الأربعاء - 2010/03/17


الاحتلال الثلاثي للعراق الجزء الثاني بقلم:الناصر خشيني

تاريخ النشر : 2009-06-15
القراءة : 3589


الاحتلال الثلاثي للعراق الجزء الثاني بقلم:الناصر خشيني

كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

لتقاء المصالح الصهيو صليبية و الصفوية لتدمير العراق شعبا وحضارة و تاريخا

بسم الله الرحمن الرحيم
الإهداء
الى كل الغيورين من أمتنا على معرفة الحقيقة الموضوعية في عصر أصبحت تشترى فيه الذمم والضمائر ولو لبيع وطن بأبخس الأثمان..
وبمرور سني الحصار والظلم والقساوة والمرارة والالم والشدة والضغط المتواصل التي مارستها امريكا وبريطانيا ضد العراق يومياً توضح للقيادة العراقية بان لا خيار الا في خوض القتال ضد الغزو القادم لا محالة بالرغم من الفارق التقني الهائل في الجانب العسكري على مستوى الاسلحة والقدرات بين اكبر قوة عسكرية عالمية وبين قدرات دفاعية محدودة قيدتها ظروف الحصار الشامل واضحت لاتتعدى اسلحة قديمة متعبة مع بعض التحسينات، او الفارق في الجانب الاقتصادي بين اقوى قوة اقتصادية عالمية وبين بلد محاصر لايدخل اليه سوى الغذاء والدواء وبنزر لايكفي حتى الحد الادنى من المستلزمات والامكانات الطبية في العلاج والقيمة الغذائية لما يصل إليه، و الفارق في الجانب المعلوماتي بين القوة الغاشمة التي تمتلك الاقمار الصناعية والمركبات الفضائية المتخصصة في جمع المعلومات الدقيقة وطائرات التجسس من نوع (يو- تو) التي كانت تجوب سماء العراق وتمسح ارضه يومياً وتسجل كل متغيراتها وبين الطرف الذي لايمتلك حتى امكانية تسيير طائرة استطلاع واحدة لجمع المعلومات او تأمين التغطية الجوية ولو بصورة محدودة للقطعات البرية.

ومن المعطيات والمتناقضات المشار لها، وبموجب هامش المحدودية في الخيارات المتاحة امام القيادة العراقية في خوض هذا الصراع الخطير، فضلاً عن التسهيلات التي تقدمها الارض لصالح القوات الغازية حيث الصحراء الغربية العراقية الممتدة من غرب الفرات الى الحدود السورية والاردنية والسعودية والكويتية، فكان لابد للقيادة العراقية ان تلجأ الى اعتماد استراتيجية قبول الحرب على حافات المدن وداخل المدن نفسها، فتضحي القيادة بموقعها الوظيفي الرسمي وبكل مفاصلها لتشتبك هي وشعبها وقواتها المسلحة وتنظيماتها الجماهيرية القتالية مع القوات الغازية داخل مدن العراق بغية تحييد القوى المادية المتفوقة سواء في ما تمتلكه القوات الغازية من اسلحة دمار شامل او الصواريخ الموجهة عابرة القارات او الطائرات القاصفة والمقاتلة او طائرات الهيلوكبتر المقاتلة المتطورة او الدبابات الحديثة، وغيرها لتضع قوات الغزو في مستنقع هش وتجعل افرادها في وضع واهن يسهل به اصطيادهم ضمن استراتيجية حرب شعبية مقاومة منظمة وقيادة كفوءة وهذا ما يفسر نشوء المقاومة يوم 11 نيسان/ ابريل2003م حيث عقد المهيب الركن صدام حسين القائد العام للقوات المسلحة اجتماعات للقادة السياسيين والعسكريين واوضح فيه عن بدء الصفحة الثانية من الحرب والانتقال الى الحرب الشعبية التي سبق وان تم التخطيط لها والتدريب عليها وتهيئة مستلزماتها، وذلك حسبما ذكره الرئيس صدام حسين عن طريق محاميه خليل الدليمي في اول لقاء له معه أي التواصل في القتال دون توقف كما يفسر الخسائر الهائلة التي وقعت في صفوف الغزاة.. ولذا فإن عمل المقاومة العراقية الشعبية لم يكن سوى انتقال من حال الى حال وليس سقوطاً او احتلالاً بالمعاني العامة المتداولة.. فالقتال العراقي بعد دخول وانتشار القوات الغازية في عموم جغرافية العراق بمدنه وقصباته اضحى باحسن حال، فالفارق التكنولوجي الذي كان سائداً خلال العشرين يوماً الاولى من الحرب ابتداءً في ليلة 20/ 21 آذار/مارس 2003 وحتى احتلال العاصمة بغداد يوم 9 نيسان/ ابريل كان لصالح القوات الامريكية حيث دقة الرمي (عن بعد) لعموم اسلحتهم وكثافة هذا الرمي دون امكانية التصدي للطائرات والصواريخ والدبابات بمديات الاسلحة العراقية المحدودة المتوفرة، وعلى سبيل المثال فإن طائرة الاباتشي الامريكية كانت تعادل (فرقة مشاة) عراقية كاملة بمستوى كثافة ومدى ودقة الرمي، فلهذه الطائرة القدرة على معالجة ثمانية اهداف متنوعة او متشابهة في آن واحد، وبمدى لايقل عن(10-12) كيلومتراً بعد سحب هذه الاهداف بواسطة حاسبة الكترونية ومشاهدتها بدقة على الشاشة بمسافة سنتمترات عن عين الرامي في الطائرة وبدقة رمي عالية جداً.. وليتصور المرء اعداداً كبيرة من هذه الطائرات في هجوم بآن واحد على جبهة محددة وضيقة، وبالطبع فإن هناك ارتباطاً ملاحياً بين هذه الطائرات وبين دبابات (ابرامز) واتصالات كفوءة لتوجيه هذه الدبابات الى اهدافها بدقة فضلاً عن التحسينات التي اجريت على تدريع هذه الدبابة وانسيابية شكلها لكي لا تخترقها قاذفات (الاربي-جي-7) الروسية الصنع حيث تؤمن للجندي الامريكي التحصن داخل هذه الدبابة بنسبة امنية عالية فضلاً عن المدى البعيد التي يتمتع بها مدفع الدبابة للاشتباك.
وبالرغم من كل هذا المستوى من التكنولوجية العالية إلا أن القوات العراقية والمقاومة الشعبية كانتا قد تمكنتا خلال أيام الاصطدام قبل الاحتلال من تحقيق الكثير من النتائج والنجاحات، وعلى سبيل المثال فإن طائرة الأباتشي التي أسقطها أحد الفلاحين العراقيين ببندقيته القديمة نوع (برنو) كانت واحدة من الدعم والمدد الإلهي للعراقيين، حيث تمكن (علي منقاش) من اسقاطها بإطلاقه واحدة رماها بإذن ربه القائل ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).. وللمعلومات فقط فإن هذه الطائرة التي هبطت في أرض المعركة بفعل المقاومة كانت صالحة ووجدت في مقصورتها زجاجة الويسكي التي كان يتناوله منها الطيار ومساعده مع حقيبة لأقراص مرنة تحوي أفلاماً إباحية إنسجاماً مع تقديراتهم بأنهم ذاهبون الى نزهة.
وتصدت القوات المسلحة العراقية في عموم قواطع العمليات الحربية لقوات الغزو بكل بسالة وشجاعة وكبدتها خسائر كبيرة وقاومتها بعنف طيلة أيام الصدام المسلح النظامي وفق مامخطط لها على العكس مما كان يذكره الإعلام المركزي الامريكي – الصهيوني الذي أنتهج مبدأ (الديكتاتورية) المطلقة في إدارته لشئون الحرب دون أن يسمح لأي محطة فضائية أو مراسل حربي أو صحيفة تدلي بأي معلومات معاكسة لما يريده هذا الإعلام. ومعركة المطار كانت خير دالة على الفعل العسكري العراقي الذي دمر القوات الامريكية بصورة كاملة لجولتين متتاليتين حتى استخدم الامريكان بعدها تلك الاسلحة الفتاكة التي صهرت الدبابات العراقية ونزعت جلود الشهداء عن عظامهم.
