الخميس - 2010/03/18


من ما بعد الصهيونيّة إلى العداء للصهيونيّة: في الدفاع عن اليسار اليهودي! بقلم:نبيل فياض

تاريخ النشر : 2009-05-31
القراءة : 444


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

من ما بعد الصهيونيّة إلى العداء للصهيونيّة: في الدفاع عن اليسار اليهودي!


" مؤدلج القتل أكثر إجراماً من القاتل "!
قبل أيّام، وكنت أستمع إلى إحدى محطّات الراديو الدينيّة الخاصّة، كان شيخاً فلسطينيّاً يقدّم بعض آراء إلى جمهور غرائزي مهتاج ليس له إلى العقل سبيلاً بشأن المسألة اليهوديّة. وكان الرجل يقول إن تحرير فلسطين وطرد اليهود إلى ديارهم لا يكفي من منظور إسلامي. لا بدّ من قتل كل يهودي حتى تقوم الساعة. أي أن ساعة الرجل لا تقوم إذا لم بقتل أي يهودي، مهما كان تيّاره أو توجهه. هذا الكلام المريع، الذي يتداول في بعض الأوساط الأصوليّة الإسلاميّة، هو الوجه الآخر لليمنيّة اليهوديّة أو الإسرائيليّة – قوّة حماس والجهاد الإسلامي تنعكس داخل إسرائيل آليّاً قوة ضمن المعسكر اليميني أو اليميني المتطرّف. وفي اعتقادنا أن يغال عامير، المجرم الذي اغتال أحد رموز السلام " المتأخر " في إسرائيل، المرحوم اسحق رابين، هو وجه العملة الثاني للإنتحاريين، الذين ينحرون كل يوم رموز السلام اليهوديّة ومعها قضيّة فلسطين. لقد قلنا ذات مرّة إن المستفيد الأكبر من النازيّة التي قضت على أهم حركة إصلاحيّة ضمن اليهوديّة، أي الريفورم، كان الصهيونيّة؛ التي استخدمت محارق الريفورم وغيرهم من أجل خلق حالة ذعر جماعي تساعد أكثر في تحقيق حلم هرتسل. اليوم نرى أن هذا الشيخ وأمثاله من القتلة هم أهم مساعد للصهيونيّة اليمينيّة في الحفاظ على حلم هرتزل الذي استنفذ أغراضه. إنهم، بالتالي، مكملو مسيرة هتلر والنازية الفاشيّة... وجابوتنسكي!!
عند كتّاب اليمين في إسرائيل، الذين تكاثروا كالفطر مع صعود الظاهرة الشارونيّة، ثمة نغمة متواترة " تبشّرنا " بقرب انتهاء ظاهرة اليسار في إسرائيل والدياسبورا (الشتات)؛ لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً. اليسار ينتشر ويمتد، خاصة بين الباحثين اليهود في أميركا وبريطانيا. ونحن هنا نعتقد أن انحسار العنف الإسلامي ضد اليهود دون تفريق، وعقلنة الخطاب الإسلامي بما يوافق المصالح الوطنيّة العليا – لا يعقل أن يظل علماء صفوف محو الأميّة المعرفيّة يوجهون الدفة حتى اليوم – يمكن أن يساعدا في عودة اليسار للسيطرة حتى في الدوائر السياسيّة. ونحن لا نستطيع إلا أن نستبشر خيراً، رغم نكسة بني موريس المخزية، خاصّة في ظل مواقف إيلان بابيه التي لا تلين، وآراء شخصيّة قياديّة من نمط أبراهام بورغ في مسألة الصراع وإسرائيل. الصراع المعرفي هو الأهم والأبقى: ونحن اليوم نعيش هذه المرحلة بأقل الأسلحة فعاليّة.
هذه المقالة مجرّد مدخل تعريفي بالتيارين الهامين: ما بعد الصهيونيّة post-Zionism والعداء للصهيونيّة anti – Zionism: أقل ما يمكن أن نقدّمه لهؤلاء الكبار كلمة شكر تقول، إن بين من ينطق بالعربيّة ثمة أناس يتابعونهم، على أمل أن توضع اليد في اليد ضد كافة أشكال الإرهاب.
ما بعد الصهيونيّة:
مدخل تاريخي مبسّط:
حين نشر هرتسل كتابه الأشهر، الدولة اليهوديّة، عام 1896، كان يفترض أن لب القوة القوميّة يكمن في فكرة الأمة باعتبارها حيّة في أذهان شعبها. لكن يبدو أن هذه الفكرة، التي قادت إلى قيام دولة إسرائيل، هي التي تتعرّض اليوم للهجوم. فهل هذا عارض طارئ أم أنه قديم، قدم الكتاب بالذات؟
معارضة الصهيونيّة السياسيّة ليست تطوراً جديداً في التفكير اليهودي؛ فثمة تيار بارز، خاصة في حقبة ما قبل تأسيس إسرائيل، ضمن دوائر معينة، منها السياسي ومنها الديني أو الثقافي، كان معارضاً بقوة للصهيونيّة السياسيّة. كان العمل الدؤوب للماركسيين اليهود شجب الصهيونيّة باعتبارها إمبرياليّة، كولونياليّة، عرقيّة، وقمعيّة؛ فقد رأوا في الصهيونيّة عدوّاً أيديولوجيّاً لأولئك الذين وقفوا إلى جانب المضطهدين في الصراع الطبقي. دون أن ننسى العداء الديني الأقسى للصهيونيّة من قبل جماعة دينيّة متطرفة، ناطوراي كارتا أو (حراس المعبد).
اليسار الصهيوني الذي أسس دولة إسرائيل، كان متأثراً بالأفكار التي انتشرت في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر، وهكذا كانت القوى المسيطرة في الدولة العبريّة، منذ نشأتها حتى دخول اليمين الصهيوني إلى مقدمة الصورة وسيطرته في عهود بيغن وشامير وربما نتنياهو، قوميّة واشتراكيّة في آن [ مثل النازيّة ">. رأى قادة اليسار الصهيوني في القوميّة اليهوديّة مجرّد مرحلة ضروريّة من أجل تحضير اليهود للانخراط ضمن صفوف عمّال العالم. ومنذ البداية، صوروا الدولة اليهوديّة على أنها وسيلة للوصول إلى الحلم الاشتراكي. بهذا المعنى كتب موزيس هس، أحد المفكّرين الصهيونيين الأوائل والأب الشرعي للديمقراطيّة – الاشتراكيّة الألمانيّة والصديق الحميم لكارل ماركس: " تربة مشتركة، وطنيّة هي الشرط المسبق لإقامة علاقة أكثر صحة بين رأس المال والعمل بين اليهود ... الشعب اليهودي سوف يشارك في الحركة التاريخيّة العظيمة للإنسانيّة اليوم حين ستكون لديه أرضه الأب ".Excerpts from Moses Hess, Rome and Jerusalem (1862) appeared in an English translation in Arthur Hertzberg, The Zionist Idea (New York: Temple, 1986), pp. 136-137.
