بسم الله الرحمن الرحيم
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69
فتحي الشقاقي والحركة الطلابية في مصر وفلسطين
"وقد قدمت الدراسة كورقة بحثية في المؤتمر العلمي حول فكر وحياة الشهيد فتحي الشقاقي الذي سيعقد من خلال المركز الفلسطيني للتواصل الحضاري برئاسة الأستاذ والباحث الأكاديمي عبد المجيد العيلة مسئول المركز ومسئول اللجنة التحضيرية للمؤتمر بتاريخ 22-23/10/2008في الذكرى الثالثة عشرة لاستشهاد المفكر الإسلامي الكبير الشهيد فتحي الشقاقي رضوان الله عليه".
الدكتور المعلم فتحي الشقاقي
إنّنا بمنطق صدر الإسلام نتحرك، فإذا قتلنا فنحن في الجنّة.. فإذا هزمنا فنحن في الجنّة، وإذا أوقعنا الهزيمة بأعداء الإسلام فنحن أيضاً في الجنة ومن أجل ذلك لا نخاف الهزيمة، بل إننا لا نخاف من شيء، إن النبي صلى الله عليه وسلم هُزِم في بعض الغزوات، إنّنا نحارب بسيف الله وستستمر الحركة..
في الأساس نحن حركة إسلامية تقوم على أساس الشريعة الإسلامية و المبادئ المستمدة من القران الكريم و سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم و تقوم على الاستفادة من الموروث الإسلامي عبر اجتهادات الأئمة و العلماء الكبار في تاريخنا ...
فكل هذا نضعه كأساس نقيم عليه حركتنا في هذه المرحلة أو في هذا التوقيت من التاريخ
و حركة الجهاد الإسلامي كحركة تجديدية داخل هذا الفكر الإسلامي بدأت تتساءل و تطرح إجابات حول _ كيف يمكن أن يفهم الإسلام بعلومه و فقهه من خلال رؤية منهجيه تستخدم الأدوات المعرفية و التاريخ .
إن مسالة تحرير فلسطين هي مسالة مشروع ينظم إمكانيات الأمة ويرد على حرب العدو الشاملة بحرب ثقافية و فكرية و اقتصادية وأمنية و عسكرية .. و يبقى دور المجاهدين في فلسطين هو إحياء فريضة الجهاد ضد العدو و مشاغلته واستنزاف طاقاته وكشف وجهه البشع وتدمير ما يستطيعون من قدراته و إدامة الصراع حيًا حتى و حدة الأمة و تحقيق النصر و التصدي لمؤامرة تصفية القضية التي يوجهها الغرب .
الدكتور المعلم فتحي الشقاقي
******************
إهداء
إلى الذين يسكنون قلبي.......
من يملكون ثواني عمري ....
إلى الذين يملئون الأرض نورا ...وصدقا وعدلا....
إلى الذين يضيئون الأرض فجرا...
إلى الذين استنارت بهم دروبنا....أحلامنا ....عقولنا وساحاتنا....
إليكم أيها القابعون في دمنا وتحت جلودنا.....
يا من رسمتم لنا صورة وردية حمراء.....
يا من سكنتم هوائنا وسمائنا وعقولنا.....
صباح مساء...
إليكم يا أحبابنا الخالدين......
يا درر الوطن الحزين...
يا نجوما فوق الجبين ....
إليكم يا شهداء الأمة ...
وإلى روح الشهيد المعلم القائد فتحي الشقاقي
اهدي هذا البحث
******************
من يطفئ هذى النار؟
من يوقف الدمار؟
من يحفظ الكرامة والدم والدار؟
ماذااااا دهانا؟
هل استبدلنا الحرب بحرب؟
هل استبدلنا العدو بعدو؟
هل سرنا في درب غير الدرب؟
صوت الدكتور فتحي الشقاقي يزأر...
علينا أن نختار...
بين ابد الذل والهوان...
أو الحرب حتى النصر أو الشهادة...
*****
يا أبا إبراهيم...
لقد استبدلت الحرب بحرب...
والعدو بعدو...
ولم تبق إلا صرختك في سماء الوطن...
وستظل تدوي وتدوي وتدوي...
طالما فرسانك يحفظون للطلقة شرفها...
وللأرض قداستها...
ودم الأخ في عيونهم لا يرونه ماء...
ممتاز مرتجى
*****
مقدمة
إن الكتابة عن العظماء من الرجال ليس بالأمر الهيّن ,ولكن الواجب يحتّم علينا القيام بهذه المحاولة لنحفظ لهؤلاء العظماء تاريخهم ,ولننقل تجربتهم للأجيال القادمة ,ولنقدم بعض الوفاء والجميل والعرفان لهم , والشهيد الدكتور فتحي الشقاقي هو احد أهم العظماء من أبناء الحركة الإسلامية الذين يحتّم الواجب علينا أن نكتب عنهم ونحفظ سيرتهم وندونها لتكون نورا ونبراسا للأجيال القادمة,وإنني اشكر المركز الفلسطيني للتواصل الحضاري الذي تبنى مشروع الكتابة عن الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي في محاولة لإبراز الدور السياسي والفعل الجهادي للشهيد الدكتور فتحي الشقاقي عبر تناول مختلف جوانب شخصيته المتعددة المواهب والأبعاد في المؤتمر العلمي الذي يدعو إليه المركز بعنوان:
" فتحي الشقاقي: المفكر الإسلامي والشهيد المجاهد"
...وقد عرض المركز عدة محاور للكتابة فيها وهي كالتالي:
المحور الأول: البعد الإنساني في حياة الشقاقي
• الحياة العائلية والأسرية للشقاقي.
• الجانب القيادي في شخصية الشقاقي.
• الجوانب الإنسانية عند الشقاقي.
المحور الثاني: الأبعاد الفكرية والثقافية عند الشقاقي
• الجانب الأدبي عند الشقاقي.
• مراحل التطور الفكري عند الشقاقي.
• النقد عند الدكتور فتحي الشقاقي.
• مكانة المرأة في فكر الشقاقي.
المحور الثالث: البعد السياسي في شخصية الشقاقي
• الفكر والنهج السياسي للشقاقي.
• القدس وفلسطين عند الدكتور فتحي الشقاقي.
• دور الشقاقي في المجال الإعلامي والثقافي وإحياء القيم الإسلامية.
• الشقاقي والوحدة الوطنية والإسلامية.
• الشقاقي والحركة الطلابية في مصر وفلسطين
المحور الرابع: البعد الجهادي في حياة الشقاقي
• المقاومة والجهاد في فكر الشقاقي.
• المراحل الجهادية في حياة الدكتور فتحي الشقاقي.
المحور الخامس: أثر الشقاقي في العمل الوطني والإسلامي
• إسهامات الشقاقي في فكر الحركة الإسلامية.
• أثر الشقاقي في الشخصيات والحركات الوطنية والإسلامية.
• أثر الشقاقي في الواقع الفلسطيني والعربي والإسلامي.
• الشقاقي في عيون الآخرين.
وقد آثرت الكتابة عن جانب من البعد السياسي في شخصية الشقاقي وهو "الشقاقي والحركة الطلابية في مصر وفلسطين".. واعتقد انه من أهم الجوانب في حياة الدكتور فتحي الشقاقي لأن أوج نشاطه السياسي والحركي كان في الفترة التي كان لا يزال فيها طالبا في كلية الطب البشري في الزقازيق بمصر وهي الفترة من عام 1974 وحتى عام 1981 ثم بعد تخرجه وعودته سرا إلى الأراضي المحتلة بسبب ملاحقة النظام المصري له, ثم بدأ مرحلة جديدة تضاف للمرحلة الأولى في مصر وفي هذه المرحلة بدأ العمل في أوساط الطلبة الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بشكل دءوب ومستمر, واستطاع أن يوجد قاعدة قوية من الطلبة الجامعيين ليكونوا قيادات مهمة في حركة الجهاد الإسلامي.
والذي دفعني للكتابة في هذا الجانب أيضا هو أنّ بداية معرفتي بالدكتور المعلم الشهيد فتحي الشقاقي كانت خلال اللقاءات التي كان يدعونا إليها الدكتور فتحي رحمه الله ليتابع معنا شخصيا أمور العمل الطلابي داخل الجامعة الإسلامية وكان ذلك عام 1985 عندما كنت طالبا في السنة التأهيلية في الجامعة الإسلامية, وقد كانت تتم هذه اللقاءات بشكل دوري ومستمر بشكل أسبوعي تقريبا, ولكن في أكثر من مكان... تارة في مسجد الكتيبة(مسجد زايد بن سلطان حاليا), وتارة في مسجد عنان(والذي يسمى أيضا بمسجد الشهيد حسن البنا, ولكن اسم عنان كان غالبا لان الأرض التي أقيم عليها المسجد تعود لآل عنان),وتارة في مسجد الشهيد عز الدين القسام في بيت لاهيا, وتارة في المؤسسة الإسلامية, والتي كانت تسمى باسم (مؤسسة الشباب الحر الإسلامي الفلسطيني), وهي أولى مؤسسات الحركة, وأحيانا كان يجلس معنا في بيوت بعض الإخوة, وقد استمرت هذه اللقاءات حتى تاريخ اعتقال الدكتور في مارس 1986,... واحمد الله عز وجل أن كان لي شرف اللقاء والعمل مع الدكتور فتحي الشقاقي والاستفادة من الجوانب الإبداعية المختلفة في شخصيته والتعرف أيضا على معظم الإخوة الكوادر الأولى في الحركة والذين جاؤوا من مصر وقد انهوا دراستهم الجامعية أمثال الأخ تيسير الغوطي والشيخ نافذ عزام والأخ باسم شعبان والأخ احمد شاكر والأخ رياض أبو راس والأخ نصر هويدي والأخ الدكتور طاهر لولو والأخ الدكتور رمضان شلح الأمين العام الحالي لحركة الجهاد الإسلامي والأخ جهاد أبو العطا والشيخ عمر فورة والشيخ الشهيد إبراهيم معمر رحمه الله والأخ خضر حبيب والشيخ عبد الله الشامي والأخ سليمان المشوخي والأستاذ عبد المجيد العيلة مسئول اللجنة التحضيرية للمؤتمر والداعي إليه وغيرهم كثير مما كان لهم عظيم الأثر في نفسي.
ويتكون بحثي من ستة فصول وهي كالتالي:
* ترجمة للدكتور فتحي..نشأة الدكتور فتحي وإبداعه منذ أن كان طالبا في المدرسة.
*تأثر الدكتور فتحي بالسياسة وبواقع الأمة في مرحل حياتيه الأولى وهو طالب في المدرسة.
*الشخصية الكرزمية والطموح عند الدكتور فتحي وتأثيره في الآخرين منذ أن كان طالبا في المدرسة.
*فتحي الشقاقي في مصر في الفترة (1974-1981) ونشاطه في تلك الفترة المهمة جدا في تاريخ مسيرته.
*تبلور الفكر السياسي لدى الدكتور الشهيد فتحيي الشقاقي أثناء وبعد استقلاله عن حركة الإخوان المسلمين.
*فتحي الشقاقي في قطاع غزة والضفة والنشاط الدءوب وسط الطلاب الجامعيين في فلسطين,وتقع هذه الفترة من عام 1981 وحتى عام 1986.
Fathi Al-Shekaki and the Student Movement in Egypt and Palestine
This study aims at focusing on an important side of the student movement in Egypt and Palestine at Al-Shekaki life. The study discusses the importance of Al-Shekaki efforts and activity to establish and develop the student movement of Islamic Jihad Movement . It deals also with the historical stage of Al-Shekaki in which he played a great role in Egypt and Palestine among the Palestinian students. Moreover, it presents and exhibit the most important thoughts of Al-Shkaki in which he educated the Palestinian students in order to be the first composers of Islamic Jihad Movement in Palestine . The researcher tries to achieve the aims of the study by drawing on the primary sources, especially the published and unpublished documents of Fathi Al- Shekaki and Islamic Jihad Movement , the press and interviews with people who lived with Fathi Al- Shekaki and other leaders of Islamic Jihad Movement, the articles and studies which have been written about Fathi Al- Shekaki and Islamic Jihad Movement. This historical material will be examined, analyzed and compared. The study has reached many results. Here are the most important ones:
1-Life of Fathi Al-Shekaki, especially when he was a student even in school or university.
2-How Fathi Al-Shekaki was influenced in historical and political views, and his people matters in his first stage of his life .
3-The affecting, influencing and ambition character of Al-Shekaki towards his friends and colleagues in the school ,university and town .
4- Fathi Al-Shekaki in Egypt in the period(1974-1981) and his activity among the students in that important period.
5-The limiting and developing of the political thinking at Al-Shekaki, especially when he separated from Al-Ikhwan Al-Moslemen(The moslems' Brothers). ’
6- Fathi Al-Shekaki in Gaza Strip and West Bank and his continual activity among the students' university in Palestine in the period (1981-1986).
هذه هي أهم النقاط التي سأتحدث عنها في بحثي حول "الشقاقي والحركة الطلابية في مصر وفلسطين" ,وقد اعتمدت في بحثي على تجارب واقعية, وحوارات لي مع بعض الإخوة الذين عاشوا معه وعاصروه ,ومن خلال مشاهداتي الحية لنشاطات الدكتور, حيث تعرفت عليه في عام 1985 من خلال الجلسات التي كان يدعونا إليها الإخوة, وقد كان لي انطباعاتي الخاصة وتأثرت بأسلوب الدكتور فتحي وعمله وسياسته تأثرا بالغا, كذلك اعتمدت على كتابات إخوة آخرين, سواء مقالات أو أبحاث أو كتب أو لقاءات صحفية تناولوا فيها جوانب معينة من حياة الشهيد المعلم,ومعظم هؤلاء الإخوة هم من أبناء الحركة وقياداتها الأولى.
ومهما حاولنا الكتابة عن هذا الرمز ...هذا الإنسان العبقري...هذا المفكر المبدع والقائد المجاهد العظيم, فإننا لن نوفيه حقه...إنما هي محاولة نتقدم بها وفاءا وحبا لهذا الفارس الذي سيبقى تاريخه وعطاؤه ودمه محركا لكل المخلصين من أبناء هذه الأمة...آمل وأرجو من الله عز وجل أن أوفق في هذه المحاولة.
ممتاز مرتجى
***********************************************************
الفصل الأول
نشأة الدكتور فتحي الشقاقي
فتحي إبراهيم الشقاقي "أبو إبراهيم" الشهيد المفكر مؤسس وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي
-الشهيد المعلم الدكتور فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي: مؤسس وأمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، من قرية " زرنوقة " بالقرب من يافا في فلسطين المحتلة عام 1948. شردت عائلة الشهيد المعلم من القرية بعد تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948 وهاجرت إلى قطاع عزة حيث استقرت في مدينة رفح، وأسرة الشهيد المعلم الشقاقي هي أسرة مثابرة ومتواضعة.
-ولد الشهيد المعلم فتحي الشقاقي في مخيم الشاطئ للاجئين في الرابع من يناير عام 1951، وفقد أمه وهو في الخامسة عشرة من عمره، وكان أكبر إخوته، درس في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية وتخرج من دائرة الرياضيات --عمل لاحقاً في سلك التدريس بالقدس في المدرسة النظامية ثم جامعة الزقازيق، وعاد إلى الأراضي المحتلة ليعمل طبيباً في مشفى المطلع بالقدس وبعد ذلك عمل طبيباً في قطاع غزة.
- اعتقل الشهيد المعلم في مصر في 1979 بسبب تأليفه لكتاب الخميني الحل الإسلامي والبديل والذي طبع أكثر من مرة ونفذت كل أعداده من الأسواق, وكان يبشر ببداية انتصار الإسلام في العالم، ثم أعيد اعتقاله في 20/7/1979 بسجن القلعة على خلفية نشاطه السياسي والإسلامي لمدة أربعة أشهر.
-غادر الشهيد المعلم مصر إلى فلسطين سرا في 1/11/1981بعد أن كان مطلوبا لأجهزة الأمن المصرية.
-أحبَّ الشقاقي أشعار محمود درويش، ونزار قباني، وكتابات صافيناز كاظم، بل وكان له ذوق خاص في الفن، فقد أُعجب بالشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، كان شاعرًا ومفكرًا وأديبًا، بل وقبل كل ذلك كان إنسانًا تجلت فيه الإنسانية حتى يُخيل للبشر أنه كالملاك.. كان رقيق القلب ذا عاطفة جيَّاشة.. حتى إنه كان ينْظِمُ الشعر لوالدته المتوفاة منذ صباه، ويهديها القصائد ويبكيها كأنها توفيت بالأمس.
-عشق أطفاله الثلاثة: خولة، أسامة، إبراهيم حتى إنه بالرغم من انشغاله بأمته كان يخصص لهم الوقت ليلهو ويمرح معهم، تعلق كثيرًا بابنته خولة؛ لما تميزت به من ذكاء حاد؛ إذ كان يزهو بها حينما تنشد أمام أصدقائه: "إني أحب الورد، لكني أحب القمح أكثر…".
-لم يكن جبانًا قط، بل إن من شجاعته ورغبته في الشهادة رفض أن يكون له حارس خاص، وهو على دراية تامة بأنه يتصدر قائمة الاغتيالات الصهيونية، فضَّل أن يكون كالطير حرًّا طليقًا لا تقيده قيود ولا تحده حواجز.(1)
-كان مهموما بقضايا الإسلام, الأمة وفلسطين لدرجة وهب كل حياته ووقته لأجل الإسلام وقضاياه ولأجل الأمة ومقدساتها وعلى رأسها فلسطين المغتصبة,وقدم هذه القضايا على كل ما هو خاص وشخصي,ونظم أوقاته وبرامجه بما يتوافق مع العمل للإسلام وفلسطين, وبهذا تقول زوجته الأخت فتحية الشقاقي (أم إبراهيم) زوجة المعلم الشهيد وهي تؤكد أنها ستحافظ على نهج الشهيد المعلم:
"سأحافظ على نهج الشهيد في أبنائه... لقد كان أبو إبراهيم أمةً في رجل، جسّد في حياته القضية الإسلامية الفلسطينية نهجاً وممارسة ومشروع مستقبل. لم أعرفه خارج الهم الفلسطيني ولم أره بعيداً عن الهم الإسلامي. كان جدول أيامه وتوقيته مضبوطاً على الشأن العام، وكانت حياته منذورة في سبيل هدف واحد: الإسلام وفلسطين".(2)
الفصل الثاني
تأثّر الدكتور فتحي بالسياسة وبواقع الأمة في مراحل حياته الأولى وهو طالب في المدرسة
كان الدكتور فتحي الشقاقي متميزا وهو في مراحل عمره الأولى ومنذ أن كان طالبا في المدرسة,كان متفوقا في دراسته,كان دائم التأمل والتفكير ,كانت له ملاحظاته في كل ما يدور حوله,كان محبا للعلم مقبلا عليه,كما كان مهتما بسائر العلوم الغير منهجية وهو في المرحلة الإعدادية, وقد حدث أصدقاؤه انه كان له دفتر ملاحظات خاصة يسجل فيه المعلومات المهمة والتي يحتاج إلى الرجوع إليها وقت الحاجة,كما كان يكتب الخواطر والأشعار المفعمة بالعواطف الجياشة,كان مرجعا لزملائه وأقرانه وأشقائه, يلجئون إليه ليدرسهم ويوضح لهم ما أشكل عليهم من النقاط العلمية والدراسية المنهجية,وعلى الرغم من صغر سنه في تلك المرحلة إلا انه كان مهتما بالقضايا السياسية,كيف لا وقد عاصر هزيمة عام 1967 إذ كان عمره يومها لا يتجاوز الستة عشر عاما- إلا انه كان بوعيه وفكره وذكائه وطموحه وإبداعه كان يسبق عمره بكثير, وشهد له بهذا كل من عرفه وزامله في مراحل الدراسة الأولى وذكر ذلك أخوه الدكتور عبد العزيز الشقاقي في العديد من اللقاءات الصحفية والإعلامية.