وإذا أخذنا الواقع الذي جرى بعد الاحتلال فإن الجندي الامريكي ودباباته وطائراته الهيلوكبتر اصبحت ضمن متناول يد (المقاوم) العراقي الذي نزع بزته العسكرية وبدأ ينتقي المكان والاسلوب والنمط والسياق والاتجاه والوقت الملائم ليقنص الدبابة والناقلة والجندي الامريكي الذي اضحى يعيش في بيئة عدائية وبملابس وتجهيزات ثقيلة تحد من حركته ومناورته، ناهيك عن الاحباط المعنوي الذي اصيب به الجنود الامريكيون بعد ان ظللتهم المخابرات الامريكية المستندة على معلومات الخونة والعملاء باشعارهم بأنه سيتم استقبالهم من قبل العراقيين بالورود والتحية، بل انها اقترحت توزيع اعلام امريكية صغيرة باعداد كبيرة الى الشعب العراقي للتلويح بها للجيش الامريكي عند دخوله المدن العراقية باعتباره (جيشاً محرراً) على ان يتم المباشرة بتوزيع هذه الاعلام في منطقة (الناصرية) التي شهدت أشد مقاومة ضد الجيش الغازي.
وإذا ما أخذنا معطيات الصراع بمستواه الاستراتيجي العام وبموجب الفارق الهائل بين قوتي وطرفي الصراع سواء في الامكانات العسكرية او في الامكانات التكنولوجية، أو الفارق في الجوانب والامكانات الاقتصادية، او المعلوماتية التي سبق الاشارة لها، فإنه يمكن القول ان امريكا بعد تربعها على عرش القطبية الدولية وتفردها بميزان القوى حققت اختلالاً خطيراً بالتوازن على مستوى المعمورة. ولعل الله عزوجل شاء بإرادته سبحانه ان يدحر هذا الجبروت بالمستنقع العراقي بعد هذا التجاوز لحدود الله تعالى حيث خلق الكون والدنيا بتوازن مستمر، فسبحانه في بدائع خلقه، وحيث جعل الكون متوازناً لايشوبه خلل او زلل فتتحرك مكوناته على وفق المسارات التي حددها رب العزة دون ان تحيد او تنحرف (وكل في فلك يسبحون) وسبحانه في روائع شأنه، حيث جعل هذه الارض وما عليها ترتكز على التنوع والتوازن، لتستمر فيها الحياة حتى يأذن الله تعالى بقيام الساعة، فتجد الخير والشر، الصيف والشتاء، الليل والنهار، وغيرها تتناقض في إطار هذا التوازن دون تفرد احداهما على الاخرى.. سبحانه عزوجل حين وصف الانسان خير خلقه على هذه المعمورة بأجل وأجمل وصف (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم).. فهل يصح تصور اختلال توازن القوى التي تحكم حركة هذا البشر دون تدخل العناية الالهية لإعادة التوازن الى مساره الصحيح؟؟.. حاشا الله احسن الخالقين..
إرادة الله أقوى من إرادة امريكا وإذا ما تصفحنا صفحات (التاريخ) لوجدنا ان كل الحقب الزمنية التي مربها كانت قد شهدت توازناً في القوى الدولية دون تفرد الا في زمن (فرعون) بعدما تربع على عرش القطبية الدولية الواحدة، وتفرد امريكا في زمننا الحالي.
وإذا ما قارنا مزايا كلتا القوتين لوجدنا تشابهاً عجيباً، ففرعون كان يمتلك اقوى القوى العسكرية، الاقتصادية، التكنولوجية، والمعلوماتية على وجه المعمورة في زمنه وكذلك امريكا اليوم.
فالقوة العسكرية الفرعونية نجدها في وصف الله تعالى (وفرعون ذي الاوتاد) ولعل هذه الدقة في الوصف وهو خير الواصفين سبحانه، تضعنا أمام حجم وقوة وتأثير تلك القوة العسكرية الكبيرة، فالاوتاد هي دلالة على خيم العسكر التي تثبتها في الارض هذه القوة العسكرية التي تماثلها القوة العسكرية الامريكية في عصرنا الراهن.
وفيما يخص القوة الاقتصادية في زمن فرعون، فيكفي الاشارة الى ما اشار له الله تعالى في مثل واحد لذلك العصر عن قارون وما أوتي من كنوز واموال فضلاً عن الاهرامات ودلالات ما تحتويه من اموال وذهب والتي دفنت مع الملوك الفراعنة في تشابه مع ما تمتلكه امريكا اليوم من قوة اقتصادية هائلة لإدارة شؤونها الاستراتيجية والحياتية.
اما القوة التكنولوجية الامريكية التي فاقت كل التصورات العقلية فيما هي عليه الآن من قدرات تأثيرية هائلة تمثلت باختراق الفضاء وبدك صواريخ الكروز لأهدافها بدقة متناهية من على بعد ثلاثة الآف كليومتر فضلاً عن القدرات الفضائية الإعلامية التي جعلت هذا العالم الفسيح اشبه ما يكون (بقرية صغيرة) حسب ما يصفون وغيرها من التقنيات التي افضل وصف لها (أنها كأنها سحر) أو السحر الذي أذهل العقول فما بالك إذن (بالسحر)ذاته.. وكيف إذن كان حال سحر الساحرين في زمن فرعون والذي لايمكن لتكنولوجية امريكا ان تفوقه او تتفوق عليه. ولعل مشيئة الله تعالى في منح موسى عليه السلام (العصا) لتلقف ما يأفكون خير دليل على قوة هذا السحر وتكنولوجيته.. قال تعالى (وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم).
وفيما يخص القوة المعلوماتية التي تتبجح بها الولايات المتحدة الامريكية في قدرة اجهزة مخابراتها في كشف المعلومات والاستار فإنها لايمكن ان تضاهي ماكانت عليه هذه القوة في زمن فرعون التي كانت تأتي بكل طفل يولد بعد ان أشار الكهنة الى رمسيس السادس بأن هناك من يولد في عصره له شأن ومسبّب في ازاحة ملكه.
ولعل هذه القوى هي التي جعلت فرعون يعيش في بحبوبة احلامه وخياله، وقدراته، فنسي وتجاهل قدرة الخالق عز وجل، فأعلن بأن (انا ربكم الأعلى)، تماماً مثلما فعلت امريكا وفق ذات السياق بتبنيها صفة (الحاكم الناهي) لهذه المعمورة واطلاق بوش لمبدأ (ان من ليس معنا فهو ضدنا وعدونا).. فلا مشكلة في هاييتي ولامعضلة في رواندا. ولا قرار وطني في فنزويلا ولا قضية في السودان، ولا إعلان رسمي في ماليزيا، ولا اطلاق حكم في اليابان إلا وهي صاحبة الشأن والقرار فيه!!! إذن فكلاهما، الامبراطورية الفرعونية والامبراطورية الامريكية عملتا على الاخلال بالتوازن الذي جعله الله تعالى نهجاً ومنهجاً ثابتاً لهذه الحياة الدنيا.
وباخلال فرعون، تدخلت العناية الإلهية لإعادة الامور الى نصابها، والله عزوجل قادر على ان يزلزل الارض تحت اقدام فرعون وامريكا وكل من يتجاوز على حدود الله، ولكنه عز وجل يعطينا الدرس والعبرة في حكمه ويختبر عباده في البلاء والصبر، وينتقي من عباده من يوكل له المهام الصعبة في هذا الاختبار.
ولذلك فقد انتقى سبحانه سيدنا موسى ليقوم بمهمة ايصال الامبراطورية الفرعونية الى حضيض الانحدار والاندحار.. ولماذا موسى عليه السلام؟ انه من أولي العزم، وهو القوي في عصره، فقبل نبوءته وصف الله لنا قوته، وهو احسن الواصفين في الاشارة الى انه تسبب في قتل شخص بمجرد (وكزة) واحدة!. فأمره الله تعالى بعد نبوءته للذهاب الى فرعون (إذهب الى فرعون انه طغى). واسنده سبحانه بتلك العصا التي تلقف ما يأفكون، ودعمه بأخيه هارون الذي يقدم الدعم المعنوي والتشجيع وطرح الحجة لفصاحة لسانه.
وجعل الله عزوجل فرعون بعد ذلك آية ونموذجاً لانهيار الطغيان والجبروت الى يوم الدين حيث حفظ الله تعالى جسده كاملاً،عبرة لكل من تسوّل له نفسه تجاوز حدود الله والاعلان بانه الاعلى على الناس والاختلال بتوازن هذه المعمورة (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وان كثيراً من الناس عن اياتنا لغافلون).
إذن فالله تعالى ينتقي من عباده من يشاء وباختيار دقيق ومتقن لتولي دحض الطغيان واقرار التوازن كما كان.
فهل طغيان امريكا اليوم دخل مدخل فرعون نفسه.. وهل آن لها الاوان لتنحّط وتضمحّل بعد هذا الجبروت.. وهل ان اعتداءها على العراق واحتلاله حدد خط شروع انحدارها السريع بعد ان انتقى الله أهل العراق الذين وصفهم سبحانه في مطلع سورة الأسراء بأنهم (أولي بأس شديد) واسندهم بعنايته الالهية لتكون ارضهم مستنقعاً لجيوش امريكا، وسلاحهم قاتلاً لها، وإيمانهم متحدياً لها؟!.