هذا التيار من الصهيونيّة الذي أسس الدولة اليهوديّة كان يحمل ضمنها بذور دمارها. فالدولة اليهوديّة والقوميّة اليهوديّة صورتا كمخلوق مؤقت لا بدّ من اختفائه وأن تحل محلّه أمميّة إشتركيّة. See, for example, Shlomo Avineri, Arlosoroff (New York: Grove Weidenfeld, 1990).
بعد هس بجيل، عبّر كتّاب صهيونيّون آخرون عن أفكار مشابهة. من هؤلاء؛ نذكر: نحمان سيركين، بير بوروخوف، وبيرل كانتسنلسون. قال بوروخوف: " القوميّة الأصيلة تغمم بلا ريب الوعي الطبقي. إنه لا يكشف عن ذاته إلا ضمن العناصر التقدّميّة للأمم المقموعة". Excerpts from Ber Borochov, The National Question and the Class Struggle (1905) in Hertzberg, The Zionist Idea, p. 359.
هؤلاء المفكّرون أثّروا مباشرة بقادة الحركة العماليّة الصهيونيّة، الذين هم المؤسسون الفعليون لدولة إسرائيل. فعلى سبيل المثال، نظروا إلى الصراع العربي – الإسرائيلي على أنه صراع طبقات إشتراكي. ومن ثم حاولوا حل الصراع على أساس من صراع طبقي إشتراكي؛ أي أنهم أرادوا الوقوف إلى جانب العرب ضد من يضطهد الطرفين طبقيّاً.
وهكذا نخلص مع البروفسور زئيف شتيرنهيل إلى القول إن الدولة اليهوديّة كانت على الدوام قوميّة للغاية لكنها ليست أممية بما يكفي؛ بل إنه ينتقدها لأنها لم تمتلك يوماً القوة الكامنة " من أجل التغلّب على المادة الدينيّة للقوميّة اليهوديّة ومن ثم إنشاء مجتمع ليبرالي، علماني، ومفتوح، مسالم لذاته ولجيرانه ". Ze'ev Sternhell, The Founding Myths of Israel (Princeton: Princeton University Press, 1998), p. 4.
باختصار، شتيرنهيل يرى أن الصهيونيّة فشلت في أن تكون صهيونيّة للغاية وليست إشتراكيّة بما يكفي.
من هنا، نجد كثيراً من الأكاديميين الإسرائيليين الذين يصنفون أنفسهم كماركسيين يرفضون حمل هويات دينيّة أو قوميّة، يهوديّة أم إسرائيليّة. وهكذا، فهم يعبّرون عما في مخيلاتهم بمعارضة ضارية أو رفض لا لبس فيه لإسرائيل.
ليبوفيتش – صوت أولي!!
رغم كل ما يقال وينشر في إسرائيل، فتيّار ما بعد الصهيونيّة يمضي في تجذره القوي البطيء في الأوساط الأكاديميّة الإسرائيليّة بشكل خاص. لكن ثمة رجلاً هامّاً للغاية في التاريخ الإسرائيلي ما بعد حرب يوم الغفران، يمكن اعتباره أباً روحيّاً لتيّار ما بعد الصهيونيّة في إسرائيل، رغم أن المصطلح لم يكن قد صك بعد: الراحل، يشيعياهو ليبوفيتش!
الراحل يشعياهو ليبوفيتش، أستاذ الكيمياء والفيزيولوجيا وفلسفة العلوم في الجامعة العبريّة، كان يشير على الدوام إلى الشخصيّة " اليهوديّة-النازيّة " لإسرائيل. (See, for example, "Yael Dayan's Calumny," Jerusalem Post, May 25, 1995. ). لم يجد ليبوفيتش غضاضة في الحديث عن " نيزنة " المجتمع الإسرائيلي، وكان مغرماً باستخدام اللقب " يهودي-نازي " في الإشارة إلى الجيش الإسرائيلي. بل قال ليبوفيتش إن تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين يشكّل أحد أشكال النيزنة؛ وإن إسرائيل ستقيم عاجلاً معسكرات إبادة للعرب. لابد من الإشارة إلى أن ليبوفيتش تلقى أعلى درجات الشرف في إسرائيل، أي، جائزة إسرائيل، عام 1992، لكنه ردّها؛ كما فعل سارتر قبله مع نوبل.
أزمة هويّة تضرب إسرائيل اليوم:
في إسرائيل تيّاران: تيّار يؤمن أنه من الضروري أن تستمر البلد في التواجد كدولة يهوديّة، وآخر يعتقد أن الصهيونيّة استنفذت غاياتها. يرى الطرف الثاني أنه آن الأوان لإسرائيل أن تدخل مرحلة ما بعد الصهيونيّة. من هنا جاءت التسمية، ما بعد الصهيونيّة. مع ذلك، فإن الطرف الأول الصهيوني لا يتردد في وصف ما بعد الصهيونيين، ليس دون تعمد تشويهي، بأنهم أعداء للصهيونيّة، اعتماداً على اعتقاد ما بعد الصهيونيين، كما يقول الصهيونيّون، بأن المشروع الصهيوني افتقد مشروعيته الأخلاقيّة وبالتالي لا بد من تقويضه كمفهوم Ilan Pappé, "Post Zionist Critique on Israel and the Palestinians, Part 1: The Academic Debate," Journal of Palestine Studies, Winter 1997, p. 30.
.أكثر من ذلك، ما بعد الصهيونيين يتساءلون أيضاً عن الأسس الأخلاقيّة لدينهم.
يقول ما بعد الصهيونيون إنهم ينتمون إلى المدرسة الفلسفيّة المسمّاة ما بعد الحداثة، ومن ثم يعتبرون أنفسهم نسبويين، فيسعون بالتالي إلى التفكيك البنيوي للوقائع والقيم المعاصرة والتسامي بها؛ لكن مشكلتهم، برأي الصهيونيين، أنهم لا يقدّمون بديلاً لما يفككونه. دون أن نغفل هنا أنهم متأثرون إلى حد ما بالمفكّر البنيوي الهام، كلود ليفي ستراوس، ذي الأصل اليهودي أيضاً.
