د.نافذ الشاعر
مناقشة لبس الجن للإنسان
الجذور التاريخية لهذه المشكلة:
مشكلة لبس الجن للإنسان مشكلة قديمة قدم التاريخ ترجع أصولها التاريخية إلى الديانة النصرانية، بل إلى ما قبل الديانة النصرانية، ولكن ليس لدينا السند الثابت بالنسبة لما قبل النصرانية.
أما الديانة النصرانية فقد ذكرت الأناجيل عدداً كبيراً من هذه القصص، التي تنسبها إلى المسيح عليه السلام. ووجود هذه القصص في الأناجيل المحرفة ساعد على دخولها إلى الفكر الإسلامي مع ما دخل من الإسرائيليات!..
جاء في العهد الجديد من الكتاب المقدس:
{وكان عيسى يُخرج شيطاناً.. وكان ذلك أخرس! فلما أمر الشيطان بالخروج، تكلم الأخرس، فتعجب الجموع}
وجاء أيضاً: {وكان في مجمعهم رجل به روح نجس فصرخ قائلاً: آه.. ما لنا ولك يا يسوع الناصري أتيت لتهلكنا.. أنا أعرفك... من أنت؟ قدوس الله .. فانتهره يسوع قائلاً: اخرس واخرج منه، فصرعه الروح النجس، وصاح بصوت عظيم.. وخرج منه}
إذن، هذه الروايات وكثير غيرها* تقودنا إلى أن تلك الظاهرة كانت منتشرة ومشهورة عند النصارى، وهذه القصص حرفت مع ما حرفه النصارى من كتبهم، وأصبحوا ينسبونها، كذباً وبهتاناً، إلى المسيح عليه السلام. وليس لدينا نحن المسلمين دليلاً من الكتاب أو السنة يثبت أن المسيح عليه السلام كان يخرج الشياطين من أجسام الناس.. وإنما الذي جاء في القرآن الكريم من معجزاته عليه السلام، هو قوله تعالى: {أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وأبرئ الأكمه والأبرص، وأحي الموتى، بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين آل عمران 49
تلكم هي جذور المشكلة!
وهنا، لابد من سؤال عن كيفية دخول تلك العقائد الفاسدة إلى الديانة الإسلامية؟.. أو كيف أصبحت، كما نرى اليوم، لا ينكرها إلا نفر قليل من العلماء، في حين نرى كثيراً من العلماء قد انطلت عليهم هذه الأباطيل وأصبحوا يروجوا لها مع المروجين!
من المؤسف حقاً أن يكون شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، هو أول من جهر بهذا الرأي، بهذه الجرأة العجيبة، كعادته، في الصدع بما يعتقد أنه الحق، وقد فصل الأمر في ذلك تفصيلا، ثم تبعه في رأيه هذا نخبة من علماء الإسلام الأجلاء كابن القيم وغيره!..
وقفة مع شيخ الإسلام ابن تيمية (661-728)هـ
من المعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد عاش في النصف الثاني من القرن السابع وحتى الثلث الأول من القرن الثامن.. وكان حينئذ قد مضى على استقرار العقيدة الإسلامية ما يقارب سبعة قرون.. والعجيب أيضاً، أن أحداً من علماء الأمة، خلال تلك المدة السابقة، لم يتطرق إلى هذه المسألة بهذه الجرأة. بل إن هذه المسألة لم يكن مجمعاً عليها بين علماء الأمة الراسخين في العلم، كما سنرى لاحقاً في هذه الدراسة.
ولابد أن اعترف أنه كان بودي أن أقول أن تلك الأقوال دست على شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه منها برآء!.. ولكن هي من الشهرة بمكان، بحيث لا تترك ثم مجالاً للتبرير أو التزوير، وقد استفاضت تلك الحكايات في كتب تلميذه العلامة ابن القيم، ونقل في ذلك حكايات كثيرة عن شيخه ابن تيمية. والمشكلة في نظري، ليست هنا، وإنما تكمن المشكلة في اعتماد كل الدجالين ومعالجي الناس بالقرآن على أقوال شيخ الإسلام وتلميذه، واتخاذها حجة لإسكات المعارضين وكأنها تنزيل من التنزيل! ومن أمثلة هذه الأقوال التي استفاضت عن شيخ الإسلام قوله: {ليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجني في بدن المصروع وغيره، ومن ينكر ذلك، فقد كذب على الشرع، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك}
ويقول أيضاً: {.. وربما تكلم بألسنة مختلفة كما يتكلم الجني على لسان المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولبسه وتكلم على لسانه، فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال، وبهذا يُضرب المصروع ضرباًً كثيراً حتى يقتل مثله من الإٌنس، ويخبر إذا أفاق أنه ما شعر به، لأن الضرب كان على الجني الذي لبسه}
ويقول أيضاً: {وقد يتناكح الإنس والجن، ويولد لهما الأولاد، وهذا كثير معروف(!) وكره أكثر العلماء مناكحة الجن، لقوله تعالى:"ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض، وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله. إن ربك حكيم عليم"} الأنعام 128
ومن العجيب استشهاد ابن تيمية بهذه الآية على نكاح الإنس للجن وأنهم يولد لهم الأولاد.. والعجيب أيضاً أن ينقل ابن تيمية أقوال المفسرين لهذه الآية، ولا يوجد فيها قول واحد، يدل على هذا النكاح من قريب أو بعيد.
