عندما لا نجد في اللغة تعبيرا موازيا لفرحنا أو حزننا .. نبكي
فالبكاء هو المعنى الذي لا تقوى على حمله الكلمات .. هو التعبير الأمثل عن الأحاسيس والاحتياجات التي تعجز الأبجدية عن ترجمتها .
إبكي في الليل إذا شئت يا أحمد فلا يراك أحد ليقرأ في هذه اللغة المرئية ما لم تجرؤ على الافصاح عنه باللغة المسموعة .. ماذا بعد ؟ هل ظل غير الصمت بابا مشرعا يمنحك الأمل بأن جهة ما أبعد من شفتيك المطبقتين يمكن أن تمضي نحوها لتجد هناك معنى لحياتك ؟
لعلي بدأت أفهم الآن لماذا خاط " احمد عبد السلام الفيتوري " رفيقي في الزنزانة شفتيه كقطعتي قماش ولماذا قطع " نافذ عطيه " رفيقي في زنزانة أخرى لسانه بسكين حلاقة ولماذا حبس " سليمان ابو عبيدة " لسانه سنوات طويلة في السجن ليكتفي من ثم بالهمهمة اذا ما رغب بالرد على أحد منا في الزنزانة .
***
ما فائدة الكلام عندما يشوه الجمود مهمته ويحرفه عن دوره ويلقي به اناءً فارغا في جملة الآنية الأخرى المستهلكة ، كالأحذية البالية ، أو عندما يصبح مجرد ثرثرة تضفي فقط بعض الصدى الباهت على هذه الوقائع الجامدة الشبيهة بمخلفات الموتى في الكهوف الأثرية .
***
" سعيد الأسدي " العراقي الأصل – وآمل أن يكون حيا ليقرأ هذه السيرة – وهو رفيقي في الزنزانة يتمنى لو يتعلم التطريز .. لعل سعيد مثل أولئك يريد أن يبحث عن لوحة أخرى للحياة مختلفة في مفرداتها وألوانها .. فالصنارة البكماء كالريشة البكماء أيضا تترجم أحيانا ، بكفاءة نادرة ، ما يهمس به الصمت للمتأملين .... هل ستنسل خيوطها من دجلة يا سعيد ؟ لتروي فيك ظمأ العودة للعراق ؟ من حقك أن تتمنى العودة لوطنك قبل أن تتحقق أمنيتك بعودتي أنا إلى فلسطين .. معذور أنت يا صديقي .. فموات الغربة وبؤسها يوقظا في كل منا ذلك الطفل الجائع إلى حضن أمه
" يا ليتني طفل يئن يجوع في ليل العراق .. أنا ميت ما زال يحتضر الحياة .. ويخاف من غده المهدد بالمجاعة والفراق "
أنتما السياب الشاعر والأسدي المقاتل لكما وطن ..
أم تمدكما بثدييها الحياة
ما بين دجلة والفرات
وليس لي أم سوى اسمي المبعثر في الشتات ..
ما زلت طفلا اتلمس ثدي أمي في حروف الأبجدية
أنا ابن من في الأمهات ..
"فلسطين"؟؟؟
هل يطمئن اسمها قلقي
هل يغذي حاجتي للدفء لفظ الأم في كل اللغات ؟
مضى زمن بعيد مذ القي بك عبر البوابة الحديدية ، جسدا ضعيفا استهلكت سنوات السجن عافيته لتعتذر لنفسك اليوم عن وهم تعلقت به هذه النفس فامتص منها طاقة البحث ، في صمت بلا جدوى ، عن وطن عن أم ضاعت ... جسدك الآن ياأحمدأولى بالاعتذار بعد أن نسيته طوال أكثر من ستة عشر عاما في الأسر فلم تشغل فكرك آنذاك بقيمة وبأهمية ثلاث وجبات تلتهمها يوميا لتغرقه في الصمت والنوم .
انهض الآن .. فلقد بسط الجوع سلطانه ولن تجد اليوم في هذه المساحة الممتدة ما بين بوابة الأسر ووهم الحرية من يزودك ، كالسجان ، بوجبة واحدة .. فلم تعد هذه الغابة الآدمية ,بين بوابة الأسر ووهم الحرية, تمنح الجائعين حرية التقاط الثمار بالمجان.. وليس في هذه المساحة غير الليل ميدانا تتحرر فيه ، مكرها ، من أردية الثورة ومن اثقال الفكر لتنطلق ، كالوحش ، بحثا عن وجبة تزدردها قبل طلوع الشمس ......... يتبع ...