ومن هذا التصور، وبموجب معطيات الواقع لجأت القيادة العراقية ومنذ منتصف التسعينات من القرن الماضي وبعد تيقنها بأن الوضع السياسي الدولي والاقليمي في غير صالح العراق، وان دول الجوار بالرغم من (عروبتها واسلامها) إلا انها لاتقدم أي دعم، بل أن بعضها سيكون ممراً آمناً لقوات الاحتلال، لجأت الى العقيدة الدفاعية على حافات المدن كما اسلفنا وتبنت عقيدة معنوية ايمانية ترتكز الى العقيدة الدينية الاسلامية في حشد القوى المادية والمعنوية للتهيوء لمجابهة هذا الغزو القادم المحتوم، وبالاسناد الى مبدأ الامة المقاتلة والنفير كأساس لدخول مثل هذا الصراع المسلح ومثلما ثبتته العقيدة العسكرية العربية الاسلامية في صدر الاسلام وعبر ثمانين عاماً من القتال المتواصل حتى تم النصر في رفع راية الاسلام على ربوع الاراضي الشاسعة والواسعة في هذه المعمورة في المناطق التي تمتد من سيبريا شمالاً والى المحيط الهندي جنوباً ومن الصين شرقاً إلى فرنسا من الغرب.
ووفق ذلك، بدأت عملية الإعداد المعنوي والنفسي والايماني لعموم القوات المسلحة والشعب، يرافقها اعداد تسليحي وتدريبي وتنظيمي لعموم قطاعات الشعب. ففي الجانب المعنوي تم تبني حملة ايمانية وطنية كبرى للتثقيف الديني على اساس القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الى عموم المراحل الدراسية في برنامج دقيق وتدريجي ومتواصل لتكون الدروس الدينية من الدروس الاساسية في حفظ وشرح آيات وسور القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف في السعي لخلق جيل واسع من الشباب ممن يحفظون القرآن الكريم بعد تجاوزهم لمرحلة الدراسة الثانوية. كما صدرت الاوامر المشددة بمنع تناول الخمور بكافة انواعها في المحلات العامة والفنادق والنوادي وغيرها حتى بالنسبة للاجانب ولمنتسبي الهيئات الدبلوماسية المعتمدة وبدون استثناء، بل ان المخالف يتعرض الى عقوبات قاسية تصل الى الحبس لمدة ثلاث سنوات او اكثر، كما حرم على التلفزيون العراقي عرض اية لقطة تتنافى مع الاخلاق والقيم الاسلامية السامية، فتقوم اجهزة الرقابة الاعلامية باقتطاع اللقطات الخاصة باحتساء الخمر او ارتداء الملابس الخليعة او (القبلة) بين الممثل والممثلة في المسلسلات والافلام، بالوقت نفسه الذي تم فيه منع تداول اجهزة الاستقبال التلفازي الفضائي ومحاسبة من يخالف ذلك مع اعتماد (14) محطة قناة فضائية عربية واجنبية منتقاه ومسيطر عليها مركزياً لهذا النوع من البث والاستقبال الفضائي للإطلاع على ثقافات الاخرين وانماط حياتهم.
كما تم التركيز على القيادات الحزبية والسياسية في ادخالهم دورات دينية لتلقي العلوم الخاصة بالقرآن الكريم والحديث الشريف واصول الدين والفقه وغيرها لمدة ستة اشهر متواصلة لتحقيق التوازن والتفاهم بين القيادات والقاعدة ضمن هذا التوجه، وبالوقت نفسه تم اعتماد مبدأ اطلاق سراح المسجونين الذين يتمكنون من حفظ سورة البقرة أو السور الطوال او القرآن الكريم برمته وفقاً لطبيعة الجريمة المقترفة ومدة الحكم فيها، فضلاً عن تفاصيل كثيرة أخرى، لعل منها على سبيل المثال عدم جواز تقديم طلب مكتوب في كل مفاصل الدولة دون ان يكون مسبوقاً (بالبسملة) وآية قرآنية كريمة أو حديث نبوي شريف ذا صلة بموضوع مضمون الطلب لتعميق تدريب وتأهيل ابناء الشعب وشرائحه المختلفة على هذا الاتجاه، وكذلك ادخال القضاة في هذه الدورات الايمانية فلا يجوز تعيين القاضي او مواصلته بالعمل إلا بعد ان يجتاز هذه الدورة بنجاح.
الاتهامـات
وفق ما ورد في أعلاه ، فإن الإعلام الصهيو أمريكي بدأ بقلب الحقائق، فبدلاً من إلقاء الضوء على واقع العراق وقيادته والأسلوب الذي كانت تدير فيه أخطر أزمة على الإطلاق تتعرض لها دولة في العصر الحديث، فتتبنى السياقات والإجراءات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والادارية والاعلامية والسياسية والعسكرية وتسخّرها بصورة إستراتيجية تنسجم مع طبيعة التهديدات المتنوعة والحادة والمتواصلة التي كان العراق يتعرض لها، وبدلاً من الإشارة إلى العناصر الإيجابية في معالجة الوضع الاقتصادي مثلاُ باعتماد البطاقة التموينية، والتي وجدتها قوات الاحتلال وحكومتها من أفضل سبل الحفاظ على الوضع المعاش المستقر للمواطنين بالرغم من كل الضغوطات والتحديات والتي استمرت باعتمادها إلى ما بعد الاحتلال .
وبدلاً من الإشادة بالإدارة الاجتماعية التي حققت وحدة الصف الوطني بين مختلف أطياف الشعب العراقي، الا أن ذلك الإعلام المعادي راح يطلق الاتهامات المختلفة على القيادة العراقية ومنها الدكتاتورية، حلبجة، المقابر الجماعية ، وغيرها. واعتبرها مادة دسمة لموضوعاته وطروحاته.
وإذا ما قارنا بين هذه الاتهامات وما آل إليه الحال بعد الاحتلال ، لوجدنا أن الممارسات القمعية من قتل وتعذيب أبناء الشعب العراقي من قبل قوات الاحتلال بمساندة القوى العميلة له، فاقت كل دكتاتوريات العالم في التاريخ القديم والحديث والمعاصر.
كما أن المقابر الجماعية أضحت ظاهرة لقوات الاحتلال في مدن الفلوجة والنجف والموصل وسامراء، بالوقت نفسه الذي استخدمت فيه قوات الاحتلال شتى أنواع الأسلحة المحرمة ضد جيش وشعب العراق، فلم تعد خافية أمام أبناء العراق زيف اتهاماتهم.
ففي هذا المجال والضوء الإعلامي الساطع الذي وجه عليها، فهي ، أي المقابر الجماعية، حقيقة على واقع الأرض، ولكن من هم سكان هذه المقابر؟!
أن عام 1991 وما رافقه من عدوان عسكري واسع النطاق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها على العراق جواً وبراً شهدت صحراء العراق فيه مقابر جماعية للعديد من الجنود العراقيين، بنفس الوقت الذي قامت به إيران بزج مئات الألوف من أراضيها بالإيرانيين وما سمي “بقوات بدر” لمفاجئة القوات العراقية المنسحبة من الكويت ونشر الفوضى والارتباك بعد ما قام هؤلاء باستهداف موظفي الدولة وكوادر حزب البعث العربي الاشتراكي وعوائلهم. مما زاد من عدد راقدي المقابر الجماعية.
أما الدكتاتورية ، فإن غطاء الديمقراطية الدموية التي جاءت بها أمريكا في احتلالها للعراق جاءت لتشوه الحقائق وتمزق المجتمع . فعدد دكاكين الأحزاب التي ظهرت لا يمكن أن يتحملها أو يحتملها المجتمع العراقي ، ولعل الهدف منها تمزيق الشعب وزرع الفتن ليس إلا . فأغلب الأحزاب فئوية، طائفية ، عرقية، قومية، دينية، وليست احزاباً فكرية وطنية تستوعب كل أطياف الوطن ، بل أن قسماً من هذه الأحزاب بدأ يدعو إلى تحقيق العلاقة مع “إسرائيل” مثلما فعل المدعو “مثال الالوسي” الذي زار إسرائيل علانية وشكل حزباً برئاسته.
