السبت - 2008/11/22

معالم الحداثة في كتابة الشاعر منذر بشير الشفرة بقلم:أسمهان عنابي

تاريخ النشر : 2008-10-06
القراءة : 259


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

معالم الحداثة في كتابة الشاعر منذر بشير الشفرة
بقلم
أسمهان عنابي






" مثلما كان التلفظ تعبيرا بالكلمات وأيضا بواسطة النطق واللهجة والحركات والسمات وهذا المعنى المضاف يوحي لا أفكار المتكلم فحسب ولكن أيضا معين أفكاره وطرائق وجوده الأساسي..هو ذات الأمر بخصوص الشعر إذا ما كان بالصدفة سرديا وأحد تلوينات الوجود."
مرلوبونتي( فينمنولوجيا التقبل, قاليمار 1945,ص.176


صدرت بتونس المجموعة الشعرية الأولى للأديب القيرواني المنشأ منذر بشير الشفرة بعنوان يثير الانتباه ويحير في آن "أنامل وأقراص ليزر" وللوهلة الأولى اختلط في ذهن القاريء عمق الإحالة التراثية من خلال اللوحة الزيتية المرسومة على الغلاف وهي من إبداع الشاعر والتجاوب الحميمي ما بين الأصالة والمعاصرة, ولا يمكننا في مصافحة أولى لهذا الأثر المميز الا العودة الى ما كان صرح به الروائي السوري حين التقى الشاعر بالقيروان أمام ثلة من مثقفي المدينة في ربيع 2004 " ان القيروان تحفل بالشعر وما سمعته من الشاعر منذر الا رجع صدى لتراث يتموج للحاضر في تواجد حنيني" وما أقره الشاعر التونسي المميز الدكتور محمد الغزي" شعر الشفرة تغزل وجداني باللغة وسكون الماثل أمام قدسية الابداع كعاشق أبدي للحب والمدينة"

لا يمكن الحديث عن تجربة الشاعر التونسي منذر بشير الشفرة دون إدراج مفهوم الحرية ضمن منظومة ابداعية متكاملة وذات روابط منطقية لا يمكن حصرها داخل بؤرة الانتماء ولكنها تتحسس طريقها الى مشارب عدة انسانية الطبع ومتنوعة المسارات حيث الطبيعة الأولى الغناء التي تحتمل مفاهيم الأخوة والتضامن دون فرادة ولا تبجيل للأنا. هكذا شرع الشاعر للرحيل في آخر قصيد يختم به ديوان "أنامل وأقراص ليزر"
باب القدة( من أبواب القيروان)
"مغالطة حواريك القديمة...صفرة تصرع الباب البالي
وتؤرخ باب الرحيل
مرت من هنا جحافل الهلاليين والسنابك
وذوى درك كان يرفل في الثنايا...
قد تحجبها الرؤيا...قد تعلن اصباغا
بمحبرتي
لكن زمانك ولى في لعبي
دوى خببا يسري بحنجرتي..."
الحرية بين الذات -الآخر إعلان إفلاس على الملإ حتى تشرع للعود على بدء من خلال قانون الأصالة الطبيعي بلا طبقية مقيتة كما تفضل بتحليل ذلك الدكتور أكرم سالم :
"وبتحول الحرية الى ضرورة اجتماعية وفردية فانها بالتالي قد حكمت على ذاتها كحرية ناقصة قيد البحث ، اذ ان حرية الانسان الاول في ابتعاده عن الطبيعة وسيطرته الصغيرة على بعض جوانبها قد حملت معها البدايات التاريخية لفقدان الحرية ، فضمن حكم التحرر المبتدىء من الطبيعة تولد حكم القيد الاجتماعي ، ويؤشر ذلك ظاهرة جدلية من خلال ميلاد شكل من اشكال الحرية وفقدان شكل آخر ولو انه لا يمكن أن يفهم خارج نطاق العلاقة بين الضرورة والحرية مما يجعل ديالكتيك المسألة دقيقا جدا ."
هل الشعر شكل من أشكال الحرية؟


