أحلام السراب
لم يكن يعلم أن ليل المساء والذي جلس في هذا الوقت ليل برده قارس , ولكن رغم برودة الطقس وضيف السماء , إلا أن عينه تناثرت أحلاما تلبس لثاما لتخفي حقيقة الغد المجهول .
وما زال قارب الحياة يبحر برامي بعد أن أبحر ثمانية عشر خريفا ,وهو يعيش ويغرق في بحر الأحلام والتي سقته كأس مرير وهي توهمه بالأمل , فمرت أيامه الخريفية بعد تخرجه من الثانوية العامة بتفوق, أيام ترجع عقارب ساعته إلى الوراء , وتغير معالم خريطة مستقبله ومستقبل عائلته الفقيرة , فوالده هجر زوجته وأطفاله منذ نعومة أظفارهم ليسافر إلى الخارج ويتزوج وينعم ليترك أسرته مغلفين في وكر الفقر , وتبقى زوجته وحدها تربي أطفالها وتعيلهم لتحل محل الأب وتستلم مقاليد الحكم بدلا عن زوجها الذي جعل الأيام ترسم لوحة فنية سريانية تعكس واقع المصير المخبأ لهم . فرامي الشاب الطموح رغم الصعوبات والأشواك التي واجهها في طريق دراسته المدرسية إلا أنه تحدها وتحدى فقره وأثبت للأيام أن تحدي المعوقات يكسر الحواجز أمام من يرسم طموحه بعقله , فحلم حياته والذي رسم له من خلال أيام المدرسة أن يصبح طبيبا ليداوي أمه المريضة منذ عدة سنوات , ويداوي المرضى الفقراء , فكان يعمل في إحدى الورشات ويوفق بين عمله ودراسته , يعمل ليعيل إخوته الصغار ويداوي أمه , وليشتري بعض الكتب المدرسية . ودقت ساعة الفرج المنتظر ليقرأ رامي في يوم إعلان في الصحيفة عن تسجيل الطلبات للمنح الدراسية للخارج للطلبة المتفوقين , فعندما قرأ هذا الخبر صار كالطائر المرح المرفرف في السماء , فقال لأمه عن هذا الإعلان , ففرحت فرحا شديدا وغسلت دموعها وجنتيها مع شدة الفرح , فقال رامي لأمه ها قد بدا حلمي ينتفض لأزيل غبار الفقر والبؤس عن أسرتنا , منذ صغري وأنا أعيش رجلا , لم أهنأ ولو يوم في حياتي بطفولتي مثل بقية الأطفال , حياتنا كالرماد المتعثر على الطريق , لا أحد يطرق بابنا سوى بائع خبز مجفف يسعى لرزقه في الصباح الباكر مع الطير , فأقول له ونحن أيضا محاطون ومحاصرون في دائرة ضيقة مليئة بالعثرات والأشواك , أرعبت أيامنا , أسرت أحلامنا , سرقت ابتسامتنا , حلمي يا أمي أن أسافر للخارج لأصبح طبيبا أعالج دائك وداء الكثير من المرضى الفقراء , وأعمل هناك إلى جانب دراستي وأبعث لكم مع الحمامة البيضاء مبلغا شهريا يزيل ولو قليلا الأشواك عن الدائرة والتي جعلت أيامنا كالمظلوم والذي يقتل بسيف الظلم والفقر. غدا مع بزوغ نجمة السماء سأنطلق إلى دائرة التسجيل لأضم اسمي ضمن أسماء الطلبة المتفوقين لألتحق بركب رسل الحضارة وبناة الأجيال . وبعد حديث رامي مع أمه ذهب لينام لينتظر صياح الديك والذي يبعث له الأمل .
وطل الصباح الباكر وتأخر الوقت وغرق رامي في نومه هو وأمه التي نسيت أن تيقظه , وفجأة! أيقظت رامي من فراشه أشعة الشمس الحارقة , ونظر إلى ساعته وعلم أن موعد التسجيل قد تأخر , فانقلب من فراشه كفاقد الوعي مسرعا فبدل ملابسه , وبدأ يجري في الطريق ودقات قلبه تصارعه , وهو يرتجف ودموعه منتظرة الأمر من مليكها , ووصل رامي المكان وهو مبلل بالعرق ووجد أصدقائه وقالوا له لقد أغلق باب التسجيل منذ نصف ساعة , فلم يصدق أصدقائه ورأى موظف التسجيل وتحدث معه وقال له الموظف لقد فات الأوان يا بني عيك الانتظار السنة القادمة . كلمات جعلت رامي كالطفل الذي يبحث عن والده تائه بين ركام الزمن , جلس رامي على الرصيف وهو يبكي ويقول لماذا الأيام تفعل بنا هكذا إنها تقتلني بخنجر مسموم , لقد سلبت أحلامي في الحياة رغم أني متفوق , فالجاهل ينام على الحرير ولا يشتكي ويقال له سمعا وطاعا سيدي , أما المتفوق فينام على التراب ويتحدي قسوة الأيام المريرة , فغلف اليأس رامي ووقف ليعود إلى بيته بعد خيبة أمله , وإذ بموظف التسجيل الذي رأي رامي متألما ومتحسرا ينادي عليه , فيأتي رامي ليجف بكاءه إلى ابتسامة ترسم على وجهه , فقبل موظف التسجيل أن يضم اسمه بين أسماء الطلبة لينتظر رامي قبول الأسماء بعد أسبوع , فاحتضن رامي الموظف وودعه وعاد إلى بيته والفرحة تغمره, ومر هذا الأسبوع وأحلامه بالسفر تسكن وجه مخدته الدافئة .