أما الصحف فوصل عددها إلى ما يفوق التصور ، فهل من المنطق أن يتحمل المجتمع العراقي هذا العدد من الصحف المتناقضة الأفكار والتي تجاوزت المائة صحيفة ، والعديد منها يمثل الجهات الأجنبية المرتبطة بها لترويج الأكاذيب والتشجيع على الخلل الخلقي، ومعاداة القومية العربية والترويج لموضوع ” المثلث السني” و” البيت الشيعي” وغيرها لتفتيت أواصر الشعب الواحد؟!
أما شخوص وأزلام بعض الأحزاب أو أعضاء مجلس الحكم والمجلس الوطني ،فإن بعضهم لا يحمل أصلاً الجنسية العراقية وبعضهم متهم بالسرقة والاختلاس والاحتيال ، بحيث أصبح العراقي غريباً في بلده.
ولعل الميزان المشار له أعلاه يمكن من خلاله معرفة الفارق الحقيقي بين مصطلح “الدكتاتورية” التي اتهمت بها القيادة العراقية ومصطلح “الديمقراطية” التي جاء بها الاحتلال وتطبيقها لمبدأ (ديمقراطية القوة) وإشاعتها كذباً لمفهوم (قوة الديمقراطية).
أما ما يتعلق بموضوع استخدام الأسلحة الكيماوية على الأكراد في مدينة “حلبجة “فإن الحقيقة التاريخية لهذا الحدث الخطير الذي راح ضحيته الآلاف من أبناء الشعب العراقي، أطفالاً وشيوخاً ونساءً ورجالاً في واحدة من أكبر الجرائم الانسانية بشاعة على شعب فقير أمن في بلدته المتواضعة هي عكس مايروج له الاعلام الدكتاتوري.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه مبدئياً لماذا تستخدم القيادة العراقية السلاح الكيماوي ضد الأكراد في آذار/مارس من عام 1988 ميلادية ؟ وما هو المسوغ المنطقي أو الموضوعي أو الضروري لهذه الجريمة الخطيرة؟ وإذا ما رجعنا إلى ذلك العام والأعوام التي لحقته في نظرة تاريخية لوجدنا الصورة التالية:
لم تكن هناك أية مشاكل في عام 1988م بين القيادة العراقية والأحزاب الكردية، لا بل أن كردستان العراق لم يكن فيها خلال الحرب العراقية الإيرانية وخاصة في تلك المرحلة سوى قطعات عسكرية قليلة، حيث لم تكن هذه الجبهة من القتال ساخنة أصلاً في الحرب .
وبالرغم من محدودية القوات العراقية آنذاك في تلك المنطقة، فلم تسجل أي عملية استهداف لها أو للمؤسسات الحكومية من قبل أي جهة كردية. بل أن لواءين من الحرس الجمهوري العراقي الخاص كان منتسبوها من القومية الكردية ، فضلاً عن الشباب الكردي الذي كان منخرطاً في صفوف عموم القوات المسلحة ويقاتلون إلى جانب أشقائهم من القومية العربية خلال الحرب . لا بل أن كثيراً من قادة الفرق والألوية والكتائب في الجيش العراقي كانوا من الأكراد . ومنهم من كان يشار له بالبنان في قدراته لإدارة العمليات العسكرية الناجحة ضمن قاطع مسؤوليته.
ومن هذه الصورة الموجزة الأولية، يمكن طرح السؤال الذي يفرض نفسه، هل أن مصلحة القيادة العراقية وهي تخوض حرباً ضروساً ضد الإيرانيين وكثير من أراضيها كان محتلاً أن تقوم بهجوم بالأسلحة الكيمياوية على عوائل أمنة من الشعب الكردي في حلبجة ؟ وهل من مصلحتها أصلاً أن تفتح جبهة داخلية مضادة خطرة ؟ وماذا تحقق في ذلك غير الجانب الانعكاسي السلبي المضاف لهمومها؟. وقبل الدخول أيضاً في حيثيات ما جرى في حلبجة ، علينا أن نقفز بالزمن إلى المرحلة التي تلت هذا الحدث الذي حدث في آذار/مارس عام 1988م.
فبعد إنتهاء الحرب العراقية الإيرانية في آب/ اغسطس من نفس العام، أي بعد خمسة أشهر فقط من جريمة حلبجة ونظراً للأجواء الصيفية الحارة في مناطق العراق الوسطى والجنوبية، فقد انطلقت أعداد كبيرة جداً من ابناء الشعب العراقي بمختلف شرائحهم (بضمنهم المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين)وعوائلهم وغيرهم إلى منطقة كردستان ومصايفها الجميلة وأجوائها العذبة، وطبيعتها الخلابة للاستمتاع بها وقضاء وقت من الاستراحة والاستجمام.
ولعل النقطة التي أحب أن أركز عليها واجذب الانتباه لها هنا، هي أن هذه المنطقة في تلك المرحلة لم تشهد أيضاً أي استهداف أو عمليات مضادة للقيادة العراقية أو مؤسساتها أو رموزها على طريق الانتقام مما جرى في حلبجة بالرغم من أن أوقات متأخرة جداً من الليل بل بالأصح حتى الصباح كان الناس يجوبون مختلف المصايف الشمالية البعيدة عن مراكز المدن . والقوات العراقية ومراكز الشرطة تنتشر بشكل بسيط هنا وهناك وباعداد قليلة جداً .
ولو كان الأكراد على قناعة من أن الذي قام بضرب حلبجة بالكيمياوي هو القيادة العراقية لكانت لهم فرصة ذهبية للانتقام . ولعلنا هنا نتذكر تلك المظاهرة العارمة التي خرجت من حلبجة بأهاليها بعد يومين فقط من القصف الكيمياوي للتنديد بإيران لما اقترفته من جريمة وحشية ضد أبنائهم.
وإذا مادخلنا إلى الحيثيات الميدانية العسكرية ،فإن كلاً من العراق وإيران كانا يمتلكان الأسلحة الكيمياوية ويتبادلانها بالحرب التي كانت دائرة بينهما بين الحين والأخر والعراق كان يمتلك سلاحي “السارين والخردل” . أما أيران فكانت تمتلك “السيانيد والخردل”. وللمعلومات نعطي صورة موجزة عن هذه الأسلحة. فالسارين والسيانيد هما من عوامل (الاعصاب). أما الخردل فهو من عوامل”الفقاعات “. والسارين والسيانبد تسميان أيضاً بالعوامل “المتطايرة” أي أنها تتطاير بسرعة وينتهي مفعول تأثيرها بعد استخدامها بساعات قلائل قد لا تتجاوز الساعة أو الساعتين. أما الخردل فيسمى بالعوامل الثابتة الذي يبقى على الأرض “كسائل” يبعث ابخرته لفترة طويلة قد تتجاوز الأيام الأربعة أو الخمسة.
ومن ناحية العمليات العسكرية ، فقد شنت إيران هجوماً واسعاً بقوات الحرس الثوري وميليشيات” البسيج” على القاطع الشمالي من الجبهة “العراقية- الإيرانية ضمن منطقة كردستان مستهدفة احتلال “حلبجة باتجاه السليمانية مستغلة قلة ومحدودية القوات المسلحة العراقية في ذلك القاطع ومحققة المباغتة والسرعة في الاختراق في منتصف شهر آذار/مارس من عام 1988.
وهنا نتوقف قليلاً ونتأمل الاحتمالات على أساس افتراضين: أولهما أن العراق هو الذي استخدم السلاح الكيمياوي على حلبجة والافتراض الثاني أن إيران هي التي استخدمته.
في الافتراض الأول ، لو أن العراق هو الذي استخدمها ، فإنه ووفقاً للمعطيات التي ذكرناها آنفاً يفترض أن يستخدم غاز “السارين” بعد دخول القوات الإيرانية إلى حلبجة من أجل ايقاع الخسائر الكبيرة في صفوفها ، ولكي تقوم بعد ذلك بساعة أو ساعتين “أي بعد انتهاء مفعول الغاز السام” بالهجوم بالقطعات البرية لاستعادة حلبجة من سيطرة القوات الإيرانية التي احتلتها. وبالطبع فإنه لو قام العراق بهذه العمليات العسكرية، فإن ذلك يعني أن الخسائر بالقوات الإيرانية كبيرة جداً ، خاصة وأن القوات الإيرانية البرية التي هاجمت “حلبجة” هي ليست من القوات النظامية بل من قوات الميليشيات “الحرس الثوري والبسيج” والتي اعتمدت “أطلاق الذقن” وفق فتوى الخميني.
وبالطبع فإن من يطلق ذقنه لا يتمكن من ارتداء قناع الوقاية من الأسلحة الكيمياوية مما يؤدي إلى وقوع الخسائر المميتة، بينما واقع الحال في هذا الافتراض أكد عدم وقوع خسائر في صفوف القوات الإيرانية المهاجمة.
