وحيدة جلست فجرا أمام شباكي، الذي طالما اعتدت عليه مغلقاً، جلست حزينة مقهورة ،أصغي للصمت ،نعم .. الصمت، ثم الصمت .
الهدوء يعم المكان من حولي ، وكالعادة دموعي تذرف على خدي.كأنما انتقلت شلالات الماء الرقيقة المتناثرة خلف نافذتي إلى وجنتيّ تنبهني إلى جمال خلق الله من حولي.
فجأة وإذا بنسماتٍ من الهواء تهبُّ على شُباكي ،لقد كانت كفيلة بفتح هذا الشباك المظلم ، لقد أزيحت هذه الستارة الآن !!
ماذا حصل؟
شعرت بنور يتسلل إلى غرفتي المظلمة، تغيرت تلك اللوحة التي أعيش في ظلّها، خرجتُ من نطاق غرفتي الضيق،انحرف نظري عن زوايا تلك الجدران ،تاهت عيوني عن طبقات الغبار التي تراكمت عبر الزمن ،تنفستُ غير الهواء الذي كان يكبت على أنفاسي دائما.
فوجئتُ باللوحة التي تمثلت أمامي مرة واحدة ، دهشتْ عيناي كثيرا من هذا المشهد الرائع، أنا الآن أرى مقلتاي تتشوقان لرؤية المزيد من الجمال ،يالهذا المشهد الملفت !!
نظرت إلى الخارج، وإذا بخيوط الشمس تعلن قدومها ،ملتفة على زوايا هذه الجدران،معانقة تراب الأرض ، لا أملك سوى استنشاق برودة الفجر ، لقد مدت الشمس لي أذرعها لتحتضنني ، لتغمرني بذاك الدفء الذي حُرِمَتْ نفسي منه طويلا ، لأول مرة أكترث لهذا الثوب الأخضر الذي ترتديه الأرض ، لأول مرة أحس بأنني أعشق هذه الورود اليانعة ، لأول مرة يجذب انتباهي مشهد الفراشات الراقصة على الزهور .
" كم أنت جميل أيها الربيع! "
وأخيرا قمتُ بفتح باب غرفتي ،تغلبت على بابٍ أسرني داخل مكان يصلح لأن يكونَ بوابةُ كآبةٍ دائمة ،لا أستطيع أن أصف شعوري في هذه اللحظة ،صوت أمي يصل أذناي؛ وهي تنادي أخوتي لتناول الإفطار ، كأنّما لم أسمعه قبل الآن أبداً ، أخي الصغير يرفض الطعام :
" أريد أن ألعب ، لا أريد أن آكل ، سأختبئ خلف الأشجار الجميلة " .
دقات قلبي ترقص فرحاً ، شفتاي المطبقتان لأول مرة منذ زمن طويل تتسارع لإظهار ابتسامات بريئة ،ملقيةً السلام على هذه الشمس، تحاكي الطبيعة، أدركت في هذه اللحظة أني لست وحيدة ، أصبحت أعد الدقائق ليأتي فجر يوم جديد.
أنا الآن مستلقية تحت أشعة الشمس الذهبية ، أسمع موسيقى عذبة ، تهديها لي هذه العصافير الهائمة على الأشجار المنتشرة في كل مكان من حولي ، قررت أخيرا أن أبقى حرة مع هذه اللوحة الرائعة ، وكلي شوق لاستقبال فصل جديد ، لأستمتع برسم لوحةٍ أخرى ، أمسََكتْ أناملي القلم وكتبت:
. [ إن الله جميل يحب الجمال ]