كان الشهيد المعلم فتحي الشقاقي قبل العام 1967 ذا ميول ناصرية، ولكن هزيمة العام 1967، أثرت تأثيراً بارزاً على توجهات الشهيد المعلم، حيث قام بالانخراط في سنة 1968 بالحركة الإسلامية إلا أنه اختلف مع الإخوان المسلمين، وبرز هذا الخلاف بعد سفر الشهيد لدراسة الطب في مصر عام 1974 م فأسس الشهيد المعلم ومجموعة من أصدقائه حركة الجهاد الإسلامي أواخر السبعينيات.
قاد بعدها الشهيد المعلم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وسجن في غزة عام 1983 لمدة 11 شهراً، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى عام 1986 وحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة 4 سنوات و5 سنوات مع وقف التنفيذ: لارتباطه بأنشطة عسكرية والتحريض ضد الاحتلال الصهيوني ونقل أسلحة إلى القطاع" وقبل انقضاء فترة سجنه قامت السلطات العسكرية الإسرائيلية بإبعاد الشهيد المعلم من السجن مباشرة إلى خارج فلسطين بتاريخ 1 أغسطس (آب) 1988 بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. تنقل بعدها الشهيد المعلم فتحي الشقاقي بين العواصم العربية والإسلامية لمواصلة جهاده ضد الاحتلال الصهيوني إلى أن اغتالته أجهزة الموساد الصهيوني في مالطا يوم الخميس26/10/1995 وهو في طريق عودته من ليبيا إلى دمشق بعد جهود قام بها لدى العقيد القذافي بخصوص الأوضاع المأساوية للشعب الفلسطيني على الحدود المصرية. (3)
ويعد الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي أحد أبرز رموز التيار المستنير داخل الحركة الإسلامية لما يتمتع به من ثقافة موسوعية، واستيعاب عقلاني لمشكلات الحركات الإسلامية وقضاياها في العالم العربي والإسلامي. كما يعتبر الشهيد المعلم مجدد الحركة الإسلامية الفلسطينية وباعثها في اتجاه الاهتمام بالعمل الإسلامي الوطني الفلسطيني، وإعادة تواصلها مع القضية الفلسطينية عبر الجهاد المسلح، فدخلت بذلك طرفاً رئيسياً ضمن قوى الإجماع الوطني الفلسطيني بعد طول غياب.
وقد صدرت في القاهرة عن مركز يافا للدراسات موسوعة بأعمال الشهيد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي السياسية والفكرية والثقافية تعكس شخصية الشهيد المعلم فتحي الشقاقي وآرائه ومواقفه.
الفصل الثالث
الشخصية الكرزمية(المؤثرة والجذابة) والطموح عند الدكتور فتحي وتأثيره في الآخرين منذ أن كان طالبا في المدرسة والجامعة
ما من شخص التقى الدكتور فتحي الشقاقي إلّا وتأثر به, حتى الذين اختلف معهم شهدوا له بقدرته على التاثير وعبقريته وابداعه وسبْقه في التفكير والتحليل للآخرين, وبسبب ثقافته العالية وأسلوبه الرائع في المناظرة والنقاش كان لا يمكن إلا أن يأسر قلوب مستمعيه فيتملك عقولهم وأفئدتهم وهذه بعض شهادات لأشخاص عرفوا والتقوا به يعبروا بها عن تأثرهم بشخصية و بفكر الدكتور فتحي:
- يقول الدكتور رمضان عبد الله شلح الامين العام الحالي لحركة الجهاد الاسلامي بعد اغتياله :
""كانت غرفة فتحي الشقاقي، طالب الطب في جامعة الزقازيق، قبلة للحواريين، وورشة تعيد صياغة كل شيء من حولنا، وتعيد تكوين العالم في عقولنا ووجداننا...كان أصلب من الفولاذ، وأمضى من السيف، وأرقّ من النسمة. كان بسيطًا إلى حد الذهول، مركبًا إلى حد المعجزة! كان ممتلئًا إيمانًا، ووعيًا، وعشقًا، وثورة من قمة رأسه حتى أخمص قدميه. عاش بيننا لكنه لم يكن لنا، لم نلتقط السر المنسكب إليه من النبع الصافي "وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي"، "وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي"، لكن روحه المشتعلة التقطت الإشارة فغادرنا مسرعًا ملبيًا "وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى"... قلة قليلة هم الذين كانوا يعلمون أن «عز الدين الفارس» كان يوماً الاسم الحركي لفتحي الشقاقي، لكن الأمة كلها أدركت يوم السادس والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 1995، غداة ازدهاره بالرصاصة، أن فتحي الشقاقي هو الاسم الحركي لفلسطين".
الدكتور رمضان هو من اقرب الناس للدكتور فتحي, خصوصا وانه عاش معه فترة الدراسة في مصر ورافقه في مرحلة التأسيس الأولى لحركة الجهاد الإسلامي, وقد كان الدكتور فتحي يكتشف هذه الشخصيات والكفاءات من الطلبة الفلسطينيين في فترة الدراسة ليكون لهم دورهم في تأسيس ونهوض حركة الجهاد الإسلامي.كان الدكتور رمضان مولعا بالأدب والشعر, وكان كان الدكتور فتحي يقرأ ويستمع لكتابات إخوانه ويشجعهم على الكتابة والإبداع وكان له تأثيره الخاص على لغة وفكر الدكتور رمضان.(4)
ويتذكر الشيخ المجاهد عبد الله الشامي هذه الفترة الرائعة إبان الدراسة في الزقازيق التي تعرف فيها على الدكتور فتحي فيقول:
"كانت مرحلةً ممتعة حيث تعرفنا على شخصية الدكتور فتحي أثناء دراستنا في جامعة الزقازيق حيث كان الدكتور فتحي يدرس الطب, وكان التعرف عليه في السنوات الأخيرة من فترة تعليمنا، وكانت شخصية الدكتور شخصية جذابة ومتفوقة علينا بسبب سبقه في الاهتمام الديني والسياسي، وهناك كانت تشكل الخلايا الأولى للتنظيم والذي حمل اسم الطلائع الإسلامية وكان الشهيد الشقاقي رحمه الله يشكل نواة التنظيم كما النواة المركزية بالنسبة للذرة".(5)
الشيخ عبد الله الشامي هو من الطلبة الفلسطينيين الذين درسوا في جامعة الزقازيق في مصر, وقد كان يكلفه الدكتور فتحي بالخطابة وإلقاء المحاضرات على الإخوة في الأسر واللقاءات الحركية, وقد برز كوجه دعوي خطابي حركي هام للجهاد الإسلامي,ويعتبر الشيخ عبد الله الشامي من الرموز المهمة والمعروفة في الداخل والخارج لحركة الجهاد الإسلامي, ويتميز بقدرته الفائقة على الخطابة والوعظ والتأثير في الآخرين ولغته الجهادية الثورية ورؤيته الموضوعية المعتدلة والمتوسطة في تحليل الأمور والأحداث السياسية والتاريخية والاجتماعية والمرتكزة على أفكار وطروحات الدكتور فتحي الشقاقي.تم إصدار كتابين له وهما:1- تراجع الكيان الصهيوني 2-من أصحاب المهمات الخاصة.
ويذكر الاستاذ تيسير الغوطي بداية علاقته بالدكتور فتحي والحركة وعن تأثير الدكتور بمن التقى بهم فيقول:
كنت طالباً في كلية الزراعة – جامعة الإسكندرية – حيث التحقت بها في العام الدراسي 1978م – 1979م، وكنت قد تعرفت على الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي في رفح قبل سفري إلى مصر، حيث كلانا من سكان مدينة واحدة (رفح)، وعندما وقعت أحداث 1982م في مصر والتي تُوجت باغتيال الرئيس السادات في حادث المنصة الشهيرة أثناء احتفالات ذكرى السادس من أكتوبر، وخلال الاعتقالات والتحقيق مع مصريين بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي – مصر- وكان بعضهم أطباء ومهندسون وطلاب جامعات خاصة جامعة الزقازيق حيث كان يدرس الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله، اكتشف المحققون شكلاً من أشكال العلاقة والتعاون بينهم وبين الدكتور رحمة الله عليه، فبدأت الاعتقالات في صفوف أبناء الحركة والطلاب في جامعة الزقازيق، ثم امتدت لتصل إلينا في الإسكندرية، حيث كنت في السنة الرابعة – كلية الزراعة - ، ورغم أني مكثت في سجن استقبال طرّة قرابة العام، صدر خلاله مرتين حكماً بالإفراج من المحكمة، لصالحي وصالح عدد من الإخوة، إلا أن جهاز أمن الدولة المصري كان يعيدنا إلى السجن، لينتهي الأمر بطردنا وترحيلنا عن أرض مصر إلى قطاع غزة الذي كان يقع وقتها تحت الاحتلال الصهيوني، الأمر الذي حال دون إكمالي لدراستي الجامعية.
كان الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله شخصية كرزمية مؤثرة ورائعة، يخاطب العقل والوجدان والضمير أكثر من مخاطبته العاطفة، الأمر الذي ساعده على استقطاب العديد من الطلاب الجامعيين، فقد كان الصف الأول الذي التف حول الدكتور رحمه الله من طلاب الجامعات أصحاب العقول المفكرة والمستنيرة الذين يدرسون في الكليات المختلفة بالجامعات المصرية، وبعضهم لم يكن فلسطينياً، وإنما مسلماً يحمل هم الإسلام المُغيب عن الحكم والحياة، وهم الأمة التي ترزح شعوبها تحت ظلم الحكام وتتوزع أرضها وثرواتها ومقدراتها بين أعدائها من قوى الظلم والكفر والاستعمار، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل.
شخصية الدكتور الشهيد الكرزمية المؤثرة الرائعة لم تمكنه فقط من استقطاب طلاب الجامعات، الفئة الأكثر علماً ووعياً في المجتمع، بل مكنته من استقطاب وفي أضعف التأثيرات التأثير في عدد من الكتاب والمفكرين والمثقفين العرب والمسلمين أمثال صافيناز كاظم ورفعت سيد أحمد، وفرض الاحترام والتقدير له من قبل المفكرين والعلماء المسلمين وفي مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشي والدكتور كليم صديقي والدكتور حسن الترابي، وحتى من المفكرين غير الإسلاميين أمثال المفكر المصري اليساري رفعت السعيد.
والمتتبع لمسيرة الصف الأول الذي التف حول الدكتور الشقاقي رحمه الله، يجد انه قد تخرج منه عدد كبير من المفكرين الذين أثروا وما زالوا يؤثرون في مسيرة بناء الوعي الحقيقي الصادق لدى أبناء الأمة، عبر كتبهم ومقالاتهم ولقاءاتهم الصحفية والإعلامية المؤثرة، وفي مقدمتهم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين الدكتور رمضان شلح". (6)
رغم أن الأستاذ تيسير الغوطي تواصل حركيا وفكريا مع الدكتور فتحي إلا انه كان يعرفه قبل الالتحاق للدراسة بمصر, ومعرفته بشخصيته الكرزمية من قبل كأبناء لمخيم واحد جعل الأستاذ تيسير يقبل عليه بلا تردد, وتأثر الأستاذ تيسير بالدكتور يتضح من أسلوب الأستاذ تيسير في الكتابة والإبداع الفكري, إذ يعتبر من أهم مفكري حركة الجهاد الإسلامي الذين يحتذون حذو الدكتور فتحي في الكتابة والتحليل والإبداع, ويتميز الأستاذ تيسير بقدرته الفائقة على كتابة المقالات والدراسات الفكرية والسياسية, وله العديد من الكتابات والدراسات الهامة التي تتوافق بشكل كبير مع منهج وفكر وأسلوب الدكتور فتحي, وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مدى تأثر الأستاذ تيسير بشخصية وفكر المعلم القائد فتحي الشقاقي الذي نجح إلى حد كبير في تأسيس قادة ومفكرين ليحملوا شعلة الفكر والوعي من بعده.
الشيخ راشد الغنوشي من تونس يقول عن الشقاقي:
"عرفته صُلبًا، عنيدًا، متواضعًا، مثقفًا، متعمقًا في الأدب والفلسفة، أشدّ ما أعجبني فيه هذا المزيج من التكوين الذي جمع إلى شخصه المجاهد الذي يقضُّ مضاجع جنرالات الجيش الذي لا يُقهر، وشخصية المخطط الرصين الذي يغوص كما يؤكد عارفوه في كل جزئيات عمله بحثًا وتمحيصًا يتحمل مسؤولية كاملة.. جمع إلى ذلك شخصية المثقف الإسلامي المعاصر الواقعي المعتدل.. وهو مزيج نادر بين النماذج الجهادية التي حملت راية الجهاد في عصرنا؛ إذ حملته على خلفية ثقافية بدوية تتجافى وكل ما في العصر من منتج حضاري كالقبول بالاختلاف، والتعددية، والحوار مع الآخر، بدل تكفيره واعتزاله".
الشيخ راشد الغنوشي مفكر إسلامي معروف وتعرف على الدكتور فتحي بعد الإبعاد والتقى به من خلال المؤتمرات الفكرية والثقافية التي كانت تعقد في الخارج ,والجدير بالذكر أن الدكتور فتحي كان معجبا بآراء راشد الغنوشي الوسطية وقرر كاتباته ضمن البرنامج الثقافي للحركة في مطلع الثمانينات ضمن كتاب تم طبعه وتعميمه تحت اسم "مقالات للشيخ راشد الغنوشي ".والوسطية والاعتدال والثقافة الإسلامية التجديدية هي أهم القواسم المشتركة التي جمعت الدكتور فتحي بالشيخ راشد الغنوشي.
*تقول الكاتبة والناقدة المصرية المعروفة صافيناز كاظم:
"مازال في مخيلتي كما رأيته أخر مرة في مصر صيف 1981, هو عز الدين الفارس، طالب الطب بجامعة الزقازيق, يخطو نحو الثلاثين, في وجهه البشاشة وللأمل مفتوح الذراعين، وللحلم يرنو بنظرته, يحمل أوراق شعر وكلمات نثر مفعمة بالجمال, يستخدم كلمة "فيما" كثيرا وتعجبني في مواقعها, يشرح التاريخ ويعرض الكتب فتزغ بها رؤى لم يكن يلتفت لها أحد, ويقدم الدراسات لتثقيف الوعي لنفهم لماذا يحدث لنا الآن ما يحدث... لم يكن له صوت صاخب ولا جمل رنانة، وكان هادئا في الحديث، وتميز بالمرح الجيَّاش الذي يولِّد طاقة الاستمرار حتى لا تكل النفس، أعجبته كلمة علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- عندما نصحوه باتخاذ احتياطات ضد المتربصين به، فتحرر منذ البداية من كل خوف؛ ليتحرك خفيفًا طائرًا بجناحين: الشعر والأمل في الشهادة ".(7)
الكاتبة والصحفية صافيناز كاظم هي إعلامية لها وزنها في المجتمع المصري وفي الحركة الإسلامية, وكان الدكتور فتحي حريصا على إبراز دور المرأة المسلمة الناقدة والمفكرة من خلال صافيناز كاظم, إذ كان يتبنى إبداعاتها ونشاطاتها الفكرية والثقافية المتميزة برؤية نقدية لأحوال المجتمع الإسلامي وكان ينشرها في أدبيات ونشرات حركة الجهاد الإسلامي.ويبدو واضحا من كلمات الكاتبة الصحفية صافيناز كاظم مدى تأثرها وإعجابها بفكر وأداء وعقلية الدكتور فتحي وإيمانه العميق بمشروعه الجهادي واستسلامه لقضاء الله وقدره . وهنا يجب أن نلاحظ مقولتها وهي تصف عبقرية الدكتور فتحي الذي كان يومها لا يزال طالبا بينما صافيناز كانت كاتبة وصحفية إلا أنها تعترف بأنها كانت تتعلم منه " يشرح التاريخ ويعرض الكتب فتزغ بها رؤى لم يكن يلتفت لها أحد, ويقدم الدراسات لتثقيف الوعي لنفهم لماذا يحدث لنا الآن ما يحدث" فهي هنا تشير إلى ثلاث نقاط هامة جدا في أسلوب الدكتور في تقديمه لفكره ومشروعه للآخرين وهي:
أولا: أن الدكتور رغم كونه في كلية الطب, وهي كلية تحتاج إلى تركيز فكر وجهد واهتمام بالمذاكرة, إلا انه كان مرجعا تاريخيا هاما, وهذا يدل على مدى قراءته للتاريخ واستيعابه له, وكذلك قدرته على شرحه وتوصيله للآخرين بأسلوب متطور ومبدع.
ثانيا: أن الرؤى والأفكار والملاحظات التاريخية والأفكار السياسية التي كان يعرضها على الآخرين ويشرحها لهم لم تكن تخطر على بال أحد, وهذا يدل على قدرته الفائقة في الاستكشاف وقراءة التاريخ لا لمجرد التسلية ومعرفة تسلسل الأحداث وإنما للاكتشاف والنقد والمقارنة.
ثالثا: أن الدكتور فتحي يمتلك أداة التحليل واستشراف أحداث المستقبل وانعكاساتها, وهذا الأمر لم يكن فقط يلفت نظر الكاتبة صافيناز بل كل أولئك الذين استمعوا له وعاصروه, بل كانوا يعجبوا ببصيرته الفائقة وذكائه الحاد وقدرته على تحليل الحدث ومحاولة معرفة تبعاته وانعكاساته التي غالبا ما تكون صحيحة وموافقة لتنبؤاته وتوقعاته.
ويؤكد الاستاذ عبد ربه اسليم (احد التلامذة الذين تربوا على يد الدكتور فتحي وكان يومها لايزال عبد ربه طالبا في كلية العلوم في الجامعة الاسلامية)موضوعة الاستكشاف والمقارنة التاريخية والتحليل والنقد فيقول:
" منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات كان يتحرك في الوسط الطلابي كمطر ينهمر في فصل الخريف ... باحثا عن ذاته الإسلامية وعن ذاته الحركية , يقرأ النص القرآني كما أنزل أول مرة , ويسافر عبر التاريخ لاستكشاف ذاته الممتدة من غار حراء إلى وعد الآخرة ليؤسس لمرحلة مستقبلية طلائعية , فكان :
1- زمن السؤال .
2- زمن الاستكشاف .
3- زمن الإشراق والنضوج .
لامتلاك الهوية الإسلامية الثورية الحضارية وامتلاك مسلك الانتماء , فكان يؤكد على نبع الحنين للإسلام في قلوب الجماهير المغيبة , والتي كان ينظر إليها البعض كـ" قطيع غنم " , والبعض الآخر كـ" كفار " خارجين عن ملة الإسلام .
