قصة قصيرة
بقلم / سليم عوض عيشان ( علاونه )
ليالي 000 ألف ليلة وليلة000
... في قديم الدهر والأوان ، وسالف العصر والزمان ، كان هناك ملكة جبارة ، لا تعرف شيئاً اسمه الحنان ، متسلطة رعناء تدعى " شهرزاد " أقسمت أن تتزوج في كل ليلة رجلاً ثم تقتله في الصباح .. لأنها اكتشفت خيانة أبيها مع إحدى خادماته الملاح ، ولم تُشعر أُمها الملكة بهذا الأمر الفضاح ؛ فأصيبت بعقدة تجاه كل الرجال . فما إن تولت زمام الأمور ، وتقلدت منصب الملكة المشهور حتى أخرجت حقدها الدفين المطمور ، ضد كل الرجال ، وأقسمت أن تتزوج واحداً منهم في كل ليلة وتقتله في الصباح0
فلما علم " شهريار " ابن الوزير الأمين بقصة الملكة، طلب من أبيه الوزير أن يتقدم للزواج من هذه الملكة ذات الشرور ، فخاف الوزير على ابنه " شهريار" أن يصيبه ما أصاب الرجال من قبله ، وأن يصبح دمه مهدور .. ولكنه رضخ لطلب ابنه الوحيد " شهريار "، بعد أن رأى منه التصميم الأكيد بلا غرور 0
كان " شهريار" شاباً طموحاً ذكياً غير مهذار ، لا يُشق له في الوغى غبار، طلب الإذن بالدخول على الملكة فأذن له بالدخول الحُجاب ، فدخل عليها رابط الجأش غير هيّاب ، وبحركة بارعة أقفل خلفه الباب، فأصبح مع الملكة وحيداً بدون حرس أو حُجاب، جزعت الملكة قليلاً لمقدم الشاب .. لكن عادت إليها الطمأنينة بعد أن عرفت الشاب ، فانفرجت أساريرها ورفعت عن وجهها النقاب ، وتبسطت معه بالحديث بلا ارتياب ، فلقد عرفته " شهريار" ابن الوزير الأمين فخر الشباب ، أدنته إليها وطلبت له الطعام والشراب ، فأسرعت الصبايا لتلبية الأوامر .. والحُجاب ، فدخلوا من أبواب جانبية غير ذاك الباب ، يقدمون له ما لذ من أنواع وما طاب ، وظنت " شهرزاد " بأنه سينقض عليها كالعقاب ، فما ارتعد وما تحرك منه إهاب ، نظرت إليه الملكة شهرزاد باستغراب ، وبالإشارة أفهمها أن ظنها به قد خاب ، فليس حضوره من أجل الطعام والشراب ، وأنه يوماً لم يجرِ وراء السراب ، أمرت " شهرزاد " الحضور بالغياب نظرت إلى " شهريار" باستغراب ، فلعله في حاجة لبعض السيوف أو الحراب ، أومأت لسيف زمرديّ ذهبيّ الجراب ، أشاح ببصره بعيداً نحو الباب ، نهضت " شهرزاد " تغلقه بارتياب0
وقفت إلى جانبه تزهو بأفخر الثياب ، إلى عينيه نظرت ، يتحدى الصعاب ، هتفت به تمتمت بإبهام واكتئاب ، رد الفتى بشجاعة غير هياب ، أفهمها بأنه يريدها زوجة بلا اغتصاب ، ضحكت فجلجلت فارتعدت الصبايا والحُجاب .. أشفقت عليه .. أشارت عليه بالإياب ، فما استكان وما تململ ، همس بعتاب : أنت هدفي ومرادي ولا أُفكر بالانسحاب 0
.. وطافت الصبايا والحُجاب بالشراب المختوم ، وقُدم الطعام لكل فم وفم محروم ، فهذا يوم زواج الملكة " المشئوم " ، أشفق الجميع على "شهريار" المحموم ، فزواجه اليوم وموته غداً مسموم ، " وشهريار" نشوان فرحٍ غير مهموم ، وتفرق الجميع وكل منهم بتثاقل يقوم .. والأب " الوزير" تناوشه الأفكار والهموم ، ساكن يطغى عليه الحزن والوجوم ، ففرح ولده للغد لن يدوم ، وسينتهي " شهريار" في الصباح عند غياب النجوم0
