أخذني سيد الغياب وسافر بي بعيدا...بعيدا عن الخيوط البيضاء التي تسللت إلى شعري
وفي حقيبته حمل صورا وأشياءا للذكرى وأجلسني في محطة قطار الانتظار...وصار يعد عرباته واحدة تلو الأخرى ...ومع مرور كل عربة تفتح أبواب الذكريات وينزل منها وجوه ناس ظننت أنهم ماتو.. لكني اكتشفت مدفونون هنا في قاع الذاكرة..
وحين وصل سيد الغياب إلى المحطة رقم 18 تذكرته ..
رجلا أتى يوما من ربيع ريفي ..تقطر من جبهته رائحة الياسمين ..بسيط فطري الملامح وعيناه العسليتان تشربان ضوء الصباح كل يوم بنهم العاشق لرؤية محبوبه..أحببته سنة ثم غادر دنيتي كما دخلها ذات ربيع مخلفا وراءه رائحة الياسمين..
ثم عاد سيد الغياب يعد العربات فوصل إلى عربة رقم 21 فانتابتني هزة أعادتني إلى ذلك القمر الحزين ذات مساء...الذي اطل من سماءه بشيء من الكبرياء ...ورمى لي بحفنة نجوم..وحين أفقت من حلمي وجدته الآخر قد رحل ..فغاب خلف الحدود والقيود ..ولم يبق لي سوى نجمة وحيدة أبثها أسراري وأغمض عيني عليها حين يجتاحني الحنين ...
ومرة أخرى عاد سيد الغياب يعد العربات...حتى وصل إلى 25...فرايته قد أزاح الستار عن ممر طويل يمشي فيه ظل رافق ظلي ..يشبهني وأشبهه ...ودائما يرمي الورد تحت قدمي وينزع الوجع من داخلي..ويبعثر شعري بجنون العاشق ...
وتبسمت حين وصل سيد الغياب إلى هنا ..فهنا أحلى العربات وهنا أجمل سنين عمري..هنا اختصرت حياتي كلها مما جعلني أتمتم :"احبك يا ظلي وافتقد غيابك عني.
فأنت وحدك تبقى في مكانك من القلب متمددا في زواياه...متنفسا عبيره..فهو لك وملك لك مهما غبت.وستظل وحدك ووحدك فقط سيد المكان والزمان ..وفوق.. نعم فوق النسيان."