فهل يعقل قيام القيادة العراقية بضرب “مدينة حلبجة ” قبل دخول القوات الإيرانية لها بأسلحة كيمياوية متطايرة من نوع الأعصاب “السارين” لتقتل أهلها!!.
ولو كان الأمر كذلك ووفق كل الحسابات وفي أسوأ الاحتمالات فإنها يفترض أن تضربها بعوامل الفقاعات من نوع “الخردل” لكي يبقى في الأرض لفترة طويلة ويحرم القوات الإيرانية من دخول المدينة.
وللمعلومات فإن الكلية الحربية الأمريكية سبق وأن كلفت من قبل البنتاغون للتحقيق والتدقيق في عملية حلبجة . وبعد الزيارات الميدانية والكشوفات التحليلية الموقعية والمختبرية والدراسات المعمقة توصلت إلى نوع العامل الكيميائي المستخدم وأقرت أنه من نوع السيانيد “المتطاير” الذي تملكه إيران.
وفي الافتراض الثاني، فإن إيران وقبل دخولها إلى مدينة حلبجة، استخدمت السلاح الكيماوي من نوع السيانيد (سريع التأثير والتطاير) حيث ينتهي مفعوله بعد “1-2″ ساعة. ومن ثم دخلت المدينة وصورت القتلى من الأكراد المدنيين لتحقق الهدف العسكري أولاً في احتلال مدينة حلبجة بأمان وضمان وسرعة من ناحية ، وبغية استغلال صور القتلى بالأسلحة الكيمياوية في أوسع حملة إعلامية ضد القيادة العراقية من ناحية ثانية.
هذا هو الواقع الحقيقي والتاريخي ، والله سبحانه الذي يمهل ولا يهمل سيكشف ذلك وسينال المعتدي قصاصه العادل في الدنيا والآخرة.
مراكز الثقل… وتوازن القوى
في دراسة اعدت حول الحرب الأمريكية ضد العراق منتصف شهر نيسان/إبريل 2004 ميلادية انتقدت كلية الحرب الأمريكية قيادة بوش ورامسفيليد وويلوفيتز نائب وزير الدفاع على تلك الأخطاء الإستراتيجية القاتلة التي وقعوا بها في استخدام القوات المسلحة على عجل دون اعتماد الغطاء الكافي والمطلوب لتأمين التخطيط السليم.
ولما كانت القوات المسلحة تمثل جانباً واحداً من جوانب الصراع ، فإننا هنا نلقي الضوء على طبيعة مراكز الثقل لكلا طرفي الصراع في إطار التفاوت الهائل في توازن القوى المادية.. وابتداءً نقول أن المعارك والحروب في ميادين وساحات القتال هي صراع مسلح بين أرادتين متناقضتين تحكمهما التكتيكات والعمليات والاستراتيجيات العسكرية المعتمدة . ويتحقق النصر فيها على أساس مقدرة أي طرف في فرض إرادته على الطرف الآخر باستخدام القوى العسكرية المتفوقة وأساليب وفنون القتال الناجحة فضلاً عن الروح المعنوية العالية. وقد تدخل في هذا النصر ونتائجه عوامل أخرى قد تكون بيئية أو طارئة غير محسوبة.
أما الصراع بين أرادات وثقافات وتوجهات ومصالح الأمم بمفهومه الحضاري ، فإن النصر فيه يحكم بمدى قدرة كل طرف في خرق أو تحطيم مراكز الثقل الأساسية للخصم . فما هي هذه المراكز التي يستهدفها طرفا الصراع في الحرب الأمريكية ضد العراق واحتلاله؟ وهل فعلاً وضعت الحرب أوزارها “بالنصر” الأمريكي عند احتلال عاصمة الرشيد وحاضرة الدنيا وإشعاع ثقافة العرب والمسلمين بغداد؟.
في ضوء الاختلال الهائل في ميزان القوى المادية بين قوة غاشمة تربعت على عرش القطبية الدولية الواحدة بدون منازع ، فأضحت القوة الأعظم في المجال العسكري والتكنولوجي والاقتصادي والمعلوماتي، وبين قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية ومعلوماتية عراقية أصبحت بعد الحصار والدمار المتواصل لمدة ثلاثة عشر عاماً متواصلة، قوة منهكة واضعف في معطياتها المادية من كل مقومات المجابهة المباشرة.
في ضوء هذا الاختلال الحاد لابد من النظر إلى الحرب الانكلو أمريكية ضد العراق بمنظار استراتيجي من خلال دراسة وتحديد وتحليل مراكز الثقل لكلا طرفي الصراع أولاً، ومن ثم معرفة مدى قدرة كل طرف على النيل منها في الطرف الآخر. وفي هذا السياق فإن مراكز الثقل العراقية تمثلت في “القيادة السياسية” في مركز الثقل السياسي، “والتلاحم الوطني “في مركز الثقل الاجتماعي، و”النفط” في مركز الثقل الاقتصادي. (والقدرة العسكرية) في مركز الثقل العسكري.
أما مراكز الثقل في الطرف الانكلو أمريكي، فلعلها تختلف تماماً ، وتجتمع كلها في (الرأي العام) الذي يمثل مركز الثقل الأساسي الذي تدخل في كنفه كل مراكز الثقل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
فالسياسة الأمريكية وإستراتيجيتها لا تقودها قيادة سياسية محددة ، بل هي مرسومة ومصممة، وليس للحكومة المنتخبة دور سوى الدوران في فلكها وتحقيق أهدافها. أما الجانب الاقتصادي ، فالحجم الهائل من الموارد المتنوعة لهذه الدولة المترامية الأطراف بين المحيطين لا يمكن أنه يحطم اقتصادها بالصورة والكيفية المألوفة مهما كان حجم ونمط الصراع الذي تخوضه.
وفيما يخص مركز الثقل الاجتماعي فليس هناك منظومة قيم ومثل وتقاليد اجتماعية مثل ما يحملها الطرف الأخر يمكن استهدافه في المجتمع الأمريكي. أما مركز الثقل العسكري، فلو تم على سبيل المثال إسقاط عشرين طائرة في اليوم الواحد، فإن إمكانية تعويضها بالسهولة واليسر السريع، على العكس من الطرف العراقي الذي يفتقر أصلاً إلى سلاح الجو والذي يفترض أن يؤمن له على الأقل المعلومات الاستطلاعية الميدانية قبل القتال!.
ومن هنا فإن الرأي العام الأمريكي يمثل مركز الثقل الاستراتيجي الرئيسي في كل صراع تخوضه هذه الدولة، ولعل الطرف الذي يتمكن من اختراق هذا المركز وتحويله إلى الاتجاه المعاكس هو الذي يحقق الانتصار في الصراع.
وفي ضوء هذه المعادلة يمكن اختبار نتائج الصراع من خلال المعطيات التي أفرزتها الاشتباكات المختلفة على كل الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
ففيما يخص الطرف العراقي. فإذا كان مركز الثقل السياسي قبل الحرب هو القيادة السياسية فإن مركز ثقلها بعد نشوب الحرب تحول إلى قيادة المقاومة الوطنية التي تكاد أن تكون أقوى وأسرع مقاومة في العالم، حيث انتفضت بشكل قياسي لا يتعدى الساعات المعدودات بعد دخول القوات الأمريكية للعاصمة بغداد ثم نضجت واعتمدت منهجاً سياسياً ونهجاً عسكرياً بعد يومين فقط من الاحتلال، أي يوم 11/4/2003م.
ولعل التأثيرات اليومية للمقاومة وما أفرزته من توحد للقوى الوطنية والإسلامية على طريق إزالة الاحتلال وآثاره تشير وتؤشر ان مركز الثقل السياسي ما يزال قائماً، بل مؤثراً .