أوى " شهريار " للفراش لا يروم ، و" شهرزاد " حول الفريسة تحوم .. فالفرحة في قلبه كثيراً لن تدوم ، وتركها للفراش وحيدة تزوم ، جلس بعيداً مطرقاً كالمهموم ، نادته إليه فلم يلبِ ، لم يقوم ، عجبت لأمر الفتى المحروم ، اعتقدت بأنه على شبابه مهموم ، هونت عليه .. لاطفته .. طوقته ، هب كالمحموم 0
سألته أن يبدأ الحديث بشكل مفهموم ، طلب الأمان ، حيث كان الجميع منه محروم ، تنهدت ، أعطته الأمان بفم مزموم ، فانطلق " شهريار" بالحديث كالبركان المحموم0
يحكى أيتها الملكة العظيمة " شهرزاد" ، بأنه في القرن العشرين قبل الميلاد!؟ تسلط غول قبيح على العباد ، فطغى واستكبر وأكثر الفساد .. زمجر وعربد .. وخرب البلاد ، فهرب القوم بعيداً يرتجفون بارتعاب فللغول كل يوم فرائس بلا أعداد، والقوم عنه في هروب وابتعاد والضحايا كل يوم في إزدياد0
شُدهتْ للأمر وأصغت بلهفة " شهرزاد" ، وتابع " شهريار"، عن غول قبل الميلاد . وكثر عدد ضحايا الغول الرهيب وازداد .. فكان يلتهم فرائسه على غير ميعاد ، وبحث القوم عن مخرج .. كالمعتاد ، وبحثوا عن غولٍ آخر ليكون لعدوهم من الأنداد ، ليلقنه درساً ، ويكبله بالأصفاد !؟ ليحمي النساء والأطفال والأحفاد ، فوقع اختيارهم على غولٍ رهيب من خارج البلاد ، وعقدوا معه اتفاقاً ومعه كانوا على استعداد ، وانقادوا لأمره وطلباته أيّ انقياد !؟ ليسهلوا عليه الأمر .. وأزمعوا للغول اصطياد ، وأعدوا له السلاح والعتاد فقابلهم الغول بقوة لا تهمه الأعداد ، ففرقهم وغولهم الحليف من حيث أتى .. عاد ، وتركهم للغول طعاماً وسلاحهم كثير الفساد .. فأعمل أسنانه وأنيابه بهم وسهل له الحصاد ، فبكوا وأقاموا في الديار الحداد0
.. وفجأة خرج من بين القوم الطفل "سندباد" ، وهلل القوم : البطل اليوم قد عاد .. قد عاد ، طفل بطل لا يخشى الموت ولا يعرف الارتعاد ، رأسه شامخاً وقدماه في الأرض كالأوتاد0
.. ودارت معارك بين " سندباد" والغول .. ودق القوم للحرب الطبول ، رواها الرواة والكتب عنها تقول : أبلى فيها "سندباد" وسلب الألباب والعقول ، وفى المعارك كان يصول ويجول ، فجن جنون الدخيل الغول ، وهو يتلقي الضرب المتوالي المهول ، وعض على ذيله وهو يشعر بأن سلطانه يزول .. ونجمه الكريه قد أخذ في الأفول ، وهبت الأقوام لنصرة " سندباد" بالحلول !؟ واقترحوا على " سندباد" الحلول العدول ، و" سندباد" يعرف مكر ودهاء " الغول" ، فيلتحم بالعراك الرهيب مع نده العجول ، ويثخنه بالجراح ويذيقه العذاب المهول ، وأطبق " سندباد " على رقبة : الغول"، وقف هذا أمام " سندباد " مشلول ، يصرخ .. ينادى .. يولول.. يقول:
وأدرك " شهريار" الصباح فسكت عن الكلام المباح، وتململت الملكة " شهرزاد " في نومها ، وابتسمت وقد عزمت شيئاً في سرها ، فلقد فكرت واستقرت في رأيها ، أن لا تقتل غداً " شهريار" زوجها ، لتسمع منه بقية الملحمة كلها ..........0






