ولكن كما في السابق على أرض الواقع المشروع مرهون بقوى تفوق القوى الذاتية للشعب الفلسطيني .
- مشروع الدولة الواحدة ثنائية القومية : و الذي بدأت أصوات المؤيدين لهذا المشروع بالارتفاع في هذا الأيام ، و خاصة بعد استقطاب المزدوجة الفلسطينية (( فتح حماس )) ، و تراجع خياراتهما في ظل الحرب الأهلية ، ويقضي هذا المشروع بإقامة دولة علمانية تجمع الفلسطينيين و الإسرائيليين سوية ، ثم النضال السلمي الديمقراطي ، كما في جنوب إفريقيا ، و النقطة التي تحسب لهذا المشروع ، تأييد كبير لهذا المشروع في اليسار الإسرائيلي ، فهناك نظير لهذا المشروع في الجانب الآخر - المعادي-
- مشروع حل السلطة الوطنية الفلسطينية : و القاضي بحل السلطة الوطنية الفلسطينية ، و العودة إلى روابط القرى و البلديات و اعتبار الأراضي الفلسطينية أراضي محتلة تلتزم دولة الاحتلال بتقديم الخدمات الإنسانية و الاجتماعية ، و ذلك في ظل فشل تجربة السلطة بالانتقال إلى الدولة - حسب مريدين هذا المشروع - و في ظل الحواجز و المستوطنات و الطرق الالتفافية فلا أفق لإقامة كيان سياسي ، و لا حتى تجربة ثورية كتلك السابقة في السبعينات على الأقل في الضفة الغربية ، يرى مؤيدو هذا المشروع أن ذلك يمثل أكبر ضغط على المجتمع الدولي و تعهدات الرباعية الدولية .
- مشروع الحكومة الفلسطينية الموحدة : و أكثر دعاة هذا المشروع من رواد المجتمع المدني و المجمعات الأهلية و المعتدلين في فتح و حماس و القاضي بحل الحكومتين (( فياض هنية )) و إقامة حكومة توافقية ، لإجراء انتخابات تشريعية و رئاسية جديدة .
إن الخلاف في المشاريع السياسية يؤدي بالضرورة إلى اختلاف في الوسائل اللازمة لتحقيقه
- المقاومة الخيار الوحيد : وهو الوسيلة الذي تؤمن بها حماس و الجهاد الإسلامي ، حماس أكثر اعتدالاً حيث ترى من الممكن الاتصال بالعدو لتسيير بعض الحاجات الإنسانية دون التفاوض السياسي .
- المقاومة خيار واحد وليس وحيد : كما في الجناح المسلح لحركة فتح كتائب شهداء الأقصى وسياسة الرئيس أبو عمار بحمل البندقية بيد و غصن الزيتون باليد الأخرى .
- خيار التفاوض السلمي : و هو خيار تيار الرئيس أبو مازن بسبب ظروف المرحلة ، حيث يرى مؤيدو هذا الأسلوب أن أي انتفاضة مسلحة تؤدي إلى تدمير مقدرات الدولة القادمة بسبب الصلف الإسرائيلي و الظروف الدولية الغير عادلة ، و ذلك حتى إقامة الدولة و تمرير هذا المشروع .
نلاحظ بعد التمعن بالبرامج السياسية و وسائلها:
يجب أن تكون البرامج السياسية في أي حزب بالعالم مبني على المبادئ و الأهداف التي يؤمن بها هذا الحزب ، بينما في الساحة الفلسطينية تحمل الأحزاب الفلسطينية برامج مرتبطة بفترة نشوءها و مكان تواجدها أكثر من ارتباطها بالإيدلوجيا التي تحملها .
الاختلاف بين التيارات الفلسطينية ليس بين يسار أو يمين ، و لا بين الإفراط أو التفريط ، و لكن بين المنهج البراغماتي و الراديكالي.
إسرائيل الدولة و أحزابها الكبيرة الحاكمة تعادي كافة المشاريع ، وحتى يتمكن أي فصيل من تطبيق مشروعه عليه إرغام الكيان الإسرائيلي على ذلك ، و إن القوى المطلوبة لإرغام الكيان الإسرائيلي في أي مشروع هي متكافئة كما أنها مفقودة .
لذلك إن المخرج للازمة الفلسطينية الراهنة لا يكمن في اختيار أي من البرامج و المشاريع السياسية على سواها ، لأن كافة المشاريع بحاجة إلى قوة غير موجودة واقعياً ، فلا يوجد أي تنظيم قادر على فرض مشروعه على إسرائيل ، و ليست المشكلة في الوسائل ، فأي من الوسائل السابقة بالكاد قادرة على رد الظلم عن الشعب الفلسطيني فكيف لها أن تحقق مشروع استراتيجي قادم .
المخرج هو حل الفصل بين غزة و الضفة و إجراء الانتخابات التشريعية و الرئاسية و كل ذلك مقدمة لإصلاح مؤسسات منظمة التحرير بعد دخول كافة المنظمات الفلسطينية إليها .
الوصول إلى برنامج مشترك و وسائل توافقية بين كافة القوى و الفصائل الفلسطينية .
امتلاك عناصرها القوة اللازمة لفرض البرنامج المشترك على الكيان الإسرائيلي من القوة المادية و قوة السلاح و تفعيل البعد العربي و الإسلامي و الخصوصية المسيحية لتشكيل قوى ضاغطة خارجية على هذا الكيان بالإضافة إلى القوى الداخلية .
د. حسام الدين عبد الرزاق
دمشق