إن المفكر الإسلامي الشهيد فتحي الشقاقي حاول الدمج بين النص القرآني , وحركة التاريخ لتشكيل فضاء حداثي حركي متكامل كطرح , وكمفهوم , و كفعل ثوري تقدمي يتجاوز الفهم الكلاسيكي السائد – آنذاك - في أوساط الحركة الإسلامية في مسألة الفكر , والإبداع الحركي , والثقافي , فكان يسافر في الموروث الثقافي ليعود محملا بنور المستقبل " وعد الآخرة " .
إن الحديث عن الشهيد سيظل دائما ملغوما بسؤاله الشخصي , والحركي , والباحث عن ذاته وطنيا , وعربيا , وإسلاميا عالميا .
بدأ بممارسته الحركية خارج الفضاء الكلاسيكي للحركة الإسلامية بل الرائد في طرح هذا المصطلح , فتحسست فيه , ورأيت " الوهج الإسلامي " , فلم يكن توفيقيا , بل كان يبحث عن التفرد , والأصالة , وشمولية الوعي لفضاء الحركة الإسلامية ( إننا لا نريد حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين رقما آخر على الساحة الفلسطينية وإلا ما تجشمنا ولا تحملنا عناء القيام والنهوض والاستمرار والشوك تحت القدم والجمرة في اليد ) .
إن الشهيد الشقاقي أفتتن بالإمام الشهيد حسن البنا , والمعلم الشهيد سيد قطب , والمفكر الإيراني على شريعتي , والمفكر الجزائري المسلم مالك بن نبي , وتأثر كذلك بالمفكر الإسلامي السوداني أبو القاسم حاج حمد – رحمه الله - وبخاصة كتابه الطليعي الفذ " العالمية الإسلامية الثانية " , الأثر الأكبر في حياته كان الإمام الخميني رضوان الله عليه حيث سحره وأسره المد الإسلامي الثوري الذي صنعه الإمام على أرض إيران العزيزة , ليشكل ذلك حليفه الإسلامي الطبيعي , فذاب في شعارات الثورة , وفي خطب الإمام حيث قام بطباعتها في فلسطين لينهل منها الشباب روح الثورة المتوقدة ويتشربوا روح العمل الثوري الناهض – يوم ذاك – في إيران الإسلام .
لقد شكل المفكر الشهيد الشقاقي – رضوان الله عنه - إضافة نوعية إلى الخط الجهادي فأحدث توهجا ووهجا في البنية الثقافية الفكرية الكلاسيكية التي كانت مهيمنة على ساحة العمل الإسلامي , وكذلك على الساحة الثقافية فكان ومضة فجرت الوعي الإسلامي بانحيازه إلى النص القرآني , والوعي التاريخي الأصيل فشكل حضورا ثقافيا من مجلات ونشرات وجمعيات , فكان زخما استثنائيا , وخرقا للمفهومات السائدة , لذلك تولد تيار شبابي , و طلابي جامعي حداثي على امتداد الوطن عرف في الوسط الطلابي بالمستقلين . أقول هذه الطليعة الطلابية كانت تستلهم النص القرآني كما أنزل على الرسول – صلى الله عليه وسلم – , وتعيد قراءة التاريخ عبر الأصالة والحداثة متسلحة بالوعي الثوري التقدمي الجديد الذي رسخه في قلبها , ووعيها بالنسبة للقضية الفلسطينية التي شكلت مفهوما ووعيا , وثورة ".(8)
ويضيف الأستاذ عبد ربه اسليم ذاكرا بعضا من ذكرياته مع الدكتور فتحي وأشعاره التي كتبها للدكتور الذي كان يشجعه على الكتابة وكان الدكتور فتحي يمثل له الأستاذ والمعلم:
وأنت الندى الرءوف
والخزامي الأجمل
لا تحسن النوم إلا في القصيدة
وابتسامتك نعناع أخضر
ينتابني شعور بالعشق بين يديك ...
أعترف كالمطر المجروح
أفق يمتد كالمعجزة
وأنت تضاهي الشمس ، وتنتصب في كبد القصيدة
كما البحر تلد الأقمار ...
وسط لا يحتفي إلا بالرؤى والثورة والعشق المحمدي لنسكب عشقا حبرا وسكاكين ، والمسافة التي بيننا فضاء يزهر فيه الحب وشجر الزيتون وحنون الأرض ...
كان ذلك في بداية الثمانينات ، عندما بدأنا الاهتمام بلهيب الثورة يحتوياني وأشتعل على المحور القدس – طهران
في البدء كان مجرد اهتمام جارف بشعارات الثورة ، ثم بدأت البحث والقراءة في مجلة المختار الإسلامي ، وبخاصة مقالات " على أبواب القرن الخامس عشر الهجري " و " القضية المركزية للحركة الإسلامية " و " قلبي على إيران وإيران قلبها على الحجر " ... الخ الخ . فأعتبر نفسي مسودة مخطوطة في وسط ثقافي زاخر يلمع فيه نجوم من أمثال الشيخ المجاهد / عبد العزيز عودة ، والأخ / صالح عبد العال ، والأخ المجاهد / رمضان شلح ، والأخ / عادل الناطور ... الخ الخ ...
كان الأخ / فضل حجاج عونا لي على البدء والسير على طريق ذات الشوكة خطوة تلو الأخرى . لا أعرف بالضبط هل وجدته أو وجدني ... سيان . مع غرة كل شهر نذهب مشيا على الأقدام لشراء مجلة المختار الإسلامي برفقه الشيخ / عبد الفتاح حجاج ، وكان الأخ فضل يكون قد سبقنا إلى شرائها وتصفحها ليبدأ في تقليبها أمامنا والتعليق السريع على المقالات والأخبار الواردة فيها ...كانت أصابعنا تسابقنا إلى تقليب صفحاتها والتهام عناوينها بسرعة البرق ، وعندما يأتي الليل كنت أعكف على قراءتها قبل قراءة الكتب الدراسية الجامعية ، ولا أخلد إلى النوم حتى أكون قد أجهزت عليها قراءة ، وكنت أعتمد أسلوب قراءة الكتب الدراسية ، وفي بعض الأحيان نقوم بنسخ المقالات في الأعداد الغير متوفرة على ورق برنستون نسختين وتوزيعها على الأخوين الباقين ، وهم يفعلون مثل ما فعلت ! ...
وأذكر أننا سهرنا في مسجد عنان وكان القمر يسهر معنا ...كان برفقتي الأخ / فضل ... فأعطانا ديوان " محاولة رقم 7 " للشاعر محمود درويش بعد أن علم بميولي الشعرية وقال لي أكتب مثل هذه الصورة "
وذبلت في اليوم الذي سبق الرصاصة
وازدهرت غداة أكملت الرصاصة جثتي "
فأعجبت أيما إعجاب بهذه الصورة الشعرية ، لأكتشف بعد عدة سنوات أن الشاعر محمود درويش قد سطا على هذه الصورة الشعرية من أحد شعراء أمريكا اللاتينية ( لا أتذكر اسمه الآن ) ،ويمضي بنا الزمن وأكتب في مجلة الفجر الأدبي قصيدة بعنوان " لحظات من العشق " تعبر عن وضعي ومستواي الأدبي في تلك الفترة ، 1982م ، أقول فيها :
الزمن يتداخل
يتداخل ... يتضاغط
وأنا أسبح في العشق اللامتناهي
أحمل لحظاتي
ألتهم دروسي !!!
أمد خطاي قدامي
على شوك الحلم الوردي
المزركش بالعشق الثوري
أحمل لحظاتي
أحمل فئوسي
أجوب سنيني
فأسافر في القحط النامي !!!
وعيون القمح القاني !!!
يتداخل زمني
يجري في قطرات الندى
ويشد أشرعة الهوى
مع تقادم أيام الردى
في جناح الهوى
يتداخل زمني
يتمدد عشقي
في كل كياني
ويسافر في جرحي
لا يخشى جرحي
أتلمس نفسي !!!
أتحسس حقدي
فأوغل في دمي
أوغل في حلمي
يتداخل زمني
فيسافر عشقي
لا يخشى عشقي
فينبلج الصبح
عن فجر الفتح
وزخات القمح !!! ...
وقد نشرت تحت "كتابات شابة " باسم " أنور عبد ربه " في العدد 37 ، تشرين 1 – 1983م .
وأذكر كذلك أنني كتبت قصيدة للشهيد الشقاقي في عام 1986م بعنوان " قدر فلسطين " وقد سلمتها له باليد في منزل أحد الأخوة ، وكانت قصيدة مباشرة ، أقول فيها :
يمضي زمن
ويأتي زمن
والزمن في زمن
يتفولذ في المحن
يتمترس في اليقين
وروح الياسمين
آمين يا عز الدين
يا قدر فلسطين
يا نور المحرومين
... الخ الخ
القصيدة طويلة ، ولكني هذا ما أتذكره ... ولكنها لم تنشر حتى هذه اللحظة !!! .
الكتابة عن الشقاقي ... مشروع شهادة ... شهادة على الناس ، وشهادة في سبيل الله ثم الوطن المقدس – فلسطين ... " لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا " ...
لم نتوقف لحظة عن اكتشاف كلمة السر " وعد الآخرة " قرآنيا وتوراتيا ... قرآنيا ، آية في سورة الإسراء { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً }الإسراء7 ، وقوله {وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً }الإسراء104-وتوراتيا كما ورد في سفر حزقال : " وأجمعكم من الأراضي التي تفرقتم فيها بيد قوية ، وبذراع ممدودة ، وبغضب مسكوب ، وآتي بكم إلى برية الشعوب ، وأحاكمكم هناك كما حاكمت آبائكم في برية الشعوب ، هكذا يقول السيد الرب " .
لتتعانق نبوءة القرآن ونبوءة التوراة ليتحقق وعد الله بالنصر والتمكين .
هذه الشهادة غير مجروحة ، فهي كالمطر المنهمر ... هي شهادة أخ لأخيه كما عايشت حروفها وهي تتشكل طلقة طلقة ، وسكينا سكينا ، ودمعة دمعة ، وصلاة بصلاة ... ، فهي شهادة تتيح لنا معرفة التجربة بين النسبي / الواقعي ، والمطلق / القرآني ممزوجا بالأفق الإنساني المطلق ! ... فلم أر تجسيدا للنور الإلهي المطلق في صورته البشرية إلا مع الشقاقي ! ... حيث الدلالة النهائية للمطلق النوراني فقد تجاوز " العادي " إلى " الثوري " بحدوده التقليدية للتواضع المفتعل أو الزائف ! ...
يمكن أن أكتب عنها كتابا لا ينتهي برقم ، فهي تجربة أتاحت لي معرفة هذا " السر الإلهي المطلق " ، والصعود النهائي باتجاه كلمة " سر المرحلة " وسؤالها في معناه النهائي المطلق ، فقد تجاوز قبضة الطين إلى الوميض الإلهي المطلق ليسمو في عوالم التصوف العرفاني الثوري بشكله المتاح صوفيا .
في لحظة المطلق يسمو الإنسان فوق النسبي وكينونته الصلصال ،ويأخذ أبعاده الرأسية والأفقية عبر التاريخ من غار " حراء " إلى " وعد الآخرة " ، وأفقيا عبر هذا الاتساع الجغرافي عبر فسيفساء هذا الوطن المقدس / فلسطين .
الرجل أضحى يجمع بين " الرمزية " و" الرؤياوية " ... الرمزية بدلالتها الحركية والمؤسسة لأول تيار وتنظيم جهادي قائم على إسلامية القضية الفلسطينية ببعدها العالمي بكل ما يحيط بها من أحزمة معيقة للصعود الإلهي المعجز ... الرؤياوية بدلالتها الفكرية ، فهو صاحب رؤية صائبة في المطلق النسبي أو النسبي المطلق !!! ... إذا أخذنا في الاعتبار مساءلة المقدس وتفجيره للوصول إلى الفعل الإلهي المقدس / التحريض ،لذا ليس سهلا بالمعنى الصوفي العثور على شبيه لهذا الشهيد ، هذا الشهيد الذي صام نهاره وقام ليله ، وتهجد فكريا حتى أكلت القراءة بصره ! ...
في سلوكه اليومي كان يمتاز بالرصانة والتواضع النبيل والشفافية والحميمية بحيث تستطيع أن تكتشف منهجية متكاملة في سلوكه ، فكان يقترح أن يحافظ الثوري على سلوكه المميز وأن يعيش حياته كشخص غير " عادي " ، فوقع في حبه كل من عرفه عن قرب ... فالتحريض الممنهج ثوريا إحدى خصاله الإنسانية والتقدمية ودرس حميم نتعلمه منه ونحن نقرأ معه كونية الصراع في فلسطين ...
دقيق في حياته الخاصة يخضعها لتصوره الجهادي الثوري ، فالجهاد هو المبرر الوحيد للحياة ، فالشهادة هي المعادل الموضوعي للحياة الحقيقية والحضارية ! ... فكان نديم الجهاد لأنه يدرك بعمق وإخلاص أنه يعيش في الحقبة الإسرائيلية ، فكان مذاق الثورة يرطب شفاهنا وجفوننا ...كان القمر دوما حاضرا بيننا بلمعانه الأزرق ! ، وإيقاعه الخاص ...
في سياق التجربة الجهادية في فلسطين شكلت تجربة الشقاقي طاقة ثورية تقدمية لتشكل رأس حربة المشروع الإسلامي المعاصر ، فكان يتبع أسلوبا مغايرا في البناء التنظيمي وتشكيل التيار الجهادي فهو من أهم التجارب الإسلامية التي ساهمت في تأسيس حساسية جهادية جديدة منذ استشهاد الإمام حسن البنا – رحمه الله – منذ مطلع الخمسينيات ! .
نزوعه الجهادي جعله يعبر عن ثوريته ، حتى أن اهتمامه بـ " الجهادي " كانت فيه الحركة الإسلامية تعاني من الركود والسكونية والهشاشة يبدو مثيرا للسؤال ، وهذا يستقيم مع تكوينه النفسي والعاطفي وبعده العائلي .كان الجهاد هو الذي حكم علاقته مع " الآخر " فقد أحب الشهادة في شخصية الحسين – عليه السلام - ، وأحب الجهاد في شخصية القسام – رحمه الله – ، وافتتن بالإمام حسن البنا وجهاده في فلسطين ، وأحب الثورة في شخصية الإمام الخميني – رضي الله عنه - ، وعشق التصوف في شخصية الحلاج... وهذا ما جعله يغزل علاقات تاريخية ثورية متواصلة فكريا ومنهجيا منسجم مع ذاته فقد بكى الخلافة العثمانية وبكى الحسين معا .(9)
ويقول جميل عيد ابن عمة الشهيد الدكتور فتحي:
لقد عايشت الدكتور فتحي عن قرب, وقد توفيت والدته عام 1966 وكانت أمي عمته الوحيدة التي يمكن أن تسد ثغرة غياب الأم فانتقلت مع والدتي لأقيم في بيت خالي أبي فتحي إلى أن يتدبر أمره. عشت معه سنة كاملة, كان في الصف الثاني الثانوي يومها,تعرفت على أصدقائه وقد كانوا يؤمون بيته دائما ,كانت غرفته من القرميد مساحة 3في 3 يصلون فيها جماعة عند موعد الصلاة يقرؤون بها,كانوا شبابا أفذاذا متدينين,أصبح لهم اليوم شأن كبير في كثير من المجالات, كتب فتحي الشعر وهو في الثانية الإعدادية وكان صاحب ذهن متفتح وعبقريا,كان يعلمني الرياضيات ويحل المسائل كما ينسخها نسخا,يتكلم في السياسة والدين كما الكبار,كان من الأوائل محبوب من المدرسين وكذلك من العائلة, كان خالي أبو فتحي رجل بسيط يعمل عاملا والأولاد يتابعهم زوجة خالي وكانت امرأة ذكية وإدارية وحازمة,كان الدكتور قليلا ما يلعب مع الأطفال وهو في سن الطفولة,يحب الدراسة حتى حين الأكل كان يأكل لقمة ويقرأ سطرا, مولعا في المطالعة جدا,له أربعة إخوة هو أكبرهم, وكان قريبا جدا لقلب أمه".
شخصية الدكتور فتحي القيادية كانت بارزة جدا من خلال معاملاته مع من حوله إذ كان يتصرف تصرف القائد والمسئول وهذه موهبة ومنحة ربانية التصقت بشخصية الدكتور منذ صغره, وهذا ما لاحظه ابن عمته جميل عيد وهو معه منذ فترة الشباب الأولى وهو يشير إلى إقبال الشباب نحوه معتبرينه قدوة وموجها" تعرفت على أصدقائه وقد كانوا يؤمون بيته دائما"-فإقبال الشباب عليه في بيته واستقباله لهم وحديثه إليهم"يتكلم في السياسة والدين كما الكبار"بطريقة تدل على نبوغه وتقدمه على أقرانه يدل على عبقريته وتميزه عن كل أبناء جيله. (10)
أما شقيق الدكتور فتحي/ الصيدلي عبد العزيز الشقاقي, فقد كان أكثر إخوته تأثرا به, ويروي بعضا من ذكرياته مع أخيه أبو إبراهيم فيقول:
لا ادري من أين ابدأ ولا من أين انتهي. لا ادري من أين أبدأ, فتحي الطفل الذي عشنا سويا نلعب كرة القدم, أم فتحي الشاب الذي كان يرسلني إلى محطة القطار لأشتري له جريدة الأهرام ليطلع على مقال محمد حسنين هيكل في منتصف الستينات, أم فتحي الشاعر والأديب الذي كان يشجعني على كتابة الشعر ويقول لي:" اكتب يا عبد العزيز كأني اقرأ لصلاح عبد الصبور وأنت تكتب". لا ادري فتحي شخصية فذة, لنا هو الأب والأخ والصديق . كان أبي يغادر البيت لشهور عدة لسيناء للعمل, وكان فتحي هو الأب لنا في البيت وان كان لنا أم صارمة قوية هي التي أخذت على عاتقها تربية هؤلاء الأبناء, وهي التي خرّجت هذا الشاب, وهي التي صاغت تكوين هذا الشاب . كانت خضرة الشقاقي أم فتحي الشقاقي امرأة مثالية كانت الحارة كلها تستأنس بها في أي عمل ,في زواج أو ميتم ,في أي مناسبة......عندما قدمت للثانوية العامة قال لي لماذا لا تأتي إلى القدس وتسكن معي ونعيد دراسة الثانوية العامة سويا, وفعلا ذهبت وسكنت معه وسكنا في غرفة صغيرة وكان نعم الأخ والصديق, وكان هو الذي يقوم بعمل الطبخ والغسل, كان متواضعا أشد التواضع, كنا نذهب للصلاة في الأقصى لندرس الفيزياء والكيمياء والأحياء, وكان فتحي رغم قلة الوقت وضيقه مكتبته المكتظة بالكتب لا يجد الكثير من الوقت ليدرس المنهج المنتظم فكنت أسأله كيف ستنجح وكان يقول لي هذا شأني, وفعلا نجح وقبل في كلية الطب في جامعة الزقازيق ودخلنا إلى القاهرة وسكن مع الأخ محمد الهندي في شقة بسيطة في الزقازيق, كنت أزوره هناك وكان نعم الأخ ونعم الرفيق....بعد ذلك أصدر فتحي كتاب "الخميني الحل الإسلامي والبديل", والمشكلة أن فتحي كتب مؤلف الكتاب (فتحي عبد العزيز), فتحي كان بالزقازيق وأنا كنت في القاهرة فجاءت المخابرات المصرية واعتقلتني في سجن القلعة, وقالوا لي أنت مؤلف هذا الكتاب وقلت لهم يا جماعة لست بمؤلف. طيب من المؤلف؟- قلت لا اعرف. في النهاية اقتنعوا أنهم اعتقلوني بالخطأ فتم ترحيلي إلى العراق, وتم اعتقال فتحي بعد الترحيل وعدنا بعد ذلك إلى غزة وبدأت نواة حركة الجهاد تتبلور". (11)
نلاحظ من ذكريات الدكتور عبد العزيز كم كان الدكتور فتحي مولعا بالقراءة والدراسة والبحث وهو طالب منذ أن كان في المدرسة وحتى إكماله لدراسته الجامعية, ونلاحظ أيضا حجم الإصرار العظيم والمثابرة العالية والكبيرة عند الدكتور فتحي طوال فترة حياته.
