السبت - 2008/11/22

سيدي أحمد بن أحمد بقلم : أحمد القاطي

تاريخ النشر : 2008-08-25
القراءة : 487


كبر الخط صغر الخط استعادة الافتراضي

سيدي أحمد بن أحمد



في رحاب الجامعة ، تكونت صداقة بين أحمد ومحمد ما زالت مستمرة إلى يومنا هـذا. فـهـما ابنا مدينة واحدة. شاءت الصدف أن يتعارفا خارج مدينتهما وليس داخلها.
هــذه الصداقة توطدت كي تشمل عائلتيهما. فكلما كانت هـناك مناسبة من المناسبات إلا وجمعت بين الأسرتين، في جو حميمي ، تملأه المودة والحب المتبادل .أم أحمد، كانت مريضة بمرض عضال ،استعصى عـليها علاجه هي المرأة الأرملة التي مات زوجها دفاعا عـن الوطن ، وترك لها خمسة أبناء تكـفـلت بتربيتهم أحسن تربية مؤثرة ذلك عـلى الزواج رغـم صغر سنها . أما أم محمد فـلـها سبعة أبناء ، أربع بنات ، وثلاثة ذكور. هاجر زوجها إلى فـرنسا للعمل هـناك ، وترك لها هي الأخرى ، مسؤولية العناية بالأبناء وتربيتهم . أم محمد زوجت كل بناتها إلا واحدة ، فهي تعتقـد ككل النساء اللائي هـن في مستواها الثقافي والفكري أنها مصابة بسحر ، أي مسحورة ولا بد من فـك سحرها كي تتزوج ولا تبقى عانسا في الدار لخلق المشاكل داخلها . فـفي زواجها، خير لها، وراحة من مشاكلها التي لا تنتهي . وهـكـذا لم تترك أم محمد أي فـقـيه قـيل لها بأنه له شهرة في فـك المربوط إلا وقـصدته عـل الفـرج يأتي عـلى يديه . صرفـت أم محمد أموالا طائلة على الفـقـهاء الذين كانوا يستغلون سذاجتها لكن دون جـدوى. آخرهـم " حرز" لها بعض التمائم ، وطلب منها أن تمحو بعضها في الماء وتغتسل بمائها ، والبعض الآخر تـُعلقه في شجرة البلوط على أساس أن تكون شرقـية ، مع ذبح دجاجة سوداء لا بياض فـيها من أجل إزالة النحس الذي يلازمها .
أم أحمد المريضة ، زارت كل الأطباء بحثا عـن علاج لها . لكن الطب الحديث وقـف عاجزا أمام حالتها. فـنذرت نذرا للولي الصالح " سيدي أحمد بن أحمد " يتمثل في شراء كبش أقـرن ، وإهـدائه له إن هي تماثلت للشفاء . ولما تماثلت للشفاء أرادت أن تبرّ بوعـدها الذي قـطعته على نفـسها .
أحمد ومحمد ككل مساء ، كانا يلتقـيان في المقهى ، ويتحدثان في مشاكلهما الخاصة والعائلية . فالحديث عـن المشاكل يساهـم في التخفـيف من وطأتها، وحلها في بعض الأحيان . وهكذا أطلع أحمد محمدا على مشاكله وما تنوي أمه فعله ، ليتفاجأ بأن أم هـذا الأخير تنوي هي الأخرى زيارة نفـس الولي الصالح . رتبا فـيما بينهما وقـت الزيارة معا ، ورجعا عـند عائلتيهما لإخبارهـما والاستعداد لها .
الولي الصالح " سيدي أحمد بن أحمد " يوجد في حوزة وادي أمليل بعيدا عـنها بحوالي عـشرة كيلومترات . الطريق المؤدية إليه غـير معبدة لا يمكن أن تبلغه وسائل النقـل.
في اليوم الموعـود التقـت العائلتان في محطة القـطار. فأحمد جاء صحبة أمه وأخته فاطمة ، وابن خالته الحسن. أما محمد فـقـد جاء بمعية أمه وأخته مليكة وابـن خاله. استقـل الجميع الـقـطار متوجهـين نحـو باب مرزوقة. استغرقـت الرحلة زهاء عشرين دقـيقـة لم يشعر بها الجميع نظرا لقـصر المسافة الفاصلة بين تازة وباب مرزوقة. لما لفـظهم القـطار، توجهـوا جنوبا مشيا على الأقـدام قاصدين الولي الصالح . قـطعوا الوادي الناشف من الماء، فالأمطار لم تتساقـط هـذه السنة بالشكل الكافي لتجعله يجري بمائه الرقـراق كما كان الشأن في السنين الخوالي الزاهـرة . وما أن اجتازوه حتى بدأت الطريق تصعد نحو الأعـلى . خلالها تمتع الجميع بمناظر الأشجار المثمرة والوارفة الظلال، التي كانت منتشرة على جوانب الطريق . وكلما شعروا بالكلل ، لم يترددوا في الجلوس تحتها للاحتماء من الشمس اللافحة ، واسترجاع الأنفاس قـبل استئناف المشي . في حين كان سكان المنطقة في حركة دائبة ، منهم من يرعى غـنمه ، ومنهم من يقـود دابته ، التي بالكاد تتحرك ، وهي محملة بسنابل القـمح والشعير وغـيرهـما من أنواع الحبوب التي تنقـل إلى البيادر لجمعها فـيها ودرسها بالبغال بالنسبة للميسورين والحمير بالنسبة للفـقـراء . أثناء تفـريغ حمولتهم يعودون على أدراجهم لنقـل ما تبقى من الغلات في نشاط لا يعرف الملل، أو التأفـف وهـم يرددون بعض الأهازيج الشعبية التي يستأنسون بها في غدوهم ورواحهم .

