الساعة تلهث فوق الجدران المتصدعة الباهتة،في ليلة ندية تنضح بالرطوبة في مساءات الكآبة...أضواء شاحبة تسربت من خلال فجوات القضبان الحديدية وتداعت علينا في فتور كاد يعري ملامحنا أمام بؤسنا، وقد ران علينا سكون مطبق،وقع أقدام ثقيلة ..نصغي له في اهتمام مشوب بقلق مرير، قلقلة المفتاح في ثقب الباب الحديدي يحفز فينا كوابيس الأرق!
السجان ذو السحنة الساخطة يتفرس فينا لبرهة...يشير إلي هاتفا بغضب "أنت"..اقترب منه بتوجس ..أكاد أتعثر بإناء الصفيح الفارغ...يقيد معصمي..يقبض على رقبتي...أودع رفاق غربتي
رفاق الظلمة والمجهول،.يقتادني عبر دهليز السجن الضيق مع عصبة من الحراس ...ضحكات مجلجلة وصرخات كالعويل تتعالى من أحدى الزنزانات..مالسبب؟! ..لاأحد يعرف على وجه التحديد!...أحمل حقيبتي المكدسة برماد أحلامي المستلبة ..تكاد تشدني إلى الأرض..أرحل نحو من فقدت إحساسي بوجودهم منذ ثلاثين عاما!
أتداعى عند رؤيته منتصبا بقامته الفارعة ..أتلاشى في أحضانه وتنفر من عيني دموع انتصاراتي العقيمة وسأم أعوامي الثلاثين,يغمرني إحساس مكثف أنني أحلم ..تمزقني الهواجس،تومض في مخيلتي كلمات سمعتها مرارا من أحد رفاق السجن"لاتبالغ في الحلم كثيرا..فقد يتحقق"..تنطلق السيارة تمزق عباءة الريح في شارع طويل معتم لاأفق له،يهتف أبي مسرورا "ساعة ونصف..تحول بيننا وبين سنابس" تلح علي رغبة جامحة بمطارحة البكاء عند تلاوة اسمها"سنابس".
نقطة تفتيش تقض مضجع أحلامي،أرى في وجهك المغضن أخاديدا غائرة نحتتها سنوات الحرمان واليأس..تستفيض في الشرح له،تبرر له أسباب عدم وجود هويتي.. لايكترث الشرطي.. عبثا..يفتش السيارة، يفتش حقيبتي..لايجد سوى الخواء.. عبثا ينقب في رماد أعقاب التبغ..يرمقنا بنظرة مستريبة مستنكرة"سنابس ..أين تقع سنابس؟!" تسير السيارة ببطء لعدة ياردات،نقطة تفتيش أخرى، وبعدطوال انتظار، تنطلق السيارة..تتأرنح على الطرقات الوعرة، العتمة الحالكة تمتص أنوار السيارة الواهنة،نغرق في صمت ونصغي في خشوع لأنين الذكريات.......
ماأعذب الفراق الطويل..ياحبيبة..ياسنابس..ياابنة البحر...ياحكاية تشردي..مازلت شابة في طيات ذاكرتي، ببيوتك العتيقة المتلاصقة في عناق محموم كالعشاق،وأزقتك الغامضة ....شوارعك المنحنية الرقطاء..المضمخة بالاحزان وبالدمع والحناء،ورائحة الزنجبيل الساخن وانفجار البارود بين مواكب العزاء ونحيب الأعراس! أمازلت ..ياحبيبة ..متلبسة بآمال الثروة وشظايا الثورة؟!