يطمح الكتّاب ما بعد الصهيونيون علناً ليس إلى خلق تأريخ إسرائيلي جديد خال من التحاملات الأيديولوجيّة، بل يلتمسون حقن تحامل معاد لإسرائيل تحت جلودهم: من أجل معالجة نقديّة تفصيليّة لهذه المسألة؛ أنظر: Efraim Karsh, "Benny Morris and the Cult of Error," on pp. 15-28 . . وبين الفينة والأخرى، يعترفون أن هديهم في عملهم هو " الفكر والتصور ما بعد الصهيوني " . Pappé, ."Post Zionist Critique," p. 32.ويتكوّن تيّار ما بعد الصهيونيّة من مفكري اليسار الإسرائيلي أساساً.أمّا أول من أدخل طريقة التفكير هذه ضمن الحياة الإسرائيليّة أعمال بعض الأكاديميين الإسرائيليين، خاصة من المؤرخين وعلماء الاجتماع. " المؤرخون الجدد "، و " علماء الاجتماع الجدد "، كما يسمّي هؤلاء الأفراد أنفسهم، تحدّوا التأريخ الصهيوني الرئيس باعتباره متحاملاً أخلاقيّاً في استخدام البحوث لإثبات الشرعيّة الأخلاقيّة للمزاعم الصهيونيّة. Ibid., p. 30.
القضيّة الفلسطينيّة:
ترى ما بعد الصهيونيّة أن دولة إسرائيل ظاهرة غير قابلة للحياة لأنها قامت على أسس تدمير شعب آخر، هو الفلسطينيّون. إنها تقدّم المشكلة بوصفها تتجاوز احتلال الضفة الغربيّة وغزة عام 1967؛ فالحل بالتالي لا يكمن في مجرّد انسحاب إسرائيلي من تلك المناطق. بالعكس، ما بعد الصهيونيون يميلون إلى الاستخفاف بجماعات اليسار الإسرائيلي عبر الإشارة إلى ما يسمونه " مرض السلام الآن "، معتبرين حقبة ما قبل 67 خطأ لا يغتفر؛ في حين يعزون كل أفعال إسرائيل الخاطئة إلى احتلال 67.
من منظورهم، المشكلة تتناول جوهر وجود إسرائيل. إنهم يتناولون الصهيونيّة كظاهرة استعماريّة، عرقيّة، شريرة، سرقت من شعب آخر أرضه وما تزال مستمرة في اضطهاده.
بحوث ما بعد الصهيونيين الأولى ركزّت على الطريقة التي تخيّل بها الصهيونيّون العرب. في مرحلة هامة، كتب المؤرخ بني موريس الذي انسحب من حركة ما بعد الصهيونيّة، كيف أجبرت إسرائيل العرب بالقوة على ترك منازلهم عام 1948، لتؤسس مستوطنات يهوديّة تمنعهم من العودة إلى أوطانهم. Benny Morris, The Birth of the Palestinian Refugee Problem, 1947-1949 (Cambridge: Cambridge University Press, 1987). مخالفاً بالتالي الرواية الإسرائيليّة الرسميّة للمسألة. ورغم أن بني موريس تبرّأ لاحقاً من حركة ما بعد الصهيونيّة، إلا أن عمله هذا يعتبر طليعيّاً بالمعنى الكامل للكلمة، خاصّة وإن إفراج إسرائيل، كأي دولة ديمقراطيّة، عن كثير من وثائقها الحربيّة وغير الحربيّة، ساعد للغاية هؤلاء المؤرخين الجدد في الوصول إلى حقائق طالما غابت عن أذهانهم.
كتب المؤرخ – الجديد آفي شلايم إنه خلال عام 1947، توصّل ملك الأردن عبد الله [ الأوّل "> ( جد الملك حسين) وغولدا مئيرسون [ مئير لاحقاً ">، رئيسة القسم السياسي في الوكالة اليهوديّة، إلى اتفاق هدفه تدمير كل الفرص لتأسيس دولة فلسطينيّة في الضفة الغربيّة. فقد اتفق لطرفان على أن تضم إسرائيل والأردن أجزاء من الأراضي المخصصة للفلسطينيين..لكن شلايم مضى في تصوير الكيان الصهيوني على أنه يتآمر، بالتعاون مع الحاكم الهاشمي، على قمع الفلسطينيين ومنعهم من الحصول على دولة مستقلّة. Avi Shlaim, Collusion Across the Jordan: King Abdullah, the Zionist Movement and the Partition of Palestine (New York: Columbia University Press, 1988).

من ناحيته، فإن عالم الاجتماع أوري رام طرح علامات الاستفهام حول المشروعيّة الأخلاقيّة للمشروع الصهيوني، معتبراً إياه أحد أشكال الكولونياليّة، ليصل في النهاية إلى نتيجة مفادها أن حق اليهود في فلسطين ليس أكثر من حق البريطانيين في الهند. Uri Ram, "The Colonization Perspective in Israeli Sociology," Journal of Historical Sociology, Sept. 1993, pp. 327-350.
أما الصحفي الإسرائيلي بوعاز إيفرون فقد كتب أن الصهيونيّة فبركت علاقة كاذبة بين اليهود والأرض. Boaz Evron, Jewish State or Israeli Nation? (Bloomington: Indiana University Press, 1995).

كثير من المؤرخين الجدد يعكسون أصداء هذه المقاربة، ومنهم: سمحا فلابان Simha Flapan, The Birth of Israel (New York: Pantheon, 1984).؛ إيلان بابيه: Ilan Pappé, Britain and the Arab-Israeli Conflict, 1948-1951 (New York: Macmillan, 1988).؛ أوري بار-جوزف:Uri Bar-Joseph, The Best of Enemies: Israel and Transjordan in the War of 1948 (London: Frank Cass, 1987).؛ ميخائيل ج. كوهين: Michael J. Cohen, Palestine and the Great Powers, 1945-1948 (Princeton: Princeton University Press, 1982).
إيلان بابيه، هذا المفكّر العنيد، يستحق وحده أن يقدم بما يليق بنضاله للجمهور الناطق بالعربيّة: من هنا، فنحن سنحاول أن نخصّه بدراسة وحده.