بعد شعـور الجميع بالراحة ، عاودوا المشي ، وكلما التقـوا أحـد المارة سألوه عن الطريق المؤدية إلى الولي الصالح سيدي أحمد بن أحمد خوفا من ضلالة الطريق. ظلوا يسيرون ما يناهـز الثلاث ساعات إلى أن وصلوا، فـوجـدوا الولي مدفـونا داخل ضريح شيدت حوله بناية متواضعة نظرا لعوز سكان المنطقة ، وبقـربه شيد منزل مستطيل طوله حوالي ثمانية أمتار ، وعـرضه ثلاثة ، يأوي إليه الوافـدون لزيارته .
دخـلوا البيت ، واختاروا ركنا من أركانه ، وضعوا فـيه أمتعتهم ، دليلا على عـدم شغـوره حتى لا يستغله أحد الزوار، وحتى لا يقـضوا الليل في العراء ، فالزوار عادة يكونون كثرا، وكل من تأخر في الوصول في الوقـت المناسب يبقى في الخارج .
بعد أخـذ قـسط من الراحة ، قامت كل من أم أحمد ومحمد لتهيئ طعام الغـداء . في حين الأبناء منهم من قام لاستكشاف المكان ، ومنهم من ذهـب إلى العين المجاورة لجلب الماء .لاستعماله في تهيئ وجبة الغداء ، ومحو التمائم قـصد الاستحمام بمائها في مكان خاص بالمربوطين عـن الزواج من الرجال والفـتيات . بـعـد تناول وجبة الغـداء ، سلمت أم أحمد الكبش للمـقـدم المكلـف بخدمة الولي الصالح ، وذبح محمد الدجاجة السوداء وسلمها للمـقـدم ، لأن المطلوب حسب تعليمات الفـقـيه التي يجب أن تطبق بالحرف ذبحها دون تناول لحمها ، ثم توجهت أخته مليكة مع أمها إلى المكان الخاص ، واغـتسلت بالماء الذي محيت فـيه التمائم ، وبحثت عن شجرة البلوط الشرقـية وعـلقـت فـوقـها التمائم خلسة كي لا يراها أحد الفـضوليين وينزعها من مكانها فـتضيع الفائدة من ورائها .
بعد قـضاء الأغـراض الأساسية التي جيء من أجلها . هـناك من خلد للراحة ، وأخذ قـيلولة ، وهـناك من لعب الأوراق ، وهـناك من خرج لجمع بعض الأعـشاب كمانتة والسحتر، وفـلـيو ، للتداوي بها عـند الحاجة .
في المساء وبعد تناول العشاء حاول الجميع النوم باكرا، لكن الازدحام، وحشرات الناموس والبق، والحرارة المرتفعة جعلت النوم في الداخل لا يطاق، فـبحث الذكور عن مكان مناسب في الخارج قضوا فـيه ليلتهم. بينما نام الإناث في الداخل.