يقول ابن تيمية: {وقال غير واحد من السلف: أي كثير من أغويتم من الإنس وأضللتموهم. وقال البغوي: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يلقونه لهم من الأراجيف والسحر والكهانة.. وتزينهم الأمور التي يهيئونها، وتسهيل سبيلها عليهم. واستمتاع الجن بالإنس فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي.. وقال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم لبعض، وموافقة بعضهم بعضاً.. وذكر ابن أبي حاتم عن الحسن البصري، قال : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا بأن الجن أمرت والإنس عملت.. وعن محمد بن كعب قال: هو أصحابه في الدنيا.. وقال ابن أبي السائب: استمتاع الإنس بالجن استعاذتهم بهم، واستمتاع الجن بالإنس أن قالوا: قد أسرنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون سرفاًً في أنفسهم، وعظماً في نفوسهم" وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً}
وينقل ابن كثير نفس هذه الأقوال السابقة عند تفسيره لتلك الآية، ولم ينقل قولاً واحداً يدل على زواج الإنس من الجن أو العكس.
يقول محمود شلتوت رحمه الله: {وقد صدُق كثير من الناس ما شاع من ذلك عن الجن وتناقلوا فيه الحكايات، التي ربما رفعوها للسلف الصالح، واستمروا على ذلك.. حتى جاراهم بعض الفقهاء وفرض بعضهم صحة ذلك، وجعلوها مادة للتدريب العقلي على استنباط الأحكام الفقهية؛ فتحدث بعضهم عن صحة التزوج بهم، وعن وجوب الغسل على الإنسية إذا خالطها الجني، وعن انعقاد الجماعة بهم في الصلاة، وعن مرورهم بين يدي المصلي، وعن حكم الأكل من ذبائحهم.. الخ، ثم يقول أما نحن فلنترك الفقهاء يفترضون، ومردنا في ذلك إلى القرآن الكريم}
أما ابن القيم، رحمه الله، والتي تعد كتبه شرحاً لكتب شيخه ابن تيمية فيقول: {الصرع صرعان: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية، وصرع من الأخلاط الرديئة.. والثاني هو الذي تكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الأرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه!.. أما جهلة الأطباء، وسقطتهم، وسفلتهم، ومن يعتقد بالزندقة مذهباً.. فإنهم ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرون بتأثيرها في بدن المصروع، وليس معهم إلا الجهل..}
وهنا، لابد من سؤال عن السبب الذي جعل ابن تيمية يؤكد هذا الأمر ويدافع عنه بحرارة، مع أن ابن تيمية مشهود له بأنه صاحب عقلية مماحكة، وبصيرة نافذة، وقريحة متوقدة، وذهن ثاقب.. ولا ينخدع بالأقوال أو العادات أو الأفعال التي قد تنطلي على كثير من أصحاب العقول؟!
ويحل لنا جزءاً كبيراً من الإشكال عبارات نقتبسها من كلام طويل لابن القيم رحمه الله، وهو يصف فيها شيخه، ويصف فيها أسلوبه في معالجة المصروعين، يقول: {وقد شاهدت شيخنا ابن تيمية، يرسل إلى المصروع رجلاً يخاطب الروح قائلاً: يقول لك الشيخ اخرجي.. وأحياناً يخاطب الروح التي في المصروع بنفسه، ويقول اخرج منه.. وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع "أفحسبتم أننا خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون"}
وقبل أن نمضي في تحليل تلك الفقرة لنزيح الستار عن عقلية شيخ الإسلام ابن تيمية، لابد أن نذكر أن ابن تيمية كان قارئاً نهماً مستوعباً لكل علوم عصره من تفسير وحديث وفقه وتصوف وفلسفة ومنطق وعقائد وملل ونحل.. وكان صاحب حافظة قوية وذاكرة حديدية وعت كل كتب السنة الصحاح فضلا عن غير الصحاح، حتى قال عنه إمام من أئمة علماء الرجال ومؤرخ من مؤرخي الإسلام الحافظ الذهبي: "ما رأيت أشد استحضاراً للمتون، وعزوها منه، وكانت السنة بين عينيه وعلى طرف لسانه، ويصدق عليه قولهم: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث"! ويقول ابن دقيق العيد: "رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد ويدع منها ما يريد"
ولابد أن نتذكر، أيضاً، أن ابن تيمية نشأ في بيت حنبلي المذهب، وكان والده يتولى مشيخة دار الحديث بجامع دمشق الأعظم.. وكذلك كان جده إماماً جليلاً من أئمة الفقه الحنبلي، وكانت له كتابات تولاها العلماء بالمتون والشروح.. وبالتالي، فقد كان هذا الصبي محباً للإمام أحمد، رضي الله عنه، ومعظماً لقدره ومعترفاً بمكانته.. ولذلك فإن كلمات الإمام أحمد كان لها النصيب الأوفى في صياغة عقل هذا الصبي ووعيه!
