أثر التطورات السياسية العربية
على وظيفة الدولة القائد
وازمة الامه العربيه
الباحث / يسري راغب شراب
المبحث الأول
نشأة النظام القومي العربي
يربط المفكر السياسي القومي العربي المصري الدكتور " أحمد يوسف أحمد " نشأة النظام القومي العربي بتأسيس جامعة الدول العربية في العام 1945 ويقول " أن تأسيس الجامعة العربية قد وفر إطارا تنظيمياً لتقنين علاقة التوافق العربي مما يعني أن الجامعة كانت عاملاً مساعداً في زياد كثافة التفاعلات العربية . وأما نقطة النهاية لمرحلة النشأة فقد كانت بداية لمرحلة المد القومي بين نقطتي البداية والنهاية حدثت تطورات سلبية وايجابية عديدة أخطرها هي هزيمة العرب العسكرية في فلسطين سنة 1948 ويذكر للنظام العربي في هذه المرحلة انه حاول إصلاح ذاته بعد الهزيمة بالتوصل إلى اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي عام 1950 والتي أدخلت تغيراً جذرياً على كيان الجامعة ويقول الكاتب الإسلامي العربي المصري الدكتور " محمد عمارة " في كتابة " الأمة العربية والتوحيد " سنة 1965 في المسيرة القومية للجامعة العربية كانت أربعينات القرن العشرين بوابة مرحلة بارزة ومتميزة فقد وصلت إلى المرحلة التاريخية القومية التي أصبحت فيها تنال بوعي وإصرار لبناء كيان الأمة العربية الواحدة ففي المجال السياسي كان قيام جامعة الدول العربية إيذانا بالمصير الواحد الذي ابرمه التاريخ لمسار الجماعة العربية الواحدة وفي الميدان الاقتصادي أخذت الجامعة العربية تعكس التقارب الاقتصادي وترفع شعارات التعاون الاقتصادي بين العرب وفي ميدان الثقافة العربية بعث التراث العربي لخدمة قضية الانصهار العربي والتوحيد القومي وكانت النشاطات التي بذلتها الجامعة العربية بمثابة الجهد القومي لتجميع وتنسيق العمل الثقافي العربي المشترك في العلوم والآداب والفكر والدكتور عمارة يرجع أسباب تأخر ظهور القومية العربية إلى الاستعمار الانجليزي ضد محمد علي منذ سنة 1841 / وضعف الخلافة العثمانية التركية المستعمرة للبلدان العربية إلى أن انتهت بهزيمتها أمام الحلفاء في الحرب العالمية الأولى ويقول رغم القبضة الاستعمارية المتمسكة بزمام العالم العربي في الأربعينات فإن هذا العقد شهد مدا تحررياً / وكان الاجتماع العربي الذي عقد بالإسكندرية ما بين 25 / 9 إلى 17 / 10 /م ووضع فيه بروتوكول الإسكندرية الذي نتج عنه التوقيع على ميثاق الجامعة العربية في 22/3/1945 تتويجً للعديد من المؤتمرات العربية السابقة / ففي 13 /12/1931 م عقد في القدس المؤتمر القومي العربي للجمعيات والأقطار العربية وقرر إن البلاد العربية وحدة واحدة لا تتجزأ وفي 15 /9 /1932 أنشئت الشركة العربية لإنقاذ فلسطين وفي 12 /9 / 1937 عقد في بلودان بسوريا مؤتمر شعبي عربي لبحث قضية فلسطين وتدارس الخطر الصهيوني الذي يهدد بناء الكيان العربي الواحد وكان المؤتمر تأييداً للثورة الفلسطينية التي بدأت بالإضراب الشامل لعشرة أشهر سنة 1936 واستمرت ثلاثة أعوام متصلة وفي نفس العام 1937 اجتمع المؤتمر الطبي العربي واستمر في عقد اجتماعاته السنوية حتى تأسيس الاتحاد العام للجمعيات الطبية العربية سنة 1941 وفي 11/10/1938 عقد بالقاهرة مؤتمر برلماني عربي للدفاع عن وجهة النظر العربية فيما يخص قضية فلسطين وفي 25/5/1942 تكونت بالقاهرة جمعية الاتحاد العربي وأنشأت لها فروعاً في بغداد ودمشق وبيروت وفي العام 1944 انعقد المؤتمر الأول للمحاميين العرب وفي العام 1945 م انعقد المؤتمر الأول للمهندسين العرب ومما سبق تبين أن قيام جامعة الجامعة العربية كان التجسيد الرسمي