إجتياح
مشهديات تحكي التّاريخ من ديوان " بلدتي الحالمة"
بقلم: حسين أحمد سليم آل الحاج يونس
كاتب, ناثر, شاعر ورسّام لبناني
إجتياح
حدّثي جدّي عن جدّه قال:
تغلغل الوسواس الخنّاس في صدر الحاكم بأمره في البلاد, وجرى بوسوسته الشّيطانيّة مجرى الدّم في أدقّ شّرايينه, الموزّعة في أنحاء جسده الرّميم المشاعر والأحاسيس الإنسانيّة, فأصيب حاكم البلاد المفدّى بمرض عضال, وإنتابه الوسواس القهريّ, الموروث من أصلاب سلالة أجداده الطّواغيت عبر الأيّام السّالفة, المهووسون بالأنا المتغطرسة بالإستكبارات المتأصّلة في نفوسهم الموبوءة بكلّ الخبائث, وإستشرى في وجدانه الّذي لا وجود له المرض الخبيث, فأتى على ما تبقّى من ضميره الموات قبل ولادته... عرّافون منجّمون في ذلك الزّمن أوصوا بالعلاج النّفسي, الوسواس القهري بالإجتياحات شهوة الحاكم, لا يشفى المرض إلاّ بجرعات من الدّماء, تهرق عنوة إهتياج الوحوش في قلب الغاب, وتسيل فوق الثّرى تروي حنين عطش التّراب, لينفلق النّوى من قلب الأرض وتتبرعم الحياة من نسغ الحياة...
جيش لجب جرّار أحاط بقريتي من كلّ الجهات, وحاصر كلّ الأشياء لم يستثني من الحصار حتّى الهواء, أحكم سيطرته وسدّ كلّ منافذ الدّخول والخروج, وأتى القرية فصيل من الجيش المدجّج بالسّلاح, تسلّل إلى قمم جبل الوليّ الصّالح " أحمد الطّايع " ليشرف على كلّ البيوت والمنازل, وينصب مناجيقه ليدكّ بالقنابل المدمّرة كل الجدران, ويقصف كلّ البيوت بالقذائف الحارقة للأخضر واليابس, وفرق تحصّنّت بين الصّخور والتّلال ترمي الطّرقات بالسّهام والنّبال, وآخرون تسلّلوا إلى البساتين المحيطة بالقرية, يقطعون أشجار التّفّاح والإجاص والخوخ والتّين والكرز ودوالي العنب ويحرقون الأغصان والأوراق والجذوع, وفرق مسلّحة بالسّيوف والرّماح والخناجر من كلّ الأنواع, تتغلغل بين البيوت والمنازل وتقتحم الأزقّة والدّروب, تتربّص النّاس تنال منهم قتلا وتصفية وإزهاقا للأرواح, ولم ينجو من المذبحة إلاّ من إستموت جسدا لفترة وإرتمى بين الجثث, لحين ما أرخى الليل سدوله فمارس الزّحف تحت جنح الليل وولّى هاربا في البراري من أتون محرقة الظّلم والعدوان, وعند قمّة جبل الولي الصّالح دمّر المهاجمون المسجد والكنيسة حيث يذكر إسم الله, ودكّوا الأسوار والجدران ودمّروا كل المعالم, وبعثروا الحجارة المتكسّرة وفجّروا المحراب والمذبح, فباتت معالم المسجد والكنيسة بقايا أطلال خاوية, تحكي سيرة التّاريخ المزيّف للتّاريخ, وهجمت جحافل الغزاة على القلعة التّاريخيّة الموروثة من حقب الأمس, وهدموا سورها ودكّوا جدرانها ودمّروا بنيانها, فغدت بلقعا كأنها لم تكن قلعة حدث الفستق التّاريخيّة, وإرتدّت جحافل الغزاة كالوحوش على هياكل المعبد القديم, الّذي بناه الوليّ الصّالح محرابا لعبادة الله, فدمّروه شر تدمير وكسّروا حجارته وحوّلوها إللا شظايا حجارة, كانت حتّى الأمس تتراصّ في صرح المعبد الأثريّ القديم, معبد النّبيّ الّذس بعثه الله لهداية النّاس في تلك البلاد, ولم يبق من الصّرح العظيم سوى بقايا أحجار وقناطر وزخارف ورسومات وكتابات متناثرة هنا وهناك, وأبيحت القرية للغزاة فقتل فيها الأحرار وعذّب فيها المسنّون وأعدم فيها الشّباب والصّباي, ونحر فيها الأطفال وذبح فيها النّساء والرّجال, وسرقت كلّ الأشياء في قريتي, ثم أحرقت بالكامل حتّى إسودّت من حريق النّيران الحجارة والتّراب, وتحوّل جبل الوليّ الصّالح أجردا من كلّ شيء حتّى تاريخ هذا الزّمان...
