السبت - 2008/11/22

وبالخادمات إحساناً !! بقلم:إسراء الراشد

تاريخ النشر : 2008-08-26
القراءة : 947


وبالخادمات إحساناً !! بقلم:إسراء الراشد

كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

قصة "وبالخادمات إحساناً"، تتكون من ستة مشاهد، لإسراء الراشد


(المشهد الأول)



هبط الليل..

اتخذ الصبية الأشقياء وأبيهم مقاعدهم، وانتصبت الخادمة عزيزة في ثوبها الرسمي، أمام القدر الكبير، ثم وزعت صحافٌ من الأرز على المائدة، وهمس الصبية الثلاثة في آذان بعض، وأنشأ يتغامزون، فنهض عن المائدة (أمين) أكبر الصبية، البالغ من العمر خمس عشرة ربيعاً، وتقدم نحو الخادمة والصحفة والملعقة في يده، وقال مروعاً بعض الشيء لهذا التهور الذي غلب عليه: "ما هذا أيتها الحمقاء التعسة؟! .. أتظنين أن هذا كافٍ ليسد جوعي؟!!" ..
فألقى ما في يده، وحمل من المائدة مغرفة وسدّد أمين ضربة إلى رأس عزيزة! .. شحب وجهها شحوباً شديداً، لقد حدّقَتْ في دهشٍ، مشدوهة طوال بعض ثوانٍ، إلى ذاك المتمرد الصغير، ثم تمسّكت بالقدر الكبير خشية أن يسقط على الأرض!
هاج السيد عمر (والد الصبية) اهتياجاً عظيماً، وانتصب قائماً نحو أمين، ماسكاً ذراعه بشدة، وقد تبدّى الغضب على وجهه، التفتَ نحو عزيزة قائلاً:
ــ "أسألكِ العفو!.. لك الآن أن تنصرفي.."
وأخيراً قالت في صوتٍ واهن: "ولكن يا سيد عمر..."
فقاطعها في صوتٍ مرتفع غليظ بعض الشيء:
ــ "انصرفي.. هيا!" ..
انصرَفَتْ، فشدّ الأب بغلظة ذراع ابنه أمين موجهاً به نحو الكرسي ليجلس به..

.. وأخيراً؛ انقطع الهمس، واستعاد أعضاء المائدة بعضاً من الهدوء .. المُخـتـلَـق!!



(المشهد الثاني)

وأشرقت الشمس في خفة ورشاقة، وفي بهاءٍ بالغٍ وكأنها لم تطلع لا على بؤسٍ ولا على همّ، وهكذا.. هَـمَّ السيد عمر نحو أبنائه والخادمة عزيزة، للخروج إلى منتزهٍ قريب من منـزلهم، تجتمع فيه الطبيعة الحسناء، والأسواق المشوِّقة.
همّت عزيزة فرِحَة للخروج من أغلال المنـزل، فظهر أمين كعادته واقفاً أمامها معترضاً طريقها، يأمرها في البقاء! فأوقعَتْ خيبة الأمل المريرة تلك أسىً بالغاً في نفسها، حتى تلك اللحظات التي نعمت خلالها بأعظم حظ من السعادة! فقد واجدت في هذا الموقف إذلالاً وألماً يفوقان الفرحة التي كانت خليقة بها أن تستشعرها لو ذهبت معهم!
همّ السيد عمر منادياً عزيزة، لتهمّ في المجيء معهم، اعترضه أمين في زعـمٍ بأنها أرادت البقاء للعناية بأمر المنـزل، فالأعمال قد تراكمت عليها!

كان الجو في ذلك اليوم جميلاً دافئاً على نحوٍ استثنائي، وقد شرعت كل شجرة وكل ريحانة تطلع وريقاتها الغضّة وزهراتها الغنية، وكانت شجيرات الورد والياسمين البري تتسلق فيما حولها، والأرض قد اكتست بوشاحها الأخضر الأشد إشراقاً، ورياحين المنـتزه تعطر الهواء بضروب من الشدى الأرج، وسفحت في الأرجاء عطورها الأشد ذكاء، وكانت النسمات العليلة قد هبّت فأنعشت النفوس إنعاشاً بالغاً، كان كل شيءٍ بهيجاً زاهراً، لقد كانت بقعة فاتنة، تلك التي شخصوا إليها.