صناعة الهولوكست:
إذا كان أقل من عادي اليوم الحديث في عالم المثقفين اليهود غير الصهيونيين خارج إسرائيل الحديث عن استغلال الصهيونيّة للهولوكست من أجل ابتزاز اليهود وغير اليهود، فإن توم سيغيف واحد من أول من تجرأ في الكتابة النقديّة في استغلال الصهيونية لهذا الحدث المأساوي ليس بهدف إنساني على الإطلاق: كتب هذا المؤرّخ الجديد أن الحركة الصهيونيّة استخدمت الهولوكست لتقديم غاياتها السياسيّة، مبرهناً أن الجماعات السياسيّة في الموشاف ( الجماعة اليهوديّة في فلسطين ما قبل إسرائيل ) رأت في القضاء على اليهود الأوروبيين فرصة تاريخيّة للدفع بالأهداف الصهيونيّة إلى الأمام ولم تفعل سوى القليل لإنقاذ الجماهير اليهوديّة التي كانت قاب قوسين من الموت أو أدنى. وما يزال سوء استخدام الهولوكست الخبيث في إسرائيل اليوم قائماً على قدم وساق، لأن الدروس من الهولوكست أُطرت بخصوصيّة ( الهولوكست شأن يهودي ليس إلا ) يهوديّة ضيّقة وبالتالي تبرّر أفعال الأمة وتقوّى المشاعر القوميّة، بدل استخدامها من أجل دروس إنسانيّة عامّة.Tom Segev, The Seventh Million—The Israelis and the Holocaust (New York: Hill and Wang publishers, 1994).
وهكذا، فقد كانت الوزيرة الأسبق للتربية، شولاميت آلوني، رئيسة حركة ميريتس اليساريّة سابقاً، أول مسئول إسرائيلي كبير يدعو إلى توقيف كل زيارات طلاب الهاي سكول ( المدارس الثانوية) الإسرائيليين لمعسكرا ت الإبادة النازيّة، لأنهم بعد زيارات كهذه يصبح الطلاب " قوميين للغاية ". Ha'aretz, Sept. 25, 1992.
مسألة السفارديين
منذ سبعينات القرن الماضي، وتحديداً منذ حرب لبنان عام 1982، ازداد ميل الكتّاب الإسرائيليين لانتقاد تعامل إسرائيل مع الأقليّات التي تعيش ضمن الدولة الأشكنازيّة أساساً، أي، العرب واليهود السفارديون.
فمن ناحية، يقدّم كلاّ من عاموس عوز وأبراهام ب. يهوشوا العرب كضحايا للإحتلال الاسرائيلي في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. Amos Oz, My Michael, trans. Nicholas de Lange (London: Chatto and Windus, 1972); Abraham B. Yehoshua, The Lover, trans. Philip Simpson (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1978).
ومن ناحية أخرى، يصوّر الكتّاب السفارديّون مثل سامي ميخائيل أو ألبرت سويسا اليهودي السفاردي كعربي يهودي يعاني، مثل أخوته العرب، من نير الكولونياليّة البيضاء ( الأشكنازيّة ). Albert Swissa, Aqud (Tel Aviv: HaKibbutz Hameuchad, 1985). Also see Sami Michael, Shavim veShavim Yoter (Tel Aviv: Bustan, 1976).
من كتاب للكاتب السفاردي المرموق، يتسحاك غورمازانو-غورين، نقرأ النص التالي: "إذا أمكن اعتبار الإرث الشرقي معياراً خالقاً – للرباط، ليس مستحيلاً على اليهود القادمين من التقليد الشرقي والمسلمين أو المسيحيين العرب أن يكتشفوا مشتركات بينهم. من هنا – إنها خطوة للمطابقة بين اليهودي الأوروبي والإمبريالي الأبيض ". Yitzhak Gormazano-Goren, Miklat Bebavli (Tel-Aviv: Bimat Kedem LeSifrut, 1998), p. 127.
وهكذا، يصل الأمر بالشاعر الإسرائيلي الشهير، أهارون شبتاي، إلى القول:" من نافذة الطائرة الواقفة على أدراج المطار، يمكن للمرء أن يرى أننا عدنا إلى الغائط ذاته الذي أتينا منه. لكن أن تتذمّر، أن تندب، أن تبكي، فهو فقط جزء من ضريبة البضاعة المطلوبة من المواطن المثقف. يريد الحكّام الفاسدون، المتأتئون، فاقدو الشرف أن تُملأ الثلاجة بلحم أدبي دقيق. لذلك، أقترح أن تختصر الروح إلى خط يربط بين نقطتين: آ – أن تعرف أنه ليس ثمة فرق بين إسحاق رابين وبنيامين نتنياهو...
ب – الشاعر، المفكّر، ليس ذلك الذي يقرأ كافكا أو مارسيل بروست حين تُداس الحريّة والعدالة في الأسواق. لا، ففي جسد أبدي الشباب يقف، ينزل سرواله، ويبول على نار الصهيونيّة المحتضرة..." (Aharon Shabtai, "Shtei Nekudot," Ha'aretz, Oct. 11, 1998. ).
ويكتب جدعون ليفي في هآرتس :" السؤال المتكرّر، بالتالي، يخص القيم الأساسيّة للمجتمع الإسرائيلي: هل نحن نرغب بجنود شجعان يغامرون بحياتهم، فقط لإرضاء شبق الفخار القومي وتأكيد أسطورة الشجاعة؟ ... في المجتمع الإسرائيلي الذي يبلغ خمسين عاماً من العمر، القبضاي الذي من الماضي لا بد أن يتوقف عن أن يكون بطلاً...من الأفضل لنا أن نكون دولة " رخوة "، يواصل جنودها العيش ولا يقتلون من أجل لا شيء، من أن نكون دولة قويّة مصدر جبروتها يكمن في جنود يطلقون النار أحياناً دون تمييز... "The Hero Who Doesn't Shoot," Ha'aretz, English edition, Dec 6,1998.
من هنا، يمكن أن نفهم سؤال موشيه شامير: هل ما يزال الأدب العبراني صهيونيّاً؟ فتيارات ما بعد الصهيونيّة تسيطر بقوة على الأدب والشعر الإسرائيليين على نحو خاص.Moshe Shamir, "Is Hebrew Literature Still Zionist?" Nativ, Jan. 1989, p. 41.
كذلك فإن أثر ما بعد الصهيونيّة واضح تماماً على الجيل التالي من الإسرائيليين، فمع كل يوم يزداد أعداد الشباب الإسرائيليين الذين يتلقّون تعليماً ما بعد صهيوني ويتربّون في مجتمع حيث المشاعر المعادية للصهيونيّة تأخذ مزيداً من الشرعية. وهذه الأفكار تتسلل أيضاً إلى المدارس. فعلى سبيل المثال، يتضمن كتاب تاريخ مستخدم في تدريس طلاب الهايسكوولز الإسرائيليين نشر في أواخر القرن الماضي مقالة تصف الصهيونيّة بأنها " أحد أشكال الكولونياليّة ". ‘Azmi Bishara, "Hayesh Meimad Coloniali LeTziyonut," Mekimim Medina, ed. Neima Barzel (Tel-Aviv: Hakibutz Hameuchad, 1998), pp. 254-268.
وليس من المفاجئ بالتالي أن مسحاً تم عام 1993 وجد إن 30 بالمئة من الطلاب العلمانيين الإسرائيليين لا يعتبرون أن تكون يهوديّاً " جزءاً هاماً من الحياة ".