وحتى يتسنى لنا أن نلج الى أعماق هذه التجربة الأصيلة يمكننا العودة الى ما قاله شوقي بزيع في كتابة الشاعر منصف الوهايبي لأنه يمثل أحد الرموز الشعرية التي حددت ملامح تجربة كل من الشاعر فتحي النصري ومنذر بشير الشفرة وحافظ محفوظ وذلك بعيد نشره للمجموعة الأخير بدار النهضة.
في مجموعته الجديدة «كتاب العصا وقصائد من فهرست الحيوان»، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت،" تتجه قصيدة الوهايبي الى مزيد من التأمل في احوال الذات والعالم بقدر ما تنشغل بالكتابة نفسها كوسيلة وغاية في آن واحد. على ان العنوان الطويل الذي اختاره الشاعر لمجموعته يحمل بحد ذاته دلالات على مقاصد الوهايبي ومراميه. فالدلالات المتعلقة بالرمزية الدينية والجنسية والتأويلية للعصا تتكشف أبعادها في القصيدة الأولى مع تركيز واضح على الربط بين الدلالة السحرية لهذه الاداة التي استخدمها موسى لإثبات نبوته في وجه السحرة الماكرين وبين الدلالة اللغوية لها حيث يصبح حرف الالف المشابه لها رمزاً لفعل الكتابة نفسه بكل ما يحمله من عناصر الغواية والشغف والمتعة من جهة وعناصر القلق والريبة والشكوك الدائمة من جهة أخرى." وينطبق قول شوقي بزيع على تجربة الشفرة التي تذكرنا بتلوينات أنسي الحاج ومخيال يوسف الخال:قصيد الوهايبي هذا يشير الى حلم الشفرة وتوقه:


"الكتابة مثلي ومثلك
تحمل أمواتها في ثنايا الكلام
والكلام لهم هؤلاء الذين ينامون في نومنا
حيث نحن ننام:
في منازلنا
او على مقعد في الحديقةِ
او في رخيص الفنادقِ
مثلي ومثلك في حلمهم يحلمون"
يكتب الشفرة في مجموعته "أنامل وأقراص ليزر" عن وعي بالظاهر المبطن دواخله :
إدراك
لم وجهي ينساب اليك
ويراق احتفاء
بين يديك
عله الشوق الدفين
ام ترى خجلي
من وجنة حرى
راحت عنها القبل"
ويعلن الشاعر ايضا عن ميلاد جديد بعيون راحلة تعلن طيرانها الى آفاق الكتابة والتشكيل والرسم:

أسراب العيون
هي ذي اسراب العيون قادمات
خببا تغشى البلدة مل الجنوب
تبعث النور نيزكا يتهجى
زمن الرؤيا في جفون الحبيب"


كتابة الشفرة تعود الى مرافيء الذكرى وتوقع استيطيقا جديدة لليد الممدودة كحقل من رؤى خصبة. إن السماء التي يطمح اليها الشاعر آبقة ولا ترتضي لنفسها سوى لغة العين والغوص في العناصر الأربعة التي أوردها باشلار وطور نحتها جان بيار ريشار في دراساته النقدية:
بكفيك أينع عشب الذاكرة

"وأحتاج همسي لأقبض شيا
من العين ترنو اليا
وأحرس سفري لعل المرايا
باقراص ليزر ترددني حلمها الافتراضي...تشرعني
ظلها...لا...
أصير سويا
أنامل من فيض حسي...وشمسي"

كيف للقاريء أن لا يشعر بوقع الوجد وقوة الاختزال في حلم الحلم والسفر الأفتراضي . لقد قسم الشاعر منذر بشير الشفرة مجموعته الى ثلاثة أحلام متباينة ومتكاملة في آن,

"حلم افتراضي 1 من أي قافية أتيت؟" ومن خلالها يتبين الوجود الانساني كبحث ما قبلي,
"حلم افتراضي 2 كرميم النخل صمتي..."وهو ثقل التراث وكاهله,
"حلم افتراضي 3 هل من شراع؟" البداية والنهاية بالسؤال وطيف الأمل,