قـبل أذان الفجر، استيقـظ الجميع، وتناولوا وجبة الفـطور كي لا يصابوا بضربة شمس، وخرجوا في اتجاه محطة الـقـطار، على أمل ركوب قـطار السادسة صباحا . الظلام سيد المكان . والرؤية شبه مستحيلة. الحسن ابن خالة أحمد في الطليعة يقـود السير، وفي يده شمعة وضعها داخل طست كي لا تطفـئها الرياح لا تكاد تضيء حتى على نفـسها، وفي المؤخرة ابن خال محمد يقـفـل السير. الشعـْب طويلة وضيقة ، وخالية من المارة مستحيل تبينها في ليلة كهـذه . ولهـذا كثيرا ما كان يصيح أحد ما وينادي الحسن :
ـــ أنا عافاك الله لا أرى الطريق ، توقـف عـن السير والتفـت إلى ورائك كي أرى الطريق من خلال ضوء الشمعة التي تحمل .
يمتثل الحسن ويلتفـت إلى الوراء ولما يقـترب منه الجميع يعاود السير من جديد ، لكن سرعان ما يسمع نداء آخر فـيقـف وهكـذا دواليك . مر الجميع بأوقات حرجة . الطريق ضيقة لا ترى ، والمرور منها خطر للغاية . بين الفـينة والأخرى ، كانت أصوات الكلاب تكسر رتابة الغبش والسكون الرهـيب الذي يخيم على المكان . بعد مسير ساعة ونصف تقـريبا ، صُـعـق الجميع بصرخة مدوية رددها الصدى لم يُعرف مَـن صاحبُها وما الذي وقع له .
بدأت كل أم تنادي عـلى ابنيها لتطمئن عـليهما ، ولما نادت أم أحمد على فاطمة وهي أصغر الأبناء لم تسمع جوابها ، فعاودت النداء عـليها مرة أخرى :
ـــ فاطمة يا بنيتي ، أين أنت ؟
ـــ أنا في الأسفـل يا أمي .
لـقـد زلت قـدم فاطمة وبدأت تهـوي إلى الأسفـل لكـنها كانت ذكية حيث تشبثت بعشبة وبقـيت عالقة بها . أرادت الأم تبين مكان وجود ابنتها لكن الظلام منعها . فخاطبتها قائلة :
ــــ أنا لا أراك يا فاطمة ، هـل أنتِ بخيـر ؟
ـــ نعم أنا بخير ، أنا ممسكة بعشبة ،أسرعـوا لإنقاذي وبدأت تبكي ، وتستعطف لأنها أصابها العياء والخوف من وحشة المكان.
ـــ ابقي متمسكة فابن خالتك آت لإنقاذك ، إياك أن تتخلي عـن الإمساك بالعشبة تجلدي واصبري أكثر .
بدأ الحسن عملية الهبوط نحوها في حذر ، فـتدحرج وكاد يهـوي إلى القاع ، لكـنه بدوي متمرس عـلى مثل هـذه الظروف والمواقف الصعبة ، حيث استطاع الوصول إليها، والإمساك بها ، وإنقاذها من موت محقـق ، والرجوع بها سالمة . أمسكت بها أمها متحسسة كل أطراف جسدها، ولما تأكدت من سلامتها فعلا بدأت تنهرها وتوبخها على نزقـها وطيشها ، وطلبت منها أن تـبقى ملازمة لها إلى أن يسفـر ضوء الصباح . تابع الجميع السير نحو محطة القـطار ، وكل واحد ممسك بيد الآخر خوفا من تكرار ما وقع لفاطمة. وكان الكبار يرددون : اللهم السلامة ولا الندامة .
لما بزغ ضوء الصباح ، زال الخوف ، وعاد الاطمئنان إلى الجميع ، وحثوا السير فـوصلوا عـشر دقائق قـبل موعـد انطلاق القـطار، كانت كافـية لابتياع التذاكر، والحديث مجددا عـن الكارثة التي كادت أن تلم بعائلة أحمد. حمدوا الله على سلامة الجميع، وعادت كـل عائلة إلى مقـرها. ومرت السنون والأعـوام ثم عاود المرض أم أحمد التي ما زالت تعاني منه ، وبقـيت مليكة دون زواج ، تثير المشاكل داخل أسرتها لأتفه الأسباب .


أحمد القاطي / من مجموعتي القصصية / متعدد لوجه واحد


خيارات
 
Bookmarks
ما هذا ؟
  Delicious   Digg   reddit   Facebook   StumbleUpon   Furl
 
تقييم المقال
المعدل : 0 , تصويتات : 0    0
 
التعليقات
التعليقات : 8
  1. الرائع أحمد القاطي
    همس الجفــ ميرنا ــون ، 25-08-2008
  2. هناك أناس تسيطر عليهم العقلية القديمة
    أحمد القاطي ، 25-08-2008
  3. تحياتي اخي
    دمعة فـــــــــ رتااااج ــــــــرح ، 25-08-2008
  4. دمعة فـــــــــ رتااااج ــــــــرح : شكرا
    أحمد القاطي ، 25-08-2008
  5. متمرس ...
    راشد ...وشريف .. ، 27-08-2008
  6. شريف : شكرا على التبليغ
    أحمد القاطي ، 27-08-2008
  7. مودتي
    عهد سليم ، 28-08-2008
  8. عهد سليم : أخي العزيز تخلفنا له ما يبرره
    أحمد القاطي ، 28-08-2008