ومن إبداعات الدكتور فتحي الأدبية القصيدة المستوحاه من محطة الأتوبيسات الرئيسية خارج أحد أبواب بلدة القدس القديمة حيث ينطلق العمال العرب إلى أعمالهم في عمق الأراضي المحتلة "حكاية من باب العامود"- المنشورة في العدد الأول من مجلة المختار الإسلامي في يوليو 1979م:
كانوا خمسة…
في يد كل منهم منجل..
في يسرى كل منهم قفة..
كانوا يا أصحابي خمسة..
وقفوا في صف مكسور..
في أعينهم نامت مدن وبحور..
بهذا الصف المكسور..
خذ حذرك..
مولانا هلت طلعته..
يا صاحبي حضر المأمور..
مولانا كفا في كف ضرب..
في العين لهب..
في الصدر غضب..
مولانا كالعادة صاح:
عرب.. فوضى عرب..
كانوا خمسة..
في يمنى كل منهم منجل..
في يسرى كل منهم قفة..
تركوا (الدرق) الأخضر
قالوا: يوماً يومين ولا أكثر
يا عمال بلادي..
هرمت غابات الزعتر..
وانسكب الزيت وغصن الزيتون تكسر..
يا قلب الأرض تحجر
لا تزهر أبداً لا تزهر..
إلا غضباً.. إلا بركاناً يتفجر..
كانوا خمسة ..
وجه واحد .. وجه مسيح..
مصلوب يا سادة..
أي والله مصلوب وجريح..
والوجه السادس وجه قبيح..
وجه يهودا القادم من خلف البحر..
المانع في علب الليل قدوم الفجر..
القاتل والمقتال..
يبحث عن عمال..
يتقدم صوب الخمسة..
هيا يا صحبي..
استيقظ في قلب الخمسة حزن دهور..
في أعينهم تلمح قطرات من نور..
في جوفهم تمتد جذور وجذور..
يا رعشة في صدري..
يا بركاناً أخذ يثور..
لا.. لا يا هذا المأمور..
يطعنهم..
والسكين في قاع القلب يغور..
يا جرحُ تفتح يا جرحُ..
يا جرح تفتح يا جرح..
يا أهلي هاتوا الملح..
حتى يبقى حياً هذا الجرح..
حتى يبزغ من ظلم الليل الصبح..
لن أغفر لك..
لن أغفر لك..
تلعنني أمي إن كنت غفرت..
تلفظني القدس إن كنت نسيت..
تلفظني الفاء..
تلفظني اللام..
تلفظني السين..
تلفظني الطاء..
تلفظني الياء..
تلفظني النون..
تلفظني كل حروفك يا فلسطين..
تلفظني كل حروفك يا وطني المغبون..
إن كنت غفرت..
أو كنت نسيْت..
هذه الكلمات الشعرية والأدبية كتبها الدكتور فتحي في مرحلة الشباب الأولى, وعندما كان طالبا متميزا بفكره وتأملاته عن كل أبناء جيله ينظر بأسى لحال الشعب الفلسطيني الذي اختزلت قضيته في لقمة العيش والعمل في مصانع المحتل ومزارعه في وقت كانت فيه فلسطين غائبة عن وعي أبناء الأمة والشعب الفلسطيني, فجاء هذا الفارس ليتمرد على هذا الواقع معلنا أن هذا ليس هو الوضع الطبيعي لشعب محتل يفترض أن يكون في مواجهة مستمرة مع المحتل رافضا حياة الذل والهوان, ورافضا لوجود المحتل على أرض فلسطين السليبة والتي أشار إليها بأنها "مركز الصراع الكوني".
هذه القصيدة كانت تحمل البذور الأولى لأفكار الدكتور فتحي التي وضعت فلسطين من جديد تحت المجهر, ولكن بثوب جديد في وقت كان الحديث عن الوطن وفلسطين ضربا من ضروب البدع أو الجنون!.
الفصل الرابع
فتحي الشقاقي في مصر في الفترة (1974-1981) ونشاطه في تلك الفترة المهمة جدا في تاريخ مسيرته
تعتبر هذه الفترة من حياة الدكتور فتحي أهم فترة لأنه واكبها تأسيس حركة الجهاد الإسلامي وغرس البذور الأولى لها, ووضْع اللبنات الأولى التي ستقوم عليها الحركة فيما بعد,وقد تميزت هذه المرحلة بالتوهج الفكري والثقافي, إذ كان الدكتور فتحي دائم البحث والاضطلاع والنقد, ورغم أن كلية الطب التي كان ملتحقا بها تحتاج إلى اهتمام وجهد, إلا انه كان يوفق بين الدراسة والعمل الفكري بشكل عجيب..
*الدكتور والنخبة الطلابية في مصر
لقد نشط الدكتور فتحي الشقاقي وسط الطلبة الفلسطينيين في مصر خصوصا في جامعة الزقازيق حيث انه كان طالبا في كلية الطب آنذاك واستطاع أن يحسم إليه عددا كبيرا من هؤلاء الطلبة الجامعيين الذين تأثروا به واقتنعوا بفكره فحملوه معه ونادوا إليه. وقد عاد هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم من كلياتهم المختلفة إلى ارض فلسطين ليشكلوا النواة الأولى لفكر وتنظيم وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.ولأول مرة يتم الدعوة للصلاة في العراء بشكل جرئ وقوي متحديا الاحتلال وإرهابه وضغوطاته, وليكون أحد أهم الخطباء لصلاة العيد في العراء هو الأخ المجاهد رمضان شلح الذي كان آنذاك قد تخرج حديثا من مصر وكان من أكثر المتأثرين بالدكتور فتحي الشقاقي ليكون من الطلائع الأولى المؤسسة لهذه الفكرة داخل الساحة الفلسطينية. لقد كانت الصلاة في العراء أول أشكال التحدي للكيان الصهيوني على ارض فلسطين رغم محاولات جنود العدو إفشالها وملاحقة القائمين عليها واعتقالهم..منذ تلك اللحظة بدأ الناس يستمعون لخطاب جديد وفكر جديد في الساحة الفلسطينية ..فكر وخطاب يتحدى المحتل ويجمع بين الوطنية والإسلام بشكل رائع لم يعهده الناس من قبل.
الدكتور رمضان شلح كان معروفا بقدرته على التأثير في أحاديثه وخطاباته, كما أنه كان معروفا بقربه من الدكتور فتحي الشقاقي, وكان يمثل إلى جانب إخوانه من مؤسسي الحركة ركنا مهما من أركانها, ونظرا لأن الدكتور رمضان كان يعمل كمحاضر في الجامعة الإسلامية في كلية التجارة /قسم الاقتصاد والعلوم الإدارية, فإنه كان ذو حضور مهم وفعال في أوساط الطلبة, وكان يمثل أنموذجا فريدا ومميزا عن كل المحاضرين التقليديين, فرغم انه لم يكن يومها قد حصل على شهادة الماجستير والدكتوراه- إلا أن طلابه كانوا يشهدون له بموسوعيته وعبقريته, وبقدرته الفائقة على توصل الأفكار والمعلومات وبأسلوبه المميز في شرح المادة العلمية فكان من خيرة المحاضرين, ووجوده كمحاضر في الجامعة الإسلامية أدى إلى استقطاب العديد من أبناء الجامعة, خصوصا من طلاب كلية التجارة إلى الجماعة الإسلامية والالتحاق بصفوفها, إذ كان له تأثير كبير على الطلاب من خلال النقاشات والمناظرات التي كانت تثار داخل القاعة الدراسية.والجدير ذكره أن اللقاءات التي كان يعقدها الدكتور فتحي الشقاقي رضوان الله عليه مع طلاب الجماعة الإسلامية كانت تتم بحضور الدكتور رمضان شلح وعدد من الإخوة القياديين في حركة الجهاد الإسلامي.
وأذكر أن الجماعة الإسلامية كانت قد أعدت لرحلة للضفة الغربية وكان من ضمن برنامج النشاط زيارة معهد بيتونيا برام الله والمشاركة في مهرجان كان قد أعد له أبناء الجماعة الإسلامية في المعهد, وفعلا حضرنا هذا المهرجان وكانت أهم كلمة فيه هي للدكتور رمضان شلح حيث ألقى كلمة إسلامية ثورية وتربوية مهمة للمئات من طلبة وطالبات المعهد, وقد تحدث في كلمته على ما أذكر يومها عن أهمية الإسلام كمنهج وكدستور حياة, وعن حتمية انتصار الإسلام الثوري, وعن دور الطلبة والطالبات في عملية التغيير والبعث والإسلامي, وعن أهمية دور المرأة المسلمة في المجتمع الإسلامي وعن أهمية التزامها بتعاليم الإسلام وقيمه.
يقول الدكتور محمد الهندي:
"تعرفت على الشهيد فتحي في صيف 73 في بيت احد الإخوان في مدينة غزة,وقد كنا انهينا دراسة الثانوية العامة, وقد قبلنا في كلية الطب جامعة الزقازيق, واتفقنا أن نسكن سويا,وقد كنا وقتها في المجموعات الأولى للإخوان المسلمين التي بدأت تتشكل في قطاع غزة في بداية السبعينات,حيث شهدت غزة نشاطا مميزا للشيخ احمد ياسين رحمه الله...سافرنا للدراسة في مصر وعشت مع الشهيد فتحي 3 سنوات في نفس البيت ونفس الجامعة والكلية ونفس الخلية التنظيمية, وقد عرفته عن قرب شديد وربطتنا علاقة قوية نادرا ما تتكرر, وهو مثابر بشكل استثنائي خاصة في القراءة,يمتلك قدرة مميزة على التحليل والتأمل وفن الحوار والتساؤل والجدل مع تواضع قل نظيره,مما جعل البعض ممن تعودوا على القبول والتسليم والطاعة يضيقون ذرعا بالشهيد, خاصة وان التساؤل والجدل كان يدور أساسا حول مكانة فلسطين في المشروع الإسلامي..في الجامعة بدأت رحلة التأمل والحوار والنقاش ومحاولة قراءة المستقبل في ضوء متابعة الواقع وتحليله ومحاولة فهمه,كان هناك نشاطا غير مسبوق في الجامعة وحلقات النقاش التي لا تنتهي عن الإسلام وفلسطين, ومجلة الفرسان الحائطية التي استقطبت قطاعا واسعا من الطلبة تنبأت بمفاوضات السلام, وكتبَت على ما اذكر أنها لا تستبعد أن يأتي اليوم الذي يلعب فيه هابوعيل تل أبيب مع نادي الزمالك, أو الذي تتناول فيه جولدا مئير طعام الإفطار في تل أبيب والغذاء في القاهرة والعشاء في بغداد إذا استمَرَّ حال العرب على ما هو عليه,هذه المجلة أثارت تفاعلاتها حتى أن الرئيس السادات تناولها في احد خطاباته المباشرة."(12)
رغم هذا النشاط الكبير وسط الطلبة المصريين والفلسطينيين إلا أن الدكتور فتحي لم يكن يهمل مذاكرته واستعداده للاختبارات الجامعية فقد كان ينجح بها وبتفوق...يكمل الدكتور محمد الهندي قائلا:
"عندما تقدمنا إلى اختبارات السنة الأولى في الجامعة كنا الوحيدين من بين الطلبة الفلسطينيين-وقد كانوا احد عشر طالبا في كلية الطب جامعة الزقازيق-كنا الوحيدين من بينهم الذين نجحا في الدور الأول وبتقدير, وقد كان الجميع يتنبأ لنا بالرسوب, وهذا جعل بيتنا فيما بعد في السنين التالية محجَّاً للطلبة,وجعلنا نحرص على أن يكون لدينا مشروبات متعددة غير الشاي والقهوة, واذكر أننا حرصنا أن يكون مثلا البابونج والزنجبيل والقرفة والينسون لتكون عاملا إضافيا في جذب الزوار ونقاشهم والحوار معهم." (13)
كان الدكتور فتحي رحمه الله بوعيه وفكره وثقافته يكتشف المفكرين والكتاب والشعراء المبدعين ويضيف الدكتور محمد الهندي بخصوص هذه النقطة ويقول:
"وفي رحلة القراءة والتأمل والحوار عثر الشهيد فتحي في بيت احد الأصدقاء المصريين على "ما بعد النكبتين" وهو دراسة صغيرة لكاتب سوري اسمه توفيق الطيب يدرس العلوم السياسية في ألمانيا, هذا الكتيب اعتبره الشهيد بمثابة منفستو الحركة الإسلامية واعتبر نفسه كأنه عثر على أداة تساعده على التحليل وامتلاك رؤية,فنسخناه بخط أيدينا ووزعناه حيث أمكنّا ذلك...واستمرت رحلة القراءة المتشعبة لدى فتحي الذي كان حريصا على قراءة الشعر والأدب والتاريخ والسياسة ومتابعة دوريات السياسة الدولية والطليعة ونيويورك والتايم وغيرها الكثير حيث كان ينفق مصروفه عليها بخلاف الدعوة إلى الاقتصار على القرآن والسيرة في فترة الحضانة التي دعا إليها بعض قيادات الحركة الإسلامية,وهذا أدى إلى بروز تيار آخر في الحركة الإسلامية يمكن أن يكون أو نطلق عليه تيار النقاش والجدل والتساؤل خاصة حول موقع فلسطين في المشروع الإسلامي المعاصر."(14)
هذا التألق والإبداع والطموح عند الدكتور فتحي كان له بالغ الأثر في كل من عرفه أو التقاه أو ناظره وناقشه,كما أن كتاباته وآرائه الجريئة والمتميزة استقطبت الكثيرين للدرجة التي قال فيها الدكتور احمد يوسف احد قادة حماس والاخوان المسلمين:
"فتحي منظر وصاحب رأي ورؤية وكانت أفكاره دائما سباقة ,كنا دائما نتناقش وكان دائما يسبقنا في فكره.كان دائما فيما يتعلق بمشروع التحرير كانت عندنا مشكلة ما يسمى إشكالية التحرير والتمكين ,كان معظم الإخوان يرون أننا نحن الفلسطينيين لا يمكن أن ننجح في التحرير ما لم يكن هناك دولة جوار قادرة على أن تدعمنا بكل الإمكانيات والطاقات لانطلاق مشروع التحرير,طبعا الجدلية طال النقاش حولها, طبعا فتحي كان له رؤية استلهما من الثورة الجزائرية ,كان يقول " ألقِ الثورة للشارع يلحق بك الشارع" ,بمعنى أنت ابدأ بانجازاتك وعملياتك التي تسجلها, وسوف يلتحق بك الناس فيما بعد. فتحي الشقاقي طبعا كان معروفا عنه انه رجل حوار يتعاطى مع الآخرين بشكل كبير جدا يستوعب الجميع,في ذلك الوقت كانت نظرتنا للآخر غير ايجابية, وكانت هناك خلافات مع الكثير من أصحاب الفكر القومي,وأيضا التنظيمات في ذلك الوقت,الأخ أبو إبراهيم رحمه الله نجح في إقامة شبكة من العلاقات مع الفصائل." (15)
كلمات الدكتور احمد يوسف تؤكد على صوابية فكر الدكتور فتحي ومواقفه رغم صغر سنه آنذاك ورغم كونه لا يزال طالبا في كلية الطب ورغم أن الحركة الإسلامية كانت تذخر بالمئات من الشخصيات والرموز الإسلامية المعروفة والتي كان يبدو الدكتور فتحي أمامها كشاب ثائر ومندفع لا يخلو من التهور كما حاول رموز التيار التقليدي أن يصفوه,وتكمن أهمية كلمات الدكتور احمد يوسف أنها صادرة من احد الذين خالفوه سياسيا وفكريا بالاعتراف بأن أفكاره كانت سباقة وأنه بنقاشاته كان يسبق مخالفيه في فكره.
الأستاذ باسم شعبان من الإخوة الذين عاشوا مع الدكتور فتحي لمدة غير بسيطة من الزمن..استمع إليه وتعلم منه وفهمه عن قرب,ويحدثنا عن الدكتور فتحي في الفترة التي كان فيها طالبا في الضفة الغربية ومن ثم عندما التحق بكلية الطب البشري في مصر بعد أن عمل كمدرس في الضفة لمادة الرياضيات فيقول:
" في الضفة الغربية بدأ يستنير فتحي, في هذه المرحلة بدأ يتعرف على اليسار, يتعلم بالجامعة, يسمع عن العلمانية وأفكارها, والشيوعية والاشتراكية وحزب التحرير. بدأ يتناقش معهم كلهم, وقال لي انه ناقشهم كلهم, وكان عنده وقت كبير للقراءة والمناقشة,وهذه الفترة استفاد منها في توسيع معارفه وكان فتحي لا يتكبر ويحاور الجميع بمختلف اتجاهاتهم وكان يقرأ للكل ويحاور الجميع بمختلف اتجاهاتهم, وكان يقرأ للكل ويحاور الجميع وكان ينتبه إلى مَحاورِهِ ويستعين بالورقة والقلم ويسجل ما يقوله مُحاوره ويبدأ بالرد على النقاط بالترتيب , ونادرا ما تجد فتحي بدون قلم أو كتاب أو صحيفة...فمثلا بموضوع حزب التحرير رفض معظم أفكارهم, لكنه أعجب بالتفكير وبكتب الفكر ومن اهتمامهم بأصول الفقه,ولاحقا قرأ لمحمد باقر الصدر كتاب "فلسفتنا" و"اقتصادنا",واستفاد منه لأن فتحي كان يحاور الجميع كما قلت, وكان سلاحه القراءة والكتب بحيث كانت مفتاح شخصيته,فتحي شخص قارئ أيضا,كان يقول لي: " القراءة تغسل العقل", وكانت القراءة بمثابة غذاء له, ثاني شيء الحقيقة, كان وهو طالب لا يريد أن يكرس وقته للنضال بمعنى أن يرسب, واستحالة أن يفكر بالرسوب ,فيجب أن ينجح في حياته وفي مهنته ثم ينجح في نضاله,كان بعض المنتمين للفصائل يرسبون سنة وراء سنة وكان يرفض هذه الفكرة, كان يردد دائما لا وقت للوقت (وهذه بالمناسبة عبارة مقتبسة من أشعار محمود درويش التي كان يعجب بها الدكتور فتحي),يريد أن يقرأ, يريد أن يقابل الناس,بيته في الزقازيق أصبح كمنتدى طلابي ,لا تستطيع أن تقول بيت أو شقة بقدر أن تقول أنا في مجلس اتحاد طلاب أو في منتدى طلابي ,طبعا هذا كان يشغله كثيرا ويجعل الوقت عنده حرجا,يعاني من هذه المشكلة..عندما كان في القدس كان مدرسا استفاد من هذه المرحلة في الحوارات, ووسع مداركه,وتعرف هناك على حزب التحرير,تعرف على اليسار وعلى أفكاره,حاورهم,بدأ يتوسع في دراسته."