استمتع الصبية الثلاثة وأبيهم، حتى اِحلولك الظلام، وتعذّر عليهم أن يتبيّنوا ما حولهم، فأقبلوا عائدين إلى البيت في أناة. في تلك الأثناء، كانت عزيزة قد شرعت تعزف لحناً مغرقاً في الكآبة، وتندب حظها الذي قضى بأن يٌفصَل بينهما فضلاً وحشياً!
همّت لتعدّ لهم وجبة العشاء، في حزن وذبول، وكانوا في هذه الأثناء يستحمّون تحت أفواج سخية من الماء الدافئ. أعدّت عزيزة العشاء ككل ليلة، ووزّعته في مائدة الطعام، وقصد السيد عمر والصبية مقاعدهم، لزم أمين مقعده وهو ينظر إليها بشزر، وكانت نظرة يملؤها المكر! أوجسَتْ من أمره، وأدركت بحدس المرأة المتدفق أن هناك مكيدةً تُدبّر، فقد كانت لا تعلم، ولكنها أبدَتْ استعدادها للمضيّ في توقعاتٍ.. ربما مخيفة!

وانتصف الليل..

قصَدَتْ عزيزة في ذبولٍ حجرتها، بعد أن أبدت استعداداً للنوم، اقتربت من سريرها وشرعت الغطاء لتتسلل إلى أعماقه، لِـتُـفاجــأ بما لم يخطر على عقل بشر!!!


نهض السيد عمر على صريخ عزيزة، تسلل في خفّةٍ نحو حجرتها ليجدها ترتعد جازعة وكأنّ قشعريرة قاتلة سرت في جسدها، وهي تشرع في البكاء على نحوٍ متصلٍ محزون، مع خوفٍ غير قليل يكاد أن يرمِ بها إلى عالم الجنون!! نظرت إلى السيد عمر وأشارت بيدها الراجفة ــ معقودة اللسان، مندفعة العبرات ــ إلى سريرها، التفتَ نحو سريرها، لِـيُفـاجأ ــ وهو يرتدّ إلى الوراء ــ جزعاً بسيل مخيف من العقارب البرية القاتلة، والأفاعي السامة!!

أدرك السيد عمر أن الفاعل بلا شك هو ابنه أمين؛ وقد جلب تلك الكائنات القاتلة من ذاك المنـتزه. فغمغم مندفعاً في اهتياجٍ رهيب، مرسلاً الكلمات من بين أسنانه المنفرجة:
ــ " بحق الله .. ما الذي فعلتَهُ ؟؟!!! " ..
فاندفع منادياً أمين في عنف موصول، وما إن اِلتقاهُ في نظرة أبوية ضارية مروّعة، حتى أسقطه أرضاً، وأنشأ يلوي ذراعه في نوبة غضب واهتياج!

.. كان المشهد مفعماً بالرعب والغضب! وكانت ليلتها مفعمة بالقلق والخوف، بل كان يوماً جد تعس أيضاً، كجميع أيامها الأخرى في ذلك العهد الموغل في التعاسة!!



(المشهد الثالث)

أسفرت الشمس معلنةً يوماً جديداً، حمل السيد عمر حقائبه في مهمةٍ عاجلةٍ وواجبةٍ إلى إحدى المدن القريبة، وفيه من الهمّ ما الله به عليم! فقد ترك ثلاثة صبية أشقياء، وخادمة لا حول لها ولا قوة! فقد بدا له أن عزيزة ربما خطر بقاؤها وحيدة، بسبب نزوة الصبية ــ لا سيما أمين ــ التي لا سبيل إلى تفسيرها!
كذلك كانت ظنون السيد عمر وحدسه البارع في مكانه، فقد انقضى على ارتكاب عزيزة جريمتها الكافرة (جريمة الأرز)، أسبوعاً كاملاً قضته في الحجرة المظلمة الموحشة التي أسلمها إليها أمين عقاباً لها!

وهكذا؛ اجتزأت بالبكاء المرير، طوال ساعات النهار، حتى إذا هبط الليل الموحش بسطت يديها أمام عينيها لكي تحجب عنهما الظلمة، وقبعت في الزاوية محاوِلة أن تنام. وبين الفينة والفينة كانت تستيقظ مجفلة مرتعدة وتلتصق بالحائط أكثر وأكثر! وأما عن (مازن) الشقيق الأوسط، فكان محايداً، يترفع عن كل ما ليس له شأن! وأما عن (علي) فهو أصغرهم، وقد كان أرحمهم، فقد كان يحمل خفية مرة كل يوم إلى الحجرة ما تيسّر من الطعام لتتناوله عزيزة بكل ما أُوتِـيَتْ من شوقٍ .. وشراهة!
كان أمين كل يوم، وفي كل ساعة، يرفس بكل ما أوتي من كرهٍ وقوة، باب الحجرة المظلمة، فيُقرع قلبها مع كل رفسة!

