رأيتهم هناك .. كأحسن ما أنت راءٍ من نضارة وجه وامتلاء جسد، فمددتُ إلى أحدهم يدي مصافِحةً فلم يقابل المد بالمد، وإنما أومأ برأسه مبتسماً مُرحباً وكذلك فعل الثاني والثالت والرابع، بل جميعهم! فرابني من أمرهم، وهممتُ بالخروج لولا أن قالت لي مرافقتي: هوني عليكِ.. فما هم بمتكبرين ولا مستعلين، إنما هم مشلولون؛ كبّلتهم الإعاقة عن مصافحتك!
فعجبت أشد العجب.. وهل أعجب مما رأيت؟ .. هناك في مستشفى النقاهة شبابٌ يحسبهم الجاهل أمواتاً، كأنما ثوب أحدهم كفنه، وسريره قبره، ولحافه لحده! هناك في مستشفى النقاهة فتيات رُففن إلى الوحدة، وزُيّن للفراغ، ومُتن وهن أحياء!
وليس العجب من حالهم فحسب! إنما العجب من رضاهم المطمئن لما قضى الله عليهم، وقناعتهم بحكمة الحكيم وعدل العادل.. والعجب لا يقتضي من أحدهم وقد قضى وقته تالياً لكلام الله، صائماً في الهجير، قانتاً في الصقيع، مبتسماً في وجه قواصف الريح وعوادي الزمن..
والعجب موصول من إحداهن؛ تقلب صفحات المصحف بطرف مبسمها، وتدمع عيناها من خشية خالقها، وتعطر سمعها بالقرآن، وترطب لسانها بذكر الله. وما الدنيا في عين أولئك إلا إيماءة بسجود، وتسبيحة بلسان ورضا بالجنان.. ويا لتفاهة الدنيا، حينما تجتمع كل لذائذها في شربة ماء يسقيك إياها أحد، أو لقمة عيش يمدها إليك أحد، ويا لخساسة الدنيا، حينما تغدو بهجتها في سرير يقلبك عليه عامل موكل بتقليبك! يا لتفاهة الدنيا إن كانت في قلوب الساخطين كذلك بيد أن المؤمن يهرب من ضيق الدنيا إلى سمة الاطمئنان، ومن جحيمها إلى جنة الرضا والإيمان، ومن سقمها ونكدها إلى صحة الروح وطهارة الأردان.
ولما رأت شابةٌ منهم شدة تأثري نادتني وعلى شفتيها تتغالب عبرة وابتسامة، وأعجب من عبرة وابتسامة كيف يجتمعان، تقول : يا أختي، قد كنتُ يوماً مثلك، لكنه أمر الله.. والحمد لله.. قلت: صدق والله، وما أمر الله منّا ببعيد، وهل ينتظر أن نصير إلى ما صار إليه المبتلون حتى نعبد الله حق عبادته، ونشكره حق شكره ؟؟؟
اللهم عفوك ..
اللهم عفوك ..
اللهم عفوك .. .
إسراء الراشد