وكما يؤكد الأستاذ باسم شعبان أن الدكتور فتحي الشقاقي بلور أفكاره السياسية وهو في الجامعة كطالب واكتملت هذه الأفكار بعد الانفصال التام عن الإخوان المسلمين وهو في مصر بعد إصداره لكتاب " الخميني الحل الإسلامي والبديل" والذي سبب قلقا وإزعاجا للإخوان المسلمين في مصر فقطعوا اتصالاتهم به, ويعتبر الأستاذ باسم شعبان أن مرحلة الزقازيق هي أهم مرحلة حيث قسّم جهاد الشقاقي ونشاطه إلى أربع مراحل وهي مرحلة المخيم في رفح,مرحلة القدس,مرحلة الزقازيق ومرحلة العودة إلى الوطن, فالازدهار الفكري والنبوغ السياسي عند الدكتور فتحي الشقاقي بلغ أوجه وهو في مرحلة الزقازيق واكتملت أفكاره واكتمل مشروعه الجهادي كالتالي:
1-الإسلام والإيمان هما المنطلق لكل فلسطيني مسلم.
2-فلسطين هي القضية المركزية للحركة الإسلامية.
3-ارتباط الظاهرة الإسلامية بالظاهرة الإسرائيلية عكسيا صعودا وهبوطا.
4-الجهاد والنضال والثورة ضد المحتل هو سبيل التحرير.
5-الوحدة من خلال التعدد داخل الحركة الإسلامية نلتقي على كثير من الأفكار.
6-الحوار الوطني مع الجميع للالتقاء على محاربة المشروع الصهيوني.
7-الدم الفلسطيني خط احمر يجب عدم تجاوزه بأي حال من الأحوال.
8-الحوار مع القوى العربية والإسلامية من أجل خدمة قضايا الأمة.
9-الرد على التغريب والتجزئة وإسرائيل.
10-النقد البناء وفتح الباب له على مصراعيه. (16)
وبالإضافة لما ذكره الأستاذ باسم هو أن الدكتور فتحي ركز على مفهوم الطليعة الإسلامية الواعية التي ستكون المرتكز والبؤرة للفعل الجهادي في فلسطين. ومن هنا نرى أن هذه الأفكار كانت جاهزة في ذهن الدكتور فتحي وإخوانه قبل أن يتخرج من كلية الطب ويعود إلى غزة ,لذلك كانت هذه الأفكار تمثل المرتكز في انطلاقة الدكتور فتحي طوال فترة دراسته في الزقازيق والتي كان حولها يجمع الشباب الفلسطيني ويستقطبهم لخيار الجهاد الإسلامي فكانت مرحلة الزقازيق هي مرحلة التأسيس والتألق والإبداع.
والملاحظ انه في مرحلة الزقازيق أن الدكتور فتحي كان يحرص على بناء الشباب المسلم الذي التف حوله وكانوا جميعهم طلاب يدرسون في الجامعة, فكان يقودهم وينظمهم في أسر ويقرر المناهج الدراسية التثقيفية والتنظيمية عليهم, ويتابع مدى التقدم في هذه المناهج, بالإضافة إلى عقد الجلسات والمحاضرات التنظيمية والتثقيفية للشباب,وكانوا هم بدورهم يقبلون عليه بكلِ نَهَمٍ وتشوُّق, إذْ كان دائما يطلعهم على آخر المستجدّات الثقافية والسياسية والحركية.
ويذكر الأستاذ باسم شعبان بصفته أشد المقربين من الدكتور فتحي في فترة الدراسة أن الدكتور فتحي كان يهتم كل عام بحضور معرض الكتاب الدولي في القاهرة, بل كان يشجع إخوانه وزملائه لحضور هذا المعرض وانتقاء الكتب المفيدة لشرائها وقراءتها, ويذكر موقفاً طريفا له مع الدكتور فتحي بهذا الشأن فيقول:
"أذكر في أحد المرات عندما اقترب موعد معرض الكتاب في القاهرة حيث يبدأ الطلاب في الاستعداد للذهاب لشراء الكتب و خاصة أنه كان حول فتحي مجموعة كبيرة من الشباب المثقفين الذين يشترون و يقرؤون الكتب, فعلم من بعض الأخوة أنني لن أذهب هذا العام لأن النقود التي معي لا تكفي في هذا الشهر لشراء الكتب الثقافية, فكان أن جاءني في الغرفة و أعطاني ثلاثين جنيها وقال هذه لتذهب بها إلى معرض الكتاب و تشتري ما تشاء من كتب, فقلت لا داعي هذا العام للذهاب إلى معرض الكتاب, فقال لا- يجب أن تذهب كباقي الشباب, فقلت له آخذها ديْنا فقال لا, هذه خمسة عشر مني و خمسة عشر من باسل (زميلنا باسل يونس حفظه الله و الذي طرده الأمن المصري بعد اغتيال السادات نكاية حيث كان قد أكمل ثلاث سنوات في دراسة الطب), و بعد فترة عندما توفرت النقود عرضت عليه أن يستردها فرفض و أخذ يعطيني درسا عن تعامل الأخوة في النقود و يجب أن تكون بينهم سهلة التعامل و أن لا يكون هناك حساسية في التعامل بها لأن الأخوة و الصداقة أهم و أكبر منها بكثير".
ويسترسل الأستاذ باسم بالحديث عن تواضع الدكتور فتحي واهتمامه بإخوانه فيقول:
" كان فتحي رحمه الله تعالى من الناس الذين لا يظهرون شخصيتهم, بحيث لا تشعر بحضرته أنك تجلس أمام رجل قد نفخ شخصيته و أظهر عظمتها و مركزها, فلم نكن نحن القريبين منه نناديه بغير اسمه أو كان بعضنا يناديه " أبو الفتوح" تدليلا و خاصة الأخ ربحي بلبل الذي أطلق عليه هذه التسمية, و حتى بعد التخرج كنا لا نخاطبه يا دكتور, التي أصبح يخاطبه بها كثير من الناس, فنقول له "يا أبو إبراهيم", نسبة لوالده كعادة الناس عندنا, فقل أنه لم يكن يأخذ هذا الشكل الرسمي في التعامل, و كنا نزوره في القدس في غرفة السكن المخصصة له في مستشفى المطلع, التي كان بها سرير و مكتب و عدة كراسي, و في أحد المرات و نحن جلوس عنده و قد حان موعد صلاة العصر, و إذ به يصلي على السرير خلفنا, فقلنا له ما بك, فقال أجريت لي عملية قبل يومين في المستشفى, فثارت عاصفة من الاحتجاج و كنا حوالي ستة أو سبعة, فقلنا ليس من المعقول أن نجلس عندك و أنت مريض و لم نقل لك على الأقل الحمد لله على السلامة, فكان أجدر أن تخبرنا, فقال لا أحب أن أزعج أحدا, فإن علم الناس أني مريض فسيأتون من غزة و من كل مدن الضفة و لا أحب أن يكون مجيئهم بسبب مرضي, فكان رحمه الله تعالى لا يحب أن يظهر مرضه أو ألمه أو يتحدث عن شخصه, و خاصة أنه كان ينتقد بعض الناس الذين يخرجون من السجن و الذين لا هم لهم إلا الحديث عما لاقوه من صنوف العنت و الشدة بنوع من التلذذ و المباهاة, وكان يحترم أكثر السجناء الذين يصمتون عن ذكر معاناتهم أمام الناس, و أذكر في هذه الغرفة أنه قدر لى أن أحضر وقت مجيء الصهاينة له لاعتقاله, و إن كان قدر لي أيضا حضور اعتقاله في مصر بعد نشر كتاب "الخميني الحل الإسلامي و البديل", فقد كان في المرتين مطمئن النفس و إن كان أمر الاعتقال قد جاء على حين غرة أو غفلة, فلقد أخبره عامل الاستقبال بالتلفون أن ضباط المخابرات جاءوا إلى المستشفى يسألون عنه و أنهم يسألون عن غرفته, فأمرنا أن نخرج على الفور حتى لا يجدونا عنده فيأخذونا جميعا, فخرجنا متفرقين في ممرات المستشفى, ثم رأينا بعد ذلك عدة سيارات عسكرية تخرج من المستشفى و كان هو في أحدها, و كنا نحن تقريبا نتمشى متفرقين خارج المستشفى نتفرج على هذا المشهد الحزين الذي لا حول لنا فيه و لا قوة أمام جبروت هذا الاحتلال البغيض, و هذا المشهد يذكرني بسيدنا عيسى عليه السلام عندما جاء اليهود ليأخذوه و حوارييه ربما من نفس المنطقة التي أخذ منها فتحي رحمه الله تعالى, فلم يكن معهم سلاح سوى سيف واحد, بينما نحن لم يكن معنا إلا إيماننا بعدالة قضيتنا و بأن الله تعالى سينصرنا كما نصر سيدنا عيسى عليه السلام و نجاه من كيد اليهود و رفعه إليه. فلقد كان رحمه الله تعالى مثال التفاني و الأخوة و المحبة و الصداقة مع جميع الناس مع إخوانه و أصدقائه, و حتى مع المخالفين أو المسيئين له, فكان ذو خلق رفيع, ينأى بنفسه عن المهاترات و السب و الشتم, و يحاجج بالتي هي أحسن و أقوم. نسأل الله تعالى أن يتقبل فتحي الإنسان البسيط المتواضع في الصديقين و الشهداء و حسن أولئك رفيقا". (17)
هذه المواقف والمشاهد من حياة الدكتور المفعمة بالجد والاجتهاد والعطاء والمحبة والتفاعل مع المجتمع والواقع والسياسة تجعلنا نقف بكل احترام وخشوع أمام عظمة هذا الرجل المجاهد والمتميز الذي أسر كل الذين عرفوه بوعيه وفكره ودماثة خلقه.
ويضيف الأستاذ نصر هويدي (وهو من الذين عايشوا فترة الدراسة في الزقازيق مع الدكتور فتحي) فيقول:
كان كتاب الخميني الحل الإسلامي والبديل هو سبب اعتقال الدكتور فتحي, ولم يكن الدكتور فتحي وحده هو الذي اعتقل, فلقد استهدفت أجهزة الأمن المصرية معظم الشباب الذين عرفوا الدكتور أو عاشوا أو تعاملوا معه. عادل مشهور هو ضابط المخابرات المصري الذي كان ينفذ الاعتقالات. دكتور محمد الهندي كان في الزقازيق ثم انتقل إلى القاهرة للدراسة بطلب من الدكتور فتحي, وذلك ليتوزع النشاط.. من الإخوة الذين سكنوا مع الدكتور في شقة واحدة باسم شعبان, باسل يونس(مفكر كويتي),نافذ عزام وغيرهم.كان بيت الدكتور في منطقة بالقرب من قصر الثقافة. استخدم نظام الأسر في بيته وكان يثقف الشباب وشرح لهم أفكار سيد قطب من خلال كتاب "معالم في الطريق"- كما كان يقرر المناهج الثقافية التي تشمل حفظ سور وآيات من القرآن الكريم. كنا نزور الدكتور فتحي في بيته ونستمع له وكنت انتمي لأسرة مسئولها باسم شعبان. كان الدكتور دائما يحمل كتابا , والكتاب عنوان القراءة, وكان شعاره (القراءة التي تلتهم نور أبصارنا).كان بيته كخلية نحل والكتب موجودة في كل مكان من الغرفة. كنا نتوق للجلوس معه...مع هذه الشخصية العظيمة المؤثرة والموجهة وذات العلاقة بالوعي والثقافة والسياسة والقراءة الهادفة. لم يكن لديه وقت لدراسة الطب, رغم كل ذلك كان متفوقا. كان بيته قريب على المشتل (المتنزه) وكان ينزل آخذا معه كتب الطب ليدرس هناك, وكان يصادفنا ويرانا ويرد علينا السلام وهو يرانا نذاكر دروسنا. كان الدكتور فتحي يدرب الشباب على الخطابة والإلقاء وكان من الإخوة الذين كلفهم الدكتور فتحي بتحضير موضوعات ومحاضرات وإلقائها على الشباب الأخ نافذ عزام والأخ عبد الله الشامي والأخ جهاد أبو العطا , وكان هذا في البداية. كان الأخ جهاد أبو العطا يشرح كتاب "ما بعد النكبتين" في بيت الدكتور بحضور جمع من الإخوة. وذات مرة كتب الدكتور فتحي خطبة بعنوان غزوة بدر من سبعة أوراق ووزعها علينا لنحضرها ونخطبها,وخطبتها فعلا في مسجد حسن البنا (عنان) بعد عودتنا إلى غزة. كان الدكتور فتحي رحمه الله ثروة كبيرة وكنز ثمين افتقدناه ولكننا لم نفتقده في قلوبنا وعقولنا وأفكارنا فهو دائم فينا على الدوام نتحرك بفكره ومنهجه.(18)
الفصل الخامس
تبلور الفكر السياسي لدى الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي أثناء وبعد استقلاله عن حركة الإخوان المسلمين
يؤكد الدكتور بشير نافع(ويعتبر من أهم المفكرين الإسلاميين المستنيرين في العصر الحديث, وكان يشارك الدكتور فتحي في كثير من كتاباته ودراساته- خصوصا دراسة"المسيرة الإسلامية بين المد والجزر, ومقالات ودراسات في مجلة الطليعة الإسلامية والمختار الإسلامي) أن الدكتور فتحي كان يمتلك أداة تحليل لم يكن يمتلكها الآخرون, واتضح ذلك من خلال أفكاره التي كان ينظر ويوجه الإسلاميين إليها, وبدأت هذه الأفكار تتمايز خصوصا بعد إصداره لكتاب "الخميني الحل الإسلامي والبديل"- وكان هذا في عام 1979 ,ويوثق الدكتور بشير نافع لهذا الأمر في مقالة طويلة وهامة بعنوان " الإسلاميون الفلسطينيون والقضية الفلسطينية" فيكتب ويقول في جزء منها:
كان فتحي الشقاقي (1951 ـ 1995) وعبد العزيز عبد الرحمن عودة، الذي فصل من الإخوان لاحقاً، ثم افترق عن الشقاقي أيضاً، (ولد 1950)، من أوائل الطلاب الشباب الذين انتموا للإخوان في تلك المرحلة (مرحلة السبعينات).
وإذ استمر تدفق الطلاب الفلسطينيين على مصر حتى نهاية السبعينات، تحول الوضع الإخواني الفلسطيني في مصر تدريجياً إلى موقع تنظيمي بالغ الأهمية. تراخت قبضة الدولة المصرية على البلاد بشكل نسبي منذ ما بعد حرب أكتوبر/ تشرين أول 1973، وبدت أجواء مصر السياسية والفكرية أكثر ليبرالية مما كانت عليه في أية مرحلة سابقة منذ 1954. وقد ساعدت أجواء الحرية النسبية تلك، إلى جانب إطلاق سراح آلاف الإخوان المعتقلين، على إعادة الحيوية لمصر الإسلامية، وهو الأمر الذي أرخى بظلاله على التنظيم الإخواني الفلسطيني أيضاً.
كان فتحي الشقاقي الذي لجأت عائلته لمدينة رفح من قرية زرنوقة، إخوانياً فلسطينياً من طراز مختلف. قبل 1967 كان الشقاقي، كمعظم الشبان الفلسطينيين من أبناء جيله، ناصري الميول، ولكن آماله في عبد الناصر انهارت جميعاً ومرة واحدة بعد الهزيمة. وقد مال الشقاقي رغم إيمانه الإسلامي العميق، للثقافة الحديثة ومصادرها، شعراً كانت أو نثراً، وساعد على تنمية هذه الثقافة، انتقاله لكلية بيرزيت المتوسطة (قبل تحولها لجامعة) في نهاية الستينات. لم تكن الخطابة إحدى مواهب فتحي الشقاقي المميزة، ولكنه في المقابل امتلك مقدرة تنظيمية تلقائية وحساً قيادياً ومثابرة لا مثيل لها بين معظم أبناء جيله. عمل الشقاقي بعد تخرجه من بيرزيت مدرساً للرياضيات في مدينة القدس، وفي 1974 توجه لمدينة الزقازيق المصرية لبدء دراسته الجامعية في كلية الطب. وفي مصر، حيث كانت الأجواء الإسلامية تعيش فترة ازدهار نادرة، سيجد الشقاقي في التنظيم الإخواني الفلسطيني وفي أوساط الطلاب الفلسطينيين مجالاً خصباً للعمل وبث رؤاه التجديدية لمستقبل العمل الإسلامي في فلسطين.
واجهت القيادة الإخوانية في قطاع غزة، وأحمد ياسين بشكل خاص، أسئلة لا تنقطع من أوساط الشبان الإخوان الجدد فيما يتعلق بالموقف الإخواني من مسألة فلسطين والحركة الوطنية الفلسطينية. من الراجح أن أحمد ياسين شخصياً قد حمل تعاطفاً قوياً مع العمل الفدائي، وربما ربطته ببعض المجموعات الفدائية في نهاية الستينات بعض العلاقات، إلا أنه التزم في حواره مع أولئك الشبان الذين التفوا حوله بالموقف الإخواني الفلسطيني الرسمي: إن الجماعة لن تتورط في هذه المرحلة في العمل المسلح ضد الكيان الصهيوني، وأن مستقبل الصراع على فلسطين مرتبط بعملية التحول الإسلامي في المنطقة العربية، وخاصة في دول الجوار. لقد مثلت المسألة الفلسطينية نقطة توتر مبكرة داخل التنظيم الإخواني في فلسطين المحتلة بين جيل الشبان الجدد والجيل السابق لهم الذي احتلت عناصره المواقع القيادية في مرحلة ما بعد 1967. بيد أن جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين المحتلة كانت تحمل خلفها آنذاك تاريخاً طويلاً محلياً وعربياً، تاريخاً غنياً بالرموز التي اجتمع فيها تراث البطولة والتضحية والتقوى بنضالات أجيال من الإخوان. لقد أصبح للجماعة باختصار، رغم سنوات العمل السري الطويلة، مثل أي حزب سياسي عميق الجذور، مؤسسة من الأفكار والتواريخ والرجال، حافظت على أن تبقى نقاط التوتر الداخلية تحت مستوى الانفجار التنظيمي، ولكنها في الوقت نفسه افتقدت الحساسية لديناميات التغيير السياسية والفكرية.