ومن هذه الكلمات التي استفاضت عن الإمام أحمد، رضي الله عنه، وأثرت في عقلية ابن تيمية كثيراً، مقولته: {الأحاديث الضعيفة أحب إلي من قول الرجال}. وهذا ما سيتضح لنا جلياً على صفحات هذه الدراسة.. أضف إلى هذا جرأة ابن تيمية في الصدع بما يعتقد أنه الحق والصواب، غير عابئ بنقد الناقدين، أو خلاف المخالفين!
وكان من شدة اعتداده بنفسه، وثقته المفرطة بعلمه.. يرجح بحجة دامغة، ومنطق رصين أراء ضعيفة وشاذة، لا يجرؤ أحد بقولها أو الجهر بها.. إما لضعف دليلها من الكتاب والسنة، أو لجبن ووجل من كثرة المعارضين وعناد المخالفين.. وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون كما ذكر الحافظ الذهبي.
خذ على سبيل المثال إفتاءه في مسائل الطلاق، رغم تحذير السلطان له، بأقوال لم يقل بها أحد قبله.. وخذ هجومه الشرس على العقيدة الأشعرية التي كانت عقيدة الدولة الإسلامية الرسمية لسبعة قرون خلت، ووصفها بأنها عقيدة جبرية ترتدي قناع الكسب والحرية.. وأيضاً توجيهه سهاماً قاتلة إلى الصوفية وشيخها ابن عربي، والذي لم يجرؤ أحد على نقده بهذه الجرأة، وهذا ما أدى إلى إيداعه السجن إلى أن وافته منيته فيه!.. وأيضاً هجومه الشديد على المنطق الأرسطي حيث راغ عليه ضرباً باليمين حتى تركه جذاذاً.. وأخيراً وليس آخراً هجومه العنيف على فلاسفة المسلمين، ورميهم بالزندقة والإلحاد..
ونعود إلى عبارة ابن القيم التي ذكرناها آنفاً يصف فيها شيخه ابن تيمية، يقول ابن القيم:
1- وقد شاهدت شيخنا (يقصد ابن تيمية) يرسل إلى المصروع رجلاً يخاطب الروح قائلاً: يقول لك الشيخ: اخرجي..
2- وأحياناً يخاطب الروح التي في المصروع بنفسه ويقول: اخرج منه..
3- وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون".
هذه العبارة الآنفة الذكر تتكون من ثلاث فقرات تكشف لنا بوضوح تام عن عقلية شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه متبع للسنة والآثار في كل صغيرة وكبيرة على حد سواء، وأن آراءه لا تصدر عن تلقائية أو عفوية، وإنما تستمد روافدها من تراث متراكم من المأثورات عبر السنين!
ولكن هل هذا الأمر محمود في الأمور كلها، ومقبول على عواهنه؟
بالطبع كلا! فهو كما فصل العلماء القول في ذلك، محمود في فضائل الأعمال، وفي الترغيب والترهيب.. أما أن نبني على هذه الأقوال الواهية والأحاديث الضعيفة مفاهيم وعقائد يُرمى من يخالفها بالزندقة والإلحاد والتكفير.. فهذا شيء شاذ لم يقل به أحد من سلف الأمة وخلفها!
يتجلى لنا هذا الأمر بوضوح تام من خلال تحليل الفقرة السابقة كما يلي:
1- قول ابن القيم: (يرسل إلى المصروع..) يقصد أن ابن تيمية كان يرسل إلى المصروع رجلا ينيب عنه في مخاطبة المصروع.. هذا الفعل من ابن تيمية فيه اقتداء بسلوك الإمام أحمد رضى الله عنه، عندما كان يرسل نعليه إلى جارية، يقول: إن الإمام أحمد يأمركم بالخروج من جسد الجارية وإلا صفعتم بهذا النعل سبعين! وهذه القصة بلا سند صحيح ينسبها صاحب كتاب طبقات الحنابلة إلى الإمام أحمد.
2- الفقرة الثانية التي يقول فيها ابن القيم، واصفاً شيخه ابن تيمية: (وأحياناً يخاطب الروح بنفسه قائلاً: اخرج منه) هذا السلوك من ابن تيمية مستنداً إلى حديث ضعيف مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فقد روي أن رجلا جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال إن ابني مجنون.. فلما جاء به إلى النبي ضربه على ظهره، وقال: اخرج عدو الله..