لتلك الحركات والجهود الشعبية والصياغة الحكومية لحركة القومية العربية ويؤكد دكتور عمارة على أن قيام جامعة الدول العربية كان نقطة تحول كبرى في تاريخنا القومي العربي وبداية حركة عربية واعية لإنقاذ الوطن العربي من هاوية التجزئة وهنا يتفق كلا من الدكتور احمد يوسف والدكتور محمد عمارة على اختلاف المنظور الفكري بينهما بأن الجامعة العربية هي مركز القوة العربية في المرحلة الأولى لنشأة النظام القومي العربي والرسمي ونحن نتفق مع هذا الرأي في بحثنا المحدد الرؤية والهادف لدراسة مفهوم ووظيفة الدولة القائدة للوطن العربي والذي كان في الأربعينيات يرزح تحت حكم الاستعماريين الانجليزي والفرنسي ولعبة جامعة الدول العربية في نشأتها من سبعة دول عربية الدور القيادي التجميعي للعرب في تلك المرحلة ما بين 1945 – 1954 وفي الدراسة العلمية التي أعدها الدكتور صفي الدين خربوش أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة ومعهد البحوث والدراسات العربية عن الفكر السياسي العربي وانبثاق وتطور القومية العربية جنباً إلى جنب مع انبثاق فكرة القومية التركية والإيرانية المستقلة بالانفصال عن الخلافة الإسلامية في بداية القرن العشرين حينما بدأ المفكرون العرب يتهمون الأتراك بتحويل الإسلام إلى مفاهيم سلطوية تعبر عن التمايز الطبقي أما الأتراك ومعهم الايرنيون فقد أعادوا تخلفهم للدين الإسلامي الذي أبعدهم عن اللحاق بركب النهضة وهكذا وجد العرب أنفسهم ينحازون إلى بريطانيا في الحرب العالمية الأولى ضد دول المحور للخلاص من الحكم التركي الذي تحول إلى استعمار متخلف وضعيف زاد الدول العربية ضعفاً وتخلفاً فقد قضت القومية والعلمانية التركية أعوام 1908- 1918 على الأسس السياسية الكونية الإسلامية وبدأت الملامح الإيديولوجية القومية العربية في الظهور بعد الحرب العالمية الأولى وكان ساطع الحصري وعبدا لله
العلا يلي أكثر دعاة الكمية العربية شهرة وركزا على الدور السياسي للإسلام في تكوين الأمة العربية على عكس حركة الإخوان المسلمين التي أسسها الشيخ حسن البنا سنة 1928 التي دافعت عن الوحدة الإسلامية رافضة فكرة الأمة العربية وامتد الجدل على الساحة العربية للبحث عن مخرج لأزمتين رئيسيتين هما أزمة النهضة وأزمة الهوية وكان السؤال السائد لماذا تخلفنا وتقدم الآخرون ويتبعه علامات استفهام حول السبل التي تحقق النهضة هل تكون النهضة بقيام وحدة إسلامية أم تتحقق بقيام الوحدة العربية أم يكون التقوقع الوطني هو السبيل لتحقيق النهضة لكل بلد وكان هناك دعاة ومفكرون يؤيدون الهوية الإسلامية وآخرون يؤمنون بالوحدة العربية والبعض يجد في الهوية الوطنية الخلاص الإنساني الذي يؤمن المصالح الاقتصادية والاجتماعية والوطنية وهذا السجال الفكري النظري ما بين الوحدة الإسلامية والقومية العربة والقطرية الوطنية لن يكون محل اختلاف في دراستنا الهادفة للبحث عن دولة قائدة تجمع حولها الشتات العربي / فنحن لا ندرس إمكانيات الوحدة الاندماجية أو الاتحاد الفدرالي للدول العربية لأننا مسلمون بالوجود القطري ونسعى للبحث عن أبسط أشكال التنسيق والتكامل الذي نرجو إن يصل إلى درجة التوحيد في الهدف ونحن في بحثنا عن مفهوم ووظيفة الدولة القائدة نحدد دورها ومكانها الجغرافي فقط داخل الوطن العربي لأن فكرة الدولة القائدة إذا ما انطبقت على البلدان العربية يسهل تصديرها إلى بلدان العالم الإسلامي وبالتأكيد أمانا صعوبات عدة تتمثل في وجود كيانات كبيرة عربية ترغب في الهوية القطرية
