السبت - 2008/11/22

حياة تحت خط القهر4 بقلم أحمد بارود

تاريخ النشر : 2008-10-03
القراءة : 546


حياة تحت خط القهر4 بقلم أحمد بارود

كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

من المهم يا أحمد أن تؤكد على أهمية التأمل التي يتمتع بها الأميون، فهي مزية لم تتوفر بجمالها وكمالها في التاريخ لغير الأنبياء .. وذلك لكي تنفي عن نفسك شبهة الجهل أو الغفلة عما يحدث لمن حولك من الفقراء والمهمشين في هذا "الوطن " ولتثبت أنك، بهذه المزية ، ستظل عصيا على الجهل فلا تقوى على سد منافذ الادراك عندك، ولن تخدعك ، كل وسائل الاعلام "الشرعية" عن رؤية ذلك الخلل الذي اعاقت به هذه الشرعية نمو شعبك بعد أن قطعت بل ذبحت ,بعدوانها الحاد, سياق تطوره وألقت به ,بقسوة, بعيدا عن موقعه في الجغرافيا ، ذلك الموقع الذي ارادته هيكلا للحب وبيتا للزوجية تلتقي فيه ، على بركة الرب وسنة بنات أورشاليم ، اسطورة التوراة الجميلة مع وعد الشرعية الغربية لينجبا "إسرائيل " .

واصنع لك أيها الفلسطيني من بعد تاريخا جديدا يتسع لاستيعاب هذه الحقيقة الاسرائيلية المعجزة ..وإن عليك أيها الفلسطيني أن تؤسس لثقافة جديدة واقعية تعترف بالمعجزات ..... وقد لا نعجب إذ نسمع في سياق هذا التأسيس الجاري على قدم وساق دعوات حول ضرورة وضع "سياسة ثقافية " جديدة ، فهذا احد اشتراطات التحليق في سماء الشرعية .. لكن تأخذك الحيرة عندما تسمع الدعوة إلى العناية بــ " الثقافة الوطنية " و "الثقافة الشعبية " وتسأل إذا ما كانت الغاية من العناية بالثقافة الوطنية هي اعداد الفلسطيني الذي هو منسوب ، بلفظ اسمه فقط ، إلى فلسطين القديمة للقبول ذهنيا بنسب وانتماء لفلسطين جديدة أصغر من حجمها الجغرافي مع تعويض نفسي بالابقاء على اسمها التاريخي ؟!

وتسأل كذلك إذا ما كانت العناية بالثقافة الشعبية أيضا هي مجرد استحضار أو استدعاء تعويضي للماضي الفلسطيني عبر جمعه في صور ومواد أدبية وفنية وفلكلورية تذكر فقط بالعلاقة البائدة للشعب الفلسطيني مع واقعه التقليدي الرعوي والبدوي والقروي في واقع معاصر مختلف ؟!

***

لا تحزن يا أحمد .. فلعل جمال الفرح الذي يستدعيه الحديث عن الوطن القديم في سير الأجداد الغابرين ، يخفف عنك ضغط الحزن المقيم في هذا الوطن الحديث .. تماما كما كان يخفف من حرمانك في الأسر أملك بحرية قادمة عذاراء تتعرى تحت الشمس من ثياب الخجل المدعى والفضيلة الباردة .. لكن تبدد أملك عندما وجدت أن الوقت بعد الأسر قد صادره المجتمع فلم تسنح لك لحظة لعناق حريتك العذراء ، بل فرض عليك أن تبحث بعد غياب الشمس ، كالجبناء ، عن وقت سري تمارس فيه خفية رغبتك في احتضان الحرية ومعانقتها .. حتى إذا سهوت قليلا تكشفت للملأ أفعالك " اللا أخلاقية " المخلة بالشرف والفضيلة ليتقاطر عليك أصناف من الناس الفضلاء جدا والشرفاء جدا وكلهم من نسل الملائكة ويصدرون جميعا عن نهج ملائكي خلاصته : - إن هؤلاء الناس يعيشون في مجتمع سطحي ظاهري تعاين فيه الكائنات بأشكالها فقط .. الكلب فيه يتعرض لمحاكمة أخلاقية ، وقد يرجم بالحجارة أو الأحذية إذا ما استجاب ، في موسم النزاء ، لطبعه واعتلى انثاه امام الناس !! بينما يعجبون بورع الزاني إذا ما بدا نظيفا بعد ان يفرغ من فعلته وتوجه إلى المسجد أو إلى اجتماع هام يتدول المنتدبون إليه في شئون الوطن والثورة .

فماذا تفعل يا أحمد أمام هؤلاء الملائكة غير أن تسخر منهم وتضمرالنية في الشروع يوما ما في تفنيد وتكذيب وفضح أوهام الشرف في مجتمع سطحي سرب حريته ، على غير طبيعتها الكونية ، في قنواته السرية الرطبة المتعفنة التي لا تراها الشمس .

***

دعك من هذا الآن وانشغل ، عوضا عن التلهي بمكنونات الضمائر والنوايا، بالبحث عن وسيلة تسعفك في الجمع ما بين جدك الميت في الوطن ما قبل النكبة وابنك الميت جوعا في المخيم " الوطن" ما بعد النكبة !!