أما مركز الثقل الاقتصادي الذي كان وما يزال ممثلاً بالنفط العراقي الذي يعتبر من أكبر مخزونات الاحتياطي العالمي، فضلا ًعن كونه يشكل واحداً من أهم وأفضل أنواع النفوط ، وفي كونه يشكل مزايا”الخيارات البديلة” للامريكان في كون موانئ تصديره متنوعة، فهو يحقق البديل السريع لأي قطع أو انقطاع مقصود أو غير مقصود لتصدير نفط الخليج العربي عبر الخليج والبحرين العربي والأحمر من خلال الأنابيب المطروحة على وتحت الأرض إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط في جيهان وبانياس وحيفا وميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر كما أسلفنا. فهل تم اختراق مركز الثقل الاقتصادي هذا بعد الاحتلال وعبر ما يقارب العامين منه؟
في إطار تقويم نتائج الصراع في هذا المجال ، فإن نظرة سريعة وبسيطة إلى الآف الكيلو مترات التي تشكل مسارات أنابيب النفط العراقي وما تتعرض له بصورة دائمة من تفجيرات وتدمير، ما يؤكد إعاقة عمليات التصدير عن طريقها ، ولعل المنظور العسكري التقليدي يفرض على القوات المحتلة أنشاء نقاط مراقبة في كل خمسمائة متر على أقل تقدير على طول هذه المسارات لأنابيب النفط لتبادل النظر والرصد والمراقبة والتأثير بالنيران لضمان إيقاف تلك العمليات التي تقوم بها عناصر المقاومة وما يكلفه ذلك من تشتيت للقوات الغازية وتجميد لفعالياتها وزيادة لقواتها فضلاً عن وضعها بالموقف الأكثر وهناً.
وفيما يتعلق بمركز الثقل الاجتماعي، فإن خلق عناصر التفتيت الطائفي وتأجيج الصراعات المذهبية والعرقية كان واحداً من أهم الوسائل لخرق مركز الثقل الاجتماعي العراقي قبل شن الحرب وخلالها. ولكننا وجدنا تلاحماً وطنياً بعيداً عن هذه التفرقة ، حيث أن الواقع يدلل إن خطر الغزو والاحتلال زاد من تلاحم أبناء الشعب من مختلف المذاهب، ويتوضح ذلك من خلال قيام السنة بأداء الصلاة في مساجد الشيعة وبالعكس، في نتيجة تؤكد أن البساط قد تم سحبه من هذا الاستهداف ، فلم يثلم أو يخترق مركز الثقل الاجتماعي في هذه المحاولة البائسة واليائسة التي ارتكز عليها المحتل في إحياء ما يسمى بمبدأ “فرق تسد” فأبناء الرافدين عاشوا ويعيشون بحب وود واندماج كامل وشامل وبانتماء وطني بعيداً عن كل النزعات الطائفية فهناك العوائل الكثيرة التي تجد فيها الزوج من المذهب الشيعي والزوجة من المذهب السني وبالعكس ، كما تجد الأخ الآخر متزوجاً من كردية.. وهكذا لم يمر العراق يوماً ما في فوضى العيش بهذه التفرقة. فخاب أمل الإدارة الأمريكية في تدمير مساجد أو قتل علماء دين من المذاهب المختلفة بغية اشعال الفتنة أو الحرب الأهلية، و سقط رهانهم في الجانب الاجتماعي، وإن مايردده الإعلام الامريكي من أن هناك تجاذباً سنياً أو شيعياً فهو كاذب ومضلل يسنده في زيفه هذا تلك الأحزاب الطائفية المرتبطة بإيران والتي تحاول عبثاً الإشارة بأن لها قواعد وجذوراً شعبية في أوساط المجتمع العراقي.
أما مركز الثقل العسكري، فلعله يتمثل بالقدرة العسكرية والإدارة وليس بالقوة المجردة المعتمدة على السلاح ، فالسلاح العراقي أصلاً لم يكن هو الأساس الذي تعتمد عليه القوات العراقية بسبب قدمه وعدم مواكبته لمثل هذا الصراع. وخلال القتال والمجابهة العسكرية في أيام الحرب قبل دخول العاصمة كان يصعب استهداف الجنود الأمريكان بسبب فارق التكنولوجية . أما بعد الاحتلال فعند تداخل الخنادق والأهداف بين طرفي الصراع، وبعد تحييد التكنولوجية أصبح للسكينة التي مداها (صفر) أثر وتأثير في قتل الجندي الأمريكي ، بل أحياناً ذبحه وهو في مركبته في وضح النهار بشوارع العاصمة والمدن الاخرى. ولعل مجمل الخسائر التي وقعت في صفوف القوات الأمريكية بعد إعلان بوش عن وقف العمليات العسكرية الرئيسية في مايو / أيار من عام 2003 ميلادية تعطي مؤشراً واضحاً ونتيجة لا تقبل الشك في مدى اختراق أو بقاء مركز الثقل العسكري بعد أن تجاوزت تلك التي وقعت في صفوف القوات الأمريكية، بل تضاعفت بشكل كبير الخسائر التي وقعت في صفوفهم خلال أيام الحرب نفسها قبل الاحتلال .
وبذلك يمكن القول أن الحرب لم تنتهي والصراع مازال قائماً . والنصر حليف من يتمكن من اختراق مركز الثقل للطرف الأخر.. وهذا هو الرأي العام الأمريكي (مركز الثقل الرئيس) يبدأ بالتململ بالاتجاه المعاكس للحرب ويبدأ بمعرفة عدم مشروعية هذه الحرب وغياب الأهداف المعلنة عنها.
كما يتعرف على مستوى التضليل والكذب الذي مارسته الإدارة الأمريكية في هذا المجال.
فلا أسلحة دمار شامل، ولا علاقة مع القاعدة ، ولا تهديد للولايات المتحدة الأمريكية، ولا مبرر أصلاً لشن الحرب سوى لخدمة ( إسرائيل) باعتبار أن العراق هو المتمرد الوحيد في المنطقة ضد عمليات التطويع والتطبيع والخنوع والخضوع والركوع العربي للإرادة الصهيونية.
ولذلك بدأت الأصوات ترتفع في أوساط الرأي العام الأمريكي. وإذا ما زادت خسائرهم البشرية والاقتصادية من جراء هذا المستنقع فإن هذه الأصوات ستأخذ بالازدياد ، بل تأخذ بالفعل الانعكاسي الإجرائي ضد قيادتهم ان لم تتخذ قراراً بالانسحاب والفرار من هذا المأزق. وعند ذاك سيتوج النصر على رؤوس العراقيين.
سبعون قنبلة نووية في عشرين يوماً
نعم أخي القارئ، لا تستغرب العنوان، إنها الحقيقة الساطعة التي شهدتها الحرب الأمريكية البريطانية ضد العراق، البلد العربي المسلم المجاهد.
لم تكن حرباً بمعنى الحروب، ولا صراعاً بمعنى الصراعات، ولا معارك تجري بين طرفين في الأجواء وفي الأرض والبحار مثلما هي بقية المعارك. ولعل كل ما قيل ويقال عن الجيش العراقي الباسل من أنه ترك سلاحه ولم يدافع عن بلاده وشعبه كذباً وزيفاً تبناه الأعداء سبيلاً إعلامياً لإحباط ما تبقى من قيم هذه الأمة.
هذا الجيش الذي لم يثبت التاريخ عليه يوما ما ثلمة وطنية طيلة سني كفاحه ودفاعه عن العراق والأمة. فتلك هي الأرض الفلسطينية التي تضم مقبرة الشهداء العراقيين في جنين، وتلك المقبرة العراقية للشهداء في دمشق . وهناك في أرض المفرق الأردنية مقبرة لشهداء الجيش العراقي البطل، وتلك أجواء سيناء المصرية شاهدة على مرور الطائرات المقاتلة العراقية لتدك معاقل وحصون الجيش الصهيوني.
وتلك هي صواريخ الحسين التي حطمت نظرية الأمن الإسرائيلي بعد أن أخذت معها صواريخ الباتريوت الأمريكية المضادة للصواريخ لتدمر بها ومعها المواقع الإسرائيلية في تل أبيب والنقب وغيرهما عام 1991.
نعم أخي القارئ أنها سبعون قنبلة نووية ، ولم يكن لهم أن يخترقوا جيش العراق المرابط على حافات المدن العراقية ويدخلوها الا بها . واتبعوا هذا الحجم الهائل من المتفجرات قياساً على ما سبق لهم أن استخدموه في نهاية الحرب العالمية الثانية ضد اليابان عندما قرروا استخدام السلاح النووي على مدينتي هيروشيما وناكازاكي لينهوا بهما الصمود الياباني الذي كان يعد صموداً اسطورياً في حينه ، فاستسلم هيرو هيتو واجبروه على توقيع وثيقة شروط الإذعان على ظهر الباخرة الأمريكية وتحت ظل العلم الأمريكي بعد ان فرضوا على الامبراطور الياباني الانحناء للعلم في محاولة إذلال الشعب بأسره ولتبقى هذه الشروط قائمة حتى يومنا هذا.