فالشاهد هنا أمران، الأول: المخاطبة المباشرة. والثاني: قوله اخرج. وهذا الحديث أخرجه الإمام الطبراني، وهو مطعون في أحد رواته وهي أم أبان بنت الوازع؛ حيث قال عنها أئمة الجرح والتعديل أنها مجهولة لم يرو عنها غير مطر الأعنق !..
3-العبارة الثالثة: (وكان كثيراً ما يقرأ في أذن المصروع: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون).
إن هذا السلوك من شيخ الإسلام ابن تيمية فيه ترسم لخطى ابن مسعود، رضي الله عنه. لكن الغريب في الأمر أن هذا الحديث موضوع(!) لأن في إسناده رزين ابن سلام، وحديثه باطل . وقد زعموا أن ابن مسعود، رضي الله عنه، كان سائراً مع النبي صلى الله عليه وسلم، في طرقات المدينة، فإذ برجل قد صرع؛ فدنا منه ابن مسعود، وقرأ في أذنه بصوت لم يسمعه النبي صلى الله عليه وسلم.. فلما سأله النبي قال قرأت "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لو أن رجلاً قرأها على جبل لزال)!
إذن، يتضح من خلال ما قدمناه أن شيخ الإسلام ابن تيمية، قد بنى رأيه في هذه المسألة على أحاديث ضعيفة، قد نالها العلماء بالجرح والطعن في رواتها، والقاعدة البدهية تقول:(ما بني على أساس ضعيف فهو ضعيف).
لكن، هنا يرد سؤال وجيه يقول: هل كان ضعفُ تلك الأحاديث يخفى على شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي قال عنه الحافظ الذهبي: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث"؟!
من المؤكد أن ابن تيمية لم يكن يجهل ضعف تلك الأحاديث؛ وإنما يرى شواهد صدقها في أعماق النفس وبواعث الضمير، قبل أن يرى صدقها في المتون والأسانيد.. وهذا ما جعله يتغاضى عن ضعفها!..
إن العبقريات الملهمة إذا اقتنعت بفكرة ملأت عليها أقطار النفس وأمسكت منها بمجامع اللب. وعندها، تصبح تلك الفكرة من الحقائق الواقعة، بل من البدائه المؤكدة التي لا تقبل النقاش ولا الجدال.. وهذا من أخص صفات العباقرة؛ فما أن تدخل إلى نفوسهم فكرة من الأفكار التي كانت ميتة في نفوس الآخرين حتى تتحول تلك الأفكار إلى كائنات حية تنفخ فيها الروح وتدب فيها الحياة.. فتنمو شيئاً فشيئاً حتى تصبح مارداً يتأبى على الترويض والإمساك.. عندئذ تسيطر الفكرة على صاحبها ولا يسيطر هو عليها، ولا يهدأ له بال أو يقر له قرار حتى تتحرر تلك الأفكار من نفسه إلى نفوس الآخرين!
وهذا ما حدث مع شيخ الإسلام ابن تيمية.. ذلك العبقري الموهوب!..
إن تلك الحكايات قد تردت على مسامع ابن تيمية منذ صغره مرات ومرات، وطرقت مسامعه بمناسبة وبلا مناسبة؛ لأنها حكايات شعبية راجت من التراث النصراني. وهي عند النصارى عقيدة راسخة تؤكدها أناجيلهم المختلفة، وتتفنن في تلفيقها على عيسى عليه السلام، بأساليب شتى وطرق مختلفة، حتى أخذت جراء هذا التلفيق والتدليس، صفة التواتر والذيوع..
أقول إن حكايات لبس الجن للإنسان قد ذاعت وانتشرت حتى أصبحت "عقيدة شعبية" لم ينكرها العلماء فضلاً عن غير العلماء في البيئة الإسلامية؛ لأن هذه العقيدة لم تكن غريبة على بيئة الإسلام وعلى عقائد الإسلام كل الغرابة، بسبب ورود كثير من الأحاديث الضعيفة التي تؤكد ذلك، وورود بعض الأحاديث الصحيحة التي توهم بهذا التأكيد.. فأخذت بذلك صفة القداسة والذيوع والانتشار!.. أضف إلى ذلك الذيوع والانتشار بين العامة والخاصة، في البقاع الإسلامية، فقد تردد على مسامع ابن تيمية في صغره كثير من تلك الحكايات التي لفقها الوضاعون على الإمام أحمد رضي الله عنه؛ لأن الإمام أحمد، رضي الله عنه، كان، في نظر الوضاعين، جديراً بهذا القص والتلفيق!..
