إنها تُمطِر ثلجاً
أسامه شيخ إدريس/ السودان- الخرطوم
مابينَ دِفءَ غُرفتي ورياحُ يناير شيءٌ من تراخِي ٍوثورةٍ
بالأمس.. حشوتُ بعضاً مِن الخُرق الباليةِ علي فراغِ النافذةِ الشماليةِ.. ذاك الذي بين الحائِط الطيني وإطارها الخشبي. فأكل الفراغُ في جوفِه جوالاً من (الخَيش) وبعضاً من( إسفنج) مرتبتي القديمة وأشياءَ أُخري .
جاءَ شتاءُ يناير أكثرَ ضراوةً هذه السنة ومكثَ طويلاً يحُوم ويُزمجِر بفِناء دارُنا الواسِعة المُمتلِئة بالفراغ إلاّ مِن غرفةٍ يتيمٍة تقِف (مُتكئةٍ) علي (شِعبةٍ) من (الدوم) تُسنِد سقفِه وهي تُمارس هذا الثبات مُنذ أيامَ جِِدي الرابع... وتؤنُس وحشة غُرفتي شجرةَ نيمٍ وحيدة. تتعري كلَ شتاء وتنتصبُ بوسط الحوش كأنها شاهد موتي.
يشكّلُ التقاربُ مابين الأرضِِِ والنافذةِ حِلفاً علي جوفِ غُرفتي المُتعَب فتُلقِمانهُ بعضاً من التراب الناعِم ووريقات شجرة النيم اليابسة
تلك التي تُزمجِر بالخارج لم تكُن تقصُد غُرفتي وحدها بل تجتاحُ كل شيءٍ كالجراد فتملؤه جوعاً وبرداً.
تلُفني غُرفتي بحُضنها البارد المهزوم فأدسُ جسدي بوسَط الفراش أبحثُ عن بعضِ ِفُلول الدفءِ الهاربة وقدماي المُتسِختان المُتشقِقتان تعلقُ بهما خيوط الملاءة (فتتمزق إرباً) وكأنهما أقدام تُمساح ٍ يَخافُ الماءَ. تتشربُ قدماي نِصف زجاجةِ جلسرين كل يوم وتظلاّن كجروفِ الأرضِ الشبِقة لا ترتوي أبداً ومختار يتحسر علي غفلته فلم يكن يدري أنْ شِتاءَ هذا العام سوف يُقضِي علي كل زُجاجاتِ الفازلين والجلسرين المرصُوصةِ علي رفّ متجره
تتجاوبُ كل الأشياءِ من حولنِا مع (عِزيْق) الريحِ الباردةِ حتى أن (إبريقَ) الوضُْوء بالخارج تعبث الريحُ بجوفِه فيُجاوبها بصفيرٍ مزعج ٍ وتدخُلُ عنوةً عبَر فتحات الباب الواسعه فيئنُ مُنهار القوي مُتصدّع المتاريس.
هذا العتيق مُتشقِق الطلاء يخونني في كل مرة.
هذا البابُ المتواطيء يُدخِل ماءَ الخريف وغُبار مايو وزمهرِير هذا الشتاء دون إذني !! ويظل هكذا مُتصدع المتاريس مُتشقق الطلاء غير انى اختلس من خِلال فتحاتهِ النظر الى شجرةَ النيم في فناءِ الحوش تتلوي لتُواري سوءتُها. كالعاده جردّها الشتاءُ حياؤها فإنتصْبت عاريةومعروقه لم تعُد بِِكراً ولكنها تُكابر وهي تُراقب الريح بالخارج تجُوبُ أزقةِ القريةِ الخاوية تحمل معها فى زفتها أوراقِ الأشجار الميتة وأكياس النايلون وتظل تعزُف علي أسلاك الكُهرباءِ لحناً مُرعباً يأتي سحيقاً..بعيداً..قادماً من عالم الموتي. ذلك العْالم الذي إختار(ود البكري) بعد ثمانينَ عاماً ونيف من الإنتظار الممل.
يحْكي ليّ مختار كيف أنْ الشتاءَ سكْن بعِظام (ود البكري) وفعَل فيها مافعَل فتهاوي جسدهُ كجِزعِ نخلةٍ خاوية.