أبشر يا بني .. أبشر يا بني , كلمات البشرى لرامي من أمه التي أيقظته من نومه وأحلامه المعتادة , فقالت له أن دائرة التسجيل بعثت مكتوبا تقول فيه أن رامي ضمن الأسماء المقبولين للسفر للتعلم , فاستيقظ من فراشه وهو يهلل ويضحك وأمه التي فرحت وضحكت من قلبها , هذه الابتسامة كانت تحمل معاني رائعة حركت وأرعشت جسم رامي .
وبدأت خطوات أحلام رامي تتحقق , ويبدو أن أحلامه تتحول إلى حقيقة لطالما ينتظرها منذ أن بكى بكاء ضحك وابتسم له الجميع , حلمه في ارتداء القميص الأبيض في اقتراب للوصول , وبدأ رامي يؤهل نفسه للسفر ليغترب عن أهله وبيته وأمه المريضة رغما عنه ليكسر جدار البؤس عنهم , فرامي لن يترك أمه وحيدة بين الجدران الأربعة بل سيرعاها في غيابه جدته التي عادت من الخارج بعد غربة طويلة قاسية . وفي ليلة السفر بعد أن جهز وأهل نفسه , جلس مع أمه ولكنها كانت نائمة فبدأ يحاكيها وهي نائمة ويقول سوف أشتاق لرائحة عطرك الدافئ والذي لاح بي نحو تحقيق أولى أحلامي وآمالي للوصول إلى سلم العلا , لن أجعل المستقبل عاجز كالطير المكسور جناحيه بل سأواجه الحياة بكل أمل يا أمي .
وطل الصباح على البيت وجاء لقاء الوداع ليودع رامي أمه وإخوته , ويزرع قبلة ذهبية على يد أمه , وودع بيته الصغير الذي احتضنه وجعله شابا واثقا بنفسه وطموحا بغايته . وداع رامي أبكى العائلة وغير معالم الوجوه المضحكة , وترك رامي رسالة لجدته تحمل في طياتها " أمي أمل حياتي , فحياتها أملي , وسعادتها طموحي , وموتها طعني بالسكين ", فأمي أمانة وكلتها إليك يا جدتي . ترك رامي كلماته بين يدي جدته , وغادر متوجها إلى قطار الأحلام , وهو في السيارة في طريقه إلى الحاجز الذي يفصل بين الفلسطينيين والاحتلال كان خائفا على حياة أمه والتي سوف يتوق لها في كل خطوات حياته الجامعية . وصل رامي المعبر وجلس على الكرسي ينتظر حلمه الضاحك , وبعد عدة دقائق من الانتظار أمر الاحتلال بإغلاق المعبر وإرجاع الناس والمرضى والطلبة المسافرين , فلا أحد يعلم لماذا أغلق المعبر ومتى سيفتح هذا الهاجس والذي قطع حبل المودة بين عائلات شتى , حرم الطلاب من حقهم في التعليم , حرم المريض من حقه في العلاج والشفاء , سلب أحلام الشباب من تخطي أحلامهم وتطلعاتهم المستقبلية والتي تنهار , ومرت الساعات وتقلبت أمواج البحر وتغير لون السماء , والناس عالقين على هذا المعبر ينتظرون من يبشرهم بفتحه , ورامي ما زال متأملا في تخطي المعبر وكسره بعزيمته وصبره , وكان يردد وهو نائم على الرصيف كبقية المسافرين ينتظرون , لن أجعل اليأس يحطم آمالي ويكبلني ويضعف صبري , فحلمي الذي تنتظره أمي لا بد أن يكسر كل الحواجز والعوائق في هذا الكون , فشفاء أمي , بعزيمتي وإرادتي , وتحملي مشاق الحياة والمستقبل المليئ بالحكايات المخبأة في ظرف مجهول اللون . وأشرقت الشمس وغابت وزار وسيزور المكان ضيفا السماء وحراسه النجوم , أيام مرت والوضع على حاله والمسافرين في انتظار , ورامي جالس فوق حقيبته حائر وإذ برجل كبير السن مريض يتكأ عليه ويسقط أرضا ليكون القاتل الاحتلال الذي أمر هذا المعبر بقتله وحرمانه من السفر لتأدية حقه في العلاج كأي مريض في العالم , فبكي رامي وتألم من هذا المشهد والذي أبكى عيون المسافرين وعيون معالم الطريق , ورغم تعدد الأيام والمشاهد المؤلمة التي ترى من خلال منظار أسود إلا أن حافلة الأمل ما زالت تسير برامي وكثير من الشباب الذين ينتظرون آمالهم وأمانيهم والتي حرمها الاحتلال , والذي يشكل العقبة الأولى أمام رسم خريطة المستقبل المغلف بغلاف محكم . وطال صبر رامي وبدأ يفكر بطريقة يتخطى المعبر , فعجز عن القيام بشئ سوى أنه وقف في وسط الطريق حاملا جدرية متنها " ذنبي أني أريد أن أحصل على حقي في التعليم " .
تأليف محمد سمير حسين أبو شمالة العمر 18 عاما . غزة –مخيم البريح