لقد التفت حول فتحي الشقاقي بعد فترة قصيرة من وصوله من مصر، مجموعة من الشبان الإسلاميين الفلسطينيين من داخل وخارج تنظيم الإخوان المسلمين. بالنسبة لهذه المجموعة، لم تعد الكتابات الإخوانية الكلاسيكية التي أنتج معظمها في الأربعينات والخمسينات، كتابات حسن البنا، سيد قطب ومحمد قطب، محمد الغزالي وفتحي يكن، لم تعد كافية لصياغة رؤية إسلامية للعالم ولا للإجابة على الأسئلة الأساسية المتعلقة بالإسلام والعصر، أو المتعلقة بالإسلام وفلسطين. لم تكن الأزمة الفكرية التي واجهها هؤلاء الشبان تتعلق فقط بِفقر هذه الكتابات النسبي، بتكرار مقولاتها وعدم ارتقائها لمستوى القدسية الضمنية التي أحاطها بها التنظيم، بل أيضاً بافتراق خطابها عن الزمان وعجزها عن حمل دلالاته. وبالرغم من أن فتحي الشقاقي والمجموعة الملتفة حوله مثلت أقوى الأصوات تمرداً، إلا أن الإحساس بالأزمة كان شاملاً، ليس داخل التنظيم الإخواني الفلسطيني في مصر فحسب، بل أيضاً وبأشكال مختلفة في الكويت، وبريطانيا والولايات المتحدة، وحيثما تواجدت الكتل الطلابية الجامعية الإخوانية الفلسطينية. وفي كل الحالات، لم يكن الميراث النضالي لحركة الإخوان المسلمين محل نقاش، ولا كان الحوار متعلقاً بدور الجماعة التاريخي أو مبررات وجودها واستمرارها (كما كان الأمر في حالة مؤسسي فتح)، بل كان أساساً حول تجديد برامجها ورؤاها وفاعلية دورها في اللحظة المعاصرة. كان فتحي الشقاقي ـ على سبيل المثال ـ وربما حتى اللحظة الأخيرة من حياته بالغ التأثر بحسن البنا، برؤيته الثاقبة لعصره وبمثابرته وبالإنجاز الكبير الذي حققه باعتباره أبرز المناضلين الإسلاميين في نصف القرن العشرين الأول. بيد أن الشقاقي كان قد بدأ يدرك أيضاً أن الأسئلة المطروحة أمام جيله قد اختلفت عن تلك التي واجهها حسن البنا.
وفي رحلة البحث القلقة، كانت دراسة التاريخ هي التي زودت أولئك الشبان المسلمين بأكثر أدوات الوعي فعالية لزمانهم ولإشكالياته ودلالاته على السواء. ولعل المصادر الأولى التي تركت أكبر الأثر على تكوينهم الفكري كانت تلك التي أنتجها مؤرخون عرب ـ وغير عرب ـ من المتخصصين في دراسات الشرق الأوسط في الجامعات البريطانية والأمريكية، في مرحلة ما بعد الاستشراق التقليدي. ويمكن أن يذكر بشكل خاص بين تلك المصادر ما ترجم إلى العربية من أعمال ألبرت حوراني، هشام شرابي، مجيد خدوري. ولكن العمل الذي سيشار إليه دائماً بعد ذلك باعتباره الرافعة الفكرية التي دفعت بالحوار إلى مستوى جديد، كان كتيباً صغيراً بعنوان «ما بعد النكبتين»، حمل تأملات شاب سوري مسلم، كان يقرأ الفلسفة في ألمانيا في نهاية الستينات ـ حول الهزيمة العربية في 1967 وسقوط بيت المقدس. إن تعبير «القضية الفلسطينية قضية مركزية للحركة الإسلامية»، الذي سيصبح فيما بعد عنواناً لرؤية إسلامية جديدة قد استلهم بشكل خاص من كتيب توفيق الطيب الهام: ما بعد النكبتين. وهكذا ومع نهاية السبعينات بدا وكأن فتحي الشقاقي ومجموعة الشبان الإسلاميين الفلسطينيين الملتفين حوله قد امتلكوا ما يمكن أن يعتبر أداة تحليل.
استبطنت رؤية أولئك الشبان لتحولات التاريخ الإسلامي الحديث، وتحولات المنطقة العربية ـ العثمانية بشكل خاص، من حيث لا يدرون، موضوعة الاستجابة غير الكافية للتحدي الحضاري التي روج لها أرنولد توينبي في موسوعته الشهيرة في دراسة التاريخ. واجه عالم الإسلام ـ طبقاً لتلك الرؤية ـ التحدي الغربي الحديث في القرن التاسع عشر في مرحلة كان المسلمون قد استنفذوا فيها طاقات صعودهم الحضاري. وإذ عانى عالم الإسلام من سلسلة متواصلة من الهزائم أمام قوى التوسع الاستعماري الغربي، عجز العقل الإسلامي عن إبداع تصوراته الخاصة والذاتية للتجديد. ولذا فقد ارتكزت محاولات التجديد الإسلامي منذ بدايات القرن التاسع عشر على أسس من تصورات وأنظمة غربية، اختلطت فيها قيم الغرب الأخلاقية والفلسفية بأدوات تفوقه المادي والمدني. كانت النتيجة عملية تغريب مستمرة لحياة المسلمين ومجتمعاتهم، اتسعت أبعادها وازدادت عمقاً بعد وقوع معظم بلاد الإسلام تحت سيطرة الاستعمار الغربي، السيطرة التي استمرت بعد رحيل القوات الأجنبية وإنجاز الاستقلال الوطني. إن التجزئة والتبعية الاقتصادية والثقافية، وإعادة صياغة الاجتماع الإسلامي على أسس غربية، قد جعلت عملية السيطرة في المرحلة الجديدة أكثر تعقيداً وتركيباً. بيد أن الركيزة الرئيسية لاستمرار السيطرة والتبعية والتجزئة في منطقة القلب من العالم الإسلامي تمثلت بإقامة دولة الكيان الصهيوني. عكس المشروع الصهيوني منذ بداياته أبعاداً دينية يهودية وأبعاداً قومية أوروبية، ولكن أخطر تجلياته على الإطلاق، من وجهة نظر اختلال التوازن بين الإسلام والغرب، أنه مثل ومازال الحلقة المركزية في التحدي الغربي. وإن كان مبرر وجود الحركة الإسلامية المعاصرة هو استئناف الدور الحضاري للإسلام، بمعنى الاستجابة المتكافئة للتحدي الغربي، فإن المشروع الإسلامي غير ممكن التحقق بدون التصدي لدولة الكيان الصهيوني. فلسطين لابد أن تكون بالتالي في المركز من قضايا الحركة الإسلامية المعاصرة. ويحمل طرح هذا الشعار دعوة ضمنية لدور نضالي إسلامي في الساحة الفلسطينية. وربما كانت التبعات العملية لهذا الطرح، وليس جوهر التحليل الذي أدى إليه، هي التي ولدت المعارضة الإخوانية الرسمية في مطلع الأمر. فقد بدا للقيادة الإخوانية أن فتحي الشقاقي وزملائه بدفعون الحركة إلى مغامرة غير محسوبة، وإلى توريطها في صراعات عربية هي في غنى عنها، خاصة وأن حركة الإخوان المسلمين كانت تتماثل لاسترداد عافيتها بعد سنوات طويلة من المطاردة والملاحقة في عدة دول عربية.
في فبراير/ شباط 1979، وبعد عام كامل من الثورة الشعبية سقط نظام الشاه في إيران وقامت الجمهورية الإسلامية. كان حدث الانتصار الإسلامي صاعقاً على المستوى العالمي ككل لما دلل عليه من حيوية الإسلام وقدرته على الصعود من جديد بعد زهاء قرن من غياب دوره السياسي الدولي. كما استقبل الحدث بابتهاج وتأييد واسع في الأوساط العربي ـ الإسلامية، بما في ذلك أوساط الإخوان المسلمين. وقد قام فتحي الشقاقي الذي كان مازال طالباً في كلية الطب، بنشر كتيب صغير حول الثورة الإسلامية في إيران والأبعاد التاريخية لها، ظهر في أسواق القاهرة في ذات أسبوع انتصار الثورة. ولعل توقيت ظهور هذا الكتيب، أكثر من أهمية محتواه، هو الذي أتاح انتشاره الواسع وبروز اسم الشقاقي في الأوساط الإسلامية داخل مصر، إضافة إلى جلبه لاهتمام دوائر الأمن المصرية. بعد شهور قليلة من نشر هذا الكتيب ونظراً لاتساع تأثير دور فتحي الشقاقي في أوساط الطلاب الإسلاميين داخل الجامعة، سارعت مباحث أمن الدولة المصرية إلى إلقاء القبض عليه. ولم يفرج عنه إلا في نهايات 1979، بعد ضغوط وتدخلات حثيثة لدى الدوائر الرسمية المصرية الأمنية وغير الأمنية. على أن فتحي الشقاقي وجد نفسه فجأة بعد خروجه من المعتقل، أمام قرار بفصله من صفوف الإخوان الفلسطينيين. رسمياً، أخذ قرار فصل الشقاقي من الحركة لأن نشاطاته الواسعة واعتقاله قد أصبحت تشكل مصدر تهديد أمني للإخوان المسلمين الفلسطينيين في مصر. ورغم أن هذا المبرر استند إلى وقائع فعلية إلا أن فتحي الشقاقي كان قد أصبح مصدر إزعاج سياسي وفكري للحركة بغض النظر عن ظروف اعتقاله. إن قرار الفصل ذلك وضع البداية لما سيعرف فيما بعد بحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. ما لم يكن واضحاً حينها أن التوجه الإسلامي نحو تبني القضية الفلسطينية لم يكن مقصوراً على الوضع الإخواني الفلسطيني في مصر، بل كان في طريقه للتحول إلى ظاهرة عامة داخل صفوف الإخوان المسلمين الفلسطينيين، تماماً كما كانت العودة إلى الإسلام قد أصبحت ظاهرة في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية.
انعكس الظرف السياسي في الخمسينات والستينات بشكل سلبي على خيارات وبرامج الإسلاميين. ففي تراجع واضح عن الأسس الأيديولوجية والتجربة التاريخية لإسلاميي مرحلة ما بين الحربين، انسحب الإخوان المسلمون الفلسطينيون، كما انسحب حزب التحرير، من الساحة السياسية الفلسطينية، إن لم يكن دائماً على مستوى الخطاب فبالتأكيد على مستوى المشاركة الفعلية في الحركة الوطنية. وروّج الإسلاميون الفلسطينيون ابتداءً من منتصف الخمسينات فكرة إعطاء الأولوية للتحول الإسلامي السياسي في دول الجوار الفلسطيني العربية على خوض غمار الصراع مع الكيان الصهيوني أو العمل من أجل ذلك.
ولكن الساحة العربية والسياسية شهدت منذ هزيمة 1967 مجموعة متغيرات هامة ساعدت في فتح مجال أوسع للقوى الإسلامية العربية والفلسطينية. فمن ناحية، تراجعت هيبة ونفوذ الأنظمة العربية القومية العلمانية. ومن ناحية أخرى شكلت الحركة الوطنية الفلسطينية، بقيادة «م.ت.ف»، محفزاً قوياً لولادة التيارات الداعية وسط الإسلاميين الفلسطينيين إلى تبني المشروع الوطني. وما أن أخذ نفوذ ونشاط «م.ت.ف» في الانحسار داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، حتى وجد الإسلاميون الفلسطينيون فرصة تاريخية للتعبير عن أنفسهم في الضفة وقطاع غزة. لقد تضافرت هذه العوامل معاً لتخرج الإسلاميين الفلسطينيين من أزمتهم السياسية والأيديولوجية التي حاصرت وجودهم طوال الخمسينات والستينات.
في منتصف الثمانينات، بادرت المجموعة المسلحة الصغيرة الملتفة حول فتحي الشقاقي والتي ستعرف باسم حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى شن هجمات مسلحة متباعدة ضد أهداف إسرائيلية في قطاع غزة. ثم تعززت هذه النشاطات بالدعم البارز الذي قدمه الشهيدان أبو حسن وحمدي لها. كانت فكرة التلاحم بين فلسطين ومستقبل الإسلام في المنطقة العربية قد أخذت تلقي بجذورها في الساحة السياسية الإسلامية الفلسطينية. وساهم هذا التطور، إلى جانب النشاطات العسكرية الإسلامية المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، وبالتضافر مع عدة عوامل أخرى، في تفجير الانتفاضة الفلسطينية في خريف 1987. وخلال أسابيع من انفجار الانتفاضة، كانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) قد ولدت من أحضان جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينيين، متبنية ذات الأطروحات التي نادى بها الشقاقي وزملاؤه. ولم يعد ممكناً بعد ذلك أن ترى الساحة الفلسطينية بدون أخذ جناحها الإسلامي في الاعتبار" .
ما كتبه الدكتور بشير نافع عن الدكتور فتحي وفكره مهم جدا وتحتاج كل كلمة من كلماته إلى تحليل كوْن أن هذه الكلمات تصدر من كاتب ومؤرخ كبير بحجم بشير نافع كان قد عايش الحركة الإسلامية والوطنية على حد سواء منذ بداياتها, ويقرر بعد كل هذه التجارب أن الدكتور فتحي كان قائدا اخوانيا ولكن من طراز مختلف وان حركة الإخوان المسلمين قد تبنت ذات الأطروحات التي نادى بها الشقاقي وزملاؤه من خلال تأسيس حركة المقاومة الإسلامية حماس في الانتفاضة الكبرى عام 1987.(19)
ويلخص الشيخ المجاهد نافذ عزام أهم أفكار الدكتور فتحي والتي غرسها الدكتور فتحي رحمه الله في عقول وقلوب إخوانه وهم لا زالوا طلبة في مصر في فترة السبعينات فيقول:
"وكما أشار المعلم القائد والمؤسس المفكر الدكتور فتحي الشقاقي رضي الله عنه فقد كان هناك إسلاميون بلا فلسطين , ووطنيون بلا إسلام فجاءت حركة الجهاد الإسلامي لتعويض الغياب الإسلامي ولتنهي ذلك التناقض الطارئ بين الإسلام والوطنية, وتزاوج بينهما بصورة مدهشة ,وبذلك كانت حركة الجهاد الإسلامي هي الإطار الذي يمثل الإجابة الواضحة عن السؤال الفلسطيني المُِلحّ والساخن,كان المعلم القائد يجيب عن ذلك السؤال وكل ما يتفرع منه ,عن دور الحركة الإسلامية تجاه القضية الفلسطينية , ودور الشاب المسلم , عن مكان فلسطين في برنامج الحركة الإسلامية , وفي قلب وعقل المنتمي إليها,عن دور الأمة في هذا الصراع, والتفسير الواضح لمراكز القوى في هذه المنطقة والعالم, لقد نشأت حركة الجهاد الإسلامي في هذا الظرف الصعب...غياب إسلامي, عدم وضوح في البرنامج الوطني, وبداية التناغم مع ما يسمى بمشاريع التسوية,ضعف وتشتت عربي , وظهور مؤشرات على توقيع اتفاقيات صلح مع الأعداء,في هذا الظرف الصعب نشأت حركة الجهاد الإسلامي وتقدمت بمنظومة فكرية واضحة, وبرؤية سياسية قائمة على وعي عميق بالتاريخ والواقع المعقد الذي نعيشه.
ولأن فلسطين في قلب هذا المشروع الذي حدد معالمه المعلم القائد والمؤسس رحمة الله عليه , إضافة لتركيز كبير على قضية المنهج, وضرورة امتلاك رؤية واعية للتاريخ, ومحاولة فهم التحدي الغربي الحديث والحرص على صياغة النموذج الإسلامي الناهض في مواجهته...كان لابد من وجود هذه الحركة كقوة تجديد في الساحة الإسلامية وكحاملة لمشروع جديد في مواجهة المشروع الغربي المتحالف مع المشروع الصهيوني...كان المعلم القائد والمؤسس رضي الله عنه يطرح صورة جديدة للإسلام وكأنه ينفض الغبار عن تلك الصورة الرائعة التي جسدها المسلمون في صدر الدعوة,كنا جميعا – إخوانه وتلاميذه في نفس الوقت- نشعر بنشوة عجيبة بطرحه ذاك, , وكأننا نكتشف قيم الإسلام ونماذجه التاريخية الفذة ...كأننا نكتشفها من جديد أو كأننا نسمع عنها للمرة الأولى , فعلا كان الدكتور القائد يعيد الفاعلية للإسلام وقيمه وأنموذجه ويجعلنا نحس بالفخر لأننا ننتسب لهذا الدين...كانت أهم الأفكار التي دعا إليها:
1- ضرورة وجود منهج واضح للحركة الإسلامية , وأهمية المنهج تكمن في انه يعطيها-أي الحركة-الثبات والمبدئية ويجنبها الوقوع في التناقض, كما انه يعطي أبناء الحركة القدرة على تحليل ما يجري من أحداث وتحديد مواقف صائبة تجاهها, المنهج هو الذي يبني العقلية الواضحة المرتبة المستقيمة, المنهج الذي يمنح الإنسان القدرة على الإبداع ويحرره من الجمود والتقليد وإغلاق العقل, المنهج باختصار هو الذي يشكل المرتكز الأساسي للحركة ويصوغ طرائق التفكير في كل المناحي ومن البديهي أن هذا المنهج يستند إلى أصول الإسلام واجتهاد الأئمة والعلماء ,ويستفيد من التراث العظيم للسلف ومن كل جهد مبذول من اجل تكريس الحقيقة.
2-القضية الفلسطينية ...وقد كانت في صلب المشروع التجديدي الذي بشر به المعلم القائد والمؤسس رضوان الله عليه, فقد آمن الدكتور فتحي الشقاقي بالقضية الفلسطينية طوال الوقت حتى وهو شاب صغير متأثر بالناصرية وبعد ذلك وهو كادر في صفوف الإخوان المسلمين...كان يقول بأن فلسطين لم تأخذ حقها من الإسلاميين في تلك المرحلة,بل كان الغياب الإسلامي يقلل من جدية النظرية الإسلامية حول القضية الفلسطينية , وبكل موضوعية كان موقف المعلم القائد والمؤسس من فلسطين منعطفا هاما في هذا الصراع سواء بالنسبة للحركة الإسلامية أو الفلسطينية بشكل عام وطرح شعاره الخالد"فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية والشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية كلها...كانت هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها هذا الشعار ضمن نظرية واضحة ورؤية شمولية , وقد تحدث المعلم القائد بتفصيل عن الأبعاد القرآنية والتاريخية والواقعية المؤيدة لمركزية القضية الفلسطينية في هذا الصراع.
3-تحدث الشقاقي عن الجهاد كوسيلة واحدة ووحيدة لتحرير فلسطين , وأكد أن أية حركة إسلامية في الساحة الفلسطينية لا يمكن أن تستمر دون اعتماد الجهاد كإستراتيجية لها.
4-ومن ضمن الأفكار الهامة التي طرحها المعلم القائد ضرورة وجود اصطفاف واسع للقوى المجاهدة والمناضلة في فلسطين وضرورة اعتماد الحوار كوسيلة وحيدة للتخاطب بين الفلسطينيين مهما بلغت درجة الخلاف والاختلاف بينهم.
5-كان هناك حديث واضح عن الهجمة الغربية عن الوطن الإسلامي والتي بدأت في شكلها الجديد مع الحملة الفرنسية على مصر والمشرق سنة 1798م, وأن تلك الهجمة قد بلغت الذروة بإقامة "إسرائيل"عام 1948 –وأكد أن هناك تناقضا صارخا بين المشروع الإسلامي والمشروع الغربي المتحالف مع المشروع الصهيوني .
6-كان المعلم القائد يؤمن بأهمية وجود علاقة تحالف وتنسيق مع الحركات الإسلامية في فلسطين وفي أواخر السبعينات طرحت الحركة الشعار الهام"الوحدة من خلال التعدد"-أي أن تعدد الحركات الإسلامية يجب أن يكون دافعا لمزيد من التعاون الإبداع , ويجب أن يقود لمزيد من التنسيق والتفاهم المفضي إلى الوحدة .