ــ "أرجوك .. حباً بالله .. كفاك..!"

هكذا قالت عزيزة، في صوتٍ خفيضٍ جداً، وهي تلهث من شدة الخوف والوهن، وبدا أمين ذو القلب الحجر وكأنه قد طرب لهذا الحدث، ولكن طربه ما لبث أن سمع صوت مكابح سيارةٍ تقف أمام المنـزل، فقال في صوت المرتبك الواجف: " إنه.. والدي" !
فأسرع في فتح قفل باب الحجرة، وتقدّم إليها في خطواتٍ حاقدة، وهي تمسح عينيها بيديها الراجفة.. المتعبَة، وترمق إليه في وهنٍ شديد، وفيها من الخوف ما فيها، فقال لها في غلظة ووجهه يغزي بالكره إلى أبعد الحدود:

ــ "اسمعي أيتها الحمقاء القذرة، لقد أتاك الفرج بقدميه! ولكن اِعقلي لسانك وإلا تماديتُ في تعذيبك أكثر!!" .. فأمسك ذراعها ساحباً إياها إلى حجرتها الأصلية.

دخل الأب منادياً عزيزة لتعينه في حمل الحقائب، ولكنها لم تجب! همّ الصبية نحو أبيهم لاستقباله، وبعد إلقائهم التحية، وتبادل القُبل، تساءل السيد عمر..

ــ "أين عزيزة؟" ..

فأسفر أمين بابتسامة تنم عن قلقٍ مريب، ولدى صوته نصيب كبير من الهمّ والخوف حين قال :

ــ "إنها .. لا أعلم ربما .. ربما في حجرتها.. نائمة!"

أوجس السيد عمر ما تخفيه لهجة ابنه أمين، فقصد مهرولاً حجرة عزيزة، وقد همّ أمين يتبع أبيه في خطواته، ليجد الوهن والألم يشع من وجهها، وقد بات وجهها لا يخفي الإيذاء والإضرار الذي أُقدِم عليها! فها هي ضعيفة لا تقوى على الحراك!
اعتصم السيد عمر بالصمت بضع دقائق تحت وطأة المفاجأة، وهو ينظر إليها في شيءٍ من الدهش، ثم التفت إلى أمين في غضب بلغ قمة الاحتدام:

ــ "أنتَ شخص بائس سليط، كيف تجرؤ على تعذيب خادمة ضعيفة؟!" ..

فَهَمَّ أمين ليقول شيئاً، إلا أنّ لسانه قد خذله، فصاح السيد عمر والدم يغلي في عروقه، وقد شعّ في وجهه:

ــ " أغــرب عــن وجهـــــي ... الآن! "



(المشهد الرابع)


فتحَتْ عيناها المتعبتان، على نحوٍ تدريجي، ونظرَتْ في حركةٍ بطيئة، إلى شخصين غريبـَين، من غير أن تفقه ما الذي يجري، بل من غير أن تبدو أنها تذكر أين كانت، وما الذي حدث لها قبل ذلك!
التفتَ الطبيب إلى السيسد عمر قائلاً: "حمداً لله .. لقد أفاقت!"
انحنى إليها الطبيب في رفقٍ وقال لها: "حمداً لله على سلامتك" ..
إنها صامتة.. تنظر إليه.. في هدوء.. وقلق ووجوم، نظر إليها الطبيب في نظرةٍ حانية، وابتسم إليها ابتسامة مسالمة، ولكنها لا تفتقر في كثير من التوتر:

ــ "أخبريني عن أمرك.. ما الذي أصابك؟"

فما إن سألها هذا السؤال، حتى شحب لونها، إذ عادت إلى ذاكرتها جميع ما مرت به من عنف وضرب وحبس، وعلى جميع ما يدل عليه أقسى أنواع التعديب!
لاحظ الطبيب شحوب لونها، وأدرك ما تشعر به، فقرر أن يكرر سؤاله لعلها بذلك أن تخبرهم شيئاً :

ــ "هيا .. أخبريني عن أمرك.. هيا!"

