في ذاكرة الشعب
الشاعر / برهان الدين العبوشي
يقلم : عاطف رضا زيد الكيلاني
Atef.kelani@yahoo.com
سيرة حياة هذا الرجل هي وبمنتهى الموضوعية سيرة شعب بأكمله وسيرة قضية بأكملها مختصرة ومختزلة في سيرة رجل واحد ....حيث تؤكد سيرة حياة الراحل الأستاذ / برهان الدين العبوشي ذلك الترابط الجدلي بين مختلف اشكال العطاء والنضال الوطني ...وتؤكد مدى أهمية ان يكون المناضل مثقفا في نفس الوقت ...وتؤكد التوأمة الأزلية ما بين السيف والقلم ...ما بين البندقية والفكر ...ما بين العقل والعاطفة ... فقد كان تنقله بين مختلف ساحات الصراع مع اعداء الأمة اكبر برهان على ان المواطن الفلسطيني هو مواطن عربي بامتياز ...كان قدره وما زال ان يكون دائما في مقدمة صفوف المناضلين من اجل الحرية والإستقلال والكرامة الوطنية ... وحسب ما جاء في موقعه على شبكة الإنترنت ..فقد رأت عيناه النور عام 1911 م في مدينة جنين الفلسطينية ( جنة الله على أرض فلسطين ) عندما كانت دولة الإستعمار التركي العثماني على وشك الأفول والهزيمة ...لتخضع بعدها بلادنا قلسطين وباقي اقطار المشرق العربي لأكبر وأقذر مؤامرة دوليه شهدها تاريخ الشعوب قديما وحديثا ...مؤامرة ما زالت مستمرة الى يومنا هذا ...وكانت قد بدأت باتفاقية ( سايكس – بيكو )التي تقاسمت بريطانيا وفرنسا الإستعماريتين بموجبها بلاد الشام والعراق و بوعد بلفور المشؤوم الذي قطعه وزير الخارجية البريطاني ( اقرأ الحكومة البريطانية ) الذي اعطي شراذم اليهود الحق في وطن قومي لهم على أرض فلسطين ... من لا يملك اعطى من لا يستحق ...في خضم هذه الظروف العاصفة ولد شاعرنا وأديبنا ومناضلنا المرحوم / برهان الدين العبوشي ... اكمل الراحل الكبير تعليمه الإبتدائي والثانوي في مدارس مدينته ...جنين وفي مدرسة النجاح في مدينة نابلس ...ثم في الكلية الوطنية في الشويفات بلبنان ... ثم التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت ولكنه فصل منها بسبب مواقفه الوطنية ..ومن المعلوم ان الجامعة الأمريكية كانت تمور في تلك الفترة بالحركات القومية ومدارس الفكر المستنير على اختلاف اتجاهاتها ... ثم عمل المرحوم في فرع البنك العربي في مدينة طبريا ...وقد كان بإمكانه أن يشق طريقه ليكون احد المصرفيين الفلسطينيين الرواد منذ ذلك الوقت المبكر... وليكون بالتالي احد المليونيرات الكثر في عصر الإنحطاط والهزيمة العربيين ...ولكن شاعرنا المتمرد دائما والثائر دائما وصاحب الفكر الوطني والقومي ...ترك رغد العيش الذي توفره له وظيفته في البنك ليلتحق بركب الثوار الفلسطينيين عام 1936 م ... وحتى عام 1939 م كان شاعرنا قد تعرض الى السجن والإعتقال والنفي الى مجاهل صحراء سيناء اكثر من مرة ...وخلال ذلك كله كان صامدا على مبدأه كالطود الأشم ... لا تهزه رياح وانواء وعواصف التشريد والإعتقال والنفي ... وفي عام 1939 م انتدب شاعرنا الراحل الى العراق حبث عمل مدرسا للغة العربية وآدابها في المدارس العراقية ... وتأبى نفس شاعرنا الكبير ان تقف موقف الحياد إبان ثورة رشبد عالي الكيلاني في العراق عام 1941 م ...حيث شارك بها وجرح خلالها ...وعندما اصبح مطلوبا للحكومة العراقية اضطر الى المغادرة الى دمشق عن طريق الموصل ...وتتواصل فصول حياة هذا الشاعر والمناضل الكبير ...