يختفي نهارنا, هنا في غزة ,خلف غيمة ممتدة سوداء كالجبال ..
تضرب الرياح أسطح البيوت الخاوية..
بقبضة قوية تنوء تحت عنفها عوارض الخشب ..
فتنحني أشجارنا ، نائحة ،
تضطرب أغصانها كأنما أصابها مس ثقيل ..
يخطف الأبصار في الأفق القريب مارج من نار
ينتشر وينكسر ..
تلطم الآذان فوق الأرض أصوات تدّوي في السماء ..
تخترق أجسادنا برعشة، خفيفة تشل في أعماقنا ثوابت الحياة ..
و يهرب الحفاة والعراة تحت رشة خفيفة من المطر
وعندها يروغ الطين تحت أقدام الجميع
فيسقط الرجال والأطفال والنساء في الوحول .
.. لا نعترض على شتاء الذبح فهو ، رغم قسوته على بقائنا ، يبلل الأسمال فوق جلدنا بالدم
.. لكنه أشد قسوة على المكان ينخر الجدران والسطوح ويجرف التراب ..
فإذا بنا عراة فوق أرض موحلة ..
هذه الأرض التي قد ذاب فوقها الآمان واندثر
..قد أصبحت جرداء لا تنمو فيها غير عظام الموتى البيضاء ..
لا دفئ فيها غير حرارة الوهم " العروبة " يمد بعضنا بطاقة على الأمل
فتصدر التأوهات والنداءات " الاستغاثات " واهية وانية سرعان ما تبيد في الفضاء ...
فعروبتنا التي يضيع فيها ظلنا لم تعد بريئة ..
ونحن في هذا الوطن " فلسطين " لا نريد أن نظل أوفياء للظلام وللعدم ...
من ننتظر إذن ؟
ظلالنا مرهونة بالشمس " شمس العرب "فهل تشرق ؟
إن ظلالنا فينا مواريث من الماضي كلاما قاله الزعماء في الكتب وفي الخطب ولا نعرف له جسدا ... ولا يمنع غياب الشمس .. غياب "خير أمة أخرجت للناس " أن نستذكر الكلمات في الليل ..
فلا شئ غير الليل في بلادنا هنا يسطو على أفكارنا .. تأملاتنا .. أوهامنا ..
الليل والصقيع يكسوان الذاكرة ..
ويغزوان الذاكرة ..
فكل ما قال الكتاب عن " صبح العرب " أمسى اليوم ، بعد غروبهم ، مختلفا ..
فالأمة لوحة سوداء سكانها أشباح وكل ما فيها وحولها خيال ..
هنا كانوا ؟ لعلهم هناك ؟
ما أتعس الفلسطيني عندما يهيم في التاريخ دونما دليل .
نحن مثل يوسف الصدّيق .. ويوسف الصدّيق في الكتاب مثقل من قبلنا بظلم أخوته
.. محاصر بعتمة صغيرة في حجم بئر غاض ماءه القليل ..
لكنه قد صار حاكما في موطن آخر ..
فهل نصير مثله حكاما في مواطن أخرى عديدة ؟! أو غريبة ؟!
ونحن مثل نوح ..
ونوح ،في الكتاب قبلنا ، محاصر بعتمة تفيض حوله بالسخرية ..
فصار قبطانا وقائدا للخلق أجمعين ...
لكننا هنا ،
خارج الكتاب
..فيما تبقى من بلادنا
ما نزال مثقلون بالظلام والحصار ننتظر ..
هل يهبط الخلاص حزمة من الضياء تنتقل بنا من أسر جوعنا إلى مخازن الغلال مثل يوسف الصديق فيما الملوك اليوم في بيدائنا لا يحلمون بالبقر ؟!!!
ونحن ، خارج الكتاب فيما تبقى من بلادنا ..
ما نزال مثقلون بالحصار ننتظر ..
هل نركب البحار مرة أخرى لنهبط ، مثل نوح ، فوق موطن جديد ؟!
في البرازيل مثلا أو في كندا أو في استراليا أو في العراق وشرق الأردن ؟
فيما بلاد العرب عطشى اليوم للعيون وللمطر ؟!
ما أتعس الفلسطيني عندما يلوذ في التاريخ بالخيال وبالورق