لقد ذاع صيت الإمام أحمد في الآفاق، وأجمعت الأمة الإسلامية على صلاحه في الحياة وبعد الممات، ولقد جاء في كتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي عن أبي ثور أنه قال:" لو أن رجلاُ قال أحمد بن حنبل من أهل الجنة، ما عُنف على ذلك.. وذلك لو قصدت خراسان لقالوا إن أحمد بن حنبل رجل صالح، ولو قصدت الشام لقالوا: إن أحمد بن حنبل رجل صالح، ولو قصدت العراق لقالوا إن أحمد بن حنبل رجل صالح"
ويبدو أنه قد عز على الملفقين أن يجمع الإنس على صلاح هذا الإمام، ولا تجمع على صلاحه مردة الجان!.. ففي بقية الحكاية، التي نسبها أبو يعلى للإمام أحمد رضي الله عنه، أنه بعد وفاة الإمام أحمد عاد الجن إلى لبس الجارية التي كان قد تلبسها في حياة الإمام أحمد وأخرجه منها؛ فأرسل المتوكل إلى أبي بكر المروزي، صاحب الإمام أحمد، فلما أمر المروزي الجن بالخروج، قال له الجني، على لسان الجارية: لا أخرج من هذه الجارية، ولا أطيعك لأن أحمد بن حنبل أطاع الله فأطعناه!
وأيضاُ، هناك أمر ، بعد كل ما قدمناه، يجب أن نضعه في الحسبان وتثار حوله العديد من الأسئلة وهو لماذا لا تنسب تلك الحكايات إلى أحد من الأئمة الأربعة غير الأمام أحمد؟
وهذا ربما يكون بسبب التنكيل الشديد الذي لحق بالإمام أحمد على يد المأمون والمعتصم، بإيعاز من المعتزلة في مسألة خلق القرآن المشهورة في الفكر الإسلامي. والمعتزلة، كما هو معروف عنهم، كانوا أول الرافضين للقول بلبس الجن للإنسان، وصرعه ودخوله في جسمه وجريانه في دمه.
أدلة المعالجين بالقرآن:
أولاُ: القرآن الكريم:
قوله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ َ) (البقرة:275) هذا هو الدليل الوحيد والرئيس في القرآن الكريم للقائلين بلبس الجن للإنسان. وهذه الآية، كما سنرى، ليس فيها ما يدل على ما يذهبون إليه.. والعجيب أيضاً أن هذه الآية لم يستشهد بها ابن تيمية نفسه في هذه المسألة، في حين يستشهد بها المعالجون بالقرآن!
منشأ الخطأ في فهم هذه الآية:
1-عندما قرءوا هذه الآية ووصلوا إلى قوله تعالى: (لا يقومون) تبادر إلى أذهانهم أن القيام معناه: (عدم القدرة على الوقوف)!
2-(عدم القدرة على الوقوف) لابد له من سبب.. بحثوا عنه في الآية فوجدوا قوله تعالى: (يتخبطه الشيطان)؛ فتبادر إلى أذهانهم المعنى السطحي لكلمة (الخبط) وهو الضرب.
3-إذن: عدم القدرة على الوقوف+الخبط من الشيطان ينتج عنه: الصرع.
4-ولكن هنا حدث إشكال آخر؛ وهو عدم مشاهدة آكلي الربا صرعى يتخبطون.
5-الحل الأمثل للخروج من هذا الإشكال القول بأن الصرع ليس في الدنيا وإنما في الآخرة. يقول سيد قطب رحمه الله: {لقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة، هو القيام يوم البعث! ولكن، هذه الصورة فيما نرى واقعة بذاتها في حياة البشرية، على هذه الأرض أيضاً}
وهكذا تساعدنا صياغة المشكلة على هذا النحو أن نراجع الرأي فيها بصرف النظر عما مضت عليه معظم التفاسير، ولنعد إلى فهم الآية من جديد:
عود إلى الآية مرة أخرى:
العناصر الأساسية في الآية:
1-لا يقومون
2-يتخبطه الشيطان
3-المس
أولاً: (لا يقومون):
ذكر ابن منظور في لسان العرب عدة معاني للقيام، بعضها حسي، وأكثرها معنوي. وتختلف المعاني حسب الموضع التي ترد فيه؛ ومن هذه المعاني قوله:{القيام هو المواظبة على الدين والتمسك به، مثل قوله تعالى: "ومن أهل الكتاب أمة قائمة" أي متمسكة بدينها، ثابتة عليه"
ثانياً: (يتخبطه):
للخبط معنيان؛ الأول مادي، والثاني معنوي..
فمن الأول: خبطه يخبطه خبطاً، أي ضربه ضرباً شديداً.. ويقال خبط عشواء؛ وهي الناقة التي في بصرها ضعف، فإذا مشت فإنها تخبط.