فصول فيها من المجد والعز والفخار ما يستحق ان يكون مخلدا الى الأبد ...مكث اياما قليلة في دمشق حيث غادرها متخفيا الى مدينته ...جنين ...وفي جنين شارك المرحوم في معركة جنين الشهيرة عام 1948 م الى جانب الجيش العراقي الذي حافظ تلك الأيام على عروبة جنين وحال دون احتلالها من قبل العصابات الصهيونية ... وكأن الحياة في عراق الرافدين قد استهوت شاعرنا ...فقد غادر مرة اخرى الى العراق عام 1949 م ليعيش في ربوعه ما تبقى له من عمر ...حتى توفاه الله عام 1995 م ...وخلال ما ينوف على 45 عاما قضاها مقيما في العراق عمل شاعرنا الراحل في سلك التعليم وقرض الشعر وتنقل في الكثير من مدن العراق الشقيق وتزوج من سيدة عراقية فاضلة انجبت له استاذنا الكبير / سماك واخاه حسن ... وتقديرا لدوره الوطني ولريادته الشعرية فقد منح المرحوم وسام القدس للآداب والفنون وقلده إياه الرئيس القلسطيني الراحل / ياسر عرفات في حفل مهيب في بغداد عام 1991 م ...وكان قد حكم المرحوم بثلاث سنوات سجن في المحاكم الأردنية على خلفية موقفه المؤيد للثورة العراقية على الحكم الملكي عام 1958 م ...ثم صدر عنه عفو ملكي عام 1964 م حيث استطاع زيارة مسقط رأسه ...جنين ... للمرة الأولى بعد غياب سنوات عديدة ...وخلال حياته شارك الراحل الكبير في العديد من المؤتمرات والمهرجانات في مختلف اقطار الوطن العربي ...وقد اتخذ قرار على اعلى المستويات في السلطة الوطنية الفلسطينية بتكريم الشاعر الراحل وذلك بإطلاق اسمه على شارع في مدينته التي أحب ...جنين ...ولكنه بقي قرارا برسم التنفيذ ...أي حبرا على ورق ...شأنه في ذلك شأن الكثير من القرارات الخاصة بتكريم كبارنا ...ولعلها مناسبة أن اهيب بالسلطة الفلسطينية لتنفيذ قرارها بإطلاق اسمه على شارع رئيسي في مدينة جنين ...وربما تأسيس جائزة باسم الراحل الكبير ...
....وبعد ...فقد كان هذا هو شاعرنا وفارسنا لهذه الحلقة من سلسلة " في ذاكرة الشعب " ....ستبقى خالدا يا ابا سماك في ضمير شعبك الذي تعلم من نضالك واخلاصك وتفانيك الكثير الكثير ...فقد كنت مدرسة للنضال والصمود والفكر ...فعليك رحمة الله تعالى ....
ترك لنا شاعرنا الراحل العديد من دواوين الشعر والمسرحيات الشعرية ...ويعد شعره وبحق من عيون الشعر العربي ..قديمه وحديثه ...وله قصيدة طويلة في مدح سور القرآن الكريم ..كل سورة باسمها ...تعتبر فيما اظن فريدة من نوعها في هذا الباب ...اغلب شعره كان في الوطنيات وحول فلسطين المغتصبة وقضية فلسطين ..فهو شاعر وطني وقومي ذو نزعة انسانية عامة لا تخفى على متذوقي الشعر والنقاد ...
*** وفي ما يلي بعض النماذج من شعر الراحل الكبير ...برهان الدين العبوشي ...
من قصيدته في مدح سور القرآن الكريم ... ( المائدة والأنعام والأعراف والأنفال )
وتنفحنا بمائدةٍ تجلّى بها عفو الإله هدىً ونصراً
وأنعاماً رأينا الخير فيها يزيد نتاجُها لله نَحرا
وللأعْراف نورٌ أي نورٍ يتم بها سَنا الأنفال بَدْرا
$$$$$$$$$$$$$$$$$$
ولمزيد من المعلومات عن سيرة وحياة وشعر وآثار شاعرنا الراحل برهان الدين العبوشي يمكن الدخول الى موقعه على شبكة الإنترنت www.al-abbushi.com
رحم الله شاعرنا الكبير وأسكنه فسيح جناته ...فقد كان مدرسة في النضال الوطني والإبداع متعدد الوجوه ...
الكاتب : عاطف رضا زيد الكيلاني
Atef.kelani@yahoo.com