تقسيم يبين أفلاك الحداثة داخل أنساق من المخزون التراثي فالقطيعة المعلنة اثر الحداثة ما هي الا استبطان لخيط حنيني مرهف ولعب منطقي بمرجعية الفيلسوف "هويزنقا" كما تفضل بتبيانه الأستاذ حاتم النقاطي في مقالته عن منذر بشير الشفرة أو لاعبية الذات, فالقصائد تنبيء عن رمزية تنهل من روافد الفكر الصوفي الذي تميزت به مدرسة القيروان في الشعر من الشاذلى عطاء الله الى الناصر صدام فمحمد الغزي ومنصف الوهايبي. لا يمكن ولوج عوالم منذر بشير الشفرة دون العلم بسعة اطلاع هذا المبدع الملم بلغة الضاد ولغة فولتير في آن. هي موسيقى الفرادة والوحدة مع الذات:


"ألسنة النشيد
من صبوة كانت اغاريد الحصى والمجاري
تقفو حروف الظل والكلمات
لهبا من وسط شمس العين أرغت جنونا
ما بال اغنية قد قدست لسني؟
ما بال ركب البيد يغزو حينا ترديدا؟
هذي شعور الكتب قد نتفت
وانساب منها الحرف منتحبا
غرا بدت خيل الكلام تعرت
في الرمل قافية
للفرح أقبية
وفي سواد الهدب نشرا سابحا من صراخ
نار الخطى قد جمعت شعر المسافات التي انتثرت
حبا نما بعين زرقاء اليمامة
ذراه سمع مظلم نارا
فكر رحيب السعي
قد ضاقت صحارى من عباراته
فصار ورقا من ذبول
واهتراء
قل ينبت النضير من كفن الحاء
وذي تمائمي بدت شيبا على خصلات أوراقي
أعجاز نخل مثقل ذكريات
حبلى بأطياف الصفير"
يتبين لنا من خلال العملية الابداعية لدى الشفرة أن الجميل هو صنو المتعالي كما بين ذلك الفيلسوف كانط فالمتعالي خاص ولا يشبه الجميل في شيء. يتبدى الجميل دوما لنا بشكل محدد ويعطينا سمة اللامحدود, يتميز هذا العنصر وصنوه بطبيعتهم والمشاعر التي يولدانها.
في مرحلة ما يتدفق النظري في الابداع ويكون اللسان العضو في البدن متكلما عن ذاته:
اللسان الضرير
حدث اللسان قال:
هجع الألى بقلائدي وناموا,,,وسرت
بلحمي رعشة
ودنا باض العين من سوادي
فدخلت آجام اللئام شريكا
وشربت نبعا من حديث صمتي
برح الندى فصرت
أيكا بلا ماء ولا طير ولا حتى احتدام
ينطوي زمن الحجارة
ورقا يهوى الانحدار...."
وفي سكون الحرف المارد تورق القدسية لدى الشاعر الشفرة كلمات من سحر وفيضا من سكون ولعل قصيده العتبة على ايجازه يكشف ستر الحياة ويعبر عن سر الداخل والخارج والباطن والمصرح به والسجن المحرروالحرية الآبقة:
"العتبة
من جاوز الباب كي يخرج مني
لا تدعه يصارع
فأنا البيت وأنا الشارع"

إن الباحث المتأمل لكتابة الشفرة يلحظ جليا تأثيرات الشعر الفرنسي المعاصر من تجارب قييفيك وجامس ساكري وهنري ميشو كما تتبدى التلوينات البصرية والإيقاعية صدى لشعر أدونيس وأمل دنقل وخليل حاوي فهو لملمة لممالك عدة في خط واحد يطغى عليه النفس الصوفي وهو الشيء ذاته الذي يتبدى في ديوان الشفرة المخطوط بالفرنسية والذي نشر منه أجزاء عديدة في جريدة Le temps التونسية في الثمانينات من هذا القرن وقد عنون مجموعته كالتالي" لمن تدق أجراس القيروان؟"Pour qui sonnent les glas de Kairouan ? فالباحث في مخيال هذا الشاعر القيرواني المنشأ والعربي الانتماء يذهل لتعدد مشاربه وتنوع فضاءاته الرمزية كالذي يتبدى بقصيد" غادة الشانزيليزيه"