ومن الثاني: الخبط والتخبط، وهو كل سير على غير هدى وبصيرة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:{..وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان}
ومن هذا الكلام يتضح لنا أن التخبط هو السير على غير هدى وبصيرة، ومنه قوله تعالى:{أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم يمشي سوياً على صراط مستقيم}
ثالثاً: المس:
هذا هو الركن الثالث في الآية؛ ومن العجيب أن يتحول المعنى من المس إلى الصرع!.. وهذا ما لم تذكره الآية. أما الذي ذكرته فهو (مس الشيطان) وهو يختلف عن الصرع اختلافاُ لا مجال للجمع بينهما بحال من الأحوال.
إن الصرع كما ذكره الأطباء "يحدث نتيجة تدفق شحنات كهربائية زائدة إلى المخ تؤدي إلى التشنج والصرع، ويمكن قياس قوة هذه الشحنات بواسطة جهاز “EEG
أما (مس الشيطان)، فلم يأت في القرآن الكريم إلا بمعنى واحد فقط، وهو الوسوسة كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ}(الأعراف201) ".. أي أن عادة المتقين إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته، تذكروا ما أمر الله به ونهى عنه، فإذا هم مبصرون السداد"
ولكن كما قلنا إن منشأ الخطأ في فهم هذه الآية وقع من الفهم السطحي للألفاظ، والذي مهد الأرضية لهذا الفهم، هم المفهوم القديم الشائع عن الصرع، والذي ترجع أصوله إلى أطباء اليونان أمثال بقراط الحكيم وجالينوس.. يقول ابن القيم رحمه الله: إن بقراط يذكر أن للصرع سببين:
الأول: صرع من الأخلاط الرديئة.
الثاني: صرع من الأرواح الخبيثة.. وهذا يسمى "المرض الإلهي"
إلا أن جالينوس وغيره من الأطباء لم يرضوا بالشق الثاني من تفسير بقراط للصرع؛ "الذي يحدث من الأرواح الخبيثة".. وقالوا بأن تسمية بقراط لهذا المرض (المرض الإلهي) ليس بسبب كونه من الأرواح الخبيثة، وإنما لكون هذه العلة تحدث في الرأس؛ والرأس هو الجزء الإلهي الطاهر الذي هو مسكن الدماغ..
ثم أخذ ابن القيم رحمه الله، ينتصر لرأي بقراط المؤيد لاعتقاده، وراح يسفه رأي جالينيوس وغيره معتبراً إياه تأويلاً فاسداً منهم لسفههم وقلة علمهم!.. يقول ابن القيم: "وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها، وجاءت زنادقة الأطباء، فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده".
وهنا،لابد من سؤال عن السبب الذي جعل بقراط يقول بصرع الأرواح الخبيثة أي الشياطين؟
لابد أن السبب الذي حمل بقراط على القول على اعتبار أن الأرواح الخبيثة سبب بعض أنواع الصرع أن بعض العقاقير التي كان يركبها بنفسه لعلاج الصرع لم تجد نفعاً، لأن بعض حالات الصرع كانت تستعصي على العقار والعلاج!.. وبالتالي، لم يعرف لها سبب لانعدام الوسائل الطبية الحديثة لتشخيص الأمراض آنذاك.. فكان لابد، عندئذ، أن يرجع الأسباب إلى أشياء ميتافيزيقية يعجز العقل عن إدراك كنهها!
والخلاصة:
يتبين لنا أن معنى (لا يقومون) لا يواظبون على أداء دينهم (لسان العرب5/3783).
و(يتخبطه الشيطان) يجعله يسير على غير هدى (لسان العرب2/1094).
و(المس) هو الوسوسة الشديدة، التي تجعل الإنسان يسير على غير هدى (النسفي2/90).
وعلى هذا فالمعنى: أن آكلي الربا لا يقومون على أوامر دينهم إلا كما يقوم ويواظب عليها الذي "استهوته الشياطين في الأرض حيران". وهل أمثال هؤلاء يستطيعون الثبات على أوامر دينهم؟!
وهذا المعنى يبدو لنا بوضوح عند تدبرنا للآية التي سبقتها والآية التي تليها.. فالآية السابقة تتحدث عن الأجر الكبير والثواب العظيم لمن يواظبون على الإنفاق.. ومن مظاهر هذه المواظبة: الإنفاق في السر والعلن، والإنفاق في الليل والنهار؛ يقول الله عز وجل:{الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار، سراً وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة 274).
أما آية الربا؛ فتعرض علينا التخبط في الفعل. والآية التي تليها؛ تعرض علينا التخبط في القول: {ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا}.
إذن، هذه الآيات الثلاثة متعانقة يأخذ بعضها برقاب بعض في نسق فكري بديع كالتالي:
1-الآية الأولى تتحدث عن عباد الله المواظبين على الإنفاق، والثابتين عليه في كل أحوالهم: في السر والعلانية.. في الليل والنهار.. في الفقر والغنى..