نعم انها سبعون قنبلة نووية
فالقنابل النووية تقاس وفقاً لما تحمله من زنة المتفجرات من نوع (تي.أن.تي) بمقياس (الكيلوطن) أو (الميكاطن) والكيلو كلمة لاتينية تعني (ألف) أما الميغا فتعني (المليون) ولذلك عندما نقول ان القنبلة النووية هي من عيار (عشرين كيلو طن) فذلك يعني انها ذات زنة عشرين الف طن من المتفجرات.. وإذا قلنا ان القنبلة من عيار (1) ميغا طن فذلك يعني انها ذات زنة مليون طن وهكذا القنبلتين النوويتين الامريكتين اللتان استخدمتا ضد هيروشيما وناكازاكي كانتا من عيار (20) كليو طن.
ولنطبق هذا المقياس على ماجرى في العراق ففي العام1991م وبعد انتهاء العدوان الامريكي العسكري الثلاثيني جرى إحصاء كمية المتفجرات المستخدمة فكانت (140) ألف طن ضد العراق واعترف بذلك كولن باول في حينه عندما كان يشغل منصب رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة وهذا يعني ان كميتها بلغت (140) كليو طن. أي ما يعادل (7) قنابل نووية من عيار (20) كليو طن.
أما في الحرب العدوانية الأخيرة عام 2003م ميلادية ففي مؤتمر صحفي لوزير الدفاع الأمريكي دونالدرامسفيلد وجه له سؤال عن كيفية التعويض عن تحالفاتهم العسكرية الواسعة التي اعتمدوها عام 1991م في حربهم ضد العراق عام 2003م بالاكتفاء فقط ببريطانيا بالدرجة الأساس وبعض المشاركات الإيطالية والاسبانية والاسترالية البسيطة ، فأجاب بأن ذلك قد تم التعويض عنه بحجم المتفجرات ودقة الإصابة.
وقال أنه (استخدم عشرة أضعاف ما استخدم من متفجرات عام 1991م) ولذلك فإن ما أُستخدم عام 2003 كان ما يعادل”70″ قنبلة نووية لتحقيق الفعل التأثيري الكبير في عملياتهم العسكرية التي اسموها “عمليات الصدمة والترويع” علماً أن هذه المتفجرات كانت قد استخدمت على القطعات العراقية المتواجدة على حافات المدن وحتى داخلها، فضلاً عن استخدامها ضد البنية التحتية الأرتكازية العراقية لتأمين الصدمة والترويع والاختراق إلى المدن العراقية لدخولها واحتلالها.
ووفق هذا المنظور كانت القيادة العراقية قد بنت تصوراتها ودفاعاتها وتحديد الأسلوب الأمثل لمقاتلة الغزاة والاشتباك بهم بعد انتهاء الصفحة الأولى من الحرب.
هذه الصفحة التي طالت مدتها عشرين يوماً من المقاومة الباسلة، ولعلها أيام طويلة، على العكس مما تصورها الآخرون بأنها قليلة ومحدودة، لينتقل بعدها الجيش وقوى المقاومة الأخرى إلى إستراتيجية الحرب الشعبية الشاملة، هذه الإستراتيجية التي ارتكزت على الاستدراج والاستنزاف والتدمير لقوات الغزو ، حيث لا خيار إلا في هذا المجال.
طوفان العراق.. وسيناريو الخلاص
بعد الطوفان الذي أغرق العراق بالدم والفوضى والحرمان . هذا الطوفان الذي سرعان ما غمر المنطقة كلها، وانتقل داؤه إلى العالم بأسره ليجعله عالماً غوغائياً مرتبكاً تسوده شريعة الغاب وفقدان الأمان… ما هي النتائج التي تمخض عنها وما هي الأهداف التي حققها الأعداء؟؟
إذا ما نظرنا إلى الوضع في العراق من زاوية الأهداف الخفية والمعلنة، ومن زوايا النتائج التي تمخضت عن الاحتلال بانعكاساته وواقعه الذي فاق كل تصور ( قتل، دمار، دماء ، قطع رؤوس وتفجيرات) فضلاً عن انهيار الاقتصاد، وفقدان أبسط الخدمات الإنسانية الأساسية (ماء وكهرباء، وقود وعمل، … الخ) لوجدنا أن المقاييس قد أختلت، والموازين قد اختلفت ، والفوضى قد عمت ، دون أن يكون هنالك أفقً واضح للمعالجة، بل أن العلاج الأمثل يكمن في أن الاحتلال وقواه لا بد لها من أن تجد درباً آمنا للهرب وطريقاً نافذاً من المأزق. وفي ضوء ما حدث وما يحدث واستقراء ما سيحدث، يمكن رسم السيناريو القادم الذي يمثل الخيار السليم، بل الوحيد للوصول إلى بر الأمان بعد تفجر البركان وتدفق الطوفان.
ويمكن القول أن من سوء الطالع للامبراطورية الأمريكية أن يقودها في هذا الزمن امبراطور لا يقرأ التاريخ ولا يفقه طباع الشعوب، فيعمي الله بصيرته لينصاع إلى الماكرين الخبثاء من بني صهيون، فينتقي العراق دون سواه من هذا العالم الفسيح، ويقرر عليه العدوان والاحتلال استناداً إلى القوة العسكرية الغاشمة التي يمتلكها، وإلى القدرة التكنولوجية المجردة التي يتمتع بها بعيداً عن كل الاعتبارات الأخرى .
ولو كلف نفسه قليلاً قبل هذا الانصياع لوجد أن أبناء الرافدين سبق وان تعرضوا لمثل هذا الموقف الخطير مرات ومرات فأذاقوا المحتل مرّ الهزيمة والويل مثل ما أثبته التاريخ لهم في مقاومتهم لاحتلال كورش وعيلام ويزدجرد الفرس وهولاكو المغول وإسماعيل الصفوي والدولة العثمانية والانكليز في مراحل زمنية مختلفة.
وإذا ما انطلقنا من زوايا الأهداف المختلفة (المستورة والمعلنة) لهذا العدوان ونتائجه، فلا بد من الإشارة والوقوف عند محطات الإخفاق التي دمرت فيها كل مسوغاته.
فالأهداف المستورة التي أضحت واضحة دون لبس لا تخرج عن إطار إستراتيجية السيطرة العسكرية المباشرة على منابع نفط العراق وأنابيبه الممتدة إلى موانئ البحر المتوسط والبحر الأحمر، فضلاً عن ما يسمى بضمان (أمن إسرائيل).
وكذلك السعي من خلال ذلك إلى تفتيت العرب وطمس شخصيتهم وتغيير هويتهم وتبديل توجهاتهم وتعديل اتجاهاتهم بمشاريع شد وبتر الأطراف ومشاريع الإصلاح وغيرها.
ولعل جميع هذه الأهداف تحطمت تحت صخرة أبناء العراق الأشم الذين أربكوا عمليات تصدير النفط والاستحواذ عليه ورفعوا سعر البرميل الواحد ليتجاوز سقفه القياسي فيصل إلى أكثر من خمسين دولاراً ، في الوقت الذي حفزوا شعب فلسطين البطل للتواصل بمزيد من التحدي والبسالة على طريق المقاومة والتحرير بعد أن بدأ اليأس والقنوط يخرق فكر ونفوس بعض ممن فقدوا توازنهم وتضببت أمامهم الرؤية.
أما الأهداف المعلنة للعدوان والاحتلال ، فلعلها تمثلت بامتلاك أسلحة الدمار الشامل وعلاقة القيادة العراقية بتنظيم القاعدة وارتباطها بإحداث 11سبتمبر عام 2001ميلادية ، فضلاً عن طرح المصطلحات المغلفة التي أشبعها الإعلام الصهيوني بالدوران حول فلك ما يسمى بالدكتاتورية والمقابر الجماعية واستخدام الأسلحة الكيماوية وغيرها. هذه الأهداف التي هي الأخرى تهدمت بمعول الإدارة الأمريكية والبريطانية نفسها بعدما أفصحتا عن كذبهما وزيف ادعائهما، بل تفاهة طروحاتهما. فلا أسلحة للدمار الشامل، ولا علاقة مع القاعدة، ولا ارتباط بإحداث 11 سبتمبر، ولا تهديد للولايات المتحدة ، بل توضحت اتجاهات ديمقراطيتهم بفضائح ( أبو غريب) ، وقمع الفكر والإنسان والحريات الأساسية تحت شعار (مكافحة الإرهاب) . أما مقابرهم الجماعية في الفلوجة، فقد فرضت همجيتهم على أهل المدينة تحويل الملعب الرياضي إلى مقبرة جماعية كبيرة، فضلاً عن الحدائق المنزلية بعد أن ضاقت الأرض بالشهداء. وفي النجف لم يكتفوا فيه بقتل الإحياء من الأطفال والنساء، بل ركزت طائراتهم ودباباتهم حمم قصفها على مقبرة السلام ليطالوا قبور الأموات أيضاً خشية ورعباً من أشباحهم التي أخذت تخيف جنود الاحتلال كلما أسدل الليل ستاره.