التقدّميّون اليهود: العداء للصهيونيّة!
كما تقول الإحصاءات، فإن ما لا يقل عن 85 إلى 90 بالمئة من يهود أميركا هم من المنتمين إلى التيّار الليبرالي. مع ذلك، ثمة خلط بين الليبراليّة والتقدميّة. التقدّميّون نسخة أكثر راديكاليّة من الليبراليين، الذين وقفوا على ما يبدو عند حدود بعينها. فضمن أشياء كثيرة، اليهود التقدّميّون معادون للصهيونيّة، للعولمة، للرأسماليّة، وللأمركة. يتألف التيّار التقدّمي من مجموعة من اليساريين الذين يمكن تسميتهم أيضاً باليهود المعادين للصهيونيّة. دون أن ننسى أيضاً أنه إضافة إلى هؤلاء اليساريين العلمانيين، ثمة متدينون من التيّار المسمى بالأولترا أورثوذكس، من المعادين للصهيونيّة، ونخص هنا بالذكر جماعة ناطوراي قارتا، التي كتبنا عنها مراراً.
قبل عام 1948، ولأسباب لا علاقة لها بمبررات ناطوراي قارتا، فإن جماعة دينية يهوديّة أخرى، هي اليهود الريفورم – لا يمكن مقارنة قوة الريفورم بالناطوراي، لا سياسيّاً ولا عددياً – الذين يعتبرون الطائفة الثانية عددياً بعد الماسورتي في أميركا، عارضت عموماً أيضاً فكرة دولة يهوديّة مستقلّة ضمن مجموعة أقاليم، رافضة بالتالي المزاعم الصهيونيّة بأرض فلسطين. دون أن ننسى هنا أن مفكّرين ليبراليين بارزين، وصلوا إلى قناعة مفادها أن إقامة دولة يهوديّة مستقلّة في فلسطين أمر لن يكون مقبولاً من غالبيّة السكّان العرب في المنطقة وسوف يقود حتماً إلى سلسلة حروب لا تنتهي، وحاربوا بالتالي طموحات الصهيونيّة لإقامة وطن في فلسطين ودافعوا بالمقابل عن دولة ثنائيّة القوميّة. كان لهذه التيارات مناصروها قبل قيام إسرائيل، وما زال بين هؤلاء من يعارض الصهيونيّة حتى اليوم.
في السنوات الأخيرة، كان ثمة نهضة معادية للصهيونيّة، خاصة بين اليهود اليساريين. وقد وصل العداء بين الصهيونيين واليساريين التقدميين اليهود إلى أن أطلق الطرف الثاني على الأول، اسم المعادين للساميّة الجدد. يتحدّى هؤلاء اليهود اليساريّون ليس فقط سياسات إسرائيل، بل " شرعيتها ومستقبلها الآتي ".

ووصل الأمر بهؤلاء إلى حد رفضهم لحقّ الطفل بالمواطنة الإسرائيليّة في ظل قانون العودة وقت ختانه. وكما أشرنا غير مرّة، فإن هدف هؤلاء عموماً ليس انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في حرب يوم الغفران، بل وضع حد لوجود إسرائيل بالذات. إسرائيل، برأيهم، دولة عنصريّة، تمارس القسوة على نحو منتظم، لهذا فهي شبيهة بعصابات الكو كلاس كلان؛ بل إن فكر اليهود التقدميين تجاوز كثيراً موقف نوعام تشومسكي، الذي يدعو إلى خيار حل الدولتين، لأن هذا الخيار انتهى منذ زمن طويل. تقول أورا وايز، على سبيل المثال لا الحصر؛ وهي ناشطة شابة على قناعة راسخة بأن الفلسطينيين ذبحوا على يد الإسرائيليين : " حل الدولتين لن يقود أبداً إلى عدالة أو مساواة "؛ كما يبدو فيليس بنّيس متأكداً من أن حلأ كهذا يتنافر مع متطلبات " السلم والعدل ".أما الصهيونيّة، بنظرهم، فحدّث ولا حرج؛ إنها شتيمة، كان القصد منها تقديم أيديولوجيا ملوّثة وخطرة من أجل قيام دولة فاسدة وشريرة. إن هدف الصهيونيّة هو أن تسبق هذه الدولة عبر نظم السلوك الوحشي أكثر الدول سوء سمعة في السلوك البربري من القرن الماضي.
المفكّر اليهودي المعروف جيداً في الدول العربيّة، نوعام تشومسكي، والذي يمكن اعتباره الأب الروحي للتقدميين اليهود، يشجب الصهيونيّة باعتبارها " تحريفاً " لليهوديّة، ويسمّي الدولة التي خلقتها " بالخطيئة المريعة ". أما الشاعرة البارزة، أدريان ريش، التي تجادل بأن اللفظ " صهيونيّة " " مثير للقلاقل للغاية، مشبع للغاية ... بأفكار الدم والتراب، بذكريات التضحيّة ومتابعة مزاعم الحق بأن تضحي " بحيث أنها " تحتاج لأن تحل قبل أن تأتي حقائق القرن الحادي والعشرين ".
العداء للصهيونيّة، كما هو متوقع، مرتبط في أذهان التقدميين اليهود بالعداء للرأسماليّة، العداء للإمبرياليّة، العداء للعولمة، والعداء للعرقيّة. وفي هذا يقول أحد علماء السياسة، أندريا ماركوفيتس: " إذا لم يكن واحدنا مرتاباً على الأقل بشرعيّة دولة إسرائيل ... فهو يغامر بالاستبعاد من الكيان المسمّى " اليسار " ". بل يبدو أن هؤلاء التقدميين يتعاطفون حتى مع الانتحاريين الذين يشنون الهجمة تلو الأخرى في إسرائيل؛ يقول ستيف كويستر، على سبيل المثال: " حين بدأت القنابل الانتحاريّة الواحدة تلو الأخرى، كنت كالتالي، " أوكي! على الجميع أن يفهموا الآن كم كان السلوك الإسرائيلي مريعاً"... وهكذا، كان حسبي أن خرجت واشتريت لنفسي دبوس علم فلسطيني جعلته في صدري طيلة الوقت ". لقد ذهبت أيام مديح الصهيونيّة على ألسنة اليسار اليهودي باعتبارها حركة تحرير قومي يهودي.
قبل أن نقف عند بعض الأعمال والأسماء الهامة اليوم، لا بدّ من الإشارة إلى تيارات ومواقف تتناثر هنا ومناك، خاصة بين يهود أميركا وغيرها من الدول الناطقة بالانكليزيّة.