2-الآية الثانية فيها إشارة إلى أن المواظبة على الإنفاق لا لكثرة الأموال.. فكثرة الأموال لا تجعل الإنسان متصدقاً جواداً، بدليل أن المرابين هم اكثر الناس حباً ونهماً لجمع الأموال وتحصيلها ومع ذلك، هاهم أولاء متحيرون.. متخبطون.. مضطربون.. لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال..
3-ثم جاءت الآية الثالثة تعرض علينا التخبط في القول بعدما عرضت علينا الآية التي سبقتها التخبط في العمل؛ ومن مظاهر تخبطهم في القول قولهم:{إنما البيع مثل الربا}. ويتجلى في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:{لا يستقيم قلب العبد حتى يستقيم لسانه}.
وبهذا نكون قد قمنا بتفكيك وكشف دليل القائلين بلبس الجن للإنسان، وأثبتنا أنه لا يصلح دليلاً على ما يذهبون إليه، ومن يستدل به فيكون قد لوى عنق النص ليستقيم لمراده ومذهبه وما هو بمستقيم ! ..
ثانياً: الأدلة من السنة المطهرة:
1-قول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق}.
من العجيب الاستدلال بهذا الحديث على لبس الجن للإنسان!.. وبهذا، يصبح كل حديث أو قول يرد فيه ذكر الشيطان.. دليلاً يستدل به في هذا المقام.
ولهذا الحديث قصة، وردت في الصحيحين، في شأن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عندما زارت النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد، فلما رجعت إلى بيتها قام معها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك ليلاً.. فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فتواريا منه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على رسلكما.. إنها صفية بنت حي" فقالا سبحان الله! فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً أو شرأ"
يقول ابن حجر:{قوله يجري قيل هو على ظاهره، وقيل هو على سبيل الاستعارة، من كثرة إغوائه، وكأنه لا يفارق الدم؛ فاشتركا في شدة الاتصال وعدم المفارقة}
وعلى هذا يكون معنى الحديث: أن الشيطان يجري في ابن آدم مثلما يجري الدم في جسمه. والدم كما هو معلوم، يتخلل كل جسم الإنسان، ولا يترك جزءاً صغر أم كبر إلا دخله.. وكذلك الشيطان يجري في تفكير الإنسان، وخلجات نفسه، وهواجس عقله.. كما يجري هذا الدم في جسمه. وفي هذا المعنى يكون الحديث تشبيه للمبالغة، كما كانت اليهود تقول للعرب: "نقتلكم قتل عاد وإرم" أي مثل قتل عاد وإرم. وهذا المعنى يتضح لنا من الرواية الأخرى للحديث والتي أوردها البخاري: {إن الشيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم..}
يقول ابن منظور: {إن الشيطان يجري من آدم مجرى الدم في العروق.. إنما هو مثل يُضرب لتسلطه على الإنسان ووسوسته له، لا أنه يدخل في جوفه}
2-عن ابن عباس أنه قال: {ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قال بلى، قال هذه المرأة السوداء؛ أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع وإني أتكشف؛ فادع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك.. قالت أصبر، ولكني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها}
هناك عدة اعتراضات نوردها على هذا الحديث:
1-إذا كانت المرأة ملبوسة بالجن، وقراءة القرآن تحرق الجن.. فلماذا لم يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم، عليها القرآن ليحرقه أو يخرجه، وهو الذي نزل القرآن العظيم على قلبه المطهر؟!
2-لا يوجد في الحديث لفظ الشيطان أو الجن، ظاهراً أو مستوراً، إلا أن هناك رواية أخرى للحديث تقول: (فإن الخبيث يكشفني) ؛ والحديث بهذه الزيادة ضعيف، لأن في إسناده "فرقد السبخي" الذي قال عنه الإمام أحمد: إنه يروي المنكرات. وقال عنه البخاري: في حديثه مناكير، وقال عنه النسائي: ليس بثقة
3-نجد أن المرأة لم تزد على قولها: {إني أصرع وإني أتكشف} ومر معنا أن أسباب الصرع زيادة شحنات الكهرباء في المخ كما أثبت ذلك الأطباء.
كما أننا نجد أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد عن {إن شئت دعوت الله لك، أو تصبري}ومن البديهي أن الإنسان يدعو ربه عز وجل في الأمور التي تكون فوق مقدوره واستطاعته: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}{رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي}.. ولو كانت قراءة القرآن على المصروع هي العلاج لما توانى النبي صلى الله عليه وسلم من القراءة؛ لأنه كما وصفه ربه عز وجل {حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم}.. فكيف بالنبي، مع حرصه ورحمته بالمؤمنين، يترك امرأة نهباً لشيطان يصرعها ويكشفها، ويلعب بها كيف شاء..