الوطنية بحجة أنها كبيرة لا تحتاج احد وهو أمر غريب لأن الكبير يكون كبيراً إذا ما التلف حوله الصغار وأما أولئك الصغار الأثرياء المتشبثين بالهوية القطرية
استغناء واستعلاء فلن يجدوا مذاقاً لأي حياة يعيشونها بعيداً عن هويتهم العربية لأنها مصدر التباهي والتفاخر التي تجعلهم يتمتعون بثروتهم والتحلل من الهوية العربية والدينية بالثروة انحلال سوف يؤدي في النهاية على الضياع والهوان فالانتماء يحدد قيمة الأشياء ومكانه الأشخاص وبدون انتماء كل شيء وكل شخص يتحول إلى سلعة تباع وتشتري دون وزن وليس لها أي اعتبار وسوف يأتي يوم لا يكون للامنتمي سعر يعتد به فالهوية القطرية الوطنية أمر مرفوض لأنه منبوذ أيا كان القطري يمثل كياناً كبيرا أو دولة صغيرة فلا بد من الانتماء لجوهر الأشياء في البحث عن الدور والمكانة أن كان على المستوي المحلي الإنساني أو على المستوى الإقليمي ودول الجوار أو على المستوى الدولي العالمي ومفهوم ووظيفة الدولة القائدة لا يلغي الانتماء الوطني المحلي الإنساني بل يسعى لتطويره إلى مستوى أرقى إقليمياً عربياً أو إسلامياً والانطلاق من هذا الانتماء إلى لعب دور هام ومؤثر على المستوى الدولي والعالمي ولن يأتي هذا الدور انطلاقا من الذاتية الوطنية أو الأنانية القطرية مهما حاول المتشبثون بفكرة القطرية الدفاع عن أنفسهم وانطلاقا من الحقيقة الثابتة في إن الهوية الوطنية الضيقة تمثل انحرافا عن الانتماء الأرقى وبالتالي هي دعوة للانحلال والتحلل من الموقف فإن الأمر أيضا يمثل في حقيقته خسارة مؤكدة على المستويات المادية والاقتصادية والاجتماعية بعيدا عن السياسة لأن الانتماء الأرقى من القطرية سوف يسعى بالتوافق إلى التكامل ضمن المنظومة الإقليمية المحيطة بالوطن أو الدولة وإذا ما تحقق التكامل اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً سوف تتحقق درجة أعلى من درجات الارتقاء الذاتي وطنياً وإقليمياً ونحن هنا ندخل المحدد الجغرافي من الوطن إلى الإقليم ومن الإنسان الفرد إلى الشعب والأمة والاقتراب يدعونا إلى تلمس الأشياء بذكاء وفطنه ونحن نسعى إلى دول قائدة لإقليم جغرافي يشترط إن يكون متلاصق الحدود ومترابط على البلدان العربية أكثر من انطباقها على الدول الإسلامية لأن رابط اللغة مهم وضروري في تقريب الرؤى الاجتماعية والثقافية ولا يجوز التجريب بالإلغاء بحثا عن لغة تفاهم أخرى تكسر المحددات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية والثقافية الإنسانية سعياً وراء تحقيق محدد واحد في الديانة الإسلامية التي تؤكد على أنها واحدة من ركائز التجمع العربي بل أنها المحرك التاريخي للوطن العربي الذي انطلقت منه الرسالة وكانت منه العبقرية التي انتقلت من المشرق إلى المغرب تعمر الصحراء الجرداء بالناس والأرزاق ويمكن القول إن سكان الوطن العربي في غالبيتهم العظمى ينتمون إلى القبيلة العربية ولا يمكن الآن الحديث عن الجذور الفرعونية في الشخصية الإنسانية المصرية وان وحدت الأقليات والقوميات الثانية البربرية أو الإفريقية في دول المغرب العربي وليبيا والسودان فهي لا تمثل تلك النسبة التي تلغي الأصول العربية الواسعة الانتشار فيها كما أنها لا تزال متخلفة في غالبيتها وارى دعوة انفصالية لمثل هذه القوميات تعني تخلفها بل المزيد من تخلفها ونحن نتحدث عن وطن كبير وكيان عظيم ولا سعى لإلغاء جزئياته فكيف يكون الحديث عن المجزأ من الجزء سيكون بالتأكيد أشبه بحوار الطرشان الذين لن يجدوا مستمعاً واحداً ينصت إليهم دون أن ينبذهم أو يتخلف معهم والحديث عن القومية الكردية أو الاثنية هو حديث عن القطرية التي تنفصل عن انتماءاتها الاجتماعية والثقافية والجغرافية باحثة عن دور هلامي سطحي انغلاقي بالتأكيد لن يحقق اى مكانة في عالم متداخل الأبعاد متشابك الاتجاهات وإذا كانت المسألة في الأربعينيات بحث عن الذات العربية بالبحث هن الهوية فيه ألان أهم وأكثر إلحاحا في ظل نظام عالمي يدعوا إلى عولمة الأشياء والأفكار والأشخاص والقيم والمبادئ ونحن لسنا بوارد الوقوف في وجه العولمة التي تحقق النهضة لجنوب العالم كما تحققت لشماله ولكننا نوجه السؤال لأعداء التكامل العربي : ما الذي تسعون إليه ؟ ما الذي تريدونه ؟ وما الذي يزعجكم لو كنا أقوياء في عالمكم ؟ بالتأكيد لن نصل إلى قوتكم ولكننا بحاجة للتعبير عن أمالنا وعن طموحاتنا وهذا هو جوهر حقوق الإنسان الذي يتشدق به نظام العولمة والنظام العالمي الجديد فلماذا تكون الولايات المتحدة دولة اتحادية بخمسين دولة ولا يكون العرب دولة أو نظام إقليمي محدد السمات والاتجاهات لماذا ؟ لماذا يكون المسمى المقبول لدى النظام العالمي لمنطقتنا الشرق الأوسط الكبير ؟ ولماذا لا يكون الوطن العربي الكبير ؟ فلسنا طامعين مثلا الإسلاميين بفكرة العالم الإسلامي وهنا القضية تتضح وتتحدد في البحث عن نظام إقليمي له تنظيم وهيكلية إدارية جماعية العوامل الدينية الرئيسية وكل من تجتمع له هذه الصفات وأهمها الثقافة واللغة الواحدة لابد وإن يكون عربي وأن ادعي انه كردي أو بربري أو شركسي أو ماروني أو إغريقي أو فرعوني كلها دعاوى قبلية مردود عليها جملة وتفصيلاً وسوف تأخذنا إلى صراعات طائفية وتعيدنا لعهد الثارات الانتقامية القبلية القديمة
وفي كتابه القيم / تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي يقول د . محمد جابر الأنصاري من البحرين إن حدود الفترة المعاصرة تبدأ بتحولات عربية إسلامية ذاتية عميقة منذ العام 1930 عندما أخذت تتجمع مؤشرات الإحياء التوفيقي المستجد بين التراث والعصر وذلك بعد إن تباعدت القيادات السلفية والعلمانية ما بين 1920 – 1930 وكادا يؤديان بانشطارهما إلى تصدع خطير في بنيان الأمة وكيانها الحضاري وقد كان بمثابة التمهيد أو حجر الأساس للاتجاهات القومية والاجتماعية في الخمسينيات وقد وجدنا أنها تتدرج في مجملها تحت الظاهرة التوفيقية التي تعود بجذورها التوفيقية الإسلامية بين الدين والعقل وبين مختلف المؤثرات المتباينة والمتعارضة التي هضمتها الحضارة العربية الإسلامية بعد إن قامت بعملية التوفيق في ما بينها والتي تفرض ذاتها بقوة كلما تعرض المجتمع العربي للعنف الاجتماعي والانشطار الحضاري بين التمسك بالتراث ومحاكاة الغرب تلك هي القومية العربية التي تؤمن بالعروبة والإسلام وتسعى للنهضة بروح التكامل وقمة الانتماء فلا تغالي في التطرف الإسلامي ولا تهادن في عبقرية الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم
في حدود المكان وفي كل زمان وما أشبه اليوم بالبارحة ونحن رغم استقلال كافة الدول العربية ما عدا فلسطين نعاني من التبعية الكلية الآن ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين وأمريكا بكل عنف تضرب الإسلام في أفغانستان وتقضي على العروبة في العراق ويبدو إن علينا استعادة قيمنا العربية التوفيقية التي ظهرت في ما بين العام 1930 والعام 1945 قبل قيام جامعة الدول العربية وكأنها تدعونا إلى التفكير بإنشاء جامعة عربية جديدة وأكثر قوة وفعالية لها قدرات ميكانيكية قيادية شمولية ففي مرحلة النشأة كانت جامعة الدول العربية هي أقصى ما وصل إليه النظام الرسمي العربي تحت الاستعمار الذي كان يحول دون نشوء كيان جماعي عربي عندما نقض وعوده للشريف حسين في إقامة المملكة العربية المتحدة.