ياحبيبة ...ياسنابس..ياابنة البحر...أنشدي لي بعضا من اغاني البحارة ذات الضحكات البكائية، وخبريني ..ياحبية ..عن شطآن انبثقت على سواحلها ذات يوم طفولتنا، بكل براءتهاومرحها وخطاياها، بكل أحلامها البكر ..دون نفاق ...دون تكلف ..دون تمثيل، خبريني ..ياحبية..عن أمي وعن أرجوحة هدهدتني فيها ذات يوما بأهدابها وخبريني ..ياحبيبة ..عن رباب وضوء الفوانيس و سهد الليالي وحكايا الشجن، خبريني عن أحجيات الياسمين في فصول مسرحيتنا الخريفية!..ماتت ياحبيبة ...
ياابنة البحر ..ماتت أوهام الطفولة، وانكسرت قناديلي ،وعلى ظهري جئتك أحمل خيبات أعوامي الثلاثين وانتصاراتي العقيمة ..ياحكاية تشردي!
تعانق السيارة شوارع سنابس المزدحمة ساطعة الأضواء،وخوف اللقاء بدأ يغمرني وإحساسي بالمدينة تدفق في جوانحي.
حتام ..ياسنابس...ياحبيبة ... تلاحق ابناءك لعنة 1400!
كانت خطبته بالغة الفصاحة شديدة الاقناع، وكانت الشرارة التي أشعلت في النفوس نيران الثورة وخلفت فينا نزوعا للتمرد كلما استبد بنا الأسى، كانت سماء سنابس في ذالك الصباح السوداوي من أيام عاشوراء ،ملبدة بالغيوم الواجمة التي تماهت مع ألسنة اللهب وخيوط الدخان،وأرضها محتقنة بغضب النفوس عميقة الاحباط..بعد سقوط القلعة!
بدت لي سنابس كمالايعرفها أحد..غارقة في أحزان نائية سحيقة! وإن بدت بهذه المساحيق الصناعية الحديثة مفعمة باللامبالاة! مازلت اسمع أصداء لتلك النغمة العتيقة الغامضة....كالنحيب كالعويل المكتوم!
في منتصف الليل من ذالك اليوم المشؤوم..أفقت من غيبوبتي على صفعة يد ثقيلة صلفاء،وصوت غليظ ينعب من حنجرة مرهقة ناقمة"افق يانذل..."
ياسنابس...ياحبيبة..ياابنة البحر...سقطت من عليائها الشعارات البالية الجوفاء..وذابت متاحف الشمع عندما احترقنا في موسم الكساد "لحكمة نجهلها"..سقطت..ياحبيبة..ديباجة الأوهام البراقة الرتيبة،وسقطت عن الكوابيس أقنعة التصوف ، وانسلخنا..ياحبيبة..من جذورنا ومن لوثة الهذيان النضالي ، قولي لهم ياحبيبة.. لقد نفقت خيول الأحفاد على تخوم رفات الأجداد وتلاشت من ذاكرتنا المهترئة ليالينا ذات الأحلام الكبيرة ...المستحيلة!
في اعماقك ياحبيبة..ثوى سر دفين، مازلنا نعب منه حصاد السنين وجراح الوطن، نرتل في عجز مكابر من شذاك نغمة نكراء بعدما عرى أوتارنا الوهن!...لاتطلبي منا...ياحبيبة...جذوة نار..فذواتنا معصوبة العيون..بإيمانها الضبابي المطلق....وعواطفنا ثلجية!
أتأمل عشرات الوجوه الغريبة ، تنهشني بأنيابها الضارية،أترجل من السيارة، وأهرول نحو أمي أتلاشى في أحضانها.
الساعة تلهث فوق الجدران المتصدعة الباهتة،في ليلة ندية تنضح بالرطوبة في مساءات الكآبة...أضواء شاحبة تسربت من خلال فجوات القضبان الحديدية وتداعت علينا في فتور كاد يعري ملامحنا أمام بؤسنا،وقد ران علينا سكون مطبق،وقع أقدام ثقيلة ..نصغي له في اهتمام مشوب بقلق مرير، قلقلة المفتاح في ثقب الباب الحديدي يحفز فينا كوابيس الأرق!