"نفضت عن خصلتها نور الصباح
وجدت حين دغدغ دخان السيجارة
أهدابها المصطنعة
وتسلل للشعر المسدل ألف شراع
وجناحا دوران
يحلم بالسبايا
بطل يراوح ما بين الرشيد
والأمين والمأمون
بطل تغتاله الدنيا تنأى عنه العيون"


وإذا كان الخطاب له من الأنظمة ما يجعل له آليات اشتغال خفية، فإنه يختلف عن هيكلية القصيد المتمثلة في الشكل والمضمون. فلا يرتكز بوصفه نقيضاً للجمالي أو مبغضاً له، كما أنه ليس رديفا للمضمون الذي يعد معنى ظاهراً وسطحياً. إن الخطاب الشعري من هذا المنظور صورة أقرب للاحالة الميتافيزيقية التي تؤثر في وجود أنواتنا دون أن نشهد اختزالها. وعليه لا يشترط الخطاب من أجل أن يعمل أن يكون هناك نص شعري ذي مشارب واضحة المعالم و عالي الجودة وآخر ضعيف المستوى. إنه نظام أساسي لجملة نواة يحضر في أي نص شعري سواء كان مميزاً أو ضعيفاً. غير أن ذائقتنا الشعرية التراثية تعجز عن مقاربة الخطاب في النصوص التي لا تستجيب لأذواقنا المتعددة المناهل,
تجربة الشفرة فريدة لأنها متمردة وخارجة عن السرب وقدر لها أن تحلق ضمن أصوات مختلفة التلوينات.

. ومن هنا تأتي كتابته الشعرية والغنائية و السردية في آن واحد لتنقلنا من ظل المكان إلى عالم تتخلص فيها من نفيها وإقصائها. فهي تحاول من خلال كتابتها إلى إقصاء الرؤية الواقعية للمكان، وإحلال تصورها الشعري المتخيل. فمن حيث الخطاب، لا يؤخذ غياب المكان عن كتابة الشفرة على أنه نقيصة بمنظومة جمالية ما، بل خطاب مبطن غير واع يتجسد في تغييب المكان. فهل حققت له كتابته الشعرية بما له من زاد نقدي قدرة على اختراق حجب المكان المغلق التي ظلت تطارده بمدينة تأبى الحلم خارج السرب حتى وهو يفعل خطابه ويفصح عن أزمته الوجدانية ؟ إن الشاعر المغامر هو في نهاية الأمر هو سليلة واقع من الإقصاء بمفهومه الثقافي والاجتماعي. السؤال الآن، كيف سيتمثل الشاعر تجربته بلغتين؟ لغة الضاد التي فرخته ولغة فولتير التي منحته أجنحة؟ ربما جاوبنا الشاعر في مجموعة قادمة.












المراجع:
أنامل وأقراص ليزر, منذر بشير الشفرة, الطبعة الأولى,تونس,2006


……….
AQUIEN Michèle, La Versification appliquée aux textes, Nathan Université, coll. « 128 », 1993
DESSONS Gérard, Introduction à la poétique – Approche des théories de la littérature, Dunod, 1995
ARISTOTE, Poétique [IVe s. AC], Livre de poche, 1990
BOILEAU Nicolas, Art poétique [1674]
KRISTEVA Julia, La Révolution du langage poétique – L’avant-garde à la fin du XIXe siècle, Seuil, 1974
Au choix : FOURCAUT Laurent, Lectures de la poésie française moderne et contemporaine, Nathan, 1997
LEUWERS Daniel, Introduction à la poésie moderne et contemporaine, Dunod, 1990
COHEN Jean, Structures du langage poétique, Flammarion, 1966
RIFFATERRE Michael, Sémiotique de la poésie [1978] Seuil, trad. 1983
CLAUDEL Paul, Réflexions sur la poésie, NRF, coll. « Idées », 1963


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 1
  1. تحليل عميق
    منذر بشير الشفرة ، 06-10-2008