انفعلَتْ عزيزة انفعالاً مريباً، وبدأت تبكي وتولول، إنها لم تعد تقوى على التحكم بانفعالاتها في هذه اللحظة، ثم أخذت تحاول القيام من السرير، وتصرخ بأعلى صوتها الواهن، تقول:

ــ "كلا .. أرجوك .. لا تضربني.. أرجوك!"

فيندفع الطبيب واثباً ملتمساً للمساعدة، وأمسك بذراعيها، ولم يكد يمسك بها، حتى أتى طبيب آخر ليعطيها مهدئاً سريع المفعول! حتى نامت نوماً عميقاً! وقد تكرر ذلك ثلاث مراتٍ أو أربع! فقد كان العنف الذي تلقته تلك الخادمة قد ذهب بعقلها تقريباً، راحت تذرف الدموع، وتذرع زوايا الغرافة جيئة وذهوباً، طوال أيامٍ ثلاثةٍ أو أربعة، وهي تشد شعرها على نحوٍ يائس جعل جميع الأطباء يخشون أن تقضِ على نفسها!!

اكتشف الأطباء أنها مشوشة العقل إلى حدٍ كبير، فأدركوا أنها قد تعرضت لسوء معاملة وعنف كبير. والواقع أن السيد عمر ما كان خليقاً لأي امرئٍ أن يكشف حقيقة أمرها، لحرصٍ بالغ على إنقاذ ابنه من مظاهر التحقيق البائس، والاستجواب!


ومرت أيامٌ طوال..

استردّت عزيزة بشكلٍ ظاهرٍ الصحة والعافية، على نحوٍ تدريجي، بفضل الله، ثم بفضل عناية مشتركة أحاطها بها السيد عمر الذي همّ لنقلها إلى المشفى حين رآها وقد اشتد الوهن منها، وطاقم الأطباء الذين أشرفوا على حالتها ليلاً نهاراً، ولكن الأطباء ليسوا متأكدين من عزيزة وكيف يعمل عقلها آنذاك!!

وفي صباح اليوم التالي، انتصبت عزيزة من سريرها، وأخذت تستجمع تنهيدة بعمق.. وصعوبة، حتى كلّت عيناها واستبدّ بهما الألم، وكرهٍ مستطير!!
وها هي تحمل جسدها المعذب، بعد أن أذِنَ لها الطبيب بالخروج لتعود إلى نفس المكان الذي جعلها تسكن المشفى!!



(المشهد الخامس ــ ما قبل الأخير)


في صباح اليوم التالي، استيقظت عزيزة، لبست زيّها الرسمي، وفي نفسها رغبة مُلحّة وحازمة، ولذة عارمة في أن تنتقم لنفسها، وعندئذٍ فقط.. يصبح في ميسورها أن تموت .. قريرة العين!
وعندما انتصف النهار، اتجهت إلى غرفة السيد عمر، ومعها منفضة لإزالة الغبار، وأخذت تزيل عن الأسطح شيئاً فشيئاً الغبار المتراكم، لمحت خلسة بندقية متوسطة الحجم في درج من أدراجه، والتي كان يصطاد بواسطتها بعض الطيور المحلقة، فقد كانت هواية السيد عمر المفضلة، حتى لمعت في رأسها فكرة الانتقام.. بواسطة هذه البندقية! قالت بلهجة عامرة بالحقد المتدفق:

ــ "من الجائز أن أتخلص منك أيها المراهق التعس في ليلة واحدة ليس غير! وأنا جد واثقة من أنني سوف أستريح، فلا رعب، ولا ألم بعد اليوم!" ..

وجنّ الليل..

ونام الجميع، تمركزَتْ عزيزة عند نافذة من النوافذ المقابلة للشارع العام، خلف ستارة حمراء صغيرة، مستعدة لإطلاق النار عند مقدم البائس.. أمين! حتى أتى أمين يخطو بخطواته ليدخل بيته، في ساعة متأخرة من الليل كعادته!
انتصبت في مكانها، وراحت تترصد من وراء الستارة وعيناها تحمل كل ما يعنيه الكره والرغبة في الانتقام!

فتح الباب ..

هدر أمين فجأة عندما أسفرَت عن نفسها وفي يديها البندقية التي أثقلت كاهلها، مرّت بجسده رعدة حين أدرك ما رآه بعينه التي لم يتمالك عن إغماضهما لكي يريحهما ولو لبرهة واحدة!!