تراءى في أفق قريتي المنكوبة في تلك الليلة الظّلماء, أنوارا كثيرة تأتي من كلّ حدب وصوب, تجوب الفضاءات وتتكوكب في السّماء, تدور فوق قمّة الوليّ الصّالح وتلتفّ في حلقات دائريّة, ترتسم في حلقات من نور في فضاءات قريتي المحروقة, تتلاقى مع أنوار نجوميّة تنطلق من قبّة مقام النّبي رشادي شرقا, تتماوج تتماذج أطيافها تتكوّن في مشهديات من ضياء, وكأنّها تقيم المعظمة الكبرى لجلل الحدث في المصاب, تبكي بأنوارها أرواحا زهقت ظلما وبهتانا وجورا, وجندلت مثخنة بالجراحات النّازفة الدّماء الذّكيّة, والمحروقة والمتفحّمة والمشوّهة, والمقطّعة الأيادي والأرجل والرّؤوس والأصابع والأنوف والأذان والأعين والشّفاه والأسنان, تندب نتائج الجريمة النّكراء الشّوهاء, الّتي عفّرت وجه التّاريخ بالذّلّ والعار, وخلّدها الزّمن وصمة عار فوق هامة حاكم البلاد في ذلك الزّمن, اللاجيء من بقايا أعجاز أطلال التّاريخ المتّشح بأوشحة النّفاق, الحاكم الفاقد لكلّ مقوّمات شخصيّة الحاكم المستبدّ العادل, الموتور تاريخيّا بلوثة التّصنيفات المرذولة, العازف على أوتار شهواته الدّينيّة والطّائفيّة والمذهبيّة, الّتي تحرّض خفاياه البعيدة عن الأضواء, للعبث بكلّ ما لا يتوافق وشهواته الفكريّة والخلقيّة والدّينيّة والسّياسيّة, والقضاء على كلّ ما لا يخضع لسلطانه الطّاغوتيّ من البشر والحجر, وحرق الأخضر واليابس في كلّ البقاع, نزوة ورثها من نزوات من حملته سفاحا في رحمها الملوث بكلّ الموبقات والأورام... ليمارس التّنكيل بالآمنين في قريتي من العزّل الفقراء, يحدّث نفسه الموبوءة بالوسواس القهريّ, النّيل من جدّي الأمير حفيد أمير الدّنيا والدّين, الشّيخ الجليل والعلاّمة النّحرير والموسوعة المعرفية, الموسوم بالوعي الباطنيّ والمشهور بالعرفان الذّاتيّ, والمعروف بالطّبيب الحدثيّ, وذائع الصّيت بالمرجع الفقهيّ, صاحب العمامة الخضراء, والهامة الشّمّاء, والعنفوان العربيّ الأصيل, إمام المصلّين في بلاد الشّمس, ومرجع السّائلين في علوم الدّين في البقاع البعلبكي, الّذي حليت له السّكنى في رحاب حدث الوليّ الصّالح, يكرز بالتّقوى هاديا للّتي هي أقوم...
قريتي حدث الولي الصّالح تنتفض من قلب الرّماد, فينيق غربي مدينة الشّمس, لتتعملق في جبل أحمد الطّايع, وتقيم للحياة صروح الحياة, فتهتزّ جذور الأشجار المحروقة تحت التّراب, وتتبرعم وتنمو من جديد كلّ الأشجار, وتورق وتزهر ويتألّق على أكمامها الطّلّ الصّباحيّ, وتثمر كما كانت من قبل تثقل الأغصان بالثّمار, وتعود أشجار الرّمّان والتّين والتّفاح والإجاص ودوالي العنب إلى سابق عهدها مع ولادة الحدث, وتغتسل الحجارة المحروقة من زمن الحاكم المعاق جسدا وعقلا ونفسا, وتتراصّ فوق بعضها البعض لتبنى منها البيوت والمنازل, وتسقف بألواح من الخشب مغطّاة بطبقات من التّراب الطّاهر, ويسكن النّاس الأوفياء المخلصون للوليّ الصّالح في البيوت والمنازل, وتعمر حدث الفستق بأبنية الفقراء المؤمنين بالله والقدر, وتغدو حدث الوليّ الصّالح مأهولة بالحبّ الشّفيف وطيب الشّذى الّذي يعطّر الأجواء, وتنجب للوطن رجال الوطن الأباة, وتتعانق في قريتي كنيسة الله بمسجد الله, وتتماذج أصوات رنين الأجراس بأصوات الأذان, ليعبد الله على دين عيسى ومحمد في حدث بعلبك, غربي مدينة الشّمس يباركها النّبي رشادي على بعد أمتار, تحيط به أرواح مجنّدة للتسّبيح بإسم الملك القدّوس, لتتماهى في فضاءات قريتي قناديل الليل المعلّقة في قبّة السّماء, تزدان لألاءة الأضواء وامضة الأطياف في رحاب السّماء, تتشكّل في كوكبات في مسارات المستقيم الصّاعد, تتناوب على إحتضان قريتي بالحبّ والعشق, وتضيء الدّروب والأزقّة, وأسطح البيوت والمصاطب والدّارات والبساتين, وقمّة جبل الوليّ الصّالح, وبقايا أثارات المسجد القديم والكنيسة القديمة, وبقايا المعبد القديم وحجارة القلعة التّاريخيّة, المبعثرة حول معبد النّبي الّذي بنى قريتي, وأقام فيها ردحا من الزّمن رسولا وهاديا للنّاس, ويتعهّدها الإمام صاحب الوعي الباطنيّ والعرفات الذّتيّ, المعتمر بالكوفيّة البيضاء من الشّاش, المجلبب بعباءة عربيّة مصنوعة من وبر شعر الجّمال, يكرز في معابدها بالحبّ والعشق, داعيا لعبادة الواحد الأحد على أديان السّماء, المنزّلة من لدن السّماء على قلوب رسل السّماء: موسى وعيسى ومحمد عليهم الصّلوات والسّلام...
**************
مدينة الشّمس – غربي بعلبك – حدث الوليّ الصّالح – رحاب مقام النّبي رشادي.
hasleem@hotmail.com