من هتلر إلى هرتزل:
صوت يهودي آخر يربط بين النازيّة وإسرائيل: سارة روي، التي تصف نفسها بأنها ابنة أحد الناجين من الهولوكست، تقول إنه " ضمن الجماعة اليهوديّة اعتبر دائماً أن مقارنة أفعال أو سياسات إسرائيل مع مقابلاتها النازيّة أحد أشكال الهرطقة ". Tony Judt, “Israel: The Alternative,” New York Review of Books, October 23, 2003. ( ص 176 ). ثم تواصل لتجري مثل تلك المقارنة عبر اتهام إسرائيل بأنها تكرّر سياسات الاحتلال النازي.

وتقول إيرينا كليبفستس، وهي شاعرة وإحدى الناجيات من الهولوكست، إنه " يمكنك أن تكون ضحيّة وجلاّداً أيضاً " ( ذاته، ص 367 ). وهكذا، فهؤلاء يعمدون في حملتهم إلى المقارنة بين اليهود كضحايا وأولئك الذين أساءوا إليهم. أما دانييل بويارين، أستاذ التلمود في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، فيقول إنه تماماً كما ماتت المسيحيّة في أوشفيتز، تريبلينكا، وسوبيبور، " أنا أخشى ... أن يهوديتي تحتضر في نابلس، الدهيشة، بيتين ( بيت-إيل ) والخليل ( حبرون ) ". و يكتب دوغلاس روشكوف، وهو كاتب من نيويورك، قائلاً، " أنا لست ضد إسرائيل "؛ لكن اعتراضه هو على " معسكر اللاجئين ذي الطابع القومي هذا "، والذي هو " حل تسويّة للمثاليّات اليهوديّة، لا إدراكها ... لقد وصلنا إلى بعض الأرض، لكننا أضعنا ديننا في العمليّة ".
رفض حق العودة:
مما لا شك فيه أن كتّاب اليسار اليهودي الناطق بالانكليزيّة يفنّدون منطقيّاً الأسس الفعليّة لفكرة الدولة الصهيونيّة؛ فعلى سبيل المثال، ترفض ميلاني كايكانتروفيتس مفهوم حق العودة؛ تقول: " بعيداً عن كوني محميّة من قبل إسرائيل، أشعر أني معرّضة للخطر بسبب أفعال الدولة الإسرائيليّة "، من هنا، " فأنا أعلن طريقة أخرى لكوني يهوديّة، أنا أشجب حقّي بالعودة ". وفي حفل ختان ابنهما، أصدر مغ بارنت وبراد لاندر تصريحاً مشابهاً: " نحن سعيدان بأن نعلنك يهوديّاً دون حق العودة. فاسمك يتضمّن أملنا العميق بأن تكتشف هويتك اليهوديّة وتحتفي بها دون أن تخلطها بالقوميّة ".
في إحدى افتتاحيّات الصحفي ريتشارد كوهن في الواشنطن بوست، الذي أعلن من قلب حرب لبنان الثانية أن خلق إسرائيل كان " خطأ ... أدى إلى قرن من الحروب والإرهاب ". "لا مبرر لإدانة حزب الله ". بدلاً عن ذلك، يلقي باللائمة في المقام الأول على عناصر من تاريخ " مجرّد " و " تائه " أوجد الدولة اليهوديّة.
رأي اليهود التقدميين ليس فقط أن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، بل وضع حد بالقوة لوجود دولة إسرائيل بالذات. وأوضح تعبير عن هذا المطلب بعض المساهمات في كتاب الصراع مع صهيون، في المقابلات التي أجريت مع يهود معادين للصهيونيّة؛ وهم: نوعام تشومسكي، ستيف كويستر، جويل كوفل، نورتون مزفنسكي، أورا وايز، نورمان فنكلستاين، فليس بنيس، أدم شابيرو، دانييل بويارين، الحاخام ديفي وايس، ومارك إليس.

ليس لإسرائيل الحق بالوجود؟؟!!
الدولة الصهيونيّة المعروفة باسم إسرائيل هي نظام ليس لديه الحق بالوجود. إنها كلمات مستمدة من كتاب منشور حديثاً من قبل إحدى الوكالات الصحفيّة البارزة في الولايات المتحدة، لأحد الكتّاب اليهود. Ahron Cohen, “Israel Has No Right to Exist,” in Joel Kovel, “Israel Should Not Remain a Jewish State,” in John Woodward, ed., Israel: Opposing Viewpoints (Detroit: Greenhaven Press, a Division of Thomson/Gale, 2005), p. 29.. هذا الكتاب، الذي هو نص مدرسي يهدف إلى تحريض النقاش بشأن إسرائيل، يبدأ بفصل يحمل العنوان: " هل يجب أن توجد إسرائيل ؟" الجواب حاضر على فمي أهرون كوهن، الحاخام في جماعة ناطوراي قارتا، وجويل كوفيل، البروفيسور في البارد كولج، الذي دعا زملائه اليهود " لمحق الدولة اليهوديّة ": يقول الأول، " ليس لإسرائيل الحق بالوجود "؛ ويقول الثاني، " إسرائيل يجب أن لا تبقى دولة يهوديّة ".

جاكلين روز: من هتلر إلى هرتزل!!
ضمن العالم الناطق بالانكليزيّة، فإن طلائع راديكاليي العداء للصهيونيّة " التقدّمي " تتضمن عدة أناس من المشاركين في كتابي: الصراع مع صهيون، و رايكاليّون وحاخامون وصانعو سلام. من يقابلهم ضمن اليهود البريطانيين يتضمنون جاكلين روز، هيلاري وستيفن روز ( الذي قاد حملة مقاطعة إسرائيل أكاديميّاً في بريطانيا )، جون روز مؤلف كتاب أساطير صهيون، وغيرهم . ( المحامي البريطاني يصف هؤلاء بأنهم " فخورون بأن يخجلوا من كونهم يهوداً ).