7-ومن ضمن الأفكار الهامة التي طرحها رحمة الله عليه وجود جيل يتمثل أخلاق وقيم الإسلام ويجسد النموذج الرسالى الذي يواجه النموذج الغربي, وكان يسترشد بالجيل القرآني الفريد الوارد في أبحاث المفكر الشهيد سيد قطب وكان المعلم القائد يطلق على الجيل المنشود "الجيل الطليعي أو "الجيل الرسالي".(20)
الفصل السادس
فتحي الشقاقي في قطاع غزة والضفة والنشاط الدءوب وسط الطلاب الجامعيين في فلسطين,وتقع هذه الفترة من عام 1981 وحتى عام 1986
بعد عودة الدكتور فتحي إلى فلسطين في 1/11/1981 سرا بعد أن كان مطلوبا لأجهزة الأمن المصرية ابتدأ مرحلة جديدة من النشاط والعمل الجهادي, وكان يعمل ليل نهار وينتقل من مكان إلى مكان ومن منطقة إلى أخرى داعيا ومبشرا بأفكار حركته, والذي كان يعطيه القوة هو أن الذين التفوا حوله من الشباب كانوا يمتلكون الوعي والثقافة والفكر وأداة التحليل حسب تعبير الدكتور بشير نافع, الأمر الذي سبب إشكالا للتيار الإسلامي التقليدي آنذاك الذي شعر أن هذه المجموعة من الشباب وإن كانت قليلة إلا أنها ستسحب البساط من تحت أقدام التيار الإسلامي التقليدي- لا سيِِّما وأن هذه المجموعة أصبحت تتقدم بخطى متسارعة وتكسب الأنصار والمؤيدين رغم المعوقات التي اعترضت هذا التيار الجهادي منذ نشأته, ويوضح الشيخ نافذ عزام هذه المسألة فيقول:
"لقد واجهت الحركة عقبات كبيرة منذ لحظة قيامها وحتى الآن...فقد نشأت الحركة بعيدا عن أية دولة أو هيئة, وكان الفضل لله أولا ثم للمعلم القائد المؤسس رحمة الله عليه ثانيا, وللأخوة الذين آمنوا بمشروعه ثالثا...كان من الصعب أن تنشأ حركة إسلامية وفلسطينية دون رعاية قوة معروفة أو دولة مؤثرة , لكن هذا ما حصل مع حركة الجهاد الإسلامي التي انطلقت بزخم كبير استمدته من إيمانها بالله ومن ثقتها بالمشروع الذي تطرحه, ومن رهانها على هذا الشعب وهذه الأمة...كان عدم وجود مصادر مالية لدعم الحركة من المعوقات الهامة لكن الحركة تجاوزت ذلك بفضل الله تعالى, وفي البداية كان يتم اقتطاع نسبة من كل أخ أثناء فترة الدراسة في مصر ,وكانت هذه النسبة تقتطع من المصروف الشهري الذي يرسله الأهل لأبنائهم ...ومنذ الظهور العلني للحركة في بداية الثمانينات حوصرت الحركة ولوحقت بالتهم والشائعات التي أعاقت –بلا شك- تقدم الحركة وانتشارها, كما كانت هناك صعوبة في عقد ندوة في مسجد أو الدعوة إلى محاضرة , وكان ذلك يتم في ظل استمرار الشائعات التي كان الهدف منها وضع الحواجز بين الحركة والناس, ولكن ذلك لم يؤثر في عزمنا واستمساكنا بمشروعنا, بل لم يدفعنا للرد بالمثل, ولم نسمح لتلك الممارسات أن تزرع الأحقاد في نفوس إخواننا وأبنائنا مع أي أحد من المسلمين ...وكان هناك نوع آخر من المعوقات عندما حصل تحالف بين مجموعات إسلامية هامشية بدعم من مؤسسات وهيئات فلسطينية رسمية, وكان الهدف من ذلك التحالف ممارسة الضغوط على الحركة والمعلم القائد لتغيير البرنامج السياسي الرافض للتعاطي مع ما يسمى بمشاريع التسوية,ورفضت الحركة الخضوع لتلك الضغوط وتمسكت بمواقعها وبرامجها...كانت هناك أوقات صعبة في تلك السنوات, لكن المعلم القائد كان يتحرك باطمئنان عجيب , وكان ذلك الاطمئنان ينتقل منه إلينا جميعا...سأذكر مثلا صغيرا ربما لكنه يصف صعوبة السنوات الأولى ...اذكر أنني كنت بصحبة المعلم القائد رضي الله عنه وكنا نود الذهاب من رفح إلى غزة واضطررنا إلى استدانة أجرة الطريق من أحد الأصدقاء الذي وجدناه في موقف السيارات لأنه لم يكن معه ولا معي أجرة السيارة من رفح إلى غزة!!-رغم ذلك الوضع كنا نشعر بالسعادة ولا نكاد ندخل بيوتنا ونحن ننتقل من مكان إلى مكان ومن مسجد إلى مسجد, كان المعلم القائد رحمه الله يؤكد أن هذا الحلم سيكبر, وأنه سيأتي اليوم الذي يحمل فيه الأطفال في المدارس والشوارع هذه الراية. (21)
كان الدكتور فتحي يهتم كثيرا بالطلاب الجامعيين وكان يعتبرهم طليعة الحركة وطليعة العمل الجهادي في فلسطين, وكان يعتمد عليهم كثيرا في تنفيذ برامج الحركة ونشاطاتها سواءً في قطاع غزة أو الضفة الغربية, وكان يمثل مركزية مهمة لكل أبناء الحركة وتشكيلاتها السياسية والحركية.كان يجلس مع قيادات العمل الطلابي يناقشهم ويشاورهم ويبادلهم الحوار والرأي,يذكر الأستاذ احمد أبو دقة(وكان يومها احد أهم مسئولي التيار الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي بالجامعة, وكان يحظى باحترام وإعجاب الدكتور فتحي ويتلقى الأوامر التنظيمية مباشرة منه) أحد المواقف مع الدكتور ويقول:
كنت جالسا مع الدكتور في بيته وكتب بيانا من صفحة واحدة وقال أي حركة تستطيع أن تلخص أفكارها من صفحة واحدة إلا حركة الجهاد الإسلامي؟ الحركات الأخرى تكتب كتب ومؤلفات حتى تلخص أفكارها,هذا البيان وزع كبيان للجماعة الإسلامية, وأول فكرة كانت فكرة المنهج, وهذه أهم مقولة من وجهة نظري حول هذا المنهج, وأي جماعة تمتلك هذا المنهج تسعد في الدنيا والآخرة. (22)
ولقد مر العمل الطلابي للجهاد الإسلامي وبإدارة مباشرة من الدكتور فتحي بعدة مسميات وهي كالتالي:
*الإسلاميون المستقلون
نشط الدكتور فتحي في معاهد وجامعات ومدارس ومساجد قطاع غزة , فكان يعقد الندوات والمحاضرات في كل مكان حتى امتد نشاطه إلى الضفة الغربية, وشكل هناك أيضا أسر وخلايا لحركة الجهاد الإسلامي, والذي ساعده في ذلك أنه عمل في السنوات الأولى من تخرجه من كلية الطب في مستشفى المقاصد في القدس-الأمر الذي هيأ له حرية الحركة في القدس والضفة وضواحيها ,ومن أوائل الإخوة الذين عملوا مع الدكتور آنذاك هو الأخ المجاهد خالد جرادات من جنين ,حيث كان من الطلائع الأولى المؤسسة للجهاد الإسلامي في الضفة خصوصا جنين وكان يومها لا يزال طالبا في قسم اللغة الانجليزية في جامعة بيرزيت.
ركز الدكتور فتحي على العمل داخل المدارس والمعاهد و الجامعات, وكان هناك نشاطا مكثفا داخل أسوار الجامعة الإسلامية وجامعة النجاح وجامعة بيرزيت ومعهد المعلمين بغزة ,حيث كان الأخ محمد شلح من أوائل الإخوة الذين نشطوا فيه, لدرجة أن ضابط المخابرات الإسرائيلية في مدينة غزة كان قد حاصر المعهد هو وعدد كبير من جنوده أثناء اعتصام كان يقوده الأخ محمد شلح داخل المعهد, وكان لحظتها يخطب في جموع الطلبة محرِّضا ضد الكيان الإسرائيلي, وشارحا لأبعاد القضية الفلسطينية ,ولم يتوقف عن الحديث رغم وجود الجنود الإسرائيليين وضباط المخابرات الذين لم يجرؤوا أن يقتحموا المعهد لحظة الاعتصام الطلابي الذي كان يقوده الأخ محمد شلح.
وقد شكل الدكتور فتحي هيكلية طلابية تعمل تحت اسم " الإسلاميون المستقلون" الذين تقدموا رغم قلة عددهم وبساطة إمكاناتهم ودخلوا معركة الانتخابات في معظم جامعات الوطن, لا ليحققوا فوزا وكسبا للمقاعد- وإنما ليثبتوا حضورهم كجماعة إسلامية طلائعية ثورية غير تقليدية, ومضوا رغم سيل المعوّقات والاتهامات من الكتلة الإسلامية على وجه الخصوص التي كانت ترى في كتلة الإسلاميين المستقلين مجموعة من الشباب المتهور والمتحمس قد خرجوا عن الحركة الأم- ألا وهي حركة الإخوان المسلمين.(23)
*الجماعة الإسلامية
بقي الدكتور فتحي الشقاقي يعمل في أوساط الحركة الطلابية باسم "الإسلاميون المستقلون"حتى عام 1985ليتحول الإسم بعد ذلك إلى "الجماعة الإسلامية"-وكان الدكتور فتحي الشقاقي هو الذي كتب البيان التأسيسي للجماعة الإسلامية,والجدير بالذكر أن الجماعة الإسلامية في الجامعة الإسلامية وكانت يومها الجامعة الوحيدة في قطاع غزة ترفع صور الشيخ المجاهد عز الدين القسام وتعلقها على جدران الجامعة الإسلامية لأول مرة في فلسطين كرمز مجاهد وثائر ,وكانت تتناول شخصيته وجهاده في نشراتها وأدبياتها, وقامت بنشر وتوزيع كتاب "الوعي والثورة" لسميح حمودة وكان مصطلح ثورة يبدوا غريبا في تلك المرحلة- للدرجة التي سخر منها البعض وقالوا إن الثورة هي أنثى ثور ,فكتب الدكتور فتحي دراسة خاصة ومهمة بعنوان "هل في الإسلام ثورة؟".ورغم قلة عدد أبناء الجماعة الإسلامية في الجامعة الإسلامية إلا أن حضورها كان فاعلا ومؤثراً, إذ كانت تصدر النشرات الثقافية بانتظام وبإشراف ومتابعة مباشرة من الدكتور فتحي, وكانت نشرة صوت الجماعة الإسلامية هي أهم نشرات الجماعة الإسلامية داخل قطاع غزة, وأصبحت فيما بعهد توزع في القدس وفي جامعات ومعاهد الضفة الغربية وكانت تتناول أحوال الأمة الإسلامية والواقع الإسلامي المعاصر, وظلت الجماعة الإسلامية تبرز حضورها في الساحة الطلابية سواء في الضفة أو في قطاع غزة تحت هذا الاسم حتى مطلع عام 2007 حيث تم تحويل الاسم إلى "الرابطة الإسلامية". (24)
اهتمام مؤسس الحركة الدكتور فتحي الشقاقي بالشريحة الطلابية..لماذا؟
إن شريحة الطلاب لاسيما الجامعيين منهم, هم من أهم شرائح المجتمع, ويعتبرون رافدا أساسيا لكل الحركات ,فالطالب الجامعي الذي يعتبر في مرحلة نشطة من حياته يعمل عقله وفكره بالعلم والفكر وغير مثقل بمسئوليات اجتماعية أو ارتباطات روتينية يكون أكثر حيوية ونشاطا وتفاعلا مع القضايا الفكرية والسياسية والحركية, إذ أن الارتباطات والمسئوليات الحياتية تشغل الإنسان وتأخذ من وقته إلا إذا كان متفرغا بشكل كامل للعمل الحركي والتنظيمي, بالإضافة إلى أن هذه الفترة من العمر تشهد ذروة نشاط الإنسان, إذ فيها تتبلور شخصيته ويأخذ مكانته في المجتمع.
لذلك نجد انه ليس من المستغرب أن الدكتور فتحي الشقاقي كان يعطي اهتماما خاصا بشريحة الطلبة الجامعيين على وجه الخصوص, بل كان يخصص جُلَّ وقته لهم, يجلس معهم ويلقي المحاضرات ويفسر الكتب ويشكل منهم اللجان الطلابية الحركية المختلفة . لذلك ليس غريبا أن تكون الحركة الطلابية الجهادية رافدا للجهاز العسكري للجهاد الإسلامي, فالشهيد احمد حلس احد فرسان وشهداء معركة الشجاعية البطولية الخالدة كان طالبا في الجامعة الإسلامية, والتحق في بداية الأمر بالكتلة الإسلامية, ثم حوَّل للجهاد الإسلامي ليكون احد أهم أعضاء الجهاز العسكري للحركة, ويذكر احمد أبو دقة احد أهم رواد الحركة الطلابية للجهاد الإسلامي موقفا للشهيد احمد حلس فيقول:
"بينما نحن نوزع نشرات وأدبيات الجماعة الإسلامية وأسماء المرشحين للجماعة في الانتخابات الطلابية إذا بالشهيد احمد حلس (أحد شهداء معركة الشجاعية البطولية التي شبهها الدكتور فتحي يومه بالزلزال إذ اعقبها مباشرة الانتفاضة الكبرى عام 1987م) يقف ويأخذ الأوراق الخاصة بالجماعة ويقرأها ويتمعّن فيها وينظر إليّ و يبتسم ويمشي ماضيا في طريقه إلى داخل أسوار الجامعة(ولم يكن احد يعرف في تلك اللحظة أن احمد حلس هو احد أعضاء الجهاز العسكري لحركة الجهاد الإسلامي وانه حول من الكتلة الإسلامية إلى الجهاد الإسلامي). (25)
وللعمل الطلابي دور هام كمرتكز تقوم عليه الحركة, ولقد مارس الدكتور فتحي عملية البناء الفكري والثقافي للطلاب الجامعيين في فلسطين كما مارسها في مصر سواءً بسواء, وكان ذلك لإيمانه بما يلي:
-ضرورة بناء نخبة واعية ومفكرة.
-ضرورة إعداد جيل طلائعي يستشرف المستقبل ويعي مشكلات مجتمعه.
-ضرورة إعداد قيادة على مستوى المرحلة تقوم بمسئولياتها وواجباتها.
-ضرورة توفير رافد للعمل الجهادي والثوري, والأمثلة كثيرة على ذلك فمعظم القيادات العسكرية والسياسية من الشريحة الطلابية أو كان لها تاريخ في العمل الطلابي.
أمثلة: محمود الخواجا-احمد حلس-خالد الزق- امتياز مرتجى-عوض القيق –حسن شقورة-اشرف شلوف-عماد أبو فنونة-رائد فنونة-حازم ارحيم-ضياء أبو دقة...وغيرهم كثير.
-العمل وسط الطلبة واجب ديني وعقائدي:
{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104
{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125
من هنا كان هذا الاهتمام الكبير للدكتور بالشريحة الطلابية وحثها على التنظير والتأطير وتكثيف الاتصال بجموع الطلاب ومحاولة إقناعهم بالفكرة وإصداره للعديد من النشرات في الساحة الطلابية-خصوصا في الجامعة الإسلامية في مطلع الثمانينات وكان يكتبها بنفسه وبمشاركة عدد من الإخوة المؤسسين,ومن هذه النشرات:
-البيان.
-الحقيقة.
-النور
صوت الجماعة الإسلامية....بالإضافة إلى مجلة الطليعة الإسلامية والمختار الإسلامي التي كانت توزع على جموع الطلاب والطالبات.
كما كان الدكتور فتحي لا يغفل دور الأخوات الطالبات في المدارس والمعاهد والجامعات الفلسطينية فكان النشاط في دائرة الطالبات والعمل النسائي يسير بالتماثل مع النشاط في وسط الطلاب, حيث قدمت نماذج رائعة من الأخوات المجاهدات مثل الأخت عطاف عليان التي أمضت معظم سنوات عمرها في السجون, وكانت أول فتاة فلسطينية تخطط لعملية استشهادية داخل عمق الكيان الصهيوني الغاصب, وقد أبرزها الدكتور فتحي كنموذج للفتاة الفلسطينية المجاهدة التي تختلف عن النموذج العادي السابق للفتاة الفلسطينية السطحية والغير ملتزمة إسلاميا.
وكان الهدف من الاهتمام بالعمل النسائي ما يلي:
-إعداد كادر نسائي مثقف دينيا وسياسيا وتاريخيا.
-إعداد الكادر النسائي الفاعل في مؤسسات الحركة من روضات وجمعيات وغيرها.
-إعداد الأخت والأم والزوجة الثورية المجاهدة.
أمثلة:
عطاف عليان وأم محمود الزق ودارين وأبو عيشة وآيات الأخرس,وميساء ابو فنونة... وغيرهن..(26)
ويذكر الأستاذ المجاهد وليد القططي تجربته مع الدكتور فتحي عندما كان لا يزال طالبا في معهد المعلمين بغزة عن بداية النشاط وكان يومها لا يزال طالبا في الثانوية العامة:
"و كان اللقاء الأهم مع مؤسس و قائد هذا المشروع العظيم و هو الدكتور المجاهد الشهيد فتحي الشقاقي – رحمه الله – في منزله في تل السلطان في رفح بصحبة الأخ عادل الناطور, و لا زلت أذكر تفاصيل هذا اللقاء المبارك حيث كان يجلس مع الدكتور كل من الأخوين عبد اللطيف أبو هاشم و صالح عبد العال و أذكر من ضمن هذه التفاصيل أن الأخ عبد اللطيف أبو هاشم قد سأل الدكتور مستفسرا إن كنا نعيش في المرحلة المكية أو المرحلة المدنية فأجابه الدكتور – رحمه الله –" أننا نعيش في المرحلة الإسرائيلية".. فكان جوابا مبدعا يشعرك أنك أمام رجل عظيم غير عادي ، و بعد هذا اللقاء تواصلت لقاءاتي بالدكتور لاسيما عندما تقرر أن نكوّن أسرة جديدة أميرها الدكتور نفسه و كان اجتماعا أسبوعيا في منزله صباح كل يوم جمعة حيث شرح لنا كتاب معالم في الطريق بطريقة مبدعة تربطه بالواقع و كان أفضل ما في جلسات الأسر عند الدكتور – رحمه الله – أنه يعلم منهج التفكير عند الإنسان المسلم و ليس عملية التلقي في حد ذاتها, فقد كان يريد من الشباب المسلم أبناء المشروع الجديد أن يكون لديهم منهجا في التفكير يستطيعوا من خلاله تحديد مواقفهم من كل ما يحدث حولهم بطريقة منهجية تحافظ على اتجاه البوصلة دون انحراف ,و هذه كانت عبقرية الدكتور – رحمه الله – و كان يحث على القراءة المستمرة و يتابع التزامنا بذلك من خلال إعطاءنا كتابا كل أسبوع لنقرأه و يسألنا عن بعض تفاصيله ليتأكد أننا قرأناه".