4-لو صح زعم المعالجين بالقرآن بأنهم يحرقوا الجن والشياطين -في حين تجد بعضهم لا يحسن صلاة ولا قرآناً- لكان ذلك طعناً في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ أن هذا الأمر يشي، ضمناً أو صراحة، بأن خير الأنبياء وأكمل البشر.. يقف عاجزاً أمام شيطان يهجم على مؤمنة يصرعها ويتلبسها ويكشفها.. وهو الذي سبح الحصى بين يديه، وجرى الماء بين أصبعيه، وبكى الجزع حنيناً عليه. في حين نسمع عن حرق هؤلاء المعالجين لشيطان اسمه جرجس وبطرس وشلوموا وغاندي.. وينسبون إلى الإمام أحمد أنه أرسل نعليه(!) إلى جارية ملبوسة ليقولوا للشيطان، فقط يقولوا، إن الإمام أحمد يقول لك اخرج وإلا ضريت بهذا النعل.. فما كان من الشيطان إلا أن قال السمع والطاعة؛ لو أمرنا أحمد أن لا نقيم بالعراق ما أقمنا بها!
فيا ليت شعري! لماذا لم يأمرهم الإمام أحمد بالخروج من العراق، وخصوصاً بأنهم يعتدون على المؤمنين ويؤذون المسلمين!..
3-عن ابن عباس: {أن امرأة جاءت بابن لها، فقالت: يا رسول الله إن بابن هذا جنوناً، وأنه يأخذه عند غذائنا وعشائنا، فيفسد علينا.. فمسح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا له فثغ ثغة فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود فسعى}
هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده "فرقد السبخي" أيضاً، ويبدو أن فرقد هذا كان مولعاً برواية الغرائب والخوارق، وقد تقدم الحكم عليه.
4-عن يعلى بن مرة قال: {لقد رأيت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثاً ما رآها أحد قبلي ولا يراها أحد بعدي: لقد خرجت في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها، فقالت يا رسول الله: هذا الصبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم لا أدري كم مرة؟! ففغر فاه ونفث فيه ثلاثاً وقال: بسم الله، اخسأ عدو الله! ولما رجعنا من السفر وجدنا المرأة تنتظرنا ومعها ثلاثة شياه، وقالت والذي بعثك بالحق، ما حسسنا منه شيئاً حتى الساعة فاحترز منها الغنم}
هذا الحديث ضعيف لوجود عدد من العلل فيه:
الأولى: في إسناده الأعمش المدلس، وقد قال فيه ابن المبارك: إنما أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحق. وقال عنه الإمام أحمد في حديثه اضطراب كثير وكان كثير الوهم.
الثانية: في إسناده المنهال بن عمرو. الذي قال عنه يحيى بن سعيد: إنه سيئ المذهب.
الثالثة: الانقطاع بين المنهال بن عمرو، ويعلى بن مرة.
5-عن خارجة بن الصلت عن عمه أنه {أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم عندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله: إنا حدثنا أن صاحبكم هذا قد جاء بخير.. فهل عندكم شيء تداوونه به؟ فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ؛ فأعطوني مائة شاة، فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال هل قلت غير ذلك؟ قلت لا. قال خذها فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق. وفي رواية أخرى فرقاه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام، غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه ثم تفل}
وجاء في البخاري حديث يشبه هذا الحديث: عن ابن عباس {أن نفراً من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، مروا بماء فيهم لديغ فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟ إن في الماء رجلاً لديغاً أو سليماً، فانطلق رجل منهم، فقرأ فاتحة الكتاب على شاة فبرأ فجاء بالشاة إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة فقالوا يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله}
والسؤال البديهي الذي يخطر في بال كل من قرأ الحديثين: أين في هذين الحديثين ما يثبت أن الشيطان يصرع الإنسان؟!
فالحديث الأول يذكر أن الرجل مجنون، والجنون كما هو معروف من الأمراض العقلية التي تصيب أنسجة المخ.
أما الحديث الثاني فيذكر أن الرجل لديغ.. وجاء في البخاري زيادة في الحديث تقول إن أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم؛ فلدغ سيد الحي!.. يقول ابن حجر: "إن الله قد قدر للصحابة في مال هؤلاء القوم نصيباً ولكن القوم منعوهم هذا النصيب، وهذا ما جعل الله يقيض لسيد هذا الحي عقرباً تلدغه حتى يعطوهم الشاة عن يد وهم صاغرون جزاء وفاقاً"
إن هذا الحديث يدل على مشروعية الرقية، وإن المسلم يقرأ على المريض ما اطمأنت إليه نفسه من سور القرآن؛ لأن ذلك يكون أجمع لهمة قلبه وذلك تبركاً بكلام الله عز وجل، ويسأل المولى عز وجل أن يعافيه ببركة هذا الكلام. وهذا يندرج في باب الأدعية التي يدعو بها المسلم ربه عز وجل. أما أن يستدل بهذا الحديث على لبس الجن للإنسان فهذا استدلال فاسد!
nafez22@yahoo.com