إذن، لم تعد المسألة عند رموز التيّار التقدمي اليهودي " الأراضي المحتلة بعد 67"، بل إسرائيل كجوهر بالذات. ففي كتابها الهام، المنشور قبل نحو عامين، المسألة الصهيونيّة، تتساءل جاكلين روز عن شرعيّة وجود إسرائيل، بجرأة قد لا تكون مسبوقة من كاتب يهودي. Jacqueline Rose, The Question of Zion (Princeton: Princeton University Press, 2005): " كيف يمكن لشعب يعتبر واحداً من أكثر الشعوب التي تعرضت للاضطهاد في العالم أن يجسد بعضاً من أسوأ الأعمال القاسية لدولة قوميّة معاصرة؟ " ( ص 115 ). وتكمل لتقول: " إنها مسرحيّة فاغنر الباريسيّة ذاتها... حين كان كلاهما [ هرتسل وهتلر "> حاضراً في الأمسية ذاتها، الأمر الذي أوحى لهرتسل بكتابة Der Judenstaat [ الدولة اليهوديّة "> ولهتلر بكتابة Mein Kampf [ كفاحي "> " . ( ص ص 64-65 ). وتمضي روز في نقدها العنيف لتعتبر " الصهيونيّة أحد أشكال الجنون الجمعي " ( ص 17 ). فكل مفكّري الصهيونيّة ونشطائها ليسوا أقل من عصابيين، مسهم هذا الجنون. إنها تستخدم باستمرار مصطلح " تراجيديا " لوصف آثام الصهيونيّة، بل تعمل على استخدام مصطلح " كارثة " الانكليزي في وصف حوادث 1948 في فلسطين، كنوع من الترجمة التقريبيّة لكلمة " نكبة " المعروفة عربيّاً ( ص xvi )، التي أوصلت إلى قيام إسرائيل: " أعتقد أن خلق إسرائيل عام 1948 قاد إلى جور تاريخي ضد الفلسطينيين " ( ص xvi ). بل هي تعتبر أن " بذور النكبة " قد " بذرت في مكان ما من مركز " الرؤيا الصهيونيّة بالذات ( ص xiv ).
الكتاب مهدى للفلسطيني الراحل، إدوارد سعيد؛ وهو مصاغ كقطعة بحثيّة قابلة لأن تقارن بعمل سعيد الشهير، المسألة الفلسطينيّة. تقول روز إن الصهيونيّة جذبتها، لكنها تزعم أنها أحست بالروع مما رأت من تشجيعها على الأفعال السيئة الهائلة. وكما لو أنه قدرها منذ البداية، فقد كان " العنف قدر الدولة اليهوديّة " ( ص 124 ). أكثر من ذلك، " فالقوى المتوحشة " لهذه الدولة لم تجلب الجور للفلسطينيين وحدهم، بل حرّفت " الرسالة الأخلاقيّة لإسرائيل " ( ص 133 )، وخاطرت بما للدولة اليهوديّة من " أمان وراحة بال " ( ص 85 )، " وخاطرت بأمان يهود الشتات " عبر المساعدة في التحريض على عدائية للساميّة جديدة ( ص xviii ). باختصار، إسرائيل اليوم " سيئة للشعب اليهودي " ( ص 154 ) وسيئة للجميع من غير اليهود أيضاً. في تحليلها للصهيونيّة، تشير روز إلى شبتاي تسفي، الذي هو مؤسس طائفة الدونمة في تركيّا في القرن السابع عشر وأحد أشهر من ادعى أنه المسيح المنتظر في التاريخ اليهودي الطويل، والذي انتهى باعتناق " ظاهري " للإسلام. تعتبر روز تسفي " صهيونيّاً – بدئيّاً proto-Zionist "، وبالتالي فالصهيونيّة " تنحدر منه مباشرة " ( ص 3 )، وهرتسل روحه اللطيفة. أما ما يجمع الرجلين، برأيها، فهو ضخ وقود الجنون في محرّك المسيانيّة اليهوديّة.
تقول روز: " لقد آن الأوان كي تقرّر في أي صف أنت ". لهذا، فهي تدافع عن فرض " عقوبات سياسيّة واقتصادية على إسرائيل، إضافة إلى مقاطعتها أكاديميّاً ".
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن تبنّي كتاب روز من قبل جامعة أميركيّة بارزة للغاية هي برنستون يمكن أن يعني انتقال الأفكار المعادية للصهيونيّة من هامش الصفحة إلى قلبها.
طوني جودت: إسرائيل سيئة لليهود!!
طوني جودت Judt تاريخي من جامعة نيويورك، وهو صاحب العمل الإشكالي، إسرائيل: البديل. Tony Judt, “Israel: The Alternative,” New York Review of Books, October 23, 2003. . كذلك فقد نشر جودت مجموعة مقالات تنتقد إسرائيل بمرارة متزايدة في السنوات الثلاث الماضية في الـNation, the New York Review of Books, و Ha’aretz, نسب فيها إلى إسرائيل كل التهم من الغرور والعدوانيّة والفوضويّة والصبيانيّة إلى الخلل الوظيفي والتحلل الخلقي والعلّة الأساسيّة للعداء للساميّة في الوقت الحاضر. يقول جودت، " إن إسرائيل اليوم سيئة لليهود "، وسوف تؤدي لهم ولكل من عداهم خدمة عبر خروجها من العمل. ويضيف كاتباً، " لقد حان الوقت للتفكير بما لا يفكّر به "، أي، استبدال الدولة اليهوديّة " بدولة مفردة، مندمجة، ثنائيّة القوميّة للعرب واليهود ". فإسرائيل الحاليّة، برأيه، " هي فقط الأرض الجديدة التي تشنّ من عليها الحرب القديمة على التميّز اليهودي ".
في لقاء تليفوني مع جودت قال، " إن الهدف الحقيقي للشجب العنيف الذي يتعرّض له هو وآخرون، هو خنق النقد القاسي لإسرائيل. من هنا، كان الربط بين العداء للصهيونيّة والعداء للساميّة ". يقول جودت: " الرباط بين العداء للصهيونيّة والعداء للساميّة تم خلقه حديثاً "، مضيفاً أنه يخشى أن " يصبح الإثنان مندمجين في أذهان العالم ".
مايكل نيومان: إسرائيل وإبادة الجنس البشري!!
مايكل نيومان هو أستاذ الفلسفة في جامعة ترنت في كندا، ومؤلف مجموعة أعمال، منها: What’s Left: Radical Politics and the Radical Psyche (Peterborough, ON: Broadview Press, 1992).“What Is Anti-Semitism?” in The Politics of Anti-Semitism, ed. by Alexander Cockburn and Jeffrey St. Clair (Oakland, CA: AK Press, 2003).
يتهم نيومان إسرائيل بارتكاب " فظاعات صهيونيّة " وشنّ " حرب عرقيّة على الفلسطينيين "، حرب يبدو هدفها ليس أقل من " إبادة شعب ". إنها عمليّة إبادة لجنس بشري هو الفلسطينيّون. فهم " يقتلون فقط لأن إسرائيل تعتقد أنه لا بد من إبادة كل الفلسطينيين أو موتهم ". وهذا الإثم لا يخص إسرائيل وحدها، بل كل اليهود عموماً، " الذين يدعم معظمهم دولة ترتكب جرائم الحرب ". ثم يعلّق بأن تورط اليهود في تلك الجرائم أقوى من تورط الألمان في الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود في الهولوكست. " ويعلّق بأنه إذا كان قول أشياء كهذه هو عداء للساميّة، فمن المعقول أن يكون [ المرء "> معادياً للساميّة "؛ " فبعض العداء للساميّة مقبول ". من هنا، يرى نيومان أنه علينا " أن لا نحمل العداء للساميّة على محمل الجد، بل يمكن أن يكون لنا بعض التسلية فيه ".