فقال بصوتٍ قلق، وبتهكّم متعمَّد محافِظاً على كبرياء قوته :

ــ "ماذا تظنين نفسك فاعلة أيتها الحمقاء المعتوهة؟!!"

تقدّمت نحوه تقدم الواثق، فأوجس من أمرها، وأدرك أنه لا أمل في العدول عما اتخذته في قرارها! .. أما هي، فإن الأسى الذي قدّمه إليها كل يوم، كان قد ذهب بعقلها! فلا أمل الآن في العدول عن هذا القرار!!

وتندفع عزيزة كالسهم وتواصل انطلاقتها مثل امرئٍ أصابه مسّ من الجنون التام، ويركض أمين مبتعداً عنها، ويصيح على نحوٍ موصول: "كلا.. كلا.. كلا أيتها المجنونة كلا!!" ..
حتى يتوارى عن ناظرها لحظة عندما انعطف حول زاوية من زوايا المنـزل، وتندفع عزيزة خلفه لكي تدركه، وتصيح:

ــ "أين ذلك الوغد؟" ..

ويلتقيان أمام بعضيهما !

ــ "أوه! ها أنتَ ذا أيها المراهق التعس!" ..

ليرتدّ ببطءٍ شديدٍ إلى الوراء موهون القوى، لتصوّب البندقية نحو رأسه فتطلق النار معرضة حياته وحياتها بذلك لخطر عظيم!!

أفاق السيد عمر والصبيّان ــ مازن وعلي ــ من نومهم على صوت إطلاق النار، حتى صُعِقوا إلى درجة بعيدة حين رأوا ما رأوا، حتى لقد كان في الإمكان أن تُفَجَّ جمجمتهم بعودٍ من أعواد الأسنان !!




(المشهد السادس ــ الأخير)



" لقد قمتُ بذلك كله، وأعترف لك، وأنا أعتقد أن عاقبته سوف تكون سيئة جداً يا سيدي! وأنا جد واثقة من أني قتلتُ الصبي لتعرضه لي، وإلا لما تعرضتُ له، أنا لستُ ذات ميول غير إنسانية يا سيدي! "

هكذا قالت في هدوءٍ وضعف واضح أمام القضاة، والدمع يترقرق لينسل على وجنتيها المرهقتين..

وتمر الأيام الصعبة، يوماً بعد يوم، وهي خلف قضبان السجن، ولكنها كانت تعلم أنها تعيش الآن عالم أرحم ألف مرة من ذلك العالم الذي كانت تعيشه!


وتنفّس صباحٌ آخر ..

وأتى شرطي لمناداتها وقد تحدّر على وجهها عبارات التوقع التعس! لتستقبل خبراً من القاضي الذي شرع بإعدامها شنقاً لارتكابها جريمة من الدرجة الأولى، مع سبق الإصرار والترصد!! سرت في أوصالها رعدة، وتفصّد عرق الرعب البارد على جبينها، فصاحت في صخب واضطراب كشأنها مؤخراً :

ــ "كلا .. لا يمكن أن يحدث هذا لي..!"

هكذا قالت وقد هدّ الرعب والعذاب قواها، كانت عزيزة على نحوٍ يدعو إلى الرثاء، والواقع أن آلامها لم تكن ضيئلة ولا قليلة، فمن ذا الذي يستطيع أن يصور الألم والغصة، والخوف والقلق، التي استشعرتها الخادمة السقيمة، في أحضان هذه الوقائع الرهيبة؟! ومن ذا الذي يستطيع أن يصفَ كيف تنفد الطمأنينة والسكينة إلى نفسها الذي هدّها الألم والرعب من أمين.. ذاك الشقي؟!

في ذلك الحين، كان السيد عمر ذو الضمير الواقد حزيناً على ما رآه ذات يوم، ودم ابنه يسيل في تلك الزاوية من منـزله، في الوقت نفسه، كان يعلم أن عزيزة مجرد امرأة مخذولة تعيسة، حيث تلقّت إساءة ابنه في معاملتها.. وأي إساءة!
التفتَ نحو غرفته، فتذكّر زوجته رحمها الله، والتي ماتت لمرضٍ خبيثٍ أصابها وحال دون بقائها، ثم مرت ذكرى عابرة في رأسه، عندما كانت زوجته توبخ ابنها أمين بشدة، بل وكانت تتفنّن وتتلذذ في تعذيب ذلك الصغير البكر وكأن الله سلطها عليه وحده من بين أخويه!