كلُ ذلك والريحُ مازآلت تنفُخ في أزقةِ حارتِنا صقِيعاً لم نعتادُه ولم يعتاده مختار أيضا غير أنه خرج متلفحاً بشاله الأخضر يحمل دفا ً ويصيح
سبحان الدايم دق دق دق
ود البكرى رحيمو الله دق دق دق
الدافنه بعد صلاة العشا دق دق دق
فيكتفي بعضُهم بدفءِ غُرفِهم علي بِضعِ حسناتٍ ثِقال تُحصد بقعر المقابر.
ثمانونَ عاماً وثمانونَ شتاءً ومُثلهُن صيفاً...تهُد جبلاً و(ود البكري) بعضٌ من عظم ٍوجلدٍ وحِفنةُ ماء.. ثمانونَ خريفاً يهزمهن شتاءٌ واحدٌ ورجلاٌ يمضي وحيداً.
- ماالجديدُ في هذا الصباح.؟
- لا شيء !!؟
أعودُ حاملاً جريدة الصباح وبالطو الصوف القديم معلقاً على يدى ومُختار كعادتِه يُحاصرُني بأسئلتِه .
- ما الجديدُ بالخارج؟
- أتشتري جريدةً ما لتخُبيء بها هذهِ الزُجاجةَ الخضراء؟
يقيني بأن مُختار لن يوقِف سيل الإسئلة جَعلني أصمُت .
- أتبيع الثقافة بجرعةَ عرق؟
- ألن تشرح لي ما كان يقوله إبن ناظر المدرسه؟
- إنه يتحدث مثلك !! ومثل ناس الراديو.
- قلتُ ساهماً ...الخواجات يُصدرون الصَقيعَ إلينا يامختار ...ستُمطِر سماؤنا ثلجاً... ستفيض أنهارَنا بلاءً ثم تموت عطشاً... وستشوي بلاد الصقيع بشمسنا الحارقة. ..
مختار يضحك ..ويضحك ..ويجوبُ بعينيهِ بين وجهي والزجاجة الخضراء الداكنة ... ويظُنني (ثملت).
قلت منفعلاً
يسرُقون خيراتِ أرضُنا نَهاراً جَهاراً ويدفع أمثال( ود البكري) ثمنَ حياتُهم المُترفه.
أولاد الأيه...
سنستورد مِنهم عُلب الفازلين وبالطُوهات الصوف والزلاجات.
مختار يضَحك ويكُح... أهو مايُعنيه إبن الناظِر بالحبسِ الإضِطراري.؟
قلتُ مغتاظاً...شرُ البليةِ ما يُضحِك .
إنه الإحِتباسُ الحَراريُّ أيُها الجاهِل ...
أشبه بالذي يحدُث لسقفِ حُجرتنا هذا...
شخصٌ ما سيبيعنا المناديل الورقية والقُطن المُلون لنسد بها ثقب الأوزون وتجاويف أنوفنا.
أتعرفُ بلاداً ما ..تُسمي بالأسكيمو يا مُختار؟
إنها تَغَرق..تذوبُ جبالُها الثلجية كقِطع الآيسكريم
هل تعرف الآيسكريم يامختار؟
فى بلاد الإسكيمو يسكُبون العصِيرعلى الأرضِ فيصبح آيسكريماً.
مختار لا يضحك هذه المره...
إنها أبعدُ من بلاد فاس (التي مابعدُها ناس) أتظُن يوماً أن يجِف النيلُ ويوقف ذلك الخَصب السرمديُ؟
أتُصدِق أنْ المطر يَضِل طريق الإستواء الي الصحراءِ الكُبري فيُضاجعُ أرآضيٍ عقيمةٍ لا تُنبتُ زرعا؟ً.
يقتربُ مُختار مني ويشُم أعلي قميصي ليتأكد مِن أنني لم أفتح الزجاجة الداكنة المخبأةِ بورق الجرايد ويعوُد ليعبث بمؤخِرة الراديو. وحجارة البطارية الصدئة (تنز) سائلاً أسوداً وتبدو متسلخةَ الغطاء وهو يَكاد يحُشر الراديو بِجوف أُذنيه ..أحدُهم يغني ...
إني أتنفسُ تحت الماء إني أغرق ...أغرق
ومُختار كتلة من الآذانِ الصاغية وحاجِبان مُندهشان
قال وهو ينظرُ خلسةً الي الزجاجةِ المُغطاة بالورق ...
سؤالٌ أخير.
- نعم تفضل
- هل تعِرف قريةً تسمى (التبروقات)
نعم أعرفها ماذا أذاعو عنها
....إنها تُمطِر ثلجاً.