يبدو الأمر سخيفا ولا يستحق أن يطرح بشأنه سؤال أكثر سخافة!! وهو كيف تجمع بينهما والموت يجمعهما ؟!

وأقول كلا .. فذاك الميت جدي أنا وهذا الميت ولدي أنا فأناي بينهما, وأناي تجمعهما, فيما الموت لا يعرف شئيا ولا يجمع بين شتيتين!! بل نحن الأحياء فقط ..نحن الحاضر ونحن الذين ندين في حياتنا الخاصة وفي ملامحنا إلى أمواتنا، إنهم فينا ومعنا بشكل من الأشكال ، نحن فقط, وليس الموت, القادرون على أن نجمع موتانا في الذاكرة ... فالذاكرة هي التي تمنح الغائبين ، الأحياء والأموات ، قيمتهم .. وما كان العلم الذي يضفي على الطبيعة قيمتها الحيوية ، بعد أن يطوع مواتها وأشيائها الجامدة ، غير خلاصة المعرفة الموروثة والمرصودة في الذاكرة عن أصحابها الأموات .. فالحاضر والمستقبل يظل مدينا ، في ملامحه العامة ، إلى أولئك الأموات البائدين.. كما أن الذاكرة أيضا ليست فقط وسيلتنا للجمع بين موتانا لكنها كذلك أداتنا المعرفية "الروحية" التي تضفي على علاقاتنا الإنسانية خصوصية قيمية تمتد في المكان والزمان .. فالرجل منا مثلا يعرف أن هذه زوجته أو أمه أو أخته او ابنته بعد غربة وغياب حية أو ميتة .. والمرأة تعرف أن هذا زوجها أو ابنها أو أخاها بعد غربة وغياب حيا أو ميتا .. الذاكرة فقط هي التي تحفظ لهذه الرابطة الروحية خصوصيتها وقيمتها الأنسانية الحضارية بينما أي علاقات أخرى بغير هذا البعد المعرفي تظل علاقات عضوية,كما في عالم الحيوانات فقط ,تنعدم بين أطرافها أيه خصوصية فتتحول الحياة إلى مشاع يتساوى فيه الذكور وتتساوى فيه الأناث ويستوي الموت والحياة .. ولعل هذا ، بالمناسبة ، يبين لنا المدى الذي قد تصل إليه خطورة حشر الفرد أو الشعب أو الأمة في أوضاع تبعدها عن ذاكرتها لتصبح منشغلة بالراهن والمباشر تسعى فقط ما بين الإلتهام والتناسل فيسهل على الآخرين تطويعها واقتيادها ، كالقطيع ، نحو الوجهة التي يريدونها سياسية كانت أم ثقافية .

***

ها أنت يا أحمد تركض ما بين موتين في مساحة من الذاكرة ضيقة يحدها من الماضي البعيد قبر جدك ومن الماضي الأقرب قبر ولدك ... أفلا تجد لك منفذا نحو حياة أرحب مساحة وأبعد أمدا تنطلق فيها حرا لا تصدك فيها حدود ولا تردك نهايات .

أعلم .. أنك قد جندت كل إمكانيات الخيال عندك للبحث عن هذا المنفذ والعثور عليه فاستطعت ، في غفلة من الوعي ، أن تهدم أسوار السجن لتركض عبرها نحو تلك المساحات الرحبة حتى تبين لك،بعد أن صرخ عليك السجان فأيقظك من الغفلة ، أن العالم كله بغير فرح أضيق من زنزانة وأن المعرفة ، حتى لو أورثتك الحزن ، خير من حرية جاهلة لا تنتج فرحا حقيقيا ، بل خير من حرية غافلة واهمة يوقظك منها رصاص المحتلين .
good_angel3000@hotmail.com


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 14
  1. رائع يا عزيزى..
    زياد صيدم ، 03-10-2008
  2. لا تحزن يا أحمد..
    الدكتورة الكنعانية ، 03-10-2008
  3. الأخ الحبيب أحمد بارود
    باسل بزراوي ، 04-10-2008
  4. فلعل جمال الفرح الذي يستدعيه الحديث عن الوطن القديم في سير الأجداد الغابرين
    غازي سكر "زياد سلامة" ، 04-10-2008
  5. مودتي
    عهد سليم ، 05-10-2008
  6. احمد بارود
    السيدة ليلى ، 05-10-2008
  7. أخي أحمد بارود
    خيري حمدان ، 05-10-2008
  8. زياد القلم المنتمي
    احمد بارود ، 06-10-2008
  9. الدكتوره الكنعانيه
    احمد بارود ، 06-10-2008
  10. المبدع الشاعر الكبير باسل بزراوي
    احمد بارود ، 06-10-2008
  11. اخي الحبيب زياد سلامه
    احمد بارود ، 06-10-2008
  12. الشاعر الكبير المبدع عهد
    احمد بارود ، 06-10-2008
  13. استاذتي السيده ليلى
    احمد بارود ، 06-10-2008
  14. اخي المبدع المناضل خيري
    احمد بارود ، 06-10-2008