كان يدرك الدكتور فتحي رحمه الله أن هذه النخبة الطلائعية من طلبة المعاهد والجامعات هي التي ستقود الحركة مستقبلا وهي التي ستحمل الشعلة,فكان يجلس مع هذه النخبة ويثقفها وغرس الفكرة في وعيها, وهذا ما حدث فعلا فقيادات الحركة وكوادرها الآن هم من الذين تتلمذوا على يد الدكتور فتحي رحمه الله.(27)
الأستاذ احمد المدلل من الشباب والطلاب الأوائل الذين التفوا حول الدكتور فتحي وعملوا معه ويسجل ذكرياته في تلك الأيام الأولى فيقول:
"بدايتي في حركة الجهاد الإسلامي منذ 1981م حيث قد انهينا الثانوية العامة ، كنا مجموعة من شباب المدارس تابعين للمجمع الإسلامي منذ فترة الإعدادية ، وفي الثانوية العامة بدأنا نسمع عن أخبار الدكتور فتحي الشقاقي رضوان الله عليه وفكره وأصبح اسمه يتردد في المساجد بين الشباب وعن نشاطه في الجامعات المصرية ونتحسس أخباره وفكره من الإخوة الدارسين في الجامعات المصرية ويزورون أهلهم في الصيف نجلس معهم في المساجد ويحدثونا عن فكر الدكتور فتحي ومطالبته للحركة الإسلامية بإحداث تغيير شامل في الواقع الإسلامي ، تكونت أنوية شبابية تأثرت بفكر الدكتور فتحي واذكر منهم المرحوم الأستاذ / يوسف قوش والأخ / أنور أبو طه وأخوة آخرين حتى حضر الدكتور فتحي وبدأنا نستمع إليه ونقرا فكره وطرحه ومعه ثلة من الشباب المسلم مثل الأستاذ المرحوم / إبراهيم معمر رحمه الله والدكتور رمضان شلح والشيخ / نافذ عزام والدكتور/ محمد الهندي والشيخ / عبد الله الشامي وآخرين ... كان الدكتور رحمه الله شعلة في الفكر والحركة ما بين رفح – وغزة والقدس ورام الله وجنين ونابلس وطولكرم وخانيونس ودير البلح , حركة أسبوعية دائمة...اذكر كانت ندوة الجمعة أول مجيء الدكتور فتحي صباحا في غرفة الإسبست في منزله الذي يتكون من غرف أخرى من القرميد والقريب من منزلنا في مخيم الشابورة وكان يحضرها الكثير من الأخوة ثم عندما استلم الدكتور وظيفة طبيب الأطفال في مستشفى المطلع أصبحت الندوة يوم الجمعة مساء في منزله في الشابورة ويحضرها معظم قادة الحركة الحاليين من أمثال الدكتور/ رمضان والشيخ نافذ والدكتور / محمد الهندي والشيخ / عبد الله الشامي والأخ / سميح حمودة من رام الله وآخرين ، وبعد التحاقي بجامعة بير زيت أصبح لنا لقاء في منتصف الأسبوع عصراً في غرفة الدكتور فتحي في مستشفى المطلع بالقدس ، عدا زياراته المتكررة لنا في منزل الطلبة في رام الله ومن ثم في منزلنا في مدينة بير زيت وكان يبيت عندنا ويعقد جلسات كبيرة يحضرها الكثير من طلبة الجامعة ومن الجامعات الفلسطينية الأخرى في الضفة الغربية" .(28)
الأخ سامي محمود(أبو مهدي) وهو قياديي في حركة الجهاد الإسلامي وأحد أولئك الذين تتلمذوا على يد الدكتور فتحي وتعرفوا عليه عندما كان طالبا في الجامعة الإسلامية في كلية العلوم في مطلع الثمانينات يذكر انطباعاته وتأثره بالدكتور فتحي فيقول:
إنه لشرف كبير لي أن تعرفت على الدكتور فتحي وتتلمذت على يديه ، تعرفت علي معلمنا الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي – يتقبله الله ويرضى عنه - ، والتقيته عدة مرات ، كانت المرة الأولى في مسجد الكتيبة ( الشيخ زايد حالياً ) حينما دعانا الأخ الشهيد محمود الخواجا – يرحمه الله – في حينها لحضور اجتماع هناك ، وكان عددنا لا يتجاوز عشرة إخوة ، حيث جاء هذا الرجل العظيم وأجلسنا أمامه على شكل نصف دائرة ، وجلس هو تقريباً في مركزها ، وبعدما افتتح الجلسة أخذ يسألنا واحداً تلو الآخر ، مبتدأً بالأخ الشهيد محمود – يرحمه الله – " ماذا قدمت للإسلام هذا اليوم ؟ " حتى إذا ما انتهى من ذلك بدأ يتحدث هو بكلمات لم تزل تصدع ذاكرتي في كل لحظة ، حيث من جملة ما قاله لنا بعدما حدثنا عن ( قصة ذلك الإعرابي الذي جاء من قلب الصحراء إلى الرسول –صلى الله عليه وسلم- وقد علم أنه يوزع الغنائم على أصحابه بعد انتصاره في إحدى المعارك سائلاً إياه ، ما الإسلام يا محمد ؟ فأجابه –صلى الله عليه وسلم- " الإسلام أن يعقر جوادك وأن يهدر دمك" ) ، قال لنا معقباً على ذلك : " وأنا أقول لكم من أراد أن يكون مسلماً حقيقياً يجب أن يعطي للإسلام كل ما يملك دون أن ينتظر من الإسلام أن يعطيه شيئاً ، ومن أراد أن ينحاز إلى هذا الخيار – يقصد خيار ذات الشوكة – يجب عليه أن يحمل روحه على كفه " ، وفي نهاية حديثه المبارك أسدى لنا نصيحة قائلاً : " إن أردت أن تكسب أخاً جديداً إلى هذا الخيار فعليك أن تربطه بالفكرة ، وإياك أن تربطه بأي شخص مهما عظم شأنه " ، مذكراً إيانا بقصة سيدنا أبي بكر مع سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – عندما توفي الرسول – صلى الله عليه وسلم- .
وهذا الرجل المفكر والسياسي والمجاهد الذي سبح عكس التيار وواجه بكفه المخرز مقدماً الواجب على الإمكان وهزم السيف بدمه ، قد حول الحلم إلى حقيقة ، هذا الإنسان الرباني والرسالي أعتبره من أعظم قادة العمل الإسلامي التاريخيين ، وسيشهد له المؤرخون بذلك .
هذا الرجل هو الذي وجه بوصلة تفكيري نحو الفهم المنهجي للإسلام والتاريخ والواقع .(29)
الأستاذ عامر عامر احد أهم العاملين في صحيفة الاستقلال, وهو من الطلاب الأوائل الذين تعرفوا أيضا على الدكتور فتحي وتتلمذوا على يديه يقول مستجمعا ذكرياته وبداياته مع الدكتور:
تعددت اللقاءات مع الدكتور الشهيد فتحي رحمه الله بعد خروجه من الاعتقال على خلفية قضية مجلة الطليعة الإسلامية منتصف عام 1984 حتى الاعتقال الثاني منتصف 1986, ويمكنني القول أن كل لقاء كان يتم كل شهرين في منزل الدكتور أو منزل المرحوم إبراهيم معمر" الجد" بحضور الطليعة الأولى التي أسست لحركة الجهاد الإسلامي في خانيونس وفيها استمعنا إلى محاضرات الدكتور فتحي وأفقه الواسع الرحب في تناول الإسلام وقضاياه, واطّلعنا على كتاباته والنشرات التي يطرح فيها رؤيته والتي شرحها في لقاءاته الدورية معه.
كان من بين اللقاءات ما تم على نطاق ضيق في منزله, وفيها استمر الانبهار بالدكتور وفكره, وما لفت نظري المكتبة الضخمة التي يمتلكها ,واحتوت على أمّهات الكتب الإنسانية, ففيها كان تاريخ البشرية باللغة الانجليزية في أكثر من عشرة مجلدات وكذلك روائع الأدب العالمي بجانب كل ما يتعلق بالقرآن والحديث وتاريخ الإسلام, وسنحت لي الفرصة أن أستعير كتابا اختاره الدكتور بنفسه كي اقرأه لروائي روسي مشهور وهي قصة عكست الصراع البشري بين طغمة حاكمة مستبدة وأخرى مستضعفة تغلبت على الظلم.(30)
خلاصة البحث
نستطيع أن نقول أن العمل الطلابي الحركي تقدم بشكل كبير , حيث نجد حضورا واضحا ومتميزا لأبناء الجهاد الإسلامي في كل مدارس ومعاهد وجامعات الوطن المحتل ,ونجد العديد من النشاطات الفكرية والسياسية والتربوية سواءً على صعيد الإخوة الطلبة أو على صعيد الأخوات الطالبات..فطلاب وطالبات الجهاد الإسلامي نماذج متميزة وعطاءً بلا حدود...ففلسطين هي البوصلة بالنسبة لهم, ولا يتطلعون لمقاعد في مجالس الطلبة ولا لمراكز هنا وهناك , وهم صمام الأمان في كل موقع , ورافداً للجهاد والمجاهدين..يمتلكون الإيمان والثقة رغم قلة العدد والعدة ..وقلوبهم ممتلئة بالأمل والفرح وتباشير المستقبل , وبوعد الله بالنصر والتمكين.
ان هذا الحضور ماكان له ان يوجد لولا جهاد الدكتور فتحي ونشاطه ليل نهار واهتمامه بالعمل وسط جموع الطلبة والطالبات كشريحة مهمة جدا في المجتمع وكرافد اساسي للحركة الاسلامية المجاهدة, ومن هنا فإن الإهتمام بالعمل وسط شريحة الطلاب ينبغي ان يكون في صدارة الخطط الحركية وينبغي ان يقود هذ العمل إخوة وقيادات لديهم تجارب وخبرات في هذا المجال.
لم يستنكف الدكتور فتحي عن الاهتمام بشريحة الطلاب بعد ابعاده عام 1986, بل كان يستقطب الطلاب الفلسطينيين في الخارج, إذ كان ينتقل من مكان الى آخر ومن دولة الى أخرى ويلتقي بطلاب الجامعات خصوصا الفلسطينيين ويلقي عليهم المحاضرات ويجيب عن تساؤلاتهم,ونظرا لحساسية الوضع في الخارج وعدم وجود حرية في العمل والتحرك وسط الطلاب كتلك التي توجد داخل اسوار الوطن فقد كان الدكتور فتحي يستثمر المؤتمرات العلمية والثقافية ليلتقي بالطلاب الفلسطينيين ويتفاعل معهم.
لم يكن الدكتور فتحي يعتمد في عمله وسط الطلاب على الحشد والاستقطاب الغير منظم, وكان يركز على الكيف وليس الكمّ, حتى عندما كان يقود ويدير العمل الطلابي في مطلع الثمانينات في فلسطين لم يكن يعتمد على الكمّ بل كان يعنى باستقطاب الطلبة المتميزين بالوعي والإبداع, وعندما سألت أنور جرادة وهو مدرس فيزياء وكان قد تخرج من تركيا عن كيفية نشاط الدكتور فتحي في الخارج قال:
"الدكتور فتحي رحمه الله كان يهتم بالعمل الطلابي ويعطيه أولوية,كان يلتقي بالطلاب الفلسطينيين في كل مكان يذهب إليه,يلقي عليهم المحاضرات ويجيب عن أسئلتهم,لم يكن يهتم بالعدد بقدر ما يهتم بالكيف, وكان يقول يكفي أن أنظم كل عام طالب واحد.لم يذهب إلى تركيا ولم أره فيها,ولكن في احد المرات التي ذهب فيها إلى السودان واجتمع بالإخوة الطلاب الفلسطينيين سأله احد الإخوة الطلاب هل لنا مؤيدين وأعضاء في دول الغرب فقال:" يوجد لنا مؤيدون في أمريكا وفي بعض الدول العربية والإسلامية".
إن الإهمال في تطوير أدوات العمل الطلابي في مدارس ومعاهد وجامعات الوطن يؤثر سلبا على تقدم الحركة واستقطاب الكفاءات لها,إذ تعتبر هذه المؤسسات كمصانع تخرج الأجيال التي تتواصل عبر الزمن لرفع الراية ودفع المسيرة.
يعتبر العمل الطلابي رافدا مهما للعمل النقابي ايضا ,ولو نظرنا الى كوادر وقيادات الحركة الآن من اطباء ومعلمين ومحامين ومهندسين ومحاسبين لوجدنا انهم كانوا في الماضي طلابا فاعلين في الحركة الطلابية للجهاد الاسلامي والآن أصبحوا فاعلين في المجتمع في كافة الوظائف والخدمات الاجتماعية وهذا مهم جدا لتمدد الحركة في المجتمع واختلاطها بالناس من كل الشرائح.
وختاما ...فإننا مهما كتبنا عن الدكتور فتحي وجهاده فإننا لن نوفيه حقه,وسيبقى عطاؤه وجهاده وتاريخه اكبر من كل الكلمات والجمل والعبارات...فيا عز الدين الفارس...لقد كنت عزا لهذا الدين...كنت عزا لفلسطين...كنت عزا لكل الفقراء والمسحوقين والمستضعفين...وكنت فارسا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى...حملت الراية وتقدمت في وقت كان الكل يعبر فيه عن عجزه وضعفه...تعبت وغرست وزرعت وهاهو زرعك قد آتى أكله...عز الدين الفارس هو كلمة السر التي اكتشفها كل مخلص وغيور على الإسلام وفلسطين...عز الدين الفارس هو الفارس العزيز والقائد الفذ فتحي الشقاقي الذي سيظل كل المخلصون والمجاهدون والثوريون الحقيقيون يكتبون اسمه وتاريخه بمداد من الدماء الزكية الطاهرة حتى يعز الله دينه وينصر جنده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الدراسة
1- خلف ,سميح: الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لحركة الجهاد .
2-سيد أحمد,رفعت: موسوعة الأعمال الكاملة للشهيد الدكتور فتحي الشقاقي.
3- المصدر السابق.
4- المصدر السابق.
5- من مقابلة خاصة مع الشيخ المجاهد عبد الله الشامي.
6-"مجلة صوت الجهاد الإسلامي:مقابلة مع الأستاذ تيسير الغوطي,قطاع غزة, العدد 11".
7- سيد أحمد,رفعت: موسوعة الأعمال الكاملة للشهيد الدكتور فتحي الشقاقي,ج1 ,ص30
8- اسليم ,عبد ربه : "فتحي الشقاقي بين الرمزية والرؤياوية- قراءة بنيوية"أرسله لي على اميلي ونشره على مواقع متعددة على الانترنت".
9- اسليم ,عبد ربه : "ذكريات مع الشقاقي وهو مقال أرسله لي على اميلي ونشره على مواقع متعددة على الانترنت"
10- مركز فلسطين للدراسات والبحوث: "هكذا تكلم المفكر الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي وهي حلقة نقاش في ذكرى استشهاد الدكتور الثانية عشرة وتم نشرها ضمن سلسلة أوراق ثقافية ص28.
11- المصدر السابق,ص29.
12- المصدر السابق,ص5-6.
13- المصدر السابق,ص6.
14- المصدر السابق,نفس الصفحة.
15- المصدر السابق,ص11.
16- المصدر السابق,ص25-28.
17- شعبان ,باسم: فتحي الشقاقي الإنسان, أرسله لي على اميلي الخاص"
18- هويدي ,نصر :مقابلة شخصية
19- نافع, بشير: الإسلاميون الفلسطينيون والقضية الفلسطينية,مقال منشور على موقع فلسطين اليوم وموقع نداء القدس التابعين لحركة الجهاد الإسلامي"
20-مجلة صوت الجهاد الإسلامي: مقابلة مع الشيخ نافذ عزام ,قطاع غزة,العدد الأول,ص13-14.
21- المصدر السابق,ص14-15.
22- مركز فلسطين للدراسات والبحوث: "هكذا تكلم المفكر الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي وهي حلقة نقاش في ذكرى استشهاد الدكتور الثانية عشرة وتم نشرها ضمن سلسلة أوراق ثقافية ".
23- مرتجى, ممتاز: دراسة بعنوان العمل الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي وتم نشره على مواقع عديدة على الانترنت"
24- المصدر السابق.
25-في احد حواراتي مع الأخ احمد أبو دقة.
26- مرتجى, ممتاز: دراسة بعنوان العمل الطلابي لحركة الجهاد الإسلامي وتم نشره على مواقع عديدة على الانترنت"
27-مجلة صوت الجهاد الإسلامي: مقابلة مع الأستاذ وليد القططي,قطاع غزة,العدد السابع,ص23.
29- مجلة صوت الجهاد الإسلامي: مقابلة مع الأستاذ سامي محمود,قطاع غزة,العدد15,ص30.
30 مجلة صوت الجهاد الإسلامي: مقابلة مع الأستاذ عامر عامر,قطاع غزة,العدد 16,ص31.
******************************************
المؤلف في سطور
*الاسم : ممتاز أحمد محمد مرتجى
Momtaz1966_ahmed@yahoo.com
Momtazco_1@yahoo.com
*المهنة : معلم لغة انجليزية بوزارة التربية والتعليم في مدينة غزة منذ عام1998 وحتى الآن.
*خطيب وداعية في مساجد غزة .
*عضو اللجنة الإدارية لمنتدى المعلم الفلسطيني.
*عضو الهيئة التأسيسية لمركز التواصل الحضاري.
*نزل ضمن قائمة مرشحي الجماعة الإسلامية عن اللجنة الثقافية في انتخابات عام 1985,ونزل كنائب للرئيس في قائمة الجماعة الإسلامية في انتخابات عام 1986.
*اعتقل إداريا بتهمة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي في بداية الانتفاضة الشعبية الكبرى عام1988.
*صدر بحقه حكما بالاعتقال لمدة ست سنوات على أعمال جهادية وانتماء لحركة الجهاد الإسلامي وتقديم خدمات تنظيمية, اثنتان فعلى وأربعة مع وقف التنفيذ, وأمضى سنتان في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 89 إلى مطلع عام 92.
*اعتقل لعدة أسابيع في سجون السلطة الفلسطينية عام 1994 بتهمة الانتماء للجهاد الإسلامي.
*المؤهلات :
1-دبلوم صيدلة من مركز الأمل الثقافي بغزة.
2- بكالوريوس في اللغة الانجليزية وآدابها من الجامعة الإسلامية بغزة.
3-دبلوم عام في التربية من جامعة الأزهر بغزة.
4-دبلوم دراسات عليا –خاص- في " الأدب والنقد" قسم اللغة الانجليزية من جامعة الأقصى بغزة.
5-يعدّ الآن لرسالة الماجستير في الأدب الانجليزي من خلال البرنامج المشترك مع جامعة عين شمس.
6-دورة في فن الخطابة من الجامعة الإسلامية بغزة.
7-دورة في أحكام التجويد والتلاوة من وزارة الأوقاف بغزة على قراءة حفص عن عاصم.
8-عدة دورات في استخدام الكمبيوتر والانترنت.
9-للكاتب العديد من الأعمال الأدبية والمقالات السياسية والفكرية في الصحف المحلية وعلى مواقع الانترنت المختلفة.