ويعدد ساطع المصري ابرز مفكري القومية العربية اتجاهاته في الفصل بين العروبة والإسلام قائلاً / هناك جماعات عربية غير مسلمة ومسلمون من غير العرب ولا يقتنع بوحدة الأصل العربي لان كل الأمم نشأت من تداخل عشرات الأعراق والأجناس وليست العروبة تعبيراً عن إرادة أو مشيئة أنها صفة طبيعية وجدت بشكل تلقائي إما الاقتصاد فلا يكون الأمم أو يوحدهم لكنه يقوي الأمة وان وحدة اللغة والتاريخ المشترك وحدهما مع التلاصق الجغرافي المكونات الأساسية والدائمة للأمة العربية ولا يفصل البعث العربي على لسان مؤسسة "ميشيل عفلق" بين القومية العربية ومقوماتها الثقافية والدينية وهي التي تميز العرب كعرب ولكنها بعيدة عن العنصرية أو الأفضلية أنها عاطفة سامية وجدت كما توجد الأسرة الواحدة في بيت واحد وهذا هو ما نسميه الانتماء ويقول انه الحب بكل سمو ورقي العواطف الإنسانية النبيلة ولكننا نتفق جميعاً على إن مقومات القومية العربية تتمثل في وحدة اللغة ووجودها منذ أقدم العصور وهي لغة القرآن الكريم ووسيلة التفاهم والتجانس الاجتماعي والثقافي والإنساني كما قال المفكرون العرب الأوائل وأبرزهم الحصري وعزة دروزة وابن باديس والارسوزي وعفلق / ثم أكد عليها عبد الناصر في الميثاق الوطني المصري ما بعد مرحلة نشأة النظام الرسمي العربي ويتفق عفلق مع الحصري على وحدة التاريخ العربي القديم قبل الإسلام وبعده وهو ما لم يغفله الناصريون في الميثاق الوطني رغم الاعتراف بالتاريخ الفرعوني فإنه أكد على إن تيارات التاريخ التي هبت على المنطقة العربية كانت واحدة اى أنها مؤثرة وفاعلة على أجزائها ولا يمكن إن ننفي وحدة الأصل وتشابه العادات والتقاليد وليس في الأمر عنصرية بل هي وحدة الدم التي نشأ عنها تشابه الطقوس الاجتماعية ما بين الحزن والفرح وهذا كله يتطلب وجود إرادة واحدة ومشتركة تواجه التحديات ذاتها التي تصيب كافة الأقطار العربية لتوحد نضالها وجهودها في مقاومة الاستعمار والتخلف والتبعية والتي كانت تقف وراء قيام جامعة الدول العربية في العام 1945 م والتي كان لها إن تلعب دور الدولة القائدة في مرحلة النشأة ما بين أعوام 1945 – 1954 م لغياب الدولة القوية القادرة على تجميع كافة الدول حولها بسبب الأوضاع القبلية لأنظمة الحكم الملكية في مصر والأردن والسعودية واليمن ولبنان وسوريا وهي مجموعة الدول المستقلة التي وقعت على ميثاق الجامعة العربية عند تأسيسها سنة 1945 ونصل هنا إلى الدور القيادي الذي لعبته جامعة الدول العربية في تلك المرحلة المبكرة وهي التي ستقودنا حتماً إلى أهم الأعمال التي قامت بها الجامعة آنذاك وكيف واجهت الإحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية العربية في الأعوام ما بين 1945 – 1954 في الكتاب الشهير لعبة الأمم " لمايلز كوبنلند" إشارة إلى أهم الإحداث في العلاقات العربية الدولية خلال الفترة 1945 – 1954 تتضمن مذكرة السلام البريطاني في الشرق الأوسط وإعلان مبادئ ترومان وخطة مارشال والإحداث في سوريا وكلها جرت سنة 1947 ثم إعلان قيام إسرائيل واشتعال نيران الحرب العربية الإسرائيلية الأولى سنة 1948 من بعد اتفاقية الهدنة بين العرب وإسرائيل وانقلاب " حسن الزعيم " في سوريا سنة 1949 ويأتي إلى ذكر حريق القاهرة وسفر المسئول الأمريكي كرميت روزفلت إلى القاهرة ولقاءاته مع اثنين من الضباط الأحرار المصريين هما على صبري وعبد المنعم أمين وكما ذكر