شث فاربر: اليهود التقدميّون!!
صوت آخر هام للغاية في نقد إسرائيل والصهيونيّة، هو شث فاربر، محرّر كتاب Radicals, Rabbis and Peacemakers: Conversations with Jewish Critics of Israel (Monroe, ME: Common Courage Press, 2005).. إذا كانت جاكلين روز قد أوحت ضمناً بأنها لا تريد فقط أن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، فإن شث فاربر، في كتابه هذا الذي هو مقابلات مع مجموعة من الباحثين اليهود التقدميين، أعلن ذلك بصراحة، دون أي مواربة. في هذا العمل الموسوعي الذي يعتبر وثيقة هامة للغاية حول آراء كوكبة من أهم المثقفين اليهود المعادين للصهيونيّة، نجد أن إسرائيل هي الخاطئة بكل إثم يمكن لدولة معاصرة اقترافه: فهي تمارس " الأبارتايد "، " إرهاب الدولة "، " التطهير العرقي "، " الجرائم ضد الإنسانيّة "، " الإبادة البشريّة البحتة " – كل تلك الأوصاف تعتبر جزءاً أساسيّاً من المعجم اليومي لليهود الأمريكان التقدميين. في هذا العمل محاولة للتسليم جدلاً بأن السجلاّت التاريخيّة تظهر إسرائيل دولة عدوانيّة اقترفت من الأخطاء ما يمكن مقارنته بأخطاء جنوب إفريقيا زمن هندريك فرفورد وألمانيا هتلر. إن رأي فاربر في إسرائيل مليء بالنقد القاسي، إلى درجة أنه يلح على الدمج بين إسرائيل ومفاهيم مثل " العرقيّة " و" معاداة الساميّة النازيّة ".
جويل كوفيل: ما بعد الصهيونيّة!!
نتوقف الآن عند جويل كوفيل، الذي سبق وأشرنا إليه من قبل، كواحد من أعلى الأصوات اليهوديّة المعادية للصهيونيّة وسياسة إسرائيل في آن. جويل كوفيل، وهو سياسي في حزب الخضر وبروفيسور وكاتب، يعتقد أنه كي تكون " يهوديّاً حقيقيّاً "، يجب على اليهود " الخلاص من الخصوصيّة "، " الخلاص من الصهيونيّة أو تجاوزها "، " والخلاص من الدولة اليهوديّة ". جويل كوفيل، الأستاذ في براند كوليج، كما أشرنا من قبل، والذي يعمل على كتاب حول ما بعد الصهيونيّة في إسرائيل، يرى أن الصهيونيّة " تعادل أحد أشكال العرقيّة "، ولا يجب مسامحتها على إقامة " الوطن اليهودي في فلسطين ". جويل كوفيل الذي يشتم الإسرائيليين باعتبارهم جزارين يبيعون بالجملة، يعتقد أن الإسرائيليين يخطئون بقوّة حين يعتقدون " أن هنالك شيئاً يستحق الذكر أساساً في دولة إسرائيل ". يدعو جويل كوفيل سور الأمان الناقص في إسرائيل " بجدار الفصل العنصري " ويقارن حياة الفلسطينيين على المقلب الإخر بحياة اليهود في " غيتو وارسو ". ومن أجل حلّ المشاكل التي خلقتها الصهيونيّة، نجد جويل كوفيل هنا أكثر راديكاليّة من اليهودي التقدمي الآخر، نوعام تشومسكي، الذي اقترح حلاّ الدولتين. كوفيل يرى أن اليهود يعانون من أثقال ما أسماه ماركس " بالوعي الزائف " وعليهم بالتالي تحرير عقولهم من أفكار سوداويّة مثل الخصوصيّة اليهوديّة، الإستثنائيّة اليهودية، الإثنيّة، الاختياريّة – أي من كل القيود التي تربطهم بالعهد التوراتي القديم؛ و لأن هذه الأفكار التدميريّة اندمجت اليوم في دولة يهوديّة، من الحاسم بالنسبة لليهودي أن يحرّر ذاته من تلك العقليّة وأن ينظر إلى ما هو أبعد من " ممارسات الصهيونيّة الفظة، الخسيسة "، ومن الدولة " اللاشرعيّة " التي خلقتها. الرسالة اليهوديّة لا تتحقق إلا بالعيش المنفتح والسلمي في الشتات، لا في إقليم ضيّق في حالة دفاع دائمة.
ومنظمات أيضاً:
تقول الصحفيّة إستير كابلان، تعليقاً على تهمة ساقها أحد الناشطين الشبّان من جامعة روتجرز ضد إسرائيل من أنها " دولة عنصريّة، دولة إمبرياليّة – ولا بد أن تكون دولة منبوذة ": " إذا كان ذلك ما يجب القيام به من أجل إنهاء الاحتلال... إسرائيل يجب أن تصبح دولة منبوذة بالمطلق ... لقد آن الأوان لعزل إسرائيل كليّاً من قبل الرأي العام العالمي وأن تُجبر، ببساطة تُجبر، على الانسحاب ".
ثمة منظمات كثيرة في العالم الناطق بالانكليزيّة تعادي دون لبس السياسات الإسرائيليّة، وطبعاً كلها يهوديّة؛ من هذه المنظمات، نذكر: الصوت اليهودي للسلام، يهود من أجل السلام في فلسطين وإسرائيل، طلاب من أجل العدالة في فلسطين، لجنة العمل من أجل السلام والعدالة، حركة التضامن الدوليّة، وغيرها من " الجماعات المبدأية والعاصية " – على حد تعبير سوزان زونتاغ.
في منظمة جاتو JATO ، أو يهود ضد الاحتلال، قام بعض الأعضاء ببناء سوكاه [ عريشة عيد نهاية الصيف في التقليد اليهودي "> أسموها " سوكاه ضد الاحتلال "، علّقوا عليها صور أبنية الفلسطينيين المهدمة. مثلهم مثل البروفسور مارك إلّيس، أستاذ الدراسات اليهوديّة في جامعة بايلور، وصاحب أعمال عديدة معادية للصهيونيّة من منظور اللاهوت التحرري، والذي يعرض استبدال مدرجات التوراة في تابوت العهد بمدافع هليوكبتر اٌسرائيليّة، التي هي الرمز الفعلي للواقع الإسرائيلي اليوم.

نبيل فياض ـ سيريا لايف


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
لا يوجد تعليقات ، اضغط هنا لإضافة تعليق .