ــ " الآن عرفتُ لِـمَ أنتَ هكذا مع الخادمة عزيزة ... رحمك الله يا بني! " ..

هكذا قال في غصّةٍ، والدمع يبحر في عينيه، ثم التفت نحو غرفة عزيزة، حدّق بها قليلاً... ثم قال:

ــ " إنما ما ذنبكِ أنتِ .. أيتها المخذولة؟! " ..

حتى توصّل إلى حلٍ يعتقد أنه يريحه، فقد أرسل إلى جاره المحامي طلباً للمساعدة في حل قضية الخادمة التعسة، ولإيقاف رحلة العناء تلك!

كان هذا المحامي قادرٌ بإذن الله على أن يثبتَ للقضاة أن الخادمة رغم ارتكابها الفعلي لجريمتها واعترافها بذلك، تملك أسبابها المقنعة، فكما أخبره السيد عمر أنها تعاني من اضطراب عقلي، وكان هذا الأمل الوحيد إخراجها مما هي فيه!

فُتِح ملف القضية مرة أخرى..

وبعد استجواب إضافي، وكثير من المحادثات الجديدة والمرهقة، أقنع المحامي أحد القضاة في غير عسرٍ بوجود مرض عقلي كان جديراً أن يسلطوا الضوء عليه! وليثبت لهم صحة ما ذكره، عمل لهذا الأمر حيث اصطحبوا عزيزة معهم مكبّلةً بالسلاسل، وانتقلوا إلى المصح العقلي، وعندما ظهرت نتائج الفحوصات، اتضح يقيناً لا ريب فيه أنها تعاني من اضطرابٍ عقلي، فمال القاضي بعد تفكير مليّ في جميع ظروفها والوقائع إلى الاعتقاد بأن قتلها لذلك الصبي الشقي كان مجرد خلل في عقلها فحسب.

وفي غضون أيام قليلة، أعلن القاضي براءة المتهمة عزيزة، ولكن بشرطِ إبقاؤها في مصح عقلي!



وها هي اليوم .. سجينةً خلف قضبان المصح العقلي! ترمق يمنةً ويسرة، لتتمنى لو أنها ماتت، بين يديّ .. حبل المشنقة!

تمت!

إســــــــــراء الــراشــــــــد


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 5 , تصويتات : 314    5
 
التعليقات
التعليقات : 21
  1. الكريمة اسراء..
    زياد صيدم ، 26-08-2008
  2. بكيتيني
    سلمى ، 26-08-2008
  3. الكاتبة إسراء الراشد
    وفاء محمود ، 26-08-2008
  4. قلم راقي ونزيه
    يارا ، 26-08-2008
  5. شكراً لكم
    إسراء الراشد ، 26-08-2008
  6. علم فلسطين بالقلب بالروح بالعالى
    ((( خليل حسن ))) ، 26-08-2008
  7. موهوبه
    ليلى ماهر ، 27-08-2008
  8. الى أسراء الراشد
    جومانا سيد ، 27-08-2008
  9. اروع ما قراته
    ناريمان ، 28-08-2008
  10. خيااال
    ندى عمار ، 28-08-2008
  11. اسراء الراشد كاتبه حقيقيه
    متابعة عن كثب ، 28-08-2008
  12. الكاتبة اسراء الراشد يا رافعه راسنا
    ندوش ، 28-08-2008
  13. ملكتي قلوبنا وعقولنا
    م. رأفت ، 28-08-2008
  14. اسرتينا
    تينا ، 28-08-2008
  15. صوتتلك كتير
    أسيره الوفا ، 28-08-2008
  16. قمه الجمال
    حسن وهبه ، 28-08-2008
  17. إلى الصديقة الكاتبة إسراء الراشد
    صديقة قديمة ، 28-08-2008
  18. إلى الكاتبة الجديرة بالاحترام
    أ. محمد النبوي ، 28-08-2008
  19. خُلقتِ لتَكُونِي كَاتِبَة
    المُلَثَّمْ ، 28-08-2008
  20. قصه واسلوب ببيعقدووو
    ت.أ.ن ، 28-08-2008
  21. أشكـــركم جـمــيـــــــعاً
    إسراء الراشد ، 28-08-2008