كوبنلند تمت المقابلات قبل وبعد قيام ثورة يوليه سنة 1952 ويركز على اجتماع أيدين البريطاني مع القادة الأمريكيين لإعداد خطة موحدة للدفاع عن الشرق الأوسط تبعها اجتماع دالاس وزير خارجية أمريكا بعبد الناصر ثم الإطاحة بحكومة مصدق في إيران سنة 1953 وتشتعل المواجهة الدولية على الساحة العربية مع إقالة اللواء محمد نجيب وتنحية أديب الشيشيكلي في سوريا وتولي الرئيس جمال عبد الناصر رئاسة الجمهورية بعد توقيعه اتفاقية الجلاء البريطاني فيه الدعوة إلى إنشاء ما سمي يحلف بغداد سنة 1954 وكانت هذه الأحداث مقدمة لمرحلة جديدة في العمل العربي والقومي وفي كاتبات الدكتور احمد يوسف نجده يشير إلى حدثين مهمين في تلك المرحلة وهما إنشاء جامعة الدول العربية سنة 1945 ويقول أنها كانت اتساقاً مع تيارات فكرية وقومية انتشرت في ذلك الوقت وعبر تفاعلات عربية غير رسمية تجلت في العديد من المؤتمرات المهنية سبق وان اشرنا إليها ثم يشير إلى الحرب العربية الإسرائيلية التي على وجود قاسم مشترك في نظرة الدول العربية المستقلة رسمياً كلها تعترض على إعلان الملك عبد الله ملك الأردن ضم الضفة الغربية الفلسطينية إلى الأردن والذي أدى إلى مقتله سنة 1950 ونتوقف عند هذه الإشارات من وجهة نظره ككاتب قومي عربي يختلف أو على النقيض تماما عن رؤية الكاتب الأمريكي مايلز كوبلند الذي يسوق لأفكار مغايره أو معاكسة للنظام القومي العربي بالتأكيد والدكتور احمد يوسف يؤكد على أهمية العلاقات الثقافية العربية ويحرص على تأكيد سمة التوافق السياسي العربي ويطالب بمزيد من التعاون الاقتصادي تأكيداً على الأرضية العربية المشتركة في وحدة الأصل واللغة والتاريخ وهي أمور كان الاستعمار ولازال يريد التغطية عليها بل ومحوها من الذاكرة العربية ففي الوقت الذي يرى فيه الكتاب الأمريكيين أن النظام الأمثل هو نظام الشرق الأوسط الذي يضم إيران وتركيا وإسرائيل مع العالم العربي فأن الكتاب العرب أمثال / د . أحمد يوسف والدكتور محمد عمارة يصفان إيران وتركيا وإسرائيل بدول المحيط أو دول الجوار للعمال العربي الذي يربط أعضائه العرب عوامل ذاتية موضوعية تتمثل في التلاصق الجغرافي والتاريخ الإسلامي مع معاناة نفس التجربة الاستعمارية ونفس المشاكل السكانية التي يحاول الاستعمار تضخيمها للتقليل من القومية العربية ورغم الاتفاق على ضعف درجة النضج المؤسسي للنظام العربي الرسمي وانعكاساته على أداء جامعة الدول العربية ألا أننا نجد في الكثير من الكتابات العربية القومية وغير العربية إشارة بوجود جامعة الدول العربية على أنها خطوة على طريق الوحدة العربية وتعبيراً عن الانتماء القومي العربي للدول المنضوية تحت لواءها ويبرر د . / أحمد يوسف هذا الضعف المؤسسي بأنه كان ولا يزال نتيجة لأن القرارات الرسمية العربية تعبر عن إرادة الرؤساء والقرارات وتثبيتها وكانت النزاعات القبلية الملكية للنظام الرسمي العربي في مرحلة النشأة ما بين أسرة محمد غلي في مصر والهاشميين في الأردن والعراق وآل سعود في السعودية والزيدية في اليمن تتنازع على الدور القيادي للأمة العربية مع حركة التغريب بين العائلات المارونية اللبنانية رغم وجود تيار مسيحي كبير كان يدعو للقومية العربية في افكار / ميشيل عفلق وقسطنطين رزق وجورج حبش وغيرهم من المنظرين للفكر القومي العربي ويرى الدكتور / محمد عمارة أن الإقطاع العربي الذي تربع على السلطة سواء الملكي أو الجمهوري استخدم نفوذه وسلطانه في الاستعاضة عن مفاهيم الوحدة والاندماج بمفاهيم التنسيق والتعاون وهذا الظرف الموضوعي هو الذي فرض على القوى العربية أن تعيش مرحلة النشأة في الوحدة والاندماج بمفاهيم التنسيق والتعاون وهذا الظرف الموضوعي هو الذي فرض على القوى العربية أن تعيش مرحلة النشأة في إطار التعاون على أن هذا لا يعني التقليل من قيمة النظام العربي الرسمي في وجود جامعة الدول العربية والتي نص ميثاقها على توثيق العلاقات بين الدول العربية وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً لتعاونها والنظر في شؤون البلاد العربية ومصالحها بتكوين وإنشاء إدارات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وإدارة المواصلات العربية ثم أضيف إليها بعد حرب فلسطين إدارة مقاطعة إسرائيل وإدارة البترول هذه الجامعة أدت وظيفتها في إنشاء إطار عربي يجمع البلدان العربية الرسمية لعدم الاتفاق على الدولة القائد فكانت مقدمة لمرحلة الم القومي العربي تحت قيادة قومية عربية تمثلت في شخص الرئيس المصري جمال عبد الناصر وفي مصر الدولة الوحيدة القادرة على لعب دور الدولة القائدة في الوطن العربي دائماً ومع غياب هذا الدور الفردي في قيادة الوطن العربي يمكننا القول بأن جامعة الدول العربية لعبت دوراً انتقالياً مهماً ومرحلياً مؤثراً وإن كان على التعاون والتنسيق ألا إنه أكد على الوجود العربي ذاته وهذا ما نلمسه في النقاط التالية :-
1. ففي المجال السياسي لعبت جامعة الدول العربية دورا في وحدة كلمة العرب داخل المنظمات الدولية والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي وأبرزت الشخصية العربية بصرف النظر عن الكيانات المتناقضة كما ساهمت في الدعاية للقضايا العربية وساعدت على خلق الأجواء السياسية التي قامت في ظلها ثورة يوليو المصرية سنة 1952 وأعطت زخماً لاستقلال السودان وحركات التحرر العربي في تونس والمغرب وليبيا , وقويت بها سواعد الأحزاب القومية العربية والدفع بها في العراق وسوريا وأعطت المجال لانطلاق ثورة الجزائر في 1/11/1954 كما حافظت على جوهر القضية الفلسطينية الوطنية
2. وفي المجال الاقتصادي تحقق بعض التقدم في مجالات التجارة العابرة للحدود العربية بالإعفاءات الجمركية وقد تضاعف الميزان التجاري المصري عشر مرات مع العالم العربي ما بين أعوام 1945 -1954 م وطرقت أبواب ناقشت خلالها الوحدة الاقتصادية العربية والتكامل والسوق العربية المشتركة
3. وفي المجال الثقافي قامت جامعة الدول العربية بدور فعال ومؤثر خلال تلك الفترة ويشهد معهد البحوث والدراسات العربية الذي أنشئ سنة 1953 بعمادة المفكر القومي العربي " ساطع الحصري " على هذا المجهود بجانب مساهمات الجامعة في تعريب التعليم داخل البلدان العربية المستعمرة في المغرب والمشرق وقدمت ذخيرة من كتب التراث والإدارة واللغة والمخطوطات
4. وفي مجال حيوي وهام هو مجال النقل البري والبحري والجوي سعت إدارة المواصلات في الجامعة لوضع الخطط الكفيلة بإنشاء طرق اتصال ووسائل ارتباط تلغي الحدود المصطفة بين الدول العربية ويكفي بما يعنيه وجود إدارة مستقلة للمواصلات من أهمية هذا الجانب في التواصل الجغرافي العربي
• هذا عن جامعة الدول العربية كإطار مهم يحقق ادوار ووظائف الدولة القائدة المؤسسية في تحقيق أهداف العرب الوحدوية والتحررية والتنموية التكاملية على كل المستويات .