وهكذا الحال في سامراء والرمادي وتل عفر والموصل ومدينة الثورة وبعقوبة والمحمودية والحلة وغيرها. ولعل ذلك ازاح النقاب عن كل الشعارات واللافتات الكاذبة، بل الصارخة في الكذب.. لكن الشمس وكما يقال لا يمكن ان يحجبها الغربال، فمعارك الفلوجة مثلاً وبالرغم من الوحشية الهائلة التي استخدمتها الآلة الحربية الأمريكية في التدمير الشامل والكامل للمدينة بابنيتها وشوارعها وماءها وكهرباءها وخطوط هاتفها ومحلاتها التجارية وأطفالها ونسائها وشيوخها ومساجدها التي انتهكت، بل والتي قتل فيها الجنود الأمريكان الشيوخ الجرحى الذين لجأوا إليها للدعاء والعبادة والاحتماء، فقتلوهم بدم بارد داخل المساجد وأمام مرأى العالم بأسره.
فبالرغم من كل ذلك كان أبناء هذه البلدة التي تسمى”بمدينة المساجد” كانوا قد أوقعوا خسائر فادحة في صفوف القوات الأمريكية وهم صائمون محتسبون لله في ليلة القدر بعد أن أصرت قوات الاحتلال والعناصر العميلة معها اختيار هذه المدينة الباسلة ، “مدينة الفداء وبوابة التحرير”، مدينة المساجد والايمان لاقتحامها وتدميرها بعشرين ألفاً من قوات الأحتلال تدعمهم طائرات الـ أف 16 والإباتشي ودبابات الأبرامز والصواريخ وغيرها من وسائل الحرب التكنولوجية المتقدمة. فبشرى لشهداء الفلوجة الذين استحضروا معركة بدر الكبرى في نفوسهم، فذهبوا إلى بارئهم مستبشرين بالجنة التي وعدهم بها رب العزة ، وبشرى لأهل الفلوجة الذين ناجوا ربهم ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) .
ثم استغاثوا بالله ولا أحد يغيثهم سواه في تلك الليلة المباركة ( فاستجاب لهم ربهم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) صدق الله العظيم .
هذا فضلاً عن دكتاتورية الإعلام التي فاقت كل التوقعات بعد ما ضيقت قوات الاحتلال الخناق، بل أغلقت الأبواب على كل منافذ الحرية في هذا الاتجاه، ففرضت القيود، وحددت الحدود المسموحة وغير المسموحة على وسائل الإعلام وأساليبه وربما غلق مكتب الجزيرة الفضائية في بغداد، واستهداف المصورين التابعين لوكالات الأنباء والفضائيات وقتلهم بصورة مقصودة، شاهد على هذه الدكتاتورية.
هذه ببساطة وباختصار شديد صورة واقع حال الاحتلال وما آل إليه الأمر من نتائج زيف العدوان والطغيان والطوفان الذي تبعه.
وبعد هذا التخبط وهذه الفوضى والخسائر الحادة والهائلة والمتواصلة التي منيت بها الإمبراطورية الأمريكية في العراق على المستوى البشري والاقتصادي والسياسي والنفسي، ماذا عليها أن تفعل؟ (إن بقيت في المستنقع فهو بلاء.. وأن إنسحبت منه فهو ابتلاء) . وقبل تصور السيناريو الذي يمكن اعتماده ، لابد من إلقاء نظرة على بعض النتائج التي لم يسبق للإدارة الأمريكية أن ادخلتها بصورة صحيحة ومحسوبة في اجهزة كمبيوتراتها والمتمثلة بالآتي:
1- ان المقاومة العراقية التي تواصلت منذ اليوم الاول لدخول المحتل حاضرة الدنيا، بغداد العروبة والاسلام، تسارعت بازدياد تأثيرها وتفاقم ضغطها حتى جعلت المحتل يسبح بدماء جنوده الذين لايفارقهم شبح الموت الا في الانتحار او الهرب، فأصبحتا ظاهرتين مألوفتين فرضتا على قوات الاحتلال ان تقبع خلف حصونها وترساناتها في ماسمي بالمنطقة الخضراء في بغداد، ومعسكراتها المتواجدة في ضواحي المحافظات بعد خروجها من المدن عنوة بفعل شدة ضغط المقاومة.
2- ان محاولة إظهار اطياف متنوعة في المجتمع العراقي على شاشات وصفحات الاعلام وكأن العراق مليء بالطوائف والمذاهب والقوميات والاديان والافكار والاحزاب المتناقضة والمختلفة هي من المحاولات البائسة واليائسة لزرع وتأجيج الفتنة الطائفية والعرقية على القاعدة الاحتلالية المعروفة بقاعدة (فرق تسد) والتي لم تفلح، بعدما اثبت العراقيون قدرتهم الفائقة والسريعة على قبر كل محاولات التفتيت والفتن، وهي ذات القدرة التي جعلت المحتل بل العالم اجمع يقف مذهولاً من الكيفية والاسلوب والسياق الذي كانت فيه القيادة العراقية وعبر عقود من الزمن تقود هذا الشعب الموحد دون ظهور الحدود الدنيا من هذه التناقضات التي حاول الاحتلال فرزها وإظهارها، كما أكدت هذه الظاهرة على الانتماء الوطني والقومي لشعب العراق بعيداً عن الانزلاقات القبلية والمناطقية والفئوية والمذهبية والعرقية والدينية التي جاء بها الاحتلال.
3- ان فضح الاكاذيب التي جاء بها العدوان، وسقوط زيف المسوغات التي استندت عليها قوات الاحتلال في شن الحرب، حركت ولأول مرة، مركز الثقل الامريكي الممثل بالرأي العام ليقف مصدوماً امام الكذب الفاضح الذي تبنته الادارة الامريكية لتسويغ وتسويق هذه الحرب الظالمة.
4- أدت الجرائم البشعة التي مارسها جنود الاحتلال وقادتهم ضد ابناء الشعب العراقي، وخاصة في سجن أبو غريب والتي يندى لها الجبين، الى زيادة التفاف الشعب حول المقاومة الوطنية على طريق تصعيد فعلها وتوسيعه ليشمل عموم مساحة العراق برمته.
5- ادى تدني الاوضاع المعاشية وازدياد البطالة وعدم قدرة قوات الاحتلال على تأمين إعادة ابسط الخدمات الاساسية للمواطن من كهرباء وماء وعمل وغذاء بالرغم من مرور فترة طويلة جداً (أكثر من عامين) الى زيادة نقمة الشعب على قوات الاحتلال وعملائها واجهزتها، فأضحت هذه القوات والحكومة المؤقتة التي نصبتها عاجزتين حتى في تبرير موقفهما أمام هذه الاوضاع والتي تنذر بالبركان الشعبي العارم وبالثورة الشعبية الموحدة لطرد الاحتلال وعملائه.
6- ان ايران ومنذ الاحتلال أخذت تلعب دوراً مخابراتياً عابثاً في كل مفاصل الشأن العراقي، وتصطاد بالماء العكر، فجعلت الساحة العراقية مفتوحة لنشاطاتها المخابراتية والطائفية، مما ينذر فيما لو بقي الحال على ما هو عليه، بتغيير نمطي وديموغرافي وسياسي واقتصادي خطير في عموم المنطقة.
7- ان وضع العراق كساحة مفتوحة للجميع، ودخول الغرباء من شتى الاتجاهات لتصفية حساباتهم ضد اعدائهم، جعل العراق محرقة تتقد وتوقد بل تحرق كل ماحولها، لتمتد نارها فتطال حتى من يظن انه محمي خلف اسوار عالية او في بروج مشيدة، بل ان هذا الوضع المخيف لايخدم حتى الاستراتيجية الامريكية ذاتها في المنطقة التي تريدها آمنة مستقرة ضامنة لتدفق نفطها بيسر وبسعر بخس ومضمون الى موانئها.
8- تسلمت المقاومة مفاتيح الامن في البلاد، وفرضت التحكم بالوضع الامني بعدما عجزت قوات الاحتلال عن تأمينه، مما ادى الى فرض التفكك على التحالف، حيث قررت العديد من الدول المنضوية تحته سحب جنودها من العراق.
9- ان تزايد استخدام القوة المفرطة واعتماد استراتيجية الارض المحروقة من قبل قوات الاحتلال ضد شعب العراق ومدنه ادى الى زيادة المشاكل....
الناصر خشيني نابل تونس


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 5 , تصويتات : 258    5
 
التعليقات
التعليقات : 1
  1. مجهود جبار
    الهادي حامد ، 